الخثلان
الخثلان
صلة الرحم
2 ربيع الأول 1441 عدد الزيارات 27

 

 

 

خطبة بعنوان:

 "صلــــــــــــــــة الرحـــــــــــــــم"

26/2/1441هـ

 

 

 

 

لفضيلة الشيخ الدكتور

سعـــــد بن تركــــــي الخثـــــــــــلان

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى

الحمد الذي خلق من الماء بشرًا؛ فجعله نسبًا وصهرًا، وأوجب صلة الأنساب والأرحام وأعظم في ذلك أجرًا، أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾[الأحزاب:70] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:71].

عباد الله:

 إن المجتمع الإسلامي، ينبغي أن يكون مجتمعًا قويًا مترابطًا، لبناته متماسكة، وبناؤه محكمًا، وعلاقات أفراده متينة، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، شعاره: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ودثاره: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا».

وفي سبيل إقامة هذا المجتمع حث الإسلام على تقوية الروابط بين المسلمين بصورٍ شتى، ومن ذلك تقوية الروابط بين الأقارب والأرحام، وأمر الله تعالى بالإحسان إلى الأرحام وذوي القربى، وأمر بذلك رسوله r، وقد رُتب الأجر العظيم والثواب الجزيل على من وصل أرحامه، ورُتب الوعيد الشديد والعقاب العظيم على من قطع أرحامه.

وقبل الحديث عن جملةٍ من هذه النصوص، نبين المقصود بالأرحام، من هم أرحام الإنسان؟ أرحام الإنسان هم أقاربه، كأبيه وأمه وأخيه وأخته، وابنه وابنته، وكل من بينه وبينهم صلةٌ من هذه الجهات؛ كالأجداد والجدات وإن علوا، والأبناء والبنات وإن نزلوا، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأبناء الجميع، سواءٌ كان الواحد منهم قريبًا مباشرًا أو كان غير مباشر.

وصلة الرحم الواجبة التي يترتب الإثم على قطيعتها، الضابط في الأرحام الذين تجب صلتهم هم المحارم، وضابط ذلك لو افترضت أن أحدهما ذكرٌ والآخر أنثى، لم يحل له أن يتزوج بها، فهؤلاء الأرحام تجب صلتهم، وتحرم قطيعتهم، وأعظمهم الآباء والأمهات والأجداد والجدات، والأبناء والبنات، ثم الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات.

وأما الأقارب الآخرون الذين لو افتُرض أن أحدهما ذكرٌ والآخر أنثى لحل له أن يتزوج بها، فهؤلاء تستحب صلتهم استحبابًا مؤكدًا؛ لكنها لا تجب، كابن العم، وابن الخال، وابن الخالة ونحوهم، فهؤلاء تستحب صلتهم استحبابًا مؤكدًا؛ لكنها ليست واجبة.

وأما معنى صلة الرحم فالمقصود بها: الإحسان إلى الأرحام، والمرجع في ذلك إلى عرف الناس، فكل ما عده الناس في عرفهم صلة؛ فهو داخلٌ في الصلة، فتكون صلة الرحم تكون بالإحسان القولي، بلين الجانب، وبشاشة الوجه، والزيارة، والإكرام، والاحترام، والهدايا والنفقات ونحو ذلك، وتكون كذلك بإعانتهم عندما يحتاجون، وتكون كذلك بالمال.

 وبالجملة تكون صلة الرحم بكل ما يتعارض به الناس من صلة، والناس في عرفها تفرق بين الواصل والقاطع، فتقول: فلان معروف بصلته لرحمه، وفلان قاطع لرحمه.

عباد الله:

 وقد رُتب الأجر العظيم، والثواب الجزيل على صلة الرحم، يقول الله U: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[الرعد:19] ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾[الرعد:20] ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾[الرعد:21] ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾[الرعد:22] ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾[الرعد:23].

وجاء في الصحيحين عن أبي أيوب t أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بما يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، فقال النبي r: «لقد وُّفق هذا أو هُدي، كيف قلت؟» فأعاد عليه، فقال النبي r: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل رحمك» فلما أدبر قال عليه الصلاة والسلام: «إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة».

وصلة الرحم في الغالب أن لها ثوابًا معجلًا في الدنيا من طول العمر، وبسط الرزق، يقول النبي r: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه».

قال النووي –رحمه الله-: معنى «يُنسأ له في أثره» أي: يؤخر له في أجله وفي عمره، والمراد بذلك: طول العمر، ولكن المقصود ببسط الرزق وطول العمر: بسط الرزق النسبي، وطول العمر النسبي، لئلا يقول قائل: نجد من هو واصل لرحمه وهو فقير، ونجد من هو واصل لرحمه وعمره ليس طويلًا؛ فنقول: لو لم يصل رحمه لكان أفقر من ذلك، ولو لم يصل رحمه لكان عمره أقصر من ذلك، فطول العمر وبسط الرزق في هذا الحديث نسبيٌ؛ هكذا قال أهل العلم.

ثم أيضًا صلة الرحم سببٌ لحلول البركة في الرزق، وهذا من المعاني التي ذكرها العلماء في بسط الرزق، وكذلك أيضًا في طول العمر، وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «إن الله لما خلق الخلق، قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله: أما ترضين أن أصل من وصلكِ، وأن أقطع من قطعكِ؟ قالت: بلى؛ قال: فذلك لكِ».

ثم قال –عليه الصلاة والسلام-: «اقرأوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾[محمد:22] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾[محمد:23]» ويقول عليه الصلاة والسلام: «الرحم متعلقةٌ بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» متفقٌ عليه.

فتكفل الله U للرحم بأن يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها، نعم يصل من وصل رحمه بكل خيرٍ وبرٍ وتوفيقٍ وتيسيرٍ في حياته، ويقطع من قطع رحمه من كل توفيق وخيرٍ وبر وتيسير؛ ولهذا لا يمكن أن تجد قاطعًا لرحمه سعيدًا في حياته، هل رأيتم يومًا قاطعًا للرحم وهو سعيدٌ في حياته؟ نعم؛ قد تجده ثريًا لكنه ليس بسعيد؛ لأن الله تكفل بذلك، بأن يقطع من قطع رحمه من كل بر وتوفيق وتيسير، بينما الواصل لرحمه من أهنئ الناس عيشًا، ومن أكثرهم توفيقًا ومن أعظمهم سعادة.

عباد الله:

 إن من الناس من لا يصل رحمه إلا إذا وصلوه، وهذا في الحقيقة مكافأة، إذ أن المروءة والفطرة السليمة تقتضي مكافئة من أحسن إليها، قريبًا كان أو بعيدًا، يقول النبي r: «ليس الواصل بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» متفقٌ عليه.

وقد جاء رجل إلى النبي r فقال: يا رسول الله! إن لي قرابةً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال النبي r: «لئن كنت كما قلت؛ فكأنما تسفهم المل» أي: الرماد الحار، «ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دُمت على ذلك».

عباد الله:

 والحذر الحذر من قطيعة الرحم؛ فإنها من أعظم كبائر الذنوب؛ وإنها سبب للعنة الله وغضبه وعقابه، كما قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾[محمد:22] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾[محمد:23].

ويقول: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾[الرعد:25].

ولقد تكفل الله تعالى بأن يقطع من قطع رحمه، حتى رضيت بذلك الرحم، وأعلنته فهي متعلقةٌ بالعرش تقول: من قطعني قطعه الله.

وجاء في الصحيحين عن جُبير بن مطعم t أن النبي r قال: «لا يدخل الجنة قاطع» أي: قاطع رحم.

إن من الناس من ماتت عواطفه، وزاغ عن الرُشد فؤاده، فلا يلتفت إلى أهل، ولا يٍسأل عن قريب، وإن العار والشنار في من منحه الله جاهً، وأحسن له رزقًا، ثم تنكر لأقاربه وأرحامه وتعالى عليهم، فلن يشملهم بمعروف، ولم يمد لهم يد الإحسان.

 إن قطيعة الرحم بجانب كونها سببًا للعنة الله تعالى وغضبه، فإن عقوبتها معجلة في الغالب في الدنيا قبل الآخرة.

أخرج أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح عن أبي بكرة t أن النبي r قال: «ما من ذنبٍ أجدر من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» البغي: أي العدوان على الناس، هذا عقوبته في الغالب معجلة وكذلك قطيعة الرحم في الغالب عقوبتها معجلة، وأعظم القطيعة قطيعة الوالدين ثم من كان أقرب فأقرب.

عباد الله! وإن أسرع الخير ثوابًا البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبةً البغي وقطيعة الرحم، ومع ذلك من الناس من يسارع في قطع أرحامه وصلته بأقاربه لمواقف تافهة، إما لكلمةٍ سمعها أو نُقلت إليه، وإما بسبب خلافٍ على لُعاعةٍ من الدنيا، وما درى أنه قد يجر لنفسه وأهله بذلك العداوة والقطيعة والجفاء، فيكون ذلك سببًا للعنة الله U ولتعسير أموره وسوء عاقبته.

ألا فمن كان قاطعًا لرحمه فليتدارك ما تبقى من عمره، وليبادر لصلة الرحم قبل أن يدركه الموت، فيندم حين لا ينفع الندم، وإلا فإنه سيبوء بالخسران، وسيبوء مع ذلك بتعسير أموره في الدنيا مع ما يلقاه من وعيد الله U في الآخرة.

وإن قطيعة الرحم، إن شؤمها لا يكون على صاحبها فحسب، بل حتى على المجتمع الذي يوجد فيه.

أوصى زين العابدين ابنه، فقال: يا بني، لا تصاحب قاطع رحم فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله U في ثلاثة مواضع.

 فقاطع الرحم شؤمٌ ينبغي البعد عن مصاحبته، هذا الذي قطع رحمه وأقاربه فإنه لن يكون وفيًا مع صديقه؛ ولهذا كان السلف يحذرون من مصاحبة قاطع الرحم.

فاتقوا الله عباد الله، واجتهدوا في صلة أرحامكم، فإن من وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل:90].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

d

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمد عبده ورسوله إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ r وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة.

 عباد الله:

 قد سمعتم ما جاء في قطيعة الرحم من الوعيد الشديد، وننبه هنا إلى أن قطيعة الرحم كما أنها تكون بالإساءة للأرحام، إلا أنه يدخل فيها كذلك قطع صلتهم وإن لم يسئ إليهم، فإن هذا يُعتبر من قطيعة الرحم، إن بعض الناس لهم أرحام؛ كوالدين أو إخوة أو أخوات أو أعمام أو عمات أو أخوال أو خالات، ولا يصلونهم مددًا طويلة، وإذا ما نُصح الواحد منهم قال: أنا لم أُسئ إليهم، نقول: إن ترك صلتهم يُعتبر قطيعة رحم، حتى و إن لم تسئ إليهم.

عباد الله:

 ونحن الآن في زمنٍ وسع الله تعالى فيه على كثيرٍ من الاس في الأرزاق، وأصبح كثيرٌ من الناس ليس بحاجةٍ لأرحامه، ولهذا فإن بعض الناس لا يصل أرحامه؛ لأنه يرى أنه ليس بحاجةٍ إليهم، لكنه يعتبر أمام الله U مقصرًا في أداء واجبٍ عليه في صلة الرحم، فاحرصوا –رحمكم الله- على صلة أرحامكم، واغرسوا هذا في نفوس أبنائكم وبناتكم، بينوا لهم أهمية وفضل صلة الرحم، وأنها سببٌ لعظيم الأجر من الله U في الآخرة، وأنها سببٌ لبسط الرزق، وطول العمر، وتيسير الأمور في الدنيا.

 

عباد الله:

 ومن الأمور الحسنة التي يفعلها بعض الناس، في سبيل تعزيز صلة الرحم، عقد اللقاءات الدورية بين الأرحام، فإن هذه اللقاءات الدورية تضمن تواصل الأرحام من غير أن يبتعد بعضهم عن بعض مدد طويلة، فهذه اللقاءات الدورية، إذا قُصد بها صلة الرحم؛ فأصحابها مأجورون على ذلك، وتدخل في صلة الرحم؛ لأن صلة الرحم تعني الإحسان إلى الأرحام، وهذه اللقاءات الدورية يتواصل فيها الأرحام بعضهم مع بعض، ويلتقون فيها؛ فرحم الله تعالى من أعان على صلة الرحم، وعزز إقامة تلك اللقاءات بين أرحامه بقوله وبفعله.

ويُمكن أن يُستفاد من وسائل التقنيات الحديثة في تعزيز صلة الرحم، وذلك بأمورٍ كثيرة، ومن ذلك: وضع مجموعةٍ على الواتساب للأرحام والأقارب يتواصلون فيها يوميًا أو شبه يومي، فإن هذا يدخل في صلة الرحم؛ لأنهم يتواصلون عبر هذه المجموعات، يتواصلون ويتبادلون الأخبار، ويهنئ بعضهم بعضًا بالمناسبات السعيدة، وربما نُقلت فيها مقاطع وأخبار هادفةٌ، فهذه قد تدخل في صلة الرحم، ومن يضع ذلك ويساعد ويشجع عليه مأجورٌ عليه إن شاء الله تعالى، لكن ينبغي أن تُضبط ذلك بالضوابط الشرعية، فلا يوضع فيها أمرٌ يخالف أمر الله U أو أمر رسوله r أو أمور تسبب الحرج أو توقع الفتنة بين الناس، وإنما يوضع فيها المقاطع الهادفة، ويوضع فيها ما يعزز صلة الرحم بين هؤلاء الأرحام.

فإن الناس في الوقت الحاضر قد أصبحت بيوت كثير منهم متباعدة، ويصعب عليهم الالتقاء في وقتٍ قريب، ومثل هذه المجموعات تضمن التواصل بينهم يوميًا، من غير كلفة ومن غير عناء، لكن ينبغي أن تُضبط، وألا يُكتب ويُرسل فيها إلا النافع المفيد، فهذه مما تعزز صلة الرحم بين أرحام، وتضمن بقاء الإنسان متواصلًا مع أرحامه.

ويُمكن أن يُستفاد أيضًا من هذه الفكرة في تعزيز التواصل بين الجيران، فإن التواصل بين الجيران أمرٌ أمر به الشارع وحث عليه، حتى قال –عليه الصلاة والسلام-: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وهذه المجموعات مما يعزز التواصل بينهم كذلك، فيمكن أن يستفاد من وسائل التقنيات الحديثة، في تعزيز التواصل بين من أمر الله U بالتواصل بينهم، ويحقق ذلك مقصود الشارع مع الحرص على ضبطها بالضوابط الشرعية، وألا يوضع فيها أمرٌ يخالف أمر الشارع، أو يسبب الفتنة أو يسبب الإحراج لمن كان في هذه المجموعة أو لبعضهم.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[الأحزاب:56]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

 اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين، اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

 اللهم أدم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا، يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه السنة، وتُقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

 اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الحق وتعينه عليه، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليه معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

 نعوذ بك اللهم من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

 ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين

 

d