الخثلان
الخثلان
( الأعمال التي يجري ثوابها بعد الممات )
13 ذو القعدة 1440 عدد الزيارات 200

خطبة الأعمال التي يجري ثوابها بعد الممات

الخطبة الاولى :

ان الحمدلله نحمده ونستعيذه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له  واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمد عبده ورسوله -صلى الله عليه- وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَموتُنَّ إِلّا وَأَنتُم مُسلِمونَ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنها زَوجَها وَبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَساءَلونَ بِهِ وَالأَرحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيكُم رَقيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقولوا قَولًا سَديدًا  يُصلِح لَكُم أَعمالَكُم وَيَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد فازَ فَوزًا عَظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١]

عباد الله اخرج مسلم في صحيحه عن ابي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال :"اذا مات الإنسان  انقطع عمله إلا من ثلاثه : إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"  ،في هذا الحديث العظيم يبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عمل الإنسان ينقطع بالموت فإن من مات فقد انقطع عن دار العمل وانتقل إلى دار الجزاء والحساب ولذلك فإن الحياة فرصة عظيمة للأحياء في أن يعملوا وفي أن يتزودوا بالأعمال الصالحة فرصة لأن ينيبوا إلى الله ويرجعوا إليه ,إنك انت ايها الإنسان إنك في دار يتمناها الأموات لكي يعملوا صالحا ومامن ميت يموت الا وقد ندم ان كان مسيئا ندم ان لا يكون قد استعتب واناب , وإن كان محسنا ندم ان لايكون قد ازداد ، رؤي بعض الموتى في المنام فقال نحنوا ايها الاموات نعلم ولا نستطيع ان نعمل وانتم ايها الاحياء تعملون ولاتعلمون والله لتسبيح الواحدة يجدها احدنا في صحيفته خيرا من الدنيا وما فيها ولذلك فقد نهي عن تمني الموت لانه بالموت تنقطع الأعمال ففي صحيح مسلم عن ابي هريره -رضي الله عنه- ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يتمنين أحدكم الموت بضر نزل به إن المؤمن إذا مات انقطع عمله وان المؤمن لم يديده عمره الا خيرا " عباد الله وفي هذا الحديث العظيم يخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- بأنه أمور ثلاثة لاتنقطع بالموت وإنما يجري للإنسان اجرها وثوابها بعد مماته نعم ان الموت تنقطع به الأعمال لكن هذه الأمور الثلاثة لاتنقطع بالموت ، الأمر الأول : صدقة جارية قال صدقة جاريه والصدقة الجاريه هي الوقف والتسبيل في امور الخير فما وقفه المسلم لله- تعالى- فهو من الصدقة الجارية التي يستمر ثوابها له بعد مماته كعمارة المساجد والأوقاف التي تسبل وتوقف للإنفاق منها على الفقراء والمحتاجين والغارمين وتفطير الصائمين وسقيا الحجاج وفي مجال الدعوة الى الله -عز وجل - ونشر العلم النافع ونحو ذلك من الاوقاف في امور الخير ، والوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعه فلا يباع ولا يورث ولا يوهب وهو من أفضل أنواع القربي إذا كان في امور الخير ويكفي في بيان فضله ان ثوابه يستمر للإنسان بعد مماته مادام ينتفع به ,ولهذا اشار به النبي -صلى الله عليه وسلم - على عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- لما استشاره في انفس مال أصابه ماذا يفعل به؟ ففي الصحيحين عن ابن  عمر-رضي الله عنهما- قال:" أصاب عمر أرض بخيبر فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستشيره فيها فقال يارسول الله إني اصبت ارضا بخيبر لم اصب مال قط هو انفس عندي منه فما تأمرني به يارسول الله فقال له النبي  -صلى الله عليه وسلم -ان شئت حبست أصلها وتصدقت بها  أي اوقفتها فتصدق بها عمر انه لايباع اصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب تصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن سبيل والضيف  لاجناح على من وليها أن يأكل منها او  أن يطعم صديقا فتأملوا رحمكم الله هذه القصه وكيف ان النبي - صلى الله عليه وسلم- اشار الى عمر في انفس مال اصابه عمر في حياته فاشار عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يوقفه فأوقف عمر هذه الأرض في وجوه الخير على الفقراء وعلى أقاربه وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل وفي الضيف قال اهل العلم ولو كان هناك شيئا افضل من الوقف لاشار به النبي -صلى الله عليه وسلم- على عمر لان المستشار مؤتمن وعمر اتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستشيره في أنفس مال اصابه في حياته فأشار -عليه الصلاة والسلام- اشار على عمر في الوقف فدل ذلك على ان الوقف هو افضل مانبذل فيه الأموال ولهذا فقد حرص الصحابة -رضي الله عنهم- حرصوا حرصا شديدا على الوقف يقول جابر -رضي الله عنه- لم يكن احد من اصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ذو مقدرة الا وقف والمسلمون في العصور الماضيه على مر العصور الماضية حرصوا حرصاً كبيرا على الأوقاف بل إن سر نهضة الحضارة الاسلاميه هو الوقف فإن الدولة الإسلاميه في العصور الماضية كانت مهمتها حفظ الأمن الداخلي والخارجي والتقاضي بين الناس واما مايتعلق في الخدمات سواءا في مجال التعليم او الصحة او الطرق او غير ذلك من الخدمات فكانت تعتمد اعتمادا كليا على الأوقاف ، فالوقف هو أفضل ماتبذل فيها الأموال والوقف إن وفق الواقف في أن يكون الوقف فيما ينفع المسلمين فقد وفق لخير عظيم كم من انسان هو في عداد الاموات ووقفه الذي وقفه يدر عليه حسنات عظيمه وهو في قبره وهذا من التوفيق الذي وفق الله -تعالى- له بعض من يشاء من عباده .

عباد الله والامر الثاني مما يستمر أجره وثوابه للميت بعد مماته علم ينتفع به والمراد بهذا العلم العلم الشرعي المستمد من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -فيكون توريثه بالتعليم والتأليف والنشر ونحو ذلك وها نحن نذكر العلماء ماتوا من مئات السنين ونترحم عليهم وندعوا لهم هذا هو العلم النافع الذي يبقى للإنسان بعد مماته وكلما كان العلم اكثر نفعا وأوسع انتشارا كان أعظم ثوابا واجرا ويدخل في ذلك من دعا الى هدى فإن له من الاجر مثل اجور من تبعه ولو كان ذلك بعد مماته يقول عليه الصلاة والسلام "من دعى الى هدى كان له من الأجر مثل اجور من تبعه لاينقصه ذلك من اجورهم شيئا ",

وثالث هذه الاعمال التي لاتنقطع بالموت أو ولد صالحا يدعوا له دعاء الولد الصالح وهنا نقف وقفة مع هذا الامر كيف اعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم - دعاء الولد الصالح عملا للانسان وكسباً له مع ان الدعاء من عمل شخص اخر هو الولد قال اهل العلم ان الولد يعتبر من كسب الإنسان وفي هذا دليل على انه ينبغي للمسلم ان يسعى لطلب الولد  عن طريق الزواج فإن الزواج من سنن المرسلين كما قال الله -تعالى - : ﴿وَلَقَد أَرسَلنا رُسُلًا مِن قَبلِكَ وَجَعَلنا لَهُم أَزواجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨] و قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: " يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه اغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ثم انه بعدما يرزق بالولد ينبغي ان يسعى الى إصلاحه وتربيته وذلك ببذل اسباب هداية  الدلال والارشاد له وسؤال الله -تعالى- هداية الإلهام والتوفيق وفي هذا الحديث دليل على ان دعاء الولد الصالح لوالديه أنه ينفعهما بعد مماته قال النووي -رحمه الله-في هذا الحديث من الفوائد أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهما مجمع عليهما بل ان دعاء الولد لوالديه حري بالإجابه لأن الله -تعالى- قد امر به في قوله ﴿ وَقُل رَبِّ ارحَمهُما كَما رَبَّياني صَغيرًا﴾[الإسراء: ٢٤] فينبغي لك اخي المسلم ان تجتهد في الدعاء لوالديك في حياتهما وبعد مماتهما فإن هذا داخل في البر بهما وقد امر الله- تعالى- به في معرض امره بالبر بهما فقال﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولًا كَريمًا  وَاخفِض لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ وَقُل رَبِّ ارحَمهُما كَما رَبَّياني صَغيرًا [الإسراء: ٢٣-٢٤] فذكر الله تعالى الدعاء  للوالدين من البر بالوالدين فينبغي للمسلم ان يحرص على الدعاء لوالديه خاصة بعد مماتهما وانقطاع اعمالهما وانما يفعل ذلك لحري بأن الله -تعالى- يقيد له من اولاده من يفعل به كذلك فيدعوا له بعد مماته اقول قولي هذا واستغفر الله  لي ولكم ولسائر المسلمين  من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا اليه انه غفور رحيم .

 

 الخطبة الثانية:

 الحمدلله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين واشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له ولي الصالحين واشهد ان محمد عبده ورسوله امام المتقين  وصلى الله عليه وعلى اله وصحبه ومن اهتدى بهديه الى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم – وشر الامر محدثاتها وكل محدثة بدعة.

 عباد الله إن من الناس من يموت ولا يكون له اي اثار من اعمال صالحة بعد مماته بل تطوى صحيفة حسناته بموته كم من انسان كان يملك ثروة كبيره قد تعب في جمعها وتحصيلها ثم فجأة جاءه الموت فانتقل من عالم الدنيا الى عالم الاخره وانتقلت هذه الثروه للورثة من بعده لهم ظلمها وعليهم حسابها ولم يوفق من جعل شيء من هذه الثروه فيما ينفعه بعد مماته ومن الناس من يوفق فيكون له اثار من اعمال صالحه، هو من عداد الاموات لكن ثوابها واجرها يجري له من صدقة جارية انفذها من حياته او من علم ينتفع به بقت اثاره بعد مماته او من دعاء ولد صالح له .

عباد الله كل الناس يتمنون ان يكون لهم اثار من اعمال صالحه يجري لهم ثوابها بعد مماتهم ولكن بعض الناس يؤتى من جهة التفريط والامهال وطول الامل حتى يبغته الموت أو حتى يبغته مرض الموت فلا يستطيع حين إذٍ ان يقدم ماكان  يتمناه ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام -: "ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين له شئ يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبه عند رأسه " ,قال ابن عمر مابت ليلة

الا ووصيتي مكتوبة عند رأسي فينبغي ان يبادر المسلم لإنفاذ مايريد من اوقاف او وصايا وكتابتها والاشهاد عليها وينبغي ان يستشير اهل العلم في صياغتها حتى لايشكل تنفيذها على الورثة من بعده فإنه ربما دل على صياغة محرره يكون التنفيذ واضحا بعد مماته ولا يشكل تنفيذ الوصية أو الوقف بعد مماته , والوقف أفضل من الوصية الوقف يكون في جميع المال اذا لم يكن للإنسان في مرض الموت فللإنسان ان يوقف ماشاء واما الوصية فلا تكون الا في حدود الثلث فأقل الا اذا كان الوقف بعد الممات فيكون حكمه حكم الوصيه, عباد الله ومن الامور الحسنة التي يفعلها بعض الناس انه يوقف بيته ويشترط ان يسكنه هو طيلة حياته ويسكن فيه من بعده من يحتاجه من ورثته فيكون هذا البيت مركزا للعائلة من بعده يسكن فيه محتاج من عائلته من ارملة او بنت مطلقة او لم تتزوج ومن اولاده الصغار يعيشون في هذا البيت معززين مكرمين ليس لاحد عليهم منّه

واذا استغنى عنه جميع الورثه جعل ريعه في وجوه البر فهذا من حسن التدبير الذي يوفق له بعض الناس فيحسن في هذا الوقف للمحتاج من الورثة احسانا عظيما وهو مأجور على هذا الإحسان .

الا واكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه  :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَه يُصَلّون على النَّبِيّ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا صَلّوا عَلَيه وَسَلِّمواِ تَسليمًا﴾ [الاحزاب :56],

اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد و ارضى اللهم عن صحابة نبيك اجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين واعنا معهم بعفوك وكرمك يارب العالمين ، اللهم اعز الإسلام والمسلمين اللهم أذل الكفر والكافرين اللهم وانصر من نصر دين الاسلام في كل مكان و اخذل من خذل دين الاسلام في كل مكان ياحي ياقيوم ياذا الجلال والاكرام, اللهم وأبرم  لأمة الاسلام امرا رشدا يعز فيه اهل طاعتك ويهدى فيه اهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف و ينهى فيه عن المنكر وترفع فيه السنه وتقمع فيه البدعة ياحي ياقيوم ياذا الجلال والاكرام, اللهم  واصلح احوال المسلمين في كل مكان اللهم ووفق ولاة امور المسلمين لتحكيم شرعه وجعلهم رحمة لرعاياهم , اللهم ووفق امامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى اللهم ووفقه وولي عهده  لما فيه صلاح البلاد والعباد ياحي ياقيوم ياذا الجلال والاكرام  ,اللهم انا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك ,نسألك اللهم من الخير كله عاجله واجله ماعلمنا منه ومالم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله واجله ماعلمنا منه ومالم نعلم, ربنا اتنا في الدنيا حسنه وفي الاخره حسنة وقنا عذاب النار ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنا انك رؤوف رحيم .