الخثلان
الخثلان
قصة الثلاثة الذين خلفوا...دروس وعبر
4 ذو القعدة 1440 عدد الزيارات 722

خطبة الثلاثة الذين خلفوا

الخطبة الأولى :

الحمدلله المستحق لحمده وأهله يجزي الصادقين بصدقهم من رحمته وفضله, ويجازي الكاذبين فيعاقبهم إن شاء بعدله وحكمته ، أحمده تعال وأشكره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ,وأشهد أن محمد عبده ورسوله -صلى الله عليه- وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا .

اما بعد : فاتقوا الله أيها المسلمون ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقولوا قَولًا سَديدًا  يُصلِح لَكُم أَعمالَكُم وَيَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد فازَ فَوزًا عَظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].

 عباد الله نقف مع قصة من قصص المصطفى -صلى الله عليه وسلم -وموقف الصدق من مواقف الصحب البررة , قال ابن كاتم ولسان الخطيب مهما أوتي من براعة أو محاولة من بلاغة عاجزان عن وصف تلك الحادثة في محنتها وابتلاءاتها في صدق رجالها وإيمان أصحابها فيها ابتلاء وهجر الأقربين وبلاغ المتزلف المتناولين قصة كلها عبر وعبرات ,مواقف الصدق والصبر في صحب محمد -صلى الله عليه وسلم- ,مثال المتانة في البناء والصفاء  في العنصروه ونموذج الصدق في اللهجة, والإخلاص في الطاعة والقدوة في الصبر على البلاء والشكر على السراء ,إنها قصة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك حين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت, وضاقت عليهم أنفسهم, آيات وأحداث تذرف منها الدموع وتخشع لها القلوب ,كان الإمام أحمد -رحمه الله-  لا يبكيه شيء من القرآن كما تبكيه هذه الآيات التي نزلت في شأن هذه القصة, وحديث كعب ابن مالك وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا يحكي تفاصيل هذه القصة, والقصة في الصحيحين يقول -رضي الله عنه -: كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة, والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة, فتجهز رسول الله -صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه في حر شديد وقد طابت الثمار, قال : فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد ,فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غاديا والمسلمون معه ,ولم أقض من جهازي شيئا ,ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا ,فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو أي :ذهبوا ,قال- رضي الله عنه- :فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت , ثم لم يقدر ذلك لي ,قال :فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق, أو رجلا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء ,ولم يذكرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك فقال :وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك؟ قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه: أي أنه معجب بنفسه ، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فانظروا كيف أن رجلا تكلم في عرضه فدافع عنه رجل آخر هؤلاء هم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -,يذبون عن عرض الغائب منهم , فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توجه قافلا من تبوك أي: راجعا ,حَضَرَني بَثِّي أي: حزني ، فطفقتُ أَتذكَّرُ الكذِبَ وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخطه غَداً وَأَسْتَعينُ عَلَى ذلكَ بِكُلِّ ذِي رَأْي مِنْ أَهْلي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قدْ أَظِلَّ قَادِمَاً, زاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لم أَنج مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً فأجمعت صدقه, وأصبح  رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قادما , كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيها ركعتين ثم جلس للناس, فلما فعل ذلك جَاءَهُ الْمُخلَّفُونَ يعْتذرُون إِليْه وَيَحْلفُون من المنافقين وَكَانُوا بِضْعاً وثمَانين رَجُلا فَقَبِلَ منْهُمْ عَلانيَتهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتغفَر لهُمْ وَوَكلَ سَرَائرَهُمْ إِلى الله تعَالى. حتَّى جئْتُ، فلمَّا سَلَمْتُ تبسَّم تبَسُّم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ: تَعَالَ فجئتُ أَمْشي حَتى جَلَسْتُ بيْن يَدَيْهِ، فقالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَك، أي اشتريت راحلتك قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي واللَّه لَوْ جلسْتُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَني سَأَخْرُج منْ سَخَطه بعُذْرٍ، لقدْ أُعْطيتُ جَدَلا، أي فصاحة وقوة البيان بلاغة وَلَكنَّني وَاللَّه لقدْ عَلمْتُ لَئن حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذبٍ ترْضى به عنِّي لَيُوشكَنَّ اللَّهُ يُسْخطك عليَّ، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَديث صدْقٍ تجدُ علَيَّ فِيهِ أي تغضب ، إنِّي لأَرْجُو فِيه عُقْبَى من الله -عز وجل -، واللَّه ما كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسر مِنِّي حِينَ تَخلفْتُ عَنك.

قَالَ: فقالَ رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- : أَمَّا هذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فيكَ قال وسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلمة فاتَّبعُوني، فقالُوا لِي: واللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذنْبتَ ذَنْباً قبْل هذَا، لقَدْ عَجَزتَ في أنْ لا تَكُون اعتذَرْت إِلَى رَسُول الله  –صلى الله عليه وسلم- بمَا اعْتَذَرَ إِلَيهِ الْمُخَلَّفُون فقَدْ كَانَ كافِيَكَ ذنْبكَ اسْتِغفارُ رَسُول الله –صلى الله عليه وسلم-  لَك. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤنِّبُوننِي حتَّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إِلى رسولِ الله –صلى الله عليه وسلم-  فأَكْذِب نفسْي، ثُمَّ قُلتُ لهُم: هَلْ لَقِيَ هَذا معِي مِنْ أَحدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لقِيَهُ مَعَكَ رَجُلان قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لكَ، قَال قُلْتُ: مَن هُمَا؟ قالُوا: مُرارةُ بْنُ الرَّبِيع الْعَمْرِيُّ، وهِلال ابْن أُميَّةَ الْوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذكَروا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْن قدْ شَهِدا بدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضيْت حِينَ ذَكَروهُمَا لِي. وَنهَى رَسُول الله –صلى الله عليه وسلم-  عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثلاثَةُ مِن بَين من تَخَلَّف عَنهُ، قالَ: فاجْتَنبَنا النَّاس أَوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرت لِي في نَفْسي الأَرْضُ، فَمَا هيَ بالأَرْضِ الَّتي أَعْرِفُ، وضاقت علي الأرض بما رحبت وضاقت علي نفسي فلبثنا عَلَى ذَلكَ خمْسِينَ ليْلَةً. فأَمَّا صَاحبايَ فَقد استَكَانَا وَقَعَدَا في بُيُوتهمَا يَبْكيَانِ وأَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنتُ أَخْرُج فَأَشهَدُ الصَّلاة مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحدٌ، وآتِي رسولَ الله –صلى الله عليه وسلم-  فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُو في مجْلِسِهِ بعدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نفسِي: هَل حَرَّكَ شفتَيهِ بردِّ السَّلامِ أَم لاَ؟ ثُمَّ أُصلِّي قَريباً مِنهُ وأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقبَلتُ عَلَى صلاتِي نَظر إِلَيَّ، وإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتى إِذا طَال ذلكَ عَلَيَّ مِن جَفْوَةِ الْمُسْلمينَ مشَيْت حَتَّى تَسوَّرْت  جدارَ حَائط أبي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْن عَمِّي وأَحبُّ النَّاسَ إِلَيَّ، فَسلَّمْتُ عَلَيْهِ فَواللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْت لَه: يَا أَبَا قتادَة أَنْشُدكَ باللَّه هَلْ تَعْلَمُني أُحبُّ الله وَرَسُولَه؟ فَسَكَتَ، فَعُدت فَنَاشَدتُه فَسكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْته فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ الْجدَارَ فبَيْنَا أَنَا أَمْشي في سُوقِ المدينةِ إِذَا نَبَطيُّ منْ نبطِ أَهْلِ الشَّام مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يبيعُهُ بالمدينةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كعْبِ بْنِ مَالكٍ؟ فَطَفقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَى حَتَّى جَاءَني فَدَفَعَ إِلى كتَاباً منْ مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنْتُ كَاتِباً أي: اعرف القراءة والكتابة. فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بلَغَنَا أَن صاحِبَكَ قدْ جَفاكَ، ولمْ يجْعلْك اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيعَةٍ، فَالْحقْ بِنا نُوَاسِك، وهذا هو شأن أعداء الإسلام يتجسسون على المسلمين ويحاولون استقطاب من يحصل بينه وبين المسلمين شيء من الجفوة لكي يصبحوا في صفهم , فانظروا كيف ملك غسان علم بذلك ثم أرسل هذا الكتاب إلى كعب ابن مالك, فكان اختبار عظيما له قال كعب: فَقلْت حِين قرأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضاً مِنَ الْبَلاءِ فَتَيمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجرْتُهَا أي :احرقتها ,احرق هذا الكتاب الذي آتاه ، قال حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُون مِن الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثِ الْوَحْىُ أي ابطأ إِذَا رسولِ رسولِ الله –صلى الله عليه وسلم-  يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رسولَ الله –صلى الله عليه وسلم-  يَأَمُرُكَ أَنْ تَعْتزِلَ امْرأَتكَ، فقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا، أَمْ مَاذا أَفعْلُ؟ قَالَ: لاَ بَلْ اعتْزِلْهَا فَلاَ تقربَنَّهَا، وَأَرْسلَ إِلى صَاحِبيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحقِي بِأَهْلكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللُّهُ في هذَا الأَمر، فَجَاءَت امْرأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ إلى رسولَ الله –صلى الله عليه وسلم- فقالتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ هِلالَ شَيْخٌ ضَائعٌ ليْسَ لَهُ خادِمٌ، فهلْ تَكْرهُ أَنْ أَخْدُمهُ؟ قَالَ: "لاَ، وَلَكِنْ لاَ يَقْربَنَّك"فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّه مَا بِهِ مِنْ حَركةٍ إِلَى شَيءٍ، وانه وَوَاللَّه مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَقَال لِي بعْضُ أَهْلِي: لَو اسْتأَذنْت رسولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم-  في امْرَأَتِك، فقَدْ أَذن لامْرأَةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فقُلْتُ: لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رسولَ الله –صلى الله عليه وسلم- ، ومَا يُدْريني مَاذا يَقُولُ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فلَبِثْتُ بِذلك عشْر ليالٍ، فَكَمُلَ لَنا خمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حينَ نُهي عَنْ كَلامنا.

قال: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صباحَ خمْسينَ لَيْلَةً عَلَى ظهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبينَا أَنَا جَالسٌ عَلَى الْحال الَّتي ذكَر اللَّهُ تعالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِى وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرضُ بمَا رَحُبَتْ، سَمعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ اي صعد على سلع وهو جبل في المدينه يَقُولُ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ،قال  فخرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ فَآذَنَ ان يعلم رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم-  النَّاس بِتوْبَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا حِين صَلَّى صَلاة الْفجْرِ فذهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُوننا، فذهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، أما أنا فرَكَضَ رَجُلٌ إِليَّ فرَساً ركب فرسا يريد ان يبشرني وصعد رجل على جبل ، وكَان الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فلمَّا جَاءَنِي الَّذي سمِعْتُ صوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ ببشارَته واللَّه مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يوْمَئذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُمَا وانْطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ اي اقصد رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّئُونني بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُون لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ، حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم-  جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طلْحَةُ بْنُ عُبَيْداللهِ  يُهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وهَنَّأَنِي، واللَّه مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَان كَعْبٌ لاَ يَنْساهَا لِطَلحَة.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله –صلى الله عليه وسلم- ، قَالَ: وَهوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ ولَدَتْكَ أُمُّكَ" فقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ أَم مِنْ عِنْد الله؟ قَالَ: لاَ بَلْ مِنْ عِنْد الله عز وجل، وكانَ رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم-  إِذَا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ حتَّى كَأنَّ وجْهَهُ قِطْعَةُ قَمر، وكُنَّا نعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ، فلَمَّا جلَسْتُ بَيْنَ يدَيْهِ قُلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِن مَالي صدَقَةً إِلَى اللَّهِ- عز وجل - أي ان اتصدق بجميع اموالي،قَالَ رَسُول الله –صلى الله عليه وسلم-: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْر لَكَ، "فَقُلْتُ إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذي بِخيْبَر. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِن الله تَعَالىَ إِنَّما أَنْجَانِي بالصِّدْقِ، وَإِنْ مِنْ تَوْبَتي أَن لا أُحدِّثَ إِلاَّ صِدْقاً ما بَقِيتُ، فوالله مَا علِمْتُ ان أَحَداً مِنَ الناس أَبْلاْهُ اللَّهُ تَعَالَى في صدْق الْحَديث مُنذُ ذَكَرْتُ ذَلكَ لرِسُولِ الله –صلى الله عليه وسلم-  أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي اللَّهُ فيه تَعَالَى، وَاللَّهِ مَا تَعمّدْت كِذْبَةً مُنْذُ قُلْت ذَلِكَ لرَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفظني اللَّهُ تَعَالى فِيمَا بَقِي، قَالَ فانزل الله تعالى قوله :﴿لَقَد تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهاجِرينَ وَالأَنصارِ الَّذينَ اتَّبَعوهُ في ساعَةِ العُسرَةِ مِن بَعدِ ما كادَ يَزيغُ قُلوبُ فَريقٍ مِنهُم ثُمَّ تابَ عَلَيهِم إِنَّهُ بِهِم رَءوفٌ رَحيمٌ  وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذينَ خُلِّفوا حَتّى إِذا ضاقَت عَلَيهِمُ الأَرضُ بِما رَحُبَت وَضاقَت عَلَيهِم أَنفُسُهُم وَظَنّوا أَن لا مَلجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلّا إِلَيهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم لِيَتوبوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ  يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصّادِقينَ﴾ [التوبة: ١١٧-١١٩].

قالَ كعْبٌ: واللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدانِي  لِلإِسْلام أَعْظمَ في نَفسِي مِنْ صِدْقي رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  أَن لاَّ أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فأهلكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا إِن الله تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأحدٍ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة:95-96].

عباد الله هذه قصة ثلاثة نفر من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-, الذين هم رجال الصدق رجال محمد -صلى الله عليه وسلم -رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه رجال خرجوا من مدرسة النبوة، رجال صدق في الحديث وصدق في  الموقف وصبر عند اللقاء واعتراف بالخطيئة والقبول في حال الرضا والغضب ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم .

الخطبه الثانية :

الحمدلله على إحسانه والشكر له على توفيقه وإمتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تعظيما لشأنه, وأشهد أن محمد عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله ,وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-, وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعه ، وكل بدعة ضلاله ،عباد الله  هذه القصة العظيمة التي نزل فيها قرآن يتلى إلى قيام الساعة, فيها دروس وعبر وفوائد كثيرة, ولكن أعظم درس فيها بيان عظم مقدار الصدق وحسن عاقبته ,ولذلك لما أنزل الله تعالى هذه الآيات وأنزل قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذينَ خُلِّفوا حَتّى إِذا ضاقَت عَلَيهِمُ الأَرضُ بِما رَحُبَت وَضاقَت عَلَيهِم أَنفُسُهُم وَظَنّوا أَن لا مَلجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلّا إِلَيهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم لِيَتوبوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ﴾[ التوبة: ١١٨] ,قال بعد ذلك- عز وجل-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصّادِقينَ﴾[ التوبة: ١١٩], فما أنجى الله تعالى من أنجاه إلا بالصدق, وما أهلك من أهلك إلا بالكذب ،فهؤلاء الثلاثة صدقوا فلم يكذبوا فمتحنوا بما ذكر الله تعالى امتحانا عظيما حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت, وضاقت عليهم أنفسهم ,ولكن كانت العاقبة العظيمة الحسنة لهم ,وأما المنافقون فقد كذبوا فكانت العاقبة الوخيمة السيئة لهم وهم في الدرك الأسفل من النار .

عباد الله ومازال المسلم يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ,فقد أخبر سبحانه أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صدقه, وجعل علم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذب في أقوالهم وأفعالهم, فجميع مانعاه الله عليهم اصله الكذب في القول والفعل فالصدق هو بريد الإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ,بل هو لبه وروحه, والكذب بريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ولبه ومضادة الكذب للإيمان كمضادة الشر للتوحيد ,فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويدخل أحدهما صاحبه والله سبحانه أنجى هؤلاء الثلاثة بصدقهم ,وأهلك غيرهم من المخلفين بكذبهم ,قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: ما أنعم الله تعالى على عبد بعد الإسلام بنعمة أفضل من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته, ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي مرض الإسلام وفساده والله المستعان ,فليحرص المسلم على أن يتحرى الصدق في أقواله وفي أفعاله وأن يبتعد عن الكذب وليدع نصب عينيه هذا الحديث العظيم, أن الصدق يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنه وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وأن الكذب يهدي إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار ومايزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا .

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير, والسراج المنير فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا صَلّوا عَلَيهِ وَسَلِّموا تَسليمًا﴾[الأحزاب: ٥٦].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد, اللهم وارضى عن صحابة نبيك أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ,وأعنى معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ,اللهم أذل الكفر والكافرين ,اللهم وانصر من نصر دين الإسلام في كل مكان ,وأخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام, وأبرم لأمة الإسلام أمرا رشدا يعز فيه أهل طاعتك ,ويهدى فيه أهل معصيتك ,ويكون الأمر فيه بالمعروف والنهي عن المنكر عزيزاً شامخا قوياً, وترفع فيه السنه وتقمع فيه البدعة يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام, اللهم ووفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعه وجعلهم رحمة لرعاياهم ,ووفق إمامنا وولي عهدنا لما تحب وترضى ولما فيه صلاح البلاد والعباد, وعز الإسلام والمسلمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار ، أسألك اللهم من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم ,ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم, سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين .