الخثلان
الخثلان
اليقين روح أعمال القلوب
25 رجب 1440 عدد الزيارات 235

اليقين روح أعمال القلوب

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرشد العقول إلى توحيده وهداها، وأوضح أدلة وحدانيته وجلَّاها، وأبطل ببراهين الحق شبه الباطل ومحاها، وثبت كلمة الإيمان في قلوب ذوي الإيقان بيقين الإيمان، كما ثبت الأرض بالجبال وأرساها، أحمده تعالى وأشكره، حمداً وشكراً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأحمده وأشكره حمداً كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله -تعالى- بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، فبلغ رسالة ربه وأداها، ما من خير إلا دلَّ الأمة عليه، وما من شر إلا حذرها منه، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70،71].

عباد الله: الحديث في هذه الخطبة عن عمل عظيم من أعمال القلوب، هو روح أعمال القلوب، التي هي روح أعمال الجوارح، هذا العمل لما ضعف لدى بعض أبناء المسلمين؛ بدأنا نسمع بحالات من الإلحاد والزندقة، وبدأنا نسمع بحالات الإنتحار على صورة لم نكن نعهدها من قبل في مجتمعنا، الحديث عن اليقين، اليقين الذي كما يقول الإمام ابن القيم عنه: هو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، به تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمَّر العاملون، وإذا اجتمع الصبر مع اليقين حصل لصاحبهما الإمامة في الدين، كما قال -عز وجل-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24]، اليقين من صفات عباد الله الصالحين الذين ينتفعون بالآيات والبراهين، قد خصهم الله -تعالى- بالإنتفاع بها، فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ [الذرايات: 20]، وأخبر سبحانه بأن أهل اليقين هم أهل الفلاح من بين العالمين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 4،5]، وأخبر عن أهل النار بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين، ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ[النجم: 17]، إن اليقين قرين التوكل، وقد فُسِّر التوكل بقوة اليقين، والصواب أن التوكل ثمرته ونتيجته، ومتى وصل اليقين إلى القلب إمتلأ نوراً وإشراقاً، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهم وغم، فامتلأ محبة لله، وخوفاً منه ورضاً به، وشكراً له وتوكلاً عليه وإنابة له، قال بعضهم: اليقين يدعو إلى قصر الأمل وقصر الأمل يدعو إلى الزهد.

عباد الله: إن الناس يتفاوتون في اليقين تفاوتاً عظيماً، فمن الناس من تبلغ درجة اليقين عنده مبلغاً عظيما، حتى لكأنه يرى ما أخبر الله -تعالى- به من أحوال اليوم الآخر، كأنه يرى ذلك رأي العين، كأنه يرى القيامة قد قامت، وكأنه يرى الموازين قد نُصبت، والدواوين قد نُشرت، وكأنه يرى الجنة والنار رأي العين، بل ربما تصل درجة اليقين عند بعضهم إلى ما هو أشد مما لو رأى، لأنه يقول إن الرؤية يعتريها ما قد يعتريها من التوهم، فقد يرى الإنسان السراب من بعيد، يظنه ماءً وإذا هو سراب، وأما ما أخبر الله -عز وجل- به، وما أخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو حق قطعاً لا مرية ولا توهم فيها، نعم قد تصل درجة اليقين عند بعض الموفقين إلى هذه المرحلة، وهذا يكون بلا شك له أثر عظيم في عبادة هذا الإنسان لربه -عز وجل- وسيره إلى الله -تعالى-، ولهذا روي أن بعض السلف الصالح كان إذا أراد أن يقوم إلى الصلاة تغير وجهه، فسُئل! فقال: أتدرون بين يدي من أقف! أقف بين يدي رب العالمين، نعم إن قوة اليقين لها أثر عظيم في الخشوع في الصلاة وحضور القلب، فيستحضر المصلي عظمة من هو واقف بين يديه، وهو موقن يقينا عظيماً بمناجاته للرب -عز وجل-، فتجده يعقل ما يقول ويناجي ربه، وهو على يقين بهذه المناجاة، واليقين له ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: علم اليقين.

والدرجة الثانية: عين اليقين.

والدرجة الثالثة: حق اليقين.

فعلم اليقين هو ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر، وعين اليقين ما شاهده وعاينه بالبصر، وحق اليقين هو ما باشره ووجده وذاقه، قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: ويمثل لذلك بمن أُخبر بأن هناك عسلاً وصدقه، صدَّق المخبر أو رأى آثار العسل فاستدل على وجوده، فهذا علم اليقين. أما عين اليقين فإذا رأى العسل وشاهده وعاينه، فهذه درجة أعلى من الأولى، فإن الخبر ليس كالمعاينة، وأما حق اليقين فكما لو ذاق ذلك العسل ووجد طعمه وحلاوته، وهذه أعلى مما قبلها، وهذا المثال يوضح درجات اليقين الثلاث.

عباد الله: إن من أعظم أسباب الغفلة عن الآخرة والإنهماك في الدنيا ضعف اليقين، فتجد بعض الناس رغم أنهم مؤمنون بالدار الآخرة، وما أخبر الله -تعالى- به، وما أخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، من الأهوال العظام إلا أنهم غافلون عنها لاهون، ومن أبرز أسباب ذلك ضعف يقينهم بذلك رغم إيمانهم به، ولهذا بين ربنا -سبحانه- أن الناس لو يعلمون علم اليقين لما اشتغلوا بالتكاثر والتفاخر عن الآخرة، فقال -سبحانه-: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر: 1-5]، أي لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علماً يقينياً، لانشغلتم بالإستعداد له عن التكاثر والتفاخر، ولبادرتم للأعمال الصالحة، فجواب لا في هذه الآية محذوف، أي لو علمتم لما ألهاكم، فذكر المرتبة الأولى، ذكر ربنا في هذه الآية المرتبة الأولى وهي: علم اليقين، ثم ذكر المرتبة الثانية وهي عين اليقين فقال: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر: 7]، وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة، ثم المرتبة الثالثة وهي دخول الجنة أو النار، وهي حق اليقين، فعلمنا بالجنة والنار الآن علم اليقين، فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف، وبرزت الجحيم للغاوين وشاهدوها عياناً، فذلك عين اليقين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فذلك حق اليقين.

عباد الله: وقد ذكر الله -تعالى- عن إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام-، أنه سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى، قال العلماء: أراد إبراهيم بذلك أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260]، فأراد أن ينتقل إلى عين اليقين، وليس ذلك شكًّا من إبراهيم، حاشا وكلا، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي"، قاله نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- على سبيل التواضع، أي لو كان إبراهيم سيشك، فنحن أولى بالشك منه لكونه أرفع مقاماً، فإذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى ألا يشك، قاله -عليه الصلاة والسلام- على سبيل التواضع، وإلا فهو أفضل الأنبياء والمرسلين، ثم قال -عز وجل- قال لإبراهيم: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ أي: قطعهن ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 260]، فذُكر أنه عمد إلى أربعة من الطير، فذبحهن ثم قطعهن نتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاءً، وجعل على كل جبل منهن جزءا، قيل على أربعة جبال وقيل على سبعة، قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده ثم أمره الله -تعالى- أن يدعهن، فدعاهن، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها ببعض بقدرة العزيز الحكيم، حتى قام كل طائر وأتينه بدون رؤوس، لأن الرؤوس بيد إبراهيم، أتينه يمشين سعياً، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم، فإذا قد له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جثته بقدرة العزيز الحكيم، ولهذا قال -عز وجل-: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي: عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا ممانع، لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أفعاله وفي شرعه وفي قضائه وقدره -جل وعلا-.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعِ إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله: اليقين له أثر عظيم في قوة الإيمان، وعظيم الخوف من الله -تعالى- وخشيته، فينبغي للمسلم أن يحرص على تقوية جانب اليقين، أن يؤمن بما أخبر الله -تعالى- به من أمور الغيب، من أحوال الآخرة والجنة والنار، وكل ما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم- إيماناً يقينياً، لأن ما أخبر الله -تعالى- به وما أخبر به رسوله حقٌّ لا يلحقه أي وهم، ولهذا ينبغي أن يكون الإيمان بذلك أشد مما يراه الإنسان بعينه، أو يسمعه بإذنه، لأن ما قد يراه وما قد يسمعه قد يقع عليه الوهم، وقد يرى الشيء البعيد يحسبه شيئاً ثم يتبين أن الأمر بخلافه، فالوهم يرد على الحواس، ولكن خبر الله وخبر رسوله -صلى الله عليه وسلم- يقينيٌّ لا يرد عليه توهم ولا يرد عليه شك، وبهذا يقوى اليقين لدى المسلم، وإذا قوي اليقين لديه كان لذلك الأثر العظيم على تقوية إيمانه، وعلى خشيته وعلى خوفه من ربه -عز وجل-، وعلى إقباله على الطاعات.

عباد الله: نحن في زمن قد انفتحت فيه الدنيا على الناس، وتعلق فيها كثير من الناس بعالم المادة، وكل يوم يكتشف الجديد من المخترعات في عالم المادة، ولهذا فيتأكد العناية بغرس المبادئ والقيم التي تزيد من اليقين بعالم الغيب، وبما أخبر الله -تعالى- به، وما أخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وما يتعلق بعظمة الله -عز وجل-، وعظيم تدبيره لهذا الكون، وعظمة دين الإسلام، وأنه الدين الحق الصحيح الذي لا يقبل الله -تعالى- بعد بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ لا يقبل الله -تعالى- من البشر ديناً سواه، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85]، وأن كل ما جاء في النصوص من أمور الغيب أنها حق لا مرية فيها، وأننا عرفنا ذلك كله بالأدلة والبراهين الكثيرة التي هي أوضح من الشمس في رابعة النهار، وليس ذلك عن تقليد أعمى لآبائنا وأجدادنا، وإنما عرفنا ذلك بالأدلة والبراهين، ولهذا فإن هذا الدين العظيم دين الإسلام أسرع الأديان إنتشاراً على الأرض على الإطلاق، لأنه الدين الحق، ولأنه دين الفطرة، ذُكر أن أحد الدعاة إلى الله -تعالى- قد ذهب إلى بلد من البلدان، ودعا قبيلة كبيرة من غير المسلمين إلى دين الإسلام، فقال رئيس هذه القبيلة: نحن نسلم جميعاً إذا قدمتم لنا البرهان على أن دين الإسلام هو الدين الحق من عند الخالق، لأن عندنا أناس من غير المسلمين يزعمون بأن أديانهم هي الدين الحق، فانبرى أحد الدعاة المسلمين لهم، وقال: أريد أن أسألكم هذا السؤال وعلى إجابته يتضح لكم ما هو الدين الحق، فسألهم سؤالاً قال: هل رأيتم عالماً مسلماً، عالماً وليس عامياً، وإنما عالماً عرف الدين على حقيقته وباشر الدين قلبه، هل رأيتم عالماً مسلماً ارتد عن دين الإسلام!؟ قالوا: لا، لم نسمع بذلك قط، قال: هل رأيتم عالماً من ملة أخرى ارتد عن دينه والتحق بدين آخر؟! قالوا: سمعنا بذلك كثيراً وأكثرهم يتحول إلى دين الإسلام، قال: فهذا هو البرهان على أنه  الدين الحق ودين الفطرة، فأسلموا جميعاً، نعم من ذاق طعم الإيمان بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً، فإنه لا يمكن أن يرتد عنه، ولكن من لم يصل إلى هذه المرحلة، من لم يصل الإيمان عنده إلى اليقين ولم يذق طعم هذا الإيمان، فإنه يأتيه ما يأتيه من التردد ومن الشك ومن الإرتياب، وهذا من أبرز أسباب الوقوع في الإلحاد والزندقة ونحو ذلك، وإلا فمن عرف هذا الدين على حقيقته وذاق طعم الإيمان، فإن هذا الإيمان له أثر عظيم على النفوس، ولا يمكن أن يرتد عنه إنسانٌ قد باشر هذا الإيمان قلبه، ولهذا لما كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابه العظيم إلى هرقل ملك الروم يدعوه للإسلام، وكان هرقل رجلاً عاقلاً حكيماً فقال: ادعو لي من كان هاهنا من العرب، فمن قدر الله أن أبا سفيان وهو من سادات قريش كان موجوداً بالشام، فأتي بأبي سفيان وسأله عشرة أسئلة، قال أبو سفيان: فو الله لولا أني أخشى أن يؤثر علي كذباً لكذبت، يخشى أن تتشوه سمعته بالكذب، وهو في الجاهلية، فسأله عشرة أسئلة، وكان من الأسئلة التي سألها هرقل أبا سفيان: هل يرتد أحد اتبع محمدًا عن دينه سخطة له؟ قال: لا، فقال هرقل لأبي سفيان: فذاك طعم الإيمان إذا خالطت بشاشته القلب، أي لا يمكن أن يرتد عنه، وعرف أن دين الإسلام هو دين الحق، فقال: لئن كان ما تقول حقًّا -بعدما أجاب أبو سفيان عن الأسئلة العشرة- قال: لئن كان ما تقول حقًّا فسيملك صاحبكم موضع قدمي هاتين، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه وقبلت قدميه، ثم إنه تردد وأراد أن يسلم لكنه آثر الدنيا على الآخرة، وخشي أنه إن أسلم زال ما هو عليه من الملك، فبقي على ملكه وعلى كفره، مع معرفته بالحق ومعرفته بأن دين الإسلام هو الدين الحق، والشاهد من هذه القصة التي أوردها البخاري في صحيحه وغيره، هو سؤال هرقل ملك الروم لأبي سفيان: هل يرتد أحد من أتباع محمد عن دينه سخطة له؟ قال: لا. فاستدل بذلك على أن هذا الدين هو الدين الحق، وأنه دين الفطرة، وأنه لا يمكن لمن خالطت بشاشة هذا الدين قلبه أن يرتد عنه سخطة له، وهذا كله يا عباد الله كله من ثمرات اليقين الذي هو روح أعمال القلوب، فينبغي للمسلم أن يسعى لتعزيز هذا العمل القلبي لديه وتقويته، فإنه إذا قوي كان له الأثر العظيم على تقوية إيمانه وسيره إلى الله -عز وجل-.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 65]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارضَ عن صحابة نبيك أجمعين، اللهم ارضَ عن أبي بكر الصديق وعن عمر الفاروق وعن عثمان ذي النورين وعن علي بن أبي طالب، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يارب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم هيئ لأمة الإسلام أمرًا رشدا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه أعلام السنة وتقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير وعلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

* * *