الخثلان
الخثلان
من الفائدة 107 إلى 114
27 جمادى الأولى 1439 عدد الزيارات 92

لطائف الفوائد 16

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمنا نافعا ينفعنا.

نبدأ أولا: بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد.

لهذا الدرس السادس عشر من هذا العام الهجري ، في هذا اليوم الاثنين السادس والعشرين من شهر جمادى الأولى من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

 كنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم مئة وسبعة في معنى حديث: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه».

فائدة: معنى حديث: إن الميت يعذب ببكاء أهله (قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» لا يعارض قول الله – تعالى - : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ فإنه – صلى الله عليه وسلم – لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: يعذب، والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاب له على ذلك السبب، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه» فسمى السفر عذابا، وليس هو عقابا على ذنب) هذا الحديث: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم، وكيف يعذب هذا الميت بفعل غيره؟ والله – عز وجل – يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰوهذا الإشكال للعلماء في الإجابة عنه عدة أقوال:

فمنهم من أنكر هذا الحديث، وتأوله، ومنهم أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – فإنه لما بلغها هذا الحديث قالت: ما قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» ولكن قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه» أما تقرأ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ولكن هذا الإنكار من عائشة – رضي الله عنها – خالفها فيه بقية الصحابة، فإن هذا الحديث رواه عدد من الصحابة، وسنده صحيح، وهذا التأول الذي ذكرته عائشة اجتهاد منها – رضي الله عنها – ولها عدة تأولات عائشة – رضي الله عنها – لها عدة اجتهادات وتأولات لعدد من المسائل، منها مثلا: «يقطع صلاة المرأة والحمار والكلب الأسود» قالت باسم: ما شبهتمونا بالحمير والكلاب، ويعني عدة مسائل، ولذلك صنف الزركشي كتابا سماه: ( الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ) ولكن هذا قول الصحابي إذا خالفه قول صحابة آخرين لا يكون حجة بالإجماع؛ لأنه ليس قول أحدهما بأولى من قول الآخر، فهذا القول إذاً قول مرجوح.

القول الثاني: أن معنى الحديث «أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» إذا أوصاهم بذلك؛ لأنه كان من عادة بعض العرب أنهم يوصون أهلهم بالنياحة عليهم بعد موتهم، ومن ذلك: قول طرفة: «إذا أنا مت فأنعني بما أنا أهله، وشقي علي الجيب يا ابنة معبد» فقيل: إن هذا جر على ما كان لدى بعض العرب من الوصية بالنياحة.

والقول الثالث قيل: «أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» إذا كانت النياحة من سنتهم، ولم ينهاهم عن ذلك، وإلى هذا مال البخاري في صحيحه، فإنه قد بوب على هذا الحديث بقوله: باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «يعذب الميت ببكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته» يعني من عادته، قالوا: إذا كان النوح من عادة أهله، وسنتهم، ولم ينههم عن ذلك، فإنه يعذب ببكاء أهله عليه؛ لأنه مقصر في عدم نهيه عن النياحة عليه، وأيضا ذهب إلى هذا القول الحافظ بن عبد البر، والقرطبي، وجماعة من أهل العلم.

والقول الرابع: هو القول الذي ذكره الإمام ابن تيمية هنا وهو أن العذاب أعم من العقوبة، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم كان ذلك عقابا له على ذلك السبب، النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه»  فسمى السفر عذابا، وليس هو عقابا على ذنب، وتقول: عذبني ضميري هل معنى هذا أنه عقوبة؟ ليس عقوبة، فالعذاب أعم من العقوبة وليس كل عذاب عقابا، والإنسان قد يتعذب عندما يرى مثلا: ألما في أحد أقاربه، أو أحبابه، إنسان عزيز عليك، وتراه مثلا عنده مرض عضال ويتألم منه، تتعذب عليه، بمعنى أنك تتألم لألمه، هل معنى هذا أنه عقوبة؟ العذاب إذن أعم من العقوبة، وهذا هو القول الأظهر والله أعلم، وبذلك لا يكون هناك تعارض بين الحديث وبين الآية ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ إنما يكون التعارض لو قال – عليه الصلاة والسلام - : إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه هذا صحيح، لكنه – عليه الصلاة والسلام – لم يقل: إن الميت يعاقب إنما قال: يعذب، فرق بين العذاب وبين العقوبة، وليس كل عذاب عقوبة، هذا هو الأظهر، والقول الذي أقره ابن تيمية هو الأرجح والله أعلم، بالتوفيق بين الحديث والآية.    

  فائدة: حكم اجتماع أهل الميت لاستقبال المعزين (اجتماع أهل الميت لاستقبال المعزين لا بأس به، لكن من غير توسع وإقامة ولائم، وسرادقات، ونحوه.. والسنة أن يصنع لهم طعام لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ابعثوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم» قال أبا داود سمعت أحمد سئل عن الطعام عن الميت قال: «يعمل لهم ولا يعملون هم» أما  كون بعض الناس ينكر مجرد الاجتماع فهو قول لبعض العلماء، والأقرب أنه لا بأس به؛ لكونه يحقق مقصدا شرعيا من التكافل، وجبر المصاب، والوقوف معه وقت شدة المصيبة، أما حديث جرير: «كنا نعد الاجتماع من صنع طعام لأهل الميت من النياحة» فقد رواه ابن ماجة لكنه ضعيف، وقد سئل عنه الإمام أحمد فقال: «ما رأى لهذا الحديث أصلا») اجتماع أهل الميت في مكان لاستقبال المعزين لا بأس به، أنكره بعض أهل العلم اعتمادا على حديث جرير: «كنا نعد الاجتماع من صنع طعام لأهل الميت من النياحة» ولكن هذا الحديث حديث ضعيف، أخرجه الإمام أحمد، وضعفه الإمام أحمد نفسه في مسائل أبي داود، وإذا كان ضعيف فليس في المسألة شيء يعتمد عليه في نهي الناس عن الاجتماع، بل جاء في صحيح البخاري ما يدل على جواز ذلك، وأظنه في صحيح مسلم لكن لست متأكدا، في صحيح البخاري، عن عائشة – رضي الله عنها – أنها كانت إذا مات الميت من أهلها اجتمع لذلك النساء، ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها، فأمرت ببرمة – يعني قدر من حجارة ونحوها .. – أمرت ببرمة من تلبينة، ثم قالت: « كلن فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: التلبية مجمة لفؤاد المريض، تذهب بعض الحزن» والتلبينة هي طعام يصنع من لبن ودقيق، أو نخالة، وربما جُعل معه العسل، وسميت تلبينة: تشبيها باللبن في بياضها ورقتها، فهي لبن ودقيق مع عسل، هذه تسمى تلبينة، مجمة لفؤاد المريض، مجمة يعني مريحة، من الاجمام، ولذلك يقال: استجمام، فهي مريحة تريح فؤاد المريض، وتزيل عنه الهم، وتنشطه، وتذهب بعض الحزن.

 والشاهد من هذه القصة قولها: ما جاء في أول الحديث: أنها كانت إذا مات الميت من أهلها اجتمع لذلك النساء، فدل ذلك على أن الاجتماع الناس عند أهل الميت أمر كان موجودا في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – كان النساء يجتمعن عند عائشة إذا مات الميت من أهلها، وهذا يدل على جواز ذلك، إذا الحديث في الصحيحين وهو كما ترون صريح في جواز الاجتماع فإن النساء كن يجتمعن عند عائشة إذا مات الميت من أهلها، ثم إن هذا الاجتماع يحقق مقصدا شرعيا من التكافل، وجبر المصاب، والوقوف مع المصاب بهذه المصيبة، ولذلك تجد أن المصاب خاصة عندما تكون المصيبة شديدة يحس بالأنس باجتماع هؤلاء الناس عنده، ويحس بالوحشة عند انتهاء أيام العزاء، وربما زاد عليه الألم والوحشة بعد انتهاء أيام العزاء، وهذا يدل على أن هذا الاجتماع يحقق مقصدا شرعيا، من زيادة المحبة والمودة والتكافل الاجتماعي بين المسلمين، هذه أمور تدعو إليها الشريعة، ولكن ينبغي عدم التوسع في هذا، ولا يصل الأمر إلى الإسراف، أو إقامة سراديقات، ولائم ضخمة، ويصبح هذا العزاء وكأنه فرح، وكأنه عرس، ينبغي عدم التوسع في هذا، إذا كان الاجتماع ليس فيه إسراف، وليس فيه توسع فلا بأس به.

 والسنة أن يصنع لأهل الميت طعام يصنعه إما بعض أقاربهم، أو جيرانهم، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ابعثوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم» لأن أهل الميت مشغولون بالمصيبة، فالسنة أن يصنع لهم الطعام، لا أنهم هم الذين يصنعون الطعام للناس، إلا إذا لم يوجد أحد يصنع الطعام لهم، وأتاهم ضيوف، فأرادوا صنع الطعام لهؤلاء الضيوف من باب إكرام الضيف فهذا لا بأس به.

 والمقصود أن بعض الناس يشدد في هذه المسألة، وإذا مات الميت أغلق بيته، وقال: من أرادني أن يعزيني في المسجد أو في السوق وهذا كله اعتماد على حديث جرير، وحديث جرير قلنا: إنه ضعيف، لو صح لكان حجة، لكنه ضعيف، وحينئذ ليس عندنا شيء يعتمد عليه في إنكار الاجتماع، بل هناك ما يدل على جوازه كما ذكرنا في حديث عائشة، ومن جهة المعنى أن فيه تحقيق معنى التكافل الاجتماعي ولذلك لا بأس بهذا الاجتماع، وهذا رأي شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله تعالى – لكن بالضوابط التي ذكرنا، لا يكون هناك توسع كبير، ولا إسراف، ولا تبذير.

فائدة: حكم قول: ما تستاهل عند عيادة المريض (سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن قول بعض الأشخاص عندما يعود أحد المرضى ما تستاهل، وقول بعض الأشخاص عندما يسمع أن فلان من الناس مريض يقول: والله ما يستاهل، فأجاب: «هذا اللفظ لا يجوز؛ لأنه اعتراض على الله – سبحانه – فهو – سبحانه أعلم بأحوال عباده، وله الحكمة البالغة فيما يقضيه ويقدره على عباده من صحة، ومرض، ومن غنى، وفقر، وغير ذلك.. وإنما المشروع أن يقول: عافاه الله، وشفاه الله، ونحو ذلك .. من الألفاظ الطيبة») هذا اللفظ ما يستاهل، أو ما تستاهل، هذه من الألفاظ الشائعة عند بعض العامة، عندما يقال: فلان مريض، أو فلان أصيب بمصيبة، يقول: ما يستاهل، أو يقول: حرام ما يستاهل، هذا لا يجوز؛ هذا اعتراض على قضاء الله وقدره، والله تعالى أعلم بعباده، ولله تعالى الحكمة البالغة، وهو الذي يدبر أمور عباده، وكونه يستاهل هذا المرض أو لا يستاهله هذا أمره إلى الله – عز وجل – وقد يقدر الله عليه هذا المرض تكفيرا لسيئاته ورفعة لدرجاته، هذا اللفظ نوع من الاعتراض على قضاء الله وقدره، فكأن القائل يقول: يا ربي إنه لا يستاهل هذا المرض فلماذا أصيب؟ هذا نوع اعتراض، وأشد من ذلك من يقول: حرام يسبقها بحرام، حرام ما يستاهل فجمع بين الأمرين، بين المنكرين، الأول: التحريم، والثاني: الاعتراض على القضاء والقدر، فهذه عبارات لا تجوز، وينبغي أن تنكر على من تسمع منه، وقد يقولها بعض الناس أيضا في حق من أنعم الله عليه، أعطاه الله – عز وجل – ثروة عظيمة، وأموالا كبير، فقال: فلان ما يستاهل، فلان محدود الذكاء، محدود العقل، فأيضا هذا اعتراض على قضاء الله وقدره، هذا أيضا لا يجوز ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُوالله أحكم الحاكمين، وله الحكمة البالغة، فكونه يستاهل أو لا يستاهل ليس إليك، هذا إلى الله – عز وجل – فإذا هذه الألفاظ ألفاظ تجري على ألسنة بعض الناس وهي ألفاظ منكرة؛ لأن فيها اعتراضا على قضاء الله تعالى وقدره وتدبيره.

فائدة: حكم قراءة يس عند المحتضر (سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن حكم قراءة يس عند الميت فقال: «جاء في حديث فيه ضعف «اقرءوا على موتاكم يس» يعني عند المحتضرين، ولكن الحديث ضعيف، فلا تسن على الصحيح، لعدم صحة الحديث، وبعض أهل العلم ظن صحته استحبها لكن حكم بأنها سنة يحتاج إلى دليل، والحديث ضعيف عند أهل التحقيق») جاء في حديث معقل بن يسار أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «اقرءوا على موتاكم يس» وهذا الحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، ولكنه حديث ضعيف، لا يصح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وإذا كان ضعيفا فلا يبنى عليه حكم شرعي، ومعناه لو صح فاقرءوا على المحتضرين وليس المقصود اقرءوا على موتاكم يعني من مات بالفعل؛ لأن من مات لا يستفيد من القراءة، وإنما المقصود على المحتضر، ولكن باعتباره أن هذا الحديث ضعيف فنقول: لا تشرع قراءة يس على المحتضر، ولا غير يس، لا تشرع قراءة القرآن لا على المحتضر ولا على الميت، إنما الذي وردت به السنة أن يقال للمحتضر:  لا إله إلا الله  لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» وأيضا أن تذكر عنده أحاديث الرجاء لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» أخرجه مسلم، فتذكر عنده أحاديث الرجاء حتى يحسن الظن بالله – عز وجل – ويلقن قول: لا إله إلا الله، أما قراءة يس فهذه غير مشروعة؛ لأن الحديث المروي في ذلك ضعيف، وإن كان هذا الحكم شائعا في كثير من كتب الفقه، لكنه مبني على هذا الحديث الضعيف، والعبرة بالدليل، ما دام أن هذا الحديث ضعيف فيقال: بعدم مشروعية قراءة سورة يس.

فائدة: الموت الدماغي هل هو موت شرعا؟ (موت الدماغ مثار جدل كبير بين الفقهاء المعاصرين والأطباء، وكثير من الأطباء يعتبرونه موتا حقيقيا، وأما الفقهاء المعاصرون فأكثرهم لا يعتبرونه موتا، ومنهم من يعتبره موتا، وعلى ذلك اختلف المجمعان، فمجمع الفقه الدولي بمنظمة التعاون الإسلامي يعتبره موتا حقيقيا، والمجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي لا يعتبره موتا، والقائلون بأنه ليس موتا بالمعنى الشرعي والذي هو مفارقة الروح للجسد يقولون: إن الميت دماغيا درجة حرارته وضغطه كالإنسان المعافى، ويتبول، ويتغوط، ويتعرق .. إلى أخره، وهذه القرائن وغيرها تدل على أنه روحه لم تفارق جسده بعد، والقائلون بأنه موت بالمعنى الشرعي يقولون: حياته هذه حياة نباتية على الأجهزة، ولا يعلم أن من مات دماغيا رجعت له الحياة، وما يذكر من قصص في هذا فهي ترجع إلى خطأ في التشخيص) هذه المسألة من المسائل المهمة والتي كثر فيها الجدل ولا يزال، وأذكر أنني حضرت يمكن أربعة أو خمسة مؤتمرات وندوات متخصصة في هذا، تجمع أطباء وفقهاء، وفي كل مرة تزداد المسألة عندي غموضا، وإشكالا، الحقيقة المسألة مشكلة جد، مشكلة جدا، وهي من المسائل التي قليلة التي اختلفت فيها المجامع الفقهية، لاحظ أن المجمع الفقهي الإسلامي الدولي يرى أنه موت، والمجمع الفقهي بالرابطة يرى أنه ليس موتا، ما هو الأثر المترتب على هذه المسألة؟ أثر كبير، إذا قلنا: إنه موت فيجوز نقل الأعضاء، وإذا قلنا: أنه ليس بموت لا يجوز نقل الأعضاء، وهذا إشكال كبير الحقيقة؛ لأن الأعضاء إنما تنقل من الميت دماغيا، أما الذي يموت موتا طبيعيا ليس موتا دماغيا تتلف أعضاء، ما يمكن نقل الأعضاء منه، إلا القرنية إلى ثلاثين دقيقة فقط، لاحظ الآن هذه المسألة مرتبطة بنقل الأعضاء، والتبرع بالأعضاء.

سبب الخلاف في هذه المسألة: هو الخلاف في تعريف الموت، سبحان الله الموت الذي يتفق جميع بني آدم عليه إلا أنه مختلفون في تعريفه، ما تعريف الموت؟

فالأطباء يعرفون الموت بأنه ألا عودة للحياة، بينما الفقهاء يعرفون الموت بأنه مفارقة الروح البدن، إذا قلنا ألا عودة للحياة فموت الدماغ موت بالمعنى الطبي؛ لأن الميت دماغيا لا يمكن أن يعود، وما يذكر من قصص فيها عودة فترجع إلى خطأ في التشخيص، وإلا لا يعرف أن أحدا مات دماغي وكان تشخيصه صحيحا ورجع للحياة، لكن ليس هذا هو الموت بالمعنى الشرعي، الموت بالمعنى الشرعي هو مفارقة الروح للبدن.

 هل هذا الميت دماغيا فارقة روحه بدنه أو لا تزال؟

هو في الحقيقة عندما نرى الميت دماغيا عليه الأجهزة نجد أنه يتنفس، نجد أنه يتبول، يتغوط، لو قسنا درجة حرارته لوجدناه سبعة وثلاثين، وجدنا ضغطه ضغط الأحياء، من يراه يقول: هذا ليس ميتا حي، لكن كثير من الأطباء يقول: لا هذه حياة نباتية، بل قال بعضهم: وأنا سمعته في أحد المؤتمرات قال: لو أتينا بإنسان مقطوع رأس ووضعنا عليه هذه الأجهزة لبقي على ما تذكر، بقيت حرارته، وبقي كل الأجهزة تعمل، فهذه يقولون: حياة نباتية، حياة تعمل على الأجهزة، فلا ندري هل هذا الميت دماغيا الآن روحه فيه أو أن روحه فارقت البدن؟ المسألة مشكلة جدا الحقيقة، كان من آخر اللقاءات في هذه ندوة أقامتها فرع وزارة الصحة المديرية العامة بوزارة الصحة بمنطقة الرياض، بالقرائن، قرائن بقاء الروح في البدن، ولكن لم نصل إلى قرينة قاطعة في هذا، والقرائن التي ذكرها الفقهاء السابقون تبقى ظنية، وعلى ذلك تكون مسألة تبرع بالأعضاء، أو نقل الأعضاء، فمن يرى أن الموت الدماغي أنه موت بالمعنى الشرعي يجيزون نقل الأعضاء، ومن يرى أنه ليس موتا بالمعنى الشرعي لا يجيز بنقل الأعضاء، ونقل الأعضاء والتبرع بالأعضاء فيه فائدة عظيمة، وفيه أناس الآن قد عاشوا على أعضاء لغيرهم، أنا أعرف رجلا له ثلاثون عاما كبده مزروعة، عاش على كبد غيره من ثلاثين سنة، فنقل الأعضاء مصالح عظيمة جدا، لكن الإشكال أن هذه الكبد من أين تؤخذ؟

تؤخذ من هذا الميت دماغيا، هذا الميت دماغي هل هو حي أو ميت؟ هنا يرد الإشكال إذا قلنا: إنه حي أخذت منه وهو حي، أخذت أعضاؤه وهو حي، فقطع وهو حي، أخذت أعضاؤه عضواً عضوا وهو حي، وإذا قلنا إنه هو ميت الأمر ما فيه إشكال، ولذلك أنا متوقف في هذه المسألة، الحقيقة هي من المسائل المشكلة؛ لأن القول بأنه موت بالمعنى الشرعي يترتب عليه أمور كبيرة، يترتب عليه أنه يجوز توزيع تركته وهو لا زال الآن في المستشفى عليه الأجهزة، يجوز لزوجته أن تتزوج بعدما تعتد، يترتب عليه ما يترتب على الموت من أحكام، إذا قلنا إنه ليس ميتا يترتب على ذلك أنه لا يجوز نقل أعضائه ولا أتبرع بأعضائه، التبرع بالأعضاء الآن فيه مصالحة عظيمة، فالمسألة حقيقة مشكلة، وأنا متوقف فيها حقيقة، لم يترجح لي أي من القولين، ولعله مستقبلا تظهر أمور أخرى في هذا الموضوع المشكل، ربما يترجح معه أحد الأمرين، وكذلك أيضا كان شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه  الله – أيضا توقف في هذه المسألة المشكلة.

مسألة مرتبطة بها وهي الفائدة التي بعدها وهو رفع أجهزة الإنعاش، مثل: ما ذكر الأخ قبل قليل، يقول: هذا الآن الميئوس من شفاءه هل يجوز أن نرفع عنه الأجهزة؟ هذه مسألة تختلف عن مسألة هل هو ميت أم لا؟ انتبهوا ذكرت الفائدتين متواليتين حتى لا يخلط بين المسألتين، فالآن رفع أجهزة الإنعاش أعم من مسألة موت الدماغ، رفع أجهزة الإنعاش عن الميئوس منه سواء كان ميت دماغيا أو غير ميت دماغيا.

فائدة: هل يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن الميئوس من شفائه (قرر المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي أن المريض الذي ركبت على جسمه أجهزة الإنعاش يجوز رفعها إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيا، إذا قررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصين خبراء أن التعطل لا رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آليا لفعل الأجهزة المركبة لكن لا يلحق بموته شرعا إلا إذا توقف التنفس والقلب توقفا تاما بعد رفع هذه الأجهزة، وجاء في قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية: إذا كان المريض مصابا بشلل دماغي ولا يرجى شفائه فيجوز بقرار من ثلاثة أطباء متخصصين فأكثر رفع أجهزة الإنعاش عنه لكن لا يجوز الحكم بموته حتى يعلم ذلك بالعلامة الظاهرة الدالة على موته، أما موت الدماغ فلا يعتمد عليه بالحكم بموته) الميئوس من شفائه سواء أكان ميتا دماغيا، أو مثلا كان بجلطة، أو كان بأي مرض.. وقرر الأطباء أنه ميئوس من شفائه، وأنه لو بقي سيبقى مدة طويلة على هذه الأجهزة، فإذا قرر ثلاثة أطباء فأكثر أنه ميئوس من شفائه بشكل قاطع، طبعا في علم الأطباء فيجوز رفع الأجهزة عنه؛ وذلك لأن التداوي أصلا غير واجبا، وأيضا كونه تبقى عليه الأجهزة وهو ميئوس منه هذا نوع من إضاعة المال، ما الفائدة أن تبقى عليه الأجهزة وهو مجرد نفس فقط؟ فيما أجره الله تعالى من السنن أن هذا ميئوس منه، ما الفائدة من بقاء هذه الأجهزة؟ لا بأس أن ترفع عنه الأجهزة حينئذ، ولا يعتبر هذا قتلا له، إنما فقط يقولون: نحن لسنا ملزمين بعلاجه؛ لأن العلاج أصلا والتداوي غير واجبا، وما دام أنه بهذه الصورة لا يعتبر وضع الأجهزة إنقاذا له حتى نقول إن هذا إنقاذا له، والتداوي ليس لازما وليس واجبا، وبقاء هذه الأجهزة أيضا مكلف ماليا؛ ولذلك إذا قرر ثلاثة من الأطباء بأنه ميئوس من شفائه جاز رفع الأجهزة عنه.

فائدة: حكم إنفاذ وصية الميت بالدفن في بلده (سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – من أن بعض الناس يكون مقيما في مدينة إقامة دائمة، وقبل وفاته يوصي بدفنه في مسقط رأسه، هل يلزم الورثة الوفاء بهذه الوصية؟ فأجاب – رحمه الله -: المشروع دفنه في بلده التي مات فيها إذا كانت بلدا إسلامية، ولا يشرع نقله إلى غيرها، ولا يلزم الورثة تنفيذ وصية من أوصى بنقله؛ لعدم الدليل على ذلك، ولأن ذلك يخالف ما درج عليه سلف الأمة، ولما في ذلك من الكلفة) من أوصى بدفنه في بلده، أو مسقط رأسه لا يلزم تنفيذ وصيته؛ لأن هذه الوصية أصلا غير مشروعة، وإن كانت جائزة، لكنها غير مشروعة؛ لأن الدفن في أي مكان، ليس هناك مكان له مزية في الدفن، إنما له أن يدفن في أي مكان ما دامت أرضا إسلامية، فما الفرق بين مسقط رأسه وبين البلد الفلاني إلا مجرد إتعاب وإشقاق على أهله، وليس لذلك فائدة لا من الناحية الشرعية ولا من غيرها، وإذا لم يكن لتنفيذ هذه الوصية فائدة شرعية، ولا فائدة حتى من أمور أخرى لا يلزم تنفيذ هذه الوصية، وإن كان يجوز تنفيذها، ليس معنى قولنا أنه لا يلزم أنه لا يجوز، لا بأس لو أراد أهل الميت أن ينفذوا هذه الوصية فلا بأس، لكنه لا يلزمه ذلك، ولا يجب عليهم ذلك، ونقول أيضا لهذا الموصي: لا يشرع لك أن توصي بمثل هذه الوصية، ما الفرق بين هذا البلد وهذا البلد؟ كلها أرض الله واسعة، والدفن هنا كالدفن هناك، ما الفرق؟ ليس هناك فرق، لا يشرع لك أصلا أن توصي بهذه الوصية، فإن أوصى لم يلزم تنفيذ وصيته.

فائدة: حكم تعزية قبل الصلاة على الميت (العزاء ليس له أيام محدودة بل يشرع من حين خروج الروح قبل الصلاة على الميت وبعدها، وليس لغايته حد في الشرع المطهر، سواء كان ذلك ليلا أو نهارا، وسواء كان ذلك في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، أو في غير ذلك من الأماكن) عند بعض العامة اعتقاد وهو أن العزاء إنما يكون بعد دفن الميت، وهذا غير صحيح، ولا أصل له، وإنما العزاء مرتبط بالمصيبة، فمتى مات الميت فيشرع تعزية أهل الميت، سواء كان قبل الدفن أو بعده، وسواء كان في المسجد، أو في المقبرة، أو في البيت، أو في أي مكان، وأيضا لا يتقيد حتى بثلاثة أيام، وإنما ما دام أثر المصيبة باقيا فتشرع التعزية، فتحديد بعض العامة للتعزية بأنها بعد الدفن، وأنها ثلاثة أيام، هذا لا أصل له، إنما التعزية مرتبطة بالمصيبة، وعلى ذلك فيشرع تعزية أهل الميت بعد وفاة الميت مباشرة، ولو قبل دفنه، ويشرع تعزية أهل الميت ولو بعد ثلاثة أيام، ما دام أن أثر المصيبة باقي.

 

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

 والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز - بحي الخزامى 1439/5/26