الخثلان
الخثلان
باب الهبة و كتاب الوصايا
23 جمادى الأولى 1439 عدد الزيارات 371

شرح التسهيل 63

ننتقل بعد ذلك إلى درس الفقه، وكنا قد وصلنا إلى باب الهبة.

قال المؤلف – رحمه الله -: (بابُ الهبةِ) .

الهبة معناها في اللغة: هبوب الريح، أي: مروره، (وهي تَمْليكٌ في الحياةِ بِلاَ عِوَضٍ) قال الموفق ابن قدامه: الهبة، والعطية، والهدية، والصدقة معانيها متقاربة، هذه الأمور الأربعة، فمن أعطى شيئا ينوي به التقرب إلى الله هذه صدقة، إذا أعطاه لمحتاج، ومن دفع إلى إنسان شيئا تقرباً وتودداً إليه هذه هدية، وأيهما أفضل الصدقة أم الهدية؟

الصدقة أفضل من الهدية، إلا أن يقترن بالهدية معنى يرجح كونها أفضل كأن تكون الهدية إلى ذي رحم، أو إلى أحد الوالدين، وهنا قد تكون الهدية أفضل باعتبارها جمعت بين الهدية وبر الوالدين، أو صلة الرحم.

يستحب التهادي بين المسلمين لأن الهدية تجلب المحبة والمودة، وأيضا قبول الهدية ولو كانت قليلة، ولهذا يقول – عليه الصلاة والسلام - : «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» رواه البخاري، والفرسن: هو العظم قليل اللحم، ويقول – عليه الصلاة والسلام - : «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت» وكان هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يقبل الهدية، ويتأكد إذا كانت الهدية من الطيب، فإنه يتأكد عدم ردها، قد جاء في حديث أبي هريرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه خفيف الحمل، طيب الرائحة» أخرجه أبو داود والنسائي، وجاء عند مسلم بلفظ: «من عرض عليه ريحان» ولكن المحفوظ من الرواية: بلفظ الطيب؛ لأن أكثر الرواة الثقات على رواية الحديث بلفظ الطيب.

إذاً الهدية من حيث الأصل مستحبة، لكن قد تكون الهدية محرمة وهي هدايا العمال، فإن هدايا العمال غلول، وكذلك هدية المقترض للمقرض قبل الوفاء، فإنها محرمة، فإذا الهدية قد تكون محرمة وإلا الأصل فيها الاستحباب.

الفرق بين الهدية والرشوة؟

وإن كان بينهما تشابه في الظاهر، وفي الصورة إلا أن الفرق أن الراشي قصده بالرشوة إبطال حق أو تحقيق باطل، وهذا محرم، ومن كبائر الذنوب، أما المهدي فقصده استجلاب المودة والمحبة، استثنى من هذا بعض أهل العلم إذا بذل مالا لدفع ظلم عن نفسه، أو الوصول للوصول إلى حق له ولم يستطع الوصول له إلا ببذل المال فيجوز ذلك والإثم على الآخذ.

إذا من وقع عليه الظلم ولم يستطع دفع الظلم إلا ببذل مال جاز بذل المال والإثم على الآخذ، ومن كان له حق لم يستطع الوصول إليه إلا ببذل مال جاز بذل المال والإثم على الآخذ، وقد ذكر الإمام ابن تيمية – رحمه الله - : «هذا القول، وقال: هذا هو المنقول عن السلف، والأئمة الأكابر» لكن لاحظ أن نطاق تطبيق هذا القول ضيق، إذا كان له حق، ثبت له حق، لم يستطع الوصول له إلا ببذل مال، أو وقع عليه ظلم، أما إذا كان ما ثبت له حق لا يجوز له أن يدفع مالا، مثلا: من يدفع مال لأجل أن يتوظف، أو نقل، هذا أصلا ما ثبت له حق ، هذه رشوة، لكن لو ثبت للإنسان حق، له مستحقات مالية في جهة من الجهات، ما استطاع الوصول لها إلا ببذل مال، فهنا يجوز له البذل، والإثم على الآخذ.

أو وقع عليه ظلم بالفعل ولم يستطع التخلص منه إلا ببذل مال جاز بذل المال والإثم على الآخذ، هذا القول قول جمهور السلف، كما قال ابن تيمية – رحمه الله تعالى -.

قال المؤلف – رحمه الله - : (وهي تَمْليكٌ في الحياةِ بِلاَ عِوَضٍ) هذا تعريف الهبة، وقوله: في الحياة يخرج به الوصية، وقوله: بلا عوض يخرج بت ما كان بعوض كالبيع ونحوه..

 ثم قال: (تَصِحُّ بإيِجَابٍ وقبولٍ) الإيجاب: أن يقول: وهبتك، والقبول: أن يقول: قبلت ونحو ذلك.. من العبارات، تنعقد الهبة بكل ما عده الناس هبة، وما تعارفوا عليه أنه هبة، كسائر العقود.

قال: (ومُعَاطَاةٍ) كذلك أيضا تصح الهبة بالمعاطاة من غير تكلم، ولا إشارة، كأن تأتي مثلاً بطيب، أو دهن عود، وتهديه لصاحب لك أو زميل لك ويستلمه من غير أن تتكلم أنت ومن غير أن يتكلم هو هذه هبة.

قال: (وتَلزَمُ بالقَبْضِ بإذنِه) أي: أن الهبة تلزم بالقبض، هي تصح بالإيجاب والقبول، لكنها لا تلزم إلا بالقبض.

 ما الفرق بين قولنا أنها تصح وتلزم، ما الأثر الفقهي الذي يترتب على اختلاف العباراتين؟

 الفائدة تظهر في الرجوع في الهبة، فإذا وهب هبة ولم يقبضها من وهبت له فله الرجوع فيها، لكن إذا قبضها ليس للواهب الرجوع، فالهبة لا تلزم إلا بالقبض في قول جمهور الفقهاء، ويدل لذلك قصة أبي بكر – رضي الله عنه – التي أخرجها الإمام مالك في الموطأ بسند صحيح، أن أبا بكر الصديق نحل عائشة – رضي الله عنها – عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: «والله يا بنية ما أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أحد أعز علي فقرا منك، وقد كنت نحلتك عشرين وسقا فلو كنت حزتيه أو قبضتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك» قالت: أخواها عبد الرحمن، ومحمد، وأختاك قالت عائشة: فمن الثانية، قالت: بنت خارجة لا أراها إلا أنثى، كانت زوجته بن خارجة بن زيد حاملا وقت وفاة أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر الصديق عنده فراسة عظيمة، تفرس أنها حملت بأنثى، وبالفعل ولدت أنثى كما تفرس، كان من أعظم الصحابة فراسة، الشاهد قوله: لو كنت حزتيه أو قبضتيه كان لك، كان هذا بمحضر من الصحابة، فكان كالإجماع، ولهذا قال المرودي: اتفق أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، على أن الهبة لا تجوز إلا أن تكون مقبوضة، وعلق على هذا الموفق بن قدامه قال: هو إجماع من الصحابة.

إذا قلنا إنه يترتب على القبض عدم جواز الرجوع، ما حكم الرجوع في الهبة بعد القبض؟

محرم، ويدل لذلك قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقي ثم يعود في قيئه» أما قبل قبض الهبة فلا بأس بالرجوع وإن كان الأولى عدمه، لكن لا بأس بذلك؛ لأن الهبة لم تقبض بعد.

وبعض الناس قد لا يرجع في الهبة، لكنه يبطل ثوابها بالمنة، والمنة تبطل الثواب، كما قال الله – عز وجل - : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ بعض الناس يمتن بطريق مباشر أو غير مباشر، هذه المنة تبطل الأجر تماما، لهذا قال – عز وجل - : ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ انظر إلى هذا المثل البديع، الذي يمتن بصدقته أو بعطيته مثل صفوان يعني حجر أملس، تصور حجر أملس عليه تراب، عليه غبار، فأصابه وابل يعني نزل عليه مطر غزير ما ظنك هذا التراب الذي على هذا الحجر الأملس هل سيبقى منه شيء مع غزارة المطر؟ ما يبقى منه شيء، ولهذا قال: فتركه صلدا يعني ليس عليه شيء أملس، هكذا أيضا المنة تبطل الأجر تماما كما أن هذا المطر الغزير يذهب بالتراب الذي على الحجر الأملس، ولهذا الصدقة، والهبة، والهدية التي يمتن صاحبها بها ولو بعد حين خير منها أن الإنسان لا يفعلها، وأن يقول: قولا معروفا طيبا ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ لأن الإنسان إذا أراد أن يقدم معروفا لابد من أن يحفظ كرامة من يسدي إليه المعروف سواء كان فقيرا، أو كان موهوبا يهب له هبة، أو هدية، أما إذا كان سيعطيه ويجرح كرامته لا خير في هذه العطية، لا خير فيها، خير منها أن يتكلم بكلام حسن، ولا يهب، ولا يعطي شيئا.

إذاً رجوعه في الهبة قلنا : أنه لا يجوز، ومن الرجوع المعنوي المنة بها.

واستثنى المؤلف من ذلك مسألة واحدة يجوز فيها الرجوع بالهبة بعد قبضها وهي قال: (ولا يَرجِعُ غَيرُ أبٍ) أي: أن الأب يجوز له أن يرجع؛ وذلك لأنه ورد استثناه في قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الولد فيما يعطي ولده» وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، بسند صحيح، ولأن مال الولد مال للوالد، ولأنه الوالد يجوز له أن يأخذ من مال ولده ما شاء، فالوالد يجوز له أن يرجع في هبته لولده، ولو بعد قبضها.

ثم قال المؤلف – رحمه الله تعالى -: (ويَقْسِمُ بَينَ أولاَدِهِ عَلى قَدْرِ إرْثِهِمْ) يعني إذا أعطى الأب أولاده هبة، فيقسم بينهم على قدر الإرث.

 أولا: ما حكم التعديل في عطية الأولاد، العدل بينهم ما حكمه؟

اختلف العلماء في ذلك: الجمهور على أنه مستحب.

والقول الثاني: واجب، وهو مذهب الحنابلة.

والقول الراجح أنه واجب، أن التعديل في عطية الأولاد واجب، ويدل لذلك قصة النعمان بن بشير – رضي الله عنه - : «لما نحله والده نحلة فقالت أمه: لا أرضى حتى تشهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأتى النبي – صلى الله عليه وسلم – يريد أن يشهده على نحلته لابنه النعمان، قال: أكل ولدك أعطيته هكذا؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور» وهذا يدل على وجوب التعديل في عطية الأولاد؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – سمى عدم التعديل جورا.

والعجيب من الجمهور كيف حملوا ذلك على الاستحباب، أن الحديث ظاهر الدلالة في وجوب العدل بين الأولاد، والعبرة بالدليل؛ ولأن عدم العدل بين الأولاد يورث الشحناء، والكراهية من بقية الأولاد لأخيهم ولأبيهم، وقد ذكر الله تعالى لنا قصة يوسف، وفيها العبرة العظيمة، ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ انظروا كيف وصفوا أباهم بالضلال المبين، مع أنه نبي، ويعقوب – عليه الصلاة والسلام – لكن انظر كيف أن تفضيله ليوسف في المحبة الآن ليس عطية مجرد محبة، فكيف لو كانت عطية؟ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ تفضيل الوالد بعض أولاد على بعض يورث الشحناء والبغضاء والكراهية لأخيهم ولأبيهم، والأم في ذلك كالأب، لا يجوز لها أن تفضل أحد أولاد في العطية على غيره، إذاً التعديل في عطية الأولاد القول الراجح أنه واجب.

 إذا قلنا إنه واجب كيف يكون التعديل في العطية؟

يقول المؤلف: (ويَقْسِمُ بَينَ أولاَدِهِ عَلى قَدْرِ إرْثِهِمْ) للذكر ضعف الأنثى، قال بعض أهل العلم: إنه يسوى بينهم الذكر والأنثى سواء.

والقول الراجح هو القول الذي قرره المؤلف وهو أنه يقسم بينهم على قدر إرثهم؛ لأن هذا المأثور عن كثير من السلف، ولأن الله تعالى كما قسم بينهم في الميراث جعل للذكر مثل حض الأنثيين، ولا أعدل من قسمة الله – عز وجل – ولأن العطية في الحقيقة استعجال لما يكون بعد الموت، فينبغي أن تكون على حسب الميراث، ولهذا قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده قال: «ارددهم إلى سهام الله وفرائضه» وقال عطاء: «ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله» وعطية الأولاد تنقسم إلى قسمين:

عطية محضة، وعطية حاجة.

وأشار المؤلف للقسمين:

 القسم الأول قال: (ويَقْسِمُ بَينَ أولاَدِهِ عَلى قَدْرِ إرْثِهِمْ) هذه هي العطية المحضة.    

قال: (وَلا يَجُوزُ التَّفْضِيلُ بِغَيرِ سَبَبٍ) هذه هي عطية الحاجة.

 العطية المحضة التي تكون بغير سبب، هذه يجب العدل فيها بالتسوية بين الذكور وأن تكون الأنثى على نصف من الذكر.

 مثال ذلك: وهب الأب لأولاده عشرة آلاف ريالا، يجب أن تسوي بين الذكور أعطيت هذا عشرة آلاف، تعطي هذا عشرة آلاف، والأنثى تأخذ خمسة آلاف ريالا، هذه إذا كانت عطية محضة.

القسم الثاني: عطية الحاجة، فهذه يعطي كل واحد بقدر حاجته، وهذا هو الذي أشار إليه المؤلف بقوله: (وَلا يَجُوزُ التَّفْضِيلُ بِغَيرِ سَبَبٍ) وذلك كأن تكون حاجة الأنثى تختلف عن حاجة الذكر، وحاجة الصغير تختلف عن حاجة الكبير، فلو كان عنده مثلا: ابن في المرحلة الابتدائية يحتاج إلى حوائج وأغراض تختلف عن حاجة ابن في المرحلة الثانوية، حاجة الأنثى تختلف عن حاجة الذكر، وأيهما أشد حاجة في الغالب الذكر أو الأنثى؟

الأنثى ربما يعطي الأنثى أكثر من الذكر، ونقول: هذا هو العدل، فيعطي ربما يكون أحد أولاده مريضا يحتاج إلى نفقة العلاج، أيضا ربما مثلا إحدى بناته تحتاج للخلع، مخالعة زوجها، ونحو ذلك.. فالعدل في هذا أن يعطي كل واحد بقدر حاجته، ولا يسوي بينهم، التسوية بينهم في هذه الحال هي جور، إنما يعطي كل واحد بقدر حاجته، هذا هو القسم الثاني، فإذاً عندنا العطية المحضة يجب التسوية بين الذكور والأنثى تكون على النصف من الذكر، عطية الحاجة يعطي كل واحد بقدر حاجته ، وهذا معنى قول المؤلف: (وَلا يَجُوزُ التَّفْضِيلُ بِغَيرِ سَبَبٍ) .

قال: (ويَلزَمُ أخذُهُ أَو جَبْرُهُ) يعني لو فضل الوالد بعض أولاده من غير سبب، فكيف تكون المعالجة لهذا قلنا له: ما يجوز، قال: ما الحل؟

الحل قال المؤلف: (أخذُهُ أَو جَبْرُهُ) فنقول لهذا الوالد: ترجع في الزيادة التي فضلتها هذا الولد، وتأخذها منه مثلا: أعطى أحد أولاده خمسة عشر ألفا، وبقية أولاده عشرة آلاف، فنقول: تأخذ من هذا الولد خمسة آلاف حتى يكون مساويا لبقية أخوته، هذا الحل الأول أنه يأخذ الزيادة التي زاد بها الولد أو فضل بها أحد الأولاد، أو حتى الهبة التي خصه بها، مثلا: أعطى أحد الأولاد عشرة آلاف ولم يعط البقية، ثم سأل قيل: ما يجوز؟ فقال: ما الحل؟ نقول: استردها، يسحب منه عشرة آلاف مرة أخرى ويستردها، هذا هو الخيار الأول.

الخيار الثاني قال: (أَو جَبْرُهُ) جبر المفضول ليساوي الفاضل، فنقول مثلا في مثالنا السابق: لما أعطى أحد أولاده الخمسة عشر ألفا والبقية عشر آلاف، نقول: زد هؤلاء الذين أعطيتهم عشرة آلاف إلى أن يصبحوا خمسة عشر ألفا، فيزيد المفضول حتى يساوي الفاضل، فهو بين هذين الخيارين.

فنقول: إما أن تسترد الهبة، أو الزيادة من هذا الولد الذي فضلته، أو أنك تزيد المفضول حتى يتساوى مع الفاضل، هذا هو المخرج الشرعي لهذا، هذا بالنسبة لعطية الأولاد.

ثم انتقل المؤلف للكلام عن مسألة مهمة أيضا وهي: حكم أخذ الوالد من مال ولده قال: (ولَهُ تَمَلُّكُ مَا شَاءَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، إنْ حَازَهُ، ولَم تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الابنِ بهِ، وَلَمْ يَخُصَّ بهِ وَلَدَهُ الآخَرَ) يجوز للوالد، وسيأتي الكلام عن الأم، أن يأخذ من ماله ولده بهذه الشروط التي ذكرها المؤلف.

الشرط الأول: (إنْ حَازَهُ) أن يحوز المال، أن يكون هذا الابن قد حاز المال، وهذا ظاهر وكثير من العلماء لا يعتبرونه شرطا لأن هذا ظاهر، لا يأخذ الأب من مال ولده إلا ما حازه أصلا، لكن المهم هو الشرطان الآخران.

الثاني قال: (ولَم تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الابنِ بهِ) ألا يأخذ الأب ما يحتاج إليه الابن.

الشرط الثاني: (وَلَمْ يَخُصَّ بهِ وَلَدَهُ الآخَرَ) ألا يأخذ الأب من ماله ولده فيعطيه ولدا آخر، فإذا تحقق هذان الشرطان جاز للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء.

إذاً يجوز للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء بشرطين:

الشرط الأول: ألا يأخذ ما يحتاج إليه الولد.

الشرط الثاني: ألا يأخذ من ولده فيعطيه ولدا آخر؛ لأن الأب ممنوع من أن يفضل بعض أولاد على بعض في ماله هو، ففي مال ولده من باب أولى، والدليل لهذا هو قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، بسند صحيح، وأيضا قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «أنت ومالك لأبيك» وهذا قد جاءت في قصة، وله طرق وشواهد متعددة، أخرجه ابن ماجه وغيره، جاء في قصة أن رجلا أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: إن أبي يريد أخذ مالي، فدع النبي – صلى الله عليه وسلم – الأب وقال: «ما بال ابنك يشكوك، إنك تريد أخذ ماله، قال يا رسول الله: إني أخذه أريد أن أصرفه على عماته، أو أخواته، أو على نفسه، يبدو أن هذا الأب كان محتاجا ، قال: دعنا من هذا، وأخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك، قال: والله ما زال يزيدنا الله بك يقينا أنك رسول من عنده، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي، قال قل: وأنا أسمع، قال:

   غذوتك مولودا ومنتك يافعا                          تعلو بما أجني عليك وتنهلو

   إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت                      لسقمك إلا ساهرا أتململ

        كأني أنا المطروق دونك بالذي                        طرقت به دوني فعيناي تهمل

        حتى إذا بلغت الغاية وسن التي                         فيها مدى ما كنت أرجو وأمل

        جعلت جزائي غلظة وفضاضة                         كأنك أنت المنعم المتفضل

        فليتك إذ لم ترع حق أبوتي                            فعلت كما الجار المجاور يفعل

        تراه معد للخلاف كأنه                                برد على أهل الصواب موكل

فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «أنت ومالك ملك لأبيك» وجاء في بعض الروايات : أنه بكى - عليه الصلاة والسلام - وهذه القصة في سندها مقال، ولكن لها طرق وشواهد متعددة، لكن أقوى من ذلك الحديث الأول حديث عائشة: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» فإن سنده صحيح.

وهذا يقودنا إلى مسألة وهي: هل الأم كالأب؟

هذا محل خلاف بين الفقهاء والقول الراجح أن الأم كالأب لحديث عائشة السابق فإنه صريح في هذا، قال: «إن أولادكم» وهذا يشمل الأب ويشمل الأم، الأم يجوز لها أن تأخذ من مال ولدها بهذين الشرطين.

وعلى ذلك تكون الإجابة عن تساؤلات بعض الوالدين عن مسائل كثيرة من هذا النوع، يعني مثلا: بعض الأولاد يكون لهم مكافأة إما مثلا: في مدارس تحفيظ قرآن أو في غيرها.. يسأل الأب والأم هل يجوز لي أن أخذ من مال الولد أو لا يجوز؟

نقول: يجوز، ما دمت أنت الذي تنفق عليه، ولم يحتج، ولم تأخذ وتعطيه ولد آخر فيجوز ذلك، والأمر واسع في علاقة الأب والأم بولده، بل حتى لو كان الولد يتيما وأمه هي التي ترعاه يجوز للأم أن تأخذ من مال ولد، فالعلاقة بين الأب والأم وأولادهما فيها سعة، «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم».

والله تعالى جعل الولد هبة لوالده، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ  ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ الولد هبه لوالديه، ومن كان موهوب له جاز له الأخذ من ماله، وأيضا في قول الله – عز وجل - : ﴿أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ إلى آخر الآية، ذكر الله تعالى في القرابات لكن لم يقل: أو بيوت أولادكم قال المفسرون: لما كانت بيوت أولادهم كبيوتهم لم يذكر بيوت أولادهم.

وقال بعضهم إن قوله: ولو على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أي: من بيوت أولادكم، فجعل بيوت الأولاد بيوتا للوالدين، والأدلة كثيرة في هذا، تدل على أن العلاقة بين الوالد وولده أنها فيها سعة، فلا يتحرج الوالد من أن يأخذ من مال ولده لكن بهذين الشرطين.

قال المؤلف: (ولَهُ تَمَلُّكُ مَا شَاءَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، إنْ حَازَهُ، ولَم تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الابنِ بهِ، وَلَمْ يَخُصَّ بهِ وَلَدَهُ الآخَرَ) وقلنا: إن الأم على القول الراجح كالأب في هذا.

قال: (ولا يُطَالِبُ أبَاهُ بِحقٍّ أبداً) لا يطالب الولد أباه بحق أبداً، للأدلة السابقة «أنت ومالك ملك لأبيك» «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» والمال نوع من الحقوق فلا يملك الولد مطالبة أبيه به، وكذلك أيضا الأم كالأب في هذا، فليس للولد أن يطالب أمه بذلك بأي حق، في عرف الناس أن مطالبة الولد لأبيه أو لأمه بحق أنها نوع من العقوق، إذا كان الولد سيجرجر أباه وأمه للمحكمة ألا يعتبر هذا نوعا من العقوق؟ بل من أعظم العقوق، ولهذا القاضي عندما تعرض له هذه المسألة ينبغي ألا يسمع له أصلا، وإنما يزجره، ويوبخه، حتى ولو كان له حق، حتى لو أنه يطلب أباه أو أمه بدين، فلا يملك المطالبة بهذا الدين، إلا مسألة واحدة وهي: ما إذا قصر الوالد في النفقة، فلأولاده أن يطالبوا أباهم بالنفقة ، لأن بعض الآباء يكون مهملا، أو أنه ينفق مثلا على أولاده من زوجة ويهمل أولاده من زوجه أخرى، فهنا ذكر بعض أهل العلم أن مطالبة الوالد بالنفقة أنها لا تدخل في هذا، ولا تعتبر نوعا من العقوق إنما هي إلزام له بواجب شرعي، «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» لكن ينبغي ألا يلجأ لهذه إلا بعد استيفاء جميع الوسائل قبل ذلك، وأما ما عدا ذلك فليس للولد أن يطالب أباه بحق من الحقوق إذ أن هذا يعتبر عقوقا، لا أباه ولا أمه، والأم محل خلاف ولكن هذا هو القول الراجح. 

ثم قال المؤلف – رحمه الله : (وأَعْمَرْتُكَ دَارِي) انتقل المؤلف للكلام عن نوع من  الهبة، وهي ما يسميها الفقهاء بمسألة العمرى والرقبى، ما معنى العمرى والرقباء؟

العمرى: مشتقة من العمر، وهي الحياة، وهي نوع من الهبة، لكنها مؤقتة، والهبة الأصل أنها لا تأقت إلا في العمرى، ومعناها أن يقول: وهبتك هذه الدار تعيش فيها طيلة عمرك، هذه هي العمرى.

وأما الرقبى كأن يقول: وهبتك هذه الدار على أنك إن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك فهي لك، هذه هي الرقبى، سميت بذلك: لأن كلا واحدا منهما يرقب موت الآخر، وقد كانت موجودة في الجاهلية، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها» وجاء في الحديث الآخر، حديث جابر: «لا تعمروا، ولا ترقبوا، فمن أعمر، أو أرقب، فهو للذي أعمرها حيا وميتا، ولعقبه».

العمرى والرقبى محل خلاف بين أهل العلم، المؤلف يقول: (وأَعْمَرْتُكَ دَارِي)  يعني أنها تصح (وَهِيَ لكَ: تَملِيكٌ، وَسُكْنَاهَا لَكَ: عَارِيَةٌ) يعني أن العمرى تصح، وتكون تمليك للمعمر، ولورثته من بعده، إذا قال: أعمرتك داري، فهي تكون للمعمر، ولورثته من بعده، يعني وهب له هذه الدار، ولهذا قال – عليه الصلاة والسلام - : «لا تعمروا، ولا ترقبوا، فمن أعمر، أو أرقب، فهي للتي أعمرها حيا وميتا، ولعقبه» رواه مسلم، لكن لو أن المعمر أو المرقب قال: أنا أريد أن أشترط، أنتم تقولون: أنها تنتقل للمعمر وللمرقب ، أنا أشترط أن ترجع لي إذا مات، إذا مات ترجع هذه العمرى لي ، اختلف العلماء في صحة الشرط والقول الراجح أنه شرط صحيح، فإذا اشترط أن تعود الهبة إليه بعد وفاة الموهوب له فإنها ترجع، ويدل لذلك قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «فأما إذا قال هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها» لعموم قول النبي – عليه الصلاة والسلام - : «المسلمون على شروطهم» وهذا هو القول الراجح ، وقد اختاره ابن تيمية، وجمع من المحققين من أهل العلم.

إذاً الخلاصة في العمرى والرقبى: أنهما نوعان من الهبة المؤقتة، وأنهما جائزتان، وأنه يترتب عليهما انتقال الموهوب للمعمر، ولعقبه من بعده، لكن إذا اشترط المعمر أن تعود إليه فمحل خلاف والقول الراجح هو صحة هذا الشرط.

وقول المؤلف: (وَسُكْنَاهَا لَكَ: عَارِيَةٌ) يعني سكنى هذه الدار لك، أو منحت لك غلة هذا الدار، غلت هذه العمارة، أو هذا العقار، أو هذا البستان، فتعتبر عارية، إذا منحه فقط الغلة، أو السكنى، وله الرجوع فيها متى ما شاء في حياته وبعد مماته؛ لأن العارية هبة منفعة، فإذا قال: لك سكنى هذه الدار، ولم يقل: لك هذه الدار؟ هذه ليست عمرى هذه عارية، والعارية تترتب عليها ما يترتب على العارية من أحكام.

هذا حاصل كلام أهل العلم في باب الهبة.

ثم قال المؤلف – رحمه الله - : (كتاب الوصايا) .

الوصايا جمع وصية، والوصية في اللغة: مأخوذة من وصية الشيء إذا وصلته.

سميت بذلك: لأنها وصل لما كان في الحياة بما بعد الموت.

والوصية في اصطلاح الفقه: هي الأمر بالتصرف بعد الموت.

وأما الوصية بالمال فهي التبرع بالمال بعد الموت.

قد ذكر الله تعالى الوصية في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ولقوله في آية المواريث: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وأجمع العلماء على جواز الوصية في جميع الأمصار والأعصار كما قال ابن قدمه وغيره.

الوصية يستحب كتابتها لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه»  متفق عليه، قال ابن عمر: «لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي» فينبغي للمسلم أن يكتب وصيته ويتركها، والوصية لا تلزم إلا بعد الموت، له أن يعدل، وأن يبدل، وأن يضيف، وأن يلغيها، المهم أنه يكتبها؛ لأن بعض الناس يؤتى من جهة التفريط، يؤمل أنه يعيش عمرا طويلا، يؤمل، ثم يأتيه الموت فجأة، ويعجز عن الوصية، إذا أتاه الموت فجأة يندم ما يستطيع أن يوصي، أو يأتيه المرض فجأة ما يستطيع، ينبغي إذاً أن يبادر في زمن الصحة بكتابة وصيته، يكتبها، هي لا تلزم إلا بعد الموت، لأن بعض الناس يخشى من كتابتها يقول: لا أدري ما يحصل لي في المستقبل، نقول: هي لا تلزم إلا بعد الموت، لك أن تلغيها في المستقبل، لك أن تعدل، لك أن تبدل، لك أن تزيد، فإذا السنة المبادرة لكتابة الوصية.

الوصية تدور عليها الأحكام الخمسة، ولهذا ذكر المؤلف هذا قال: (سُنَّ لِمَنْ تَرَكَ خَيراً الوَصِيَّةُ بِالخُمُسِ) إلى آخره، وإذا قلنا: الأحكام الخمسة ماذا يقصد بها؟

هي الوجوب، والندم يعني الاستحباب، والإباحة، والكراهة، والتحريم.

فحكم الوصية أنها تدور عليها الأحكام الخمسة، فالوصية تكون مستحبة لمن ترك خيرا، والخير هو المال الكثير، لقول الله – عز وجل - : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ فيستحب أن يوصي بشيء من ماله مما لا يزيد على الثلث في وجوه البر ونحوه، أما الفقير فتكره في حقه الوصية إذا كان له ورثة محتاجون، الفقير الذي له ورثة محتاجون تكره في حقه الوصية، أولا: لقول الله – عز وجل - :  ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا وهذا لم يترك خيرا، ولقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».

وتحرم الوصية لوارث، لقوله – عليه الصلاة والسلام - : «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» أو الوصية بأكثر من الثلث، لقوله – عليه الصلاة والسلام - : «الثلث والثلث كثير».

وتجب الوصية في حق من كان عليه دين ، من عليه ديون، وحقوق واجبة، فيجب عليه أن يوصي بسداد هذه الديون، خاصة إذا لم تكون هذه الديون موثقة.

وتباح الوصية بجميع المال لمن لا وارث له.

فإذاً الوصية تدور عليها الأحكام الخمسة.

المؤلف يقول: (سُنَّ لِمَنْ تَرَكَ خَيراً الوَصِيَّةُ بِالخُمُسِ) وقوله: بالخمس يعني يستحب أن تكون الوصية بالخمس، ويجوز أن تكون بالثلث، استحباب الوصية بالخمس أخذا من قول أبي بكر الصديق – رضي الله عنه - : «أرضى بما رضي الله به لنفسي» فإن الله قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وروي عن علي أنه قال: «لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع» وعن العلاء بن زياد قال: «أوصى أبي أن أسال العلماء أي الوصية أعدل؟ فما تتابعوا عليه فهو وصية، فتتابعوا على الخمس» والأولى ألا يستوعب الثلث؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «الثلث والثلث كثير» فتكون الوصية أقل من الثلث، إما الربع أو الخمس، لكن الخمس هو المأثور عن كثير من السلف، فالأفضل إذاً أن تكون الوصية بالخمس، لكن إذا كان مال الإنسان كثيرا، ولا يخشى على الورثة لا بأس أن يجعلها مثلا بالثلث، أو يجعلها بالربع، لكن من حيث الأصل الأفضل أن تكون بالخمس.

هناك في القوانين الوضعية نوع من الوصية يسمونها الوصية الواجبة، وهذه موجودة في جميع قوانين الدول العربية، ما عدا المملكة، الدول العربية كلها عندهم قانون الوصية الواجبة، ما معنى الوصية الواجبة؟

الوصية الواجبة يقولون: إن الولد إذا توفي في حياة أبيه، وله أولاد، فيجب على الجد أن يوصي لأولاد ولده المتوفى، فإن لم يوصي فيعطون نصيب والدهم المتوفى، يعني أولاد الولد المتوفى يعطون نصيب والدهم من جدهم، سواء أوصى الجد أو لم يوصي، فينزلون الأحفاد منزلة أبيهم، هذه يسمونها الوصية الواجبة، القول بوجوبها قول باطل لأنها في الفقه الإسلامي تعتبر مستحبة ليست واجبة، الجد يستحب له أن يوصي لأولاد ولده باعتبار أنهم غير وارثين، ويحجبون بأعمامهم، لكن ذلك لا يجب عليه، فلو لم يوصي الجد لأولاد ولده لم يعطون شيئا، لم يعطون شيئا، القوانين الآن توجب على الجد أن يوصي لأحفاده، مع أنهم محجوبون بأعمامهم، لكن يقولون يجب أن توصي بنصيبهم من والدهم المتوفى، فإن لم تفعل أنت أيها الجد فيعطون نصيب والدهم من الجد، يعني يعطون نصيب والدهم من الجد سواء أوصى الجد أو لم يوصي، وهذا كما ذكرنا أنها في الفقه الإسلامي هذا غير صحيح، وأنها مستحبة وليست واجبة على الجد، وقولهم: إن الأحفاد هؤلاء يعطون نصيب والدهم من جدهم سواء أوصى أو لم يوصي أيضا هذا قول باطل، لماذا يعطون نصيبهم؟ لأنهم محجوبون، هم شرعا محجوبون بأعمامهم، فلماذا يعطون نصيب والدهم المتوفى من جدهم وهم محجوبون أصلا بأعمامهم؟  

قال: (فَتَصِحُّ مِمَّنْ يَملِكُ التَّبَرُّعَ ، ولَو أخْرَسَ) يعني تصح الوصية ممن يملك التبرع وهو الحر المكلف الرشيد، هذا هو الذي يملك التبرع، ولو أخرس يعني تصح وصية الأخرس؛ وذلك بالإشارة لأن إشارة الأخرس تقوم مقام كلامه، وفي حكم الإشارة الكتابة أيضا.

قال: (ومُمَيِّزاً) أي أنه تصح وصية الصبي المميز؛ لأنه يستطيع أن يميز بين الضار والنافع، ولا ضرر عليه في الوصية.

 (وسَفِيهاً) تصح وصية السفيه ضد الرشيد؛ لأن الوصية هي من باب التبرعات، ولا يظهر أثرها إلا بعد الوفاة، وفي هذا الوقت يستغني فيه السفيه عن المال، والحجر إنما كان عليه لأجل حفظ ماله، الوصية فيها نفع له، وليس فيها إضاعة لماله.

قال: (وبِخَطِّهِ تَحتَ رأسِهِ) تصح الوصية بخط الموصي المكتوب، تحت رأسه يعني أخذا من قول النبي – عليه الصلاة والسلام - : «إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» وهذا يدل على أن الكتابة تثبت بها الوصية، ولو لم يكن هناك إشهاد، بشرط أن يعرف خطه، إما بإقرار الورثة، أو ببينة، بإقرار الورثة يقولون: أقروا بأن هذا خط الموصي، أو ببينة، بشهادة شهود.

قال: (وَلِكُلِّ مَنْ تَصحُّ هِبتُه) هذا بيان للموصى له بأنها تصح الوصية لكل من يصح أن يوهب له، وهو من يصح تملكه؛ لأن الوصية تمليك عند الموت، وعلى هذا فتصح الوصية لكافر، إذا لم يكن حربيا، وصفية بنت حيي أوصت لابن أخ لها يهودي.

قال: (وللحمْلِ إنْ عُلِمَ وجودُه حَالَها) تصح الوصية للحمل إذا كان موجودا حين الوصية، أما إذا لم يكن موجودا فلا تصح لأنها تمليك لمعدوم.

 (وَبكلِّ مَا فِيهِ نَفعٌ مُبَاحٌ) هذا إشارة للموصى به، فتصح الوصية بكل ما فيه نفع مباح، سواء كان مالا، أو غير مال كالكلب المعلم.

 (وبالمعْدُومِ) تصح الوصية بالمعدوم كحمل مثلا: ناقته، أو حمل الشجر، أو نحو ذلك.. مع أن المعدوم في باب المعاوضات لا يصح، لا يجوز بيع المعدوم، ولا إجارة المعدوم، لكن في باب الهبة يقولون: يجوز؛ لأن الوصية بالمعدوم لا يترتب عليها ضرر، يعني إن حصلت وإلا ما في ضرر، بخلاف بيع المعدوم يترتب عليه مخاصمة، نزاع، وخصوم بين البائع والمشتري، أما الوصية ما يترتب عليها ضررا إن حصلت فالحمد لله، وإن لم تحصل فهي تبرع، فلذلك الجهالة والغرر في باب الوصايا مغتفرة.

واختلف العلماء في الهبة، فالمذهب عند الحنابلة أنه لا تصح هبة المجهول، والقول الراجح أنها تصح، الغرر في أبواب التبرعات مغتفر، بخلاف المعاوضات، هذا يصح أن يجعله قاعدة، الغرر في أبواب المعاوضات غير مغتفر، بينما الغرر في أبواب التبرعات مغتفر، لو أوصى قال: إن حملت ناقتي فهي لفلان، هل في هذا ضرر على أحد؟

حملت تكون لفلان، ما حملت ما يلحقها ضرر، فتصح إذاً الوصية بالمجهول، تصح الوصية بالمعدوم لا يضر هذا، فباب التبرعات الباب فيها واسع، الوصايا على المذهب، والتبرعات عموما على القول الراجح.

 ولهذا أيضا قال المؤلف: (وبِمَا لا يُقْدَرُ عَليهِ) يعني لا يقدر على تسليمه، لو كان لإنسان جمل شارد، وقال: أوصيت بأن يكون هذا الجمل الشارد لفلان، تصح، إن لقيه فهو له، إن لم يلقه لا يترتب على هذا ضرر.

 (وَبِما لا يَمْلكُهُ) تصح الوصية بما لا يملكه، كما لو أوصى بمبلغ لا يملكه فتصح؛ لأن غاية الأمر أنه إن ملكه صحت الوصية، إن لم يملكه لم يترتب على ذلك شيء.

قال: (وَبِغَيرِ مُعَيَّنٍ كعَبْدٍ) تصح الوصية بعبد من عبيده، بشاة منه، من غنمه، مع أن هذا في أبواب المعاوضات لا يصح.

 (وَيُعطيهِ الوَرَثَةُ مَا شاءوا) إذا قال: بعبد من عبده يعطونه أي عبد.

 (فَإن هَلَكُوا إلا وَاحِدَاً تَعَيَّنَ) إن مات العبيد كلهم إلا واحد فيتعين هذا الذي لم يهلك.

 (وبِمِثْلِ أحدِ وَرَثَتِهِ) انتقل المؤلف للكلام عن الوصية بالأنصبة والأجزاء، وهذه الحقيقة الفقهاء يفصلون فيها تفصيلا كثيرا، ويعني هي أشبه بالمفترض، كثير من مسائلها غير ليس له صلة بحياة العملية، ولذلك سنكتفي بشرح عبارة المؤلف من غير توسع.

قال: (وبِمِثْلِ أحدِ وَرَثَتِهِ) يعني إذا أوصى بمثل أحد الورثة فيكون له مثل أحد الورثة إذا اختلف نصيب الورثة يكون له الأقل، ولهذا قال: (ولهُ مِثْلُ أقلِّهم) .

 (فَإن سَمَّاهُ فَلهُ نَصِيْبُهُ مَضْمُومَاً إلَى المَسألَةِ) يعني إن أوصى بمثل نصيب وارث معين، بأن سماه، قال: أوصيت بمثل نصيب ابني فلان، فله مثله مضموما إلى المسألة، فتصح مسألة الورثة منه، ويزاد عليها نصيب ذلك الوارث المعين.

مثل المؤلف لهذه المسألة (فَلَهُ مَعَ ابنينِ وَبِنتٍ السُّدُسُ) يعني هذه مسألة فيها ابنان وبنت، أصلها من كم ابنان وبنت، لكل ابن اثنين، اثنين، والبنت واحد خمسة، والموصى له ستة، فيكون نصيب الموصى له السدس، ولهذا قال: (فَلَهُ مَعَ ابنينِ وَبِنتٍ السُّدُسُ).

 (وبِجُزْءٍ، أو حَظٍّ، أو نَصِيْبٍ، أو شَيءٍ، ويُعطونَهُ ما شاءوا) تجوز الوصية بجزء، أو حظ، أو نصيب، أو شيء، ويعطونه أي شيء؛ لأن هذا لا حد له في اللغة، ولا في الشرع.

 (وَبِسَهمٍ، ولَهُ سُدُسٌ) إذا أوصى بسهم فيعطى السدس، يقولون: لأن السهم في كلام العرب يطلق على السدس.

ثم قال المؤلف: (وتُخْرَجُ الواجِبَاتُ مِنْ رَأسِ المَالِ) يعني الواجبات من الديون، سواء كانت ديون لله، أو ديون للآدميين، تخرج من رأس المال لقول الله – عز وجل - : ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .

(فإنْ وصَّى بهَا مِنَ الثلثِ زُوْحِمَ أصحَابُ الوَصَايَا) إن وصى بسداد الديون من الثلث، وعنده وصية، فيكون هناك مزاحمة بين الوصية وبين الدين.

إذا كانت المزاحمة هل تقسم هذا الثلث بين الوصية والدين قولان:

القول الأول: أنه يقسم بين الديون والوصايا هذا الثلث.

قال: (وقيلَ: يُبدَأُ بهِ) يبدأ بالدين على الوصية وهذا هو القول الراجح؛ لأن الدين مقدم على الوصية.

إذاً بعد وفاة الميت ما الذي يقدم؟

الدين، يليه الوصية، ثم تقسم التركة، لقول الله – عز وجل - : ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .

إذا كان الدين مقدم على الوصية لماذا قدم الله ذكر وصية على الدين قال: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ لماذا لم يقل: من بعد دين أو وصية فما السبب؟

الوصية في الغالب على الورثة تساهل فيها بخلاف الدين فإن الدين له من يطالب به، ولذلك قدمها الله تعالى في الذكر من باب الاهتمام بشأنه، وإلا فالدين مقدم على الوصية.

قال: (وَتَصِحُّ إلَى كُلِّ عَدلٍ) يصح أن يكون الموصى إليه أي عدل، مكلف، رشيد، فلا تصح الوصية إلى كافر.

(بِكلِّ مَا يَجُوزُ للمُوصَى فِعْلُهُ) الموصى إليه يتصرف بكل ما يجوز للموصي فعله وهو ما يملكه في حياته، كالوصية في قضاء دينه، أو رد وديعة، أو النظر في شأن مثلا أطفال صغاره، ونحو ذلك..

(وَلَو وَصَّى بأكثرَ مِنَ الثُّلثِ أو لِوَارِثٍ وُقِفَ على إِجَازَةِ الوَرَثةِ) نحن قلنا إن الوصية بأكثر من الثلث، أو لوارث لا تجوز، لكن إذا حصل ووقع هذا، فننظر للورثة هل يجيزون ذلك أم لا؟ إذا أجازوا ذلك نفذت، وإن لم يجيزوا ذلك لم تنفذ، إجازة الورثة قلنا إن إجازة الورثة إذا أجازوا الورثة أكثر من الثلث، أو لوارث فتصح الوصية، طيب متى تعتبر إجازة الورثة، أحيانا ورثة يجاملون المورث في حياته، يقول لهم مثلا: يا أولاد أنا أريد أن أوصي لأخيكم فلان فقير فأريد أن أوصي له، فيرضون، لكن بعد وفاة والدهم يتراجعون؟

يقولون: لا، كنا مستحين من والدنا، هذا يقود لمسألة مهمة، وهو الوقت المعتبر لإجازة الورثة للوارث، أو بما زاد على الثلث، هناك أبرز الأقوال قولان:

القول الأول: أنها لا تعتبر إلا بعد موت الموصي، وما قبل ذلك لا عبرة به، ولهم الرجوع، قالوا: لأنها حق، وكشفيع يسقط شفعته قبل البيع أو بعده.

والقول الثاني: أن الإجازة إن كانت في مرض الموت صحت، وليس لهم الرجوع.

وإن كانت في غير مرض الموت فلهم الرجوع، هذا هو مذهب المالكية، واختاره أبو العباس ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله تعالى – قالوا: لأن الإجازة في مرض الموت قد صدرت في وقت تعلق فيه حق الوارث بمال الموصي، وهذا هو القول الراجح، فنقول: متى أجاز الورثة بأكثر من الثلث أو لوارث، إن كان في غير مرض الموت فله حق التراجع، ولا تلزمهم تلك الإجازة، أما إذا كان في مرض الموت فإنها لازمة لهم، ولا يملكون الرجوع في تلك الإجازة.

ثم قال المؤلف: (ويُعتَبَرُ الثّلثُ) إن لم يجز الورثة على ما زاد الثلث فالمعتبر هو الثلث، وما زاد فإنه يبطل لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «الثلث والثلث كثير» .

(وكَونُهُ وارثاً عندَ المَوتِ) المعتبر بكون من وصي له وارث أو غير وارث عند الموت، ثم وضح المؤلف هذا بمثال، أو نحن نوضحه بمثال: لو أوصى لوارث مثلا: كأخيه، ثم حجب هذا الأخ بابن، بأن رزق هذا الموصي ابنا، فأصبح أخوه لا يرثه عند موته، هل تصح الوصية؟

تصح؛ لأنه أصبح غير وارث.

لو كان العكس، لو أوصى لأخيه مع وجود ابنه باعتباره غير وارث، ثم توفي ابنه، فأصبح أخوه وارثا؟

هنا لم تصح؛ لأنه أصبح وارثا.

فالعبرة بكونه وارث أو غير وارث عند الموت.

قال: (وَتُجْمَعُ الحُريَّةُ في بعضِ العبيدِ بالقرعةِ إن عَجَزَ ثُلثُهُ) لو كانت الوصية في عبيد فتجمع الحرية في بعضهم بالقرعة، إن عجز عن الثلث.

لو كان مثلا عنده ستة عبيد، وأوصى بهم جميعا، وهم أكثر من الثلث، فتجمع الحرية في الثلث، كما حصل هذا في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – «أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، فلم يكن له مال غيرهم، فدعاهم النبي – صلى الله عليه وسلم – فجزأهم ثلاثا، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا» رواه مسلم.

قال: (كَمَا يُخْرَجُ بها مَنْ أَشكَلَ) بالقرعة يخرج بها من أشكل، والقرعة يصار إليها عند المشاحة، وعدم وجود المرجح، وقد ذكرت في القرآن في موضعين:

في قصة مريم: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ .

وفي قصة يونس: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾.

قال: (وتَصِحُّ بِكلِّ مالِهِ حيثُ لا وَارثَ) هذا رجل ليس له وارث يصح أن يوصي بجميع ماله.

قال: (والمُنْجَزةُ في مرضِ موتِهِ المخُوفِ) والعطية منجزة في مرض موته المخوف، هذا انتقل المؤلف للكلام عن تصرفات المريض في مرض الموت.

لعلنا نقف عندها ، تصرفات المريض في مرض الموت، نفتح بها الدرس القادم – إن شاء الله تعالى - .

ونكتفي بهذا القدر،، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الآن نجيب عن ما تيسر من الأسئلة.

* * *

هذا سائل يقول: صليت على جنازة في المسجد، ثم ذهبت إلى المقبرة، فصلى عليها من كان هناك مرة ثانية، هل أصلي معهم، وهل لي في ذلك أجر قيراط مرة أخرى؟

إذا صليت على الجنازة لا يشرع إعادة الصلاة على الجنازة مرة أخرى، وإعادة الصلاة عليها غير مشروعة، وربما أيضا يقال: أنها بدعة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع تكرار الصلاة على جنازة، فإذا صليت عليها في المسجد لا تصل عليها في المقبرة، البدع في أصلها قائمة على استحسان العقلي، كيف تقع البدع؟ يأتي إنسان يستحسن بعقله شيء ثم يفعله ويقلده الناس، تقع البدع بهذه الطريقة، الأصل في العبادات التوقيف، الأصل في العبادات الحظر والمنع إلا ما ورد الدليل بمشروعيته .

* * *

هذا سائل يقول: مديرة مدرسة تسأل، أكلف بعض الموظفات عندي بعمل يخص المدرسة لكنه ليس من اختصاصهن كالبيع في المقصف مقابل إعطاءهن أيام إجازة تحفيزية، وأقوم بالتوقيع عنهن في كشف الحضور، هل يجوز ذلك؟

هذا تصرف لا يجوز؛ لأن هذا فوق صلاحية المديرة أنها تعطي إجازات على أعمال تقوم بها بعض الموظفات، لكن ممكن أنها تعمل حوافز بغير هذا، كأن تعطيهن مثلا: من ريع المقصف مثلا، أو يعني إذا كان هناك مثلا ميزانية للمدرسة، أو نحو ذلك، أما مسألة الإجازة هذه لها نظام، يحكمها فلا تتصرف المديرة في قضية الإجازات بمثل هذا التصرف، إنما تلتزم الأنظمة الصادرة في هذا.

* * *

هذا سائل يقول: ما حكم تأخر الإمام عن الالتفات إلى المصلين؟

السنة أن الإمام إذا سلم يبقى مستقبلا القبلة بقدر ما يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم بعد ذلك يستقبل المصلين بوجهه، هذه هي السنة، تأخره أكثر من ذلك خلاف السنة.

* * *

هذا سائل يقول: من كان يقرأ سورة من القرآن، أو آية طويلة، ثم سلم عليه أحد، فهل يستأنف ما توقف عنده بعد رد السلام، أو يعيد الآية؟

الأمر في هذا واسع، سواء استأنف الآية من أولها أو أنه أكمل الآية الأمر في هذا واسع، لكن أنبه هنا على قضية وهي أن بعض الناس يعتقد أن الذي يقرأ القرآن لا يسلم عليه، وهذا غير صحيح، الذي يقرأ القرآن يشرع أن يسلم عليه، ويتوقف، ويرد السلام، فهذا اعتقاد شائع عند كثير من العامة، يقول: إذا كان يقرأ القرآن اتركه لا تشوش عليه، لا تسلم عليه، هذا غير صحيح، النبي – عليه الصلاة والسلام -: «أفشوا السلام بينكم» كلمة أفشوا: قدر زائد على السلام هذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يكثر من السلام، ومن إلقاء السلام لأن إلقاء السلام يجلب المحبة، والمودة بين المسلمين، بل قال – عليه الصلاة والسلام -: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» رواه مسلم، فالذي يقرأ له القرآن يشرع أن يسلم عليه وهو يقف ويرد السلام، ثم يكمل قراءته، إن شاء أكمل الآية، وإن شاء بدأ بها من أولها .

* * *

هذا سائل يقول: هل يصح حد لأكثر الوقف كالوصية أم يصح ولو بالمال كله؟

هذا السؤال جيد، الوقف إذا لم يكن في مرض الموت، ولم يكن موصى به بعد الموت فللإنسان أن يوقف من ماله ما شاء، ولو أن يوقف ماله كله، لا يتقيد هذا بالثلث، الإنسان في زمن الصحة حر في ماله، يتصدق من ماله ما شاء، يوقف من ماله ما شاء، يتبرع من ماله ما شاء، هو حر، بعض الناس يعتقد أن الإنسان ما يتصرف إلا في الثلث هذا، هذا غير صحيح، لا يتصرف إلا في الثلث إذا كان في مرض الموت، أو في الوصية بعد الموت، هنا لا يتصرف إلا في الثلث، أما إذا كان في زمن الصحة له أن يتصرف بأكثر من الثلث، فلو أراد إنسان مثلا: أن يوقف نصف ماله، لا بأس، أن يوقف ثلاث أرباع ماله لا بأس، إنسان مثلا لنفترض أن ماله ذرية، وأراد أن يوقف ماله كله لا بأس، في زمن الصحاح هو حر لا أحد يحجر عليه، إنما إذا كان في مرض الموت، وهذا سنتكلم عنه – إن شاء الله - في الدرس القادم ضابط ما هو مرض الموت؟ أمثلته؟ إن شاء الله سنتكلم عنها في الدرس القادم، مرض الموت هو محجور عليه لا يتصرف في أكثر من الثلث، هكذا الوصية لا يتصرف في أكثر من الثلث، إذا أوصى بالوقف بعد الموت أيضا حكمه حكم الوصية، لا يكون في أكثر من الثلث.

* * *

هذا سائل يقول: هل يجوز لي أن أصرف من بنك غير بنكي؟

قصده سحب الصراف يعني بطاقة صراف عندما تريد أن تسحب من صراف غير البنك الذي حسابك لديه، لا بأس بهذا، لأنك في الحقيقة أنت عندما تسحب الآن من الصراف هل أنت تسحب من حساب البنك الآخر أو من حسابك أنت؟ من حسابك أنت، ولذلك يصرف من حسابك مباشرة، لكن عن طريق جهاز البنك الآخر، وإلا هو يخصم من حسابك، ليس من حساب البنك، الآخر ثم البنك الآخر يرجع إلى البنك الذي في حسابك إنما هو يصرف من حسابك مباشرة، لكن عن طريق جهاز البنك الآخر، فلا حرج أن تصرف من أي صراف.

* * *

هذا سائل يقول: ما حكم من في بلد وسائل النقل العامة فيها أغاني، ولا يجد غيرها، لو طلب تخفيض صوت الأغنية لزاد ، لعلمهم أن المسلم لا يرضى بذلك، أو رأوا عليه سمة الإسلام، هل ينقلها أم ماذا يفعل؟

يتق الله تعالى ما استطاع، نحن ذكرنا أن الإثم هو على المستمع وليس على السامع، ما دام ليس مستمعا إنما سامعا فليس عليه إثم، وأما بالنسبة لإنكار المنكر ينكره بحسب استطاعته، اتقوا الله ما استطعتم.

* * *

هذا سائل يقول: هل يجوز للوالد أن يأخذ من مال ابنه، ويقرضه الابن الآخر بلا علم الابن الأول؟

ليس له أن يأخذ من مال ابنه ويعطيه للابن الآخر، لا عطية، ولا قرض، إنما إذا كان يريدها لنفسه لا بأس، أما أن يأخذه ويعطيه للابن الآخر فلابد من رضا هذا الابن الذي أخذ منه.

* * *

هذا سائل يقول: هل يجوز للمعطى بأن يطلب استبدال الهدية لو قبضها؟

لا بأس أن يطلب استبدال هذه الهدية، يقول: أنت أعطيتني هذه الهدية وأنا أريد بدل منها فإن رضي المعطي بذلك فلا بأس بهذا.

* * *

هذا سائل يقول: هل تذكير الشخص بالهبة التي وهبه إياها حتى توضح له وأنك تود وتحبه هل يعتبر هذا من المنة؟

نعم يعتبر من المنة، ذكر الهدية للإنسان أو المعروف للإنسان هذا هو المنة، ما معنى المنة إذاً؟ هذه هي المنة، ولذلك يقولون: إذا فعلت معروفا فأنسى هذا المعروف، لكن لو أهديت لإنسان وتريد أن تعرفه أنك أنت الذي أهديته لا بأس، لأن بعض الناس يرسل هدية ولا يدري المهدى له ممن؟ فهنا يكتب عليها من فلان، أو محبك فلان، أو نحو ذلك، هنا لا بأس كالتعريف، لأجل التعريف، أما للتذكير فهذا نوع من المنة.

* * *

هذا سائل يقول: أنا أقرأ على شيخ يعلمني القرآن، وفي بعض الأحيان أهدى لأبنائه هدية، يكون نفعها للأسرة بأكمله ، وهو يعلم بهذا، وفي بعض الأحيان أهدي لأبنائه هدية يكون نفعه للأسرة بأكملهم وهو يعلم بهذا فما حكم هذا الإهداء؟

هذا لا حرج فيه، معلم القرآن لا حرج أنك تهدي له، إنما الهدية هدايا العمال غلول، الهدايا التي يترتب عليها ضرر، مثل: أن يكون موظفا، أو يكون مديرا، أو يترتب عليه تقييم، أما ما كان من الأعمال التطوعية، والتبرعات، مثل: تعليم القرآن، ونحوها.. هذا لا حرج فيه، لو أنك هديت لمعلمك القرآن لا بأس، أو مثل ما ذكر الأخ السائل كل هذا الأمر فيه واسع.

* * *

 

والله أعلم،، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

 

 

 

 

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز - بحي الخزامى 1439/5/20