الخثلان
الخثلان
باب الفدية - كتاب الحج
28 رجب 1438 عدد الزيارات 3167

قال المصنف – رحمه الله – : (باب الفدية).

والفدية: مصدر فدى، يفدي، فديةً، وهي: ما يجب بسبب ترك واجب أو فعل محظور، ما يجب بسبب ترك واجب، كما لو ترك رمي الجمار مثلا، أو بفعل محظور، كما لو تطيب، أو غطى رأسه إن كان ذكرا، فهذه هي الفدية.

 إطلاق هذا المصطلح الفدية في باب محظورات الإحرام إشارة إلى أن من ترك واجبا، أو وقع في محظور، يحتاج إلى أن يفتدي لنفسه عن العقوبة، بأن يأتي بهذه الأمور المذكورة في الفدية، ما هي هذه الفدية؟

قال المصنف: (مَنْ حَلقَ رأسَهُ خُيِّرَ بَيْنَ صِيَامِ ثلاثَةِ أيَّامٍ، أو إطعامِ سِتَّةِ مَسَاكينَ، أَو ذَبْحُ شاةٍ) من حلق رأسه، أو أتى بمحظور من المحظورات التي أيضا ذكرها المؤلف بعد ذلك وهي: (تغطية الرأس، وتقليم الأظفار، ولبس المخيط، والطيب) فهذه المحظورات الخمسة من ارتكب واحدا منها وجب عليه فدية والفدية يسميها الفقهاء: فدية الأذى، ووجوه تسميتها بفدية الأذى: أن الله عز وجل ذكر هذه الكلمة في الآية التي فيها مشروعية هذه الفدية، فقال سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ  وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ الشاهد أن الله تعالى قال: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ.

 ما هي فدية الأذى؟ الله تعالى يقول: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فهو مخير بين هذه الأمور الثلاثة، ووضحت السنة المراد بهذه الأمور الثلاثة.

قال المصنف: (خُيِّرَ بَيْنَ صِيَامِ ثلاثَةِ أيَّامٍ) فيصوم ثلاثة أيام في أي مكان.

(أو إطعامِ سِتَّةِ مَسَاكينَ) وهذه هي الصدقة المذكورة في الآية.

قال: (كُلُّ مِسكينٍ مُدٌّ بُرَّاً أو نصفُ صاعٍ تَمرَا،ً أو شَعِيرَاً) يعني بكل مسكين مد بر، أو نصف صاع تمر، أو شعير، ففرق المصنف بين البر وغيره، فالبر يكفي فيه المد، وغير البر لا بد فيه من مدين، اللذين هما نصف الصاع، ولكن إذا نظرنا لحديث كعب بن عجرة فإن كعب بن عجرة أتي به للنبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر من على رأسه، فقال: «ما كنت أظن أن الجهد بلغ بك إلى ما أرى، أحلق رأسك، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع» متفق عليه، ففي حديث كعب بن عجرة حدد النبي صلى الله عليه وسلم الإطعام بنصف صاع، ولم يقل: مد بر، أو نصف صاع من غيره، وبناء على هذا، فالقول الراجح أن الإطعام هو نصف صاع مطلقا سواء أكان من البر، أو من الشعير، أو من غيره؛ لأن الحديث عام، فالصاع من المكيل، والناس الآن يتعاملون بالوزن، فيحتاج أن نحول الصاع إلى وزن، والوزن مشتهر عند الناس الكيلو جرامات، ولكن مستقبلا لو اعتني بتحرير الصاع، ووضع صاع للناس، وحدد باللترات، يكون هذا أجود، وأضبط إلى المقصود الشرعي، ولكن نحن الآن أمام واقع، فلابد من تحويل الصاع إلى كيلو جرامات، وأقرب ما قيل في تحديده بالنسبة للأرز ونحوه.. هو تحديد الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – هو أن الصاع يعادل كيلوين وأربعين جرام، وإن أردت أن تحتاط تجعله كيلوين وربع، هذا هو الأقرب، والذي تحرر لي في تحديد الصاع، ربع : متين وخمسين جرام، لأن الكيلو ألف جرام، وإنما قلت الاحتياط لأن الصاع يختلف بحسب ما يوضع فيه، حتى الأرز يختلف، لو وضعت أرز من نوع كذا، يختلف من أرز من نوع كذا، ولذلك يحسن الاحتياط، فإذا جعلته كيلوين وربع هذا أحوط، وعلى هذا فنصف الصاع يعادل كيلو وعشرين جرام، هذا بالنسبة للإطعام.

(أَو ذَبْحُ شاةٍ) لابد بالنسبة للإطعام، وذبح الشاة من أن يكون في الحرم، وستأتينا عبارة المصنف – رحمه الله – في آخر الباب: (وكُلُّ هَدْيٍ أو إطعامٍ لمسَاكينِ الحَرَمِ، إلاَّ فِدْيَةُ الأََذى والإِحْصَارِ فَحيثُ وُجِدَا) الأصل في الإطعام وفي كذلك ذبح الشاة أنها في الحرم، إلا إذا كان حصل منه ذلك خارج حدود الحرم بالنسبة لفدية الأذى وسيأتي الكلام عن هذه المسألة.

 بالنسبة للإطعام هو حدد بنصف الصاع، ولكن لو أنه أتى بطعام مطبوخ، ذهب للمطعم وقال: أعطني ست وجبات رز مع لحم، وأطعم ستة مساكين من مساكين الحرم، هل يجزئ هذا؟ نعم يجزئ هذا، يسمى إطعام لغة، وشرعا، وعرفا.

قال: (وَكَذا تَغْطِيتُهُ، وتقليمُ أظفارِهِ، واللُّبْسُ، والطّيبُ) هذه المحظورات كلها فيها فدية الأذى، فيخير فيها بين الأمور الثلاثة التي ذكرنا.

قال: (وَفِي كُلِّ شَعْرةٍ أو ظُفْرٍ مُدٌّ، والثَّلاثُ كَالكُلِّ) يعني هنا رجوع من المصنف – رحمه الله – لمسألة حلق الشعر، فيقول: إنه لو قطع شعرة واحدة ففيها مد، يجب عليه أن يطعم مسكينا مدا من طعام، وفي الشعرتين مدين، وفي ثلاث شعرات يقول: كالكل، يعني حكمها حكم الكل فتجب فيها فدية الأذى، فهذا التفصيل الذي ذكروه ليس عليه دليل ظاهر وإنما هو استحسان من بعض الفقهاء، وذهب الإمام مالك – رحمه الله – : إلى أن الفدية لا تجب في أخذ الشعر إلا فيما يحصل به إماطة الأذى، أما مجرد أخذ شعرة أو شعرتين أو ثلاث فهذا لا يحصل به إماطة الأذى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ وهذا القول هو القول الراجح أنه لا تجب الفدية إلا فيما يحصل به إماطة الأذى، ومما يدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم: «احتجم وهو محرم في رأسه» ومعلوم أن من يحتجم في رأسه لابد أن يحلق مكان الحجامة من الرأس، وهو قدر ليس بالقليل، فيؤخذ لأجل الحجامة شعرات كثيرة، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى، وهذا مما يرجح القول الثاني.

قال: (وإِنْ قَتَلَ صَيداً فَدَاهُ بِمِثْلِه نَعَمَاً) المؤلف – رحمه الله – فرق الكلام عن الصيد، فذكر هنا جزاء الصيد في هذه الأسطر، ثم بعدها في الفصل الذي بعده، عقد بابا قال: (باب جزاء الصيد)، ولو أن المؤلف جمع الكلام عن جزاء الصيد في مكان واحد لكان هذا أحسن، وهذا هو ما سنعمله، سنؤجل شرح قوله: وإن قتل صيدا إلى أن نأتي إلى باب جزاء الصيد حتى يكون الكلام مرتبا ومتناسقا، ولذلك ننتقل للفصل الذي بعده.

قال: (وَيَجبُ على المُتمتّعِ والقَارنِ دمٌ، إنْ لم يَكُونَا من حَاضِرِي مَكَّةَ، فَمن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثةِ أيامٍ فِي الحَجِّ، وسَبعةٍ إذَا رَجَعَ) هذا هو الهدي ويسميه العلماء: هدي شكران، بخلاف الدم الذي يذبح عن ترك واجب، فيسمونه دم جبران، هذا الهدي يجب على المتمتع والقارن دون المفرد، فالمفرد ليس عليه هدي، والدليل على وجوبه على المتمتع هو قول الله عز وجل: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وهذا نص في هذه المسألة وهو محل إجماع، والقارن حكمه حكم المتمتع، قال الموفق بن قدامه: «لا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافا» إلا ما حكي عن داوود، وطاووس لكن لا يعول على خلاف داوود وطاووس فالمسألة كأنها إجماع.

قال: (إنْ لم يَكُونَا من حَاضِرِي مَكَّةَ)وهذا بنص الآية كما قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لكن ما المراد بحاضري المسجد الحرام؟ اختلف العلماء على أقوال أبرزها ثلاثة:

القول الأول: أن حاضري المسجد الحرام هم: أهل الحرم، أي من كان داخل أميال الحرم.

القول الثاني: أن حاضري المسجد الحرام هم: أهل مكة، ويشمل هذا: من كان داخل الحرم، ومن كان خارج الحرم وهو من أهل مكة، كأهل التنعيم مثلا، والشرائع، ونحوها.

القول الثالث: أن حاضري المسجد الحرام هم: من دون المواقيت.

والقول الراجح هم أهل مكة، والحرم، فيشمل ذلك: جميع من كان داخل حدود الحرم، ويشمل ذلك: من كان من أهل مكة ولو كان خارج حدود الحرم، هذا هو القول الأقرب في هذه المسألة، والله أعلم؛ لأن حاضري المسجد الحرام هم أهل المسجد الحرام الذين يقيمون فيه ويصدق عليهم وصف الإقامة، ويشاهدون البيت، وهذا إنما يصدق على أهل مكة، ولذلك أهل مكة ليس عليهم طواف وداع، ومكة الآن اتسعت حتى جاوزت أميال الحرم من بعض الجهات، فمثلا التنعيم الآن في مكة، وهو خارج حدود الحرم، أيضا الشرائع جزء منها داخل الأميال، وجزء منها خارج الأميال، فهؤلاء هم حاضرو المسجد الحرام، وهؤلاء ليس عليهم دم إذا اختاروا نسك التمتع أو القران، وهذا بالنص والإجماع.

قال: (فَمن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثةِ أيامٍ فِي الحَجِّ، وسَبعةٍ إذَا رَجَعَ) من لم يستطع هدي التمتع والقران حيث لا يكون معه من المال ما يستطيع أن يشتري به الهدي فإنه يلزمه الصوم عشرة أيام، يصوم ثلاثة أيام في الحج، ويصوم سبعة إذا رجع، أما الثلاثة الأيام التي في الحج فيبتدئ وقت صيامها من الإحرام بالعمرة، وينتهي وقتها بانتهاء أيام التشريق، فلو أنه قدم مكة في اليوم السادس وأتى بالعمرة في اليوم السادس يصوم السادس والسابع والثامن مثلا: ويجوز أن يصومها في أيام التشريق، الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، لحديث عائشة وابن عمر – رضي الله عنهم – : «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» أخرجه البخاري في صحيحه، فإذا هو يختار أن يصومها قبل العيد، أو بعد العيد، أما صوم العيد فيحرم، وصوم عرفة يكره، ولا يشترط فيها التتابع، وأما السبعة التي إذا رجع أي بعدما يرجع من الحج إلى أهله وأيضا لا يلزم فيها التتابع.

قال: (وكَذا مَنْ وَطِئَ فَتَجِبُ بهِ بَدَنَةٌ فِي الحَجِّ، وَشَاةٌ فِي العُمْرَةِ) المصنف انتقل إلى أشد محظورات الإحرام وهو الجماع، وهو أيضا أشد مفسدات الصيام، تجب به إذا حصل الجماع في نهار رمضان تجب فيه الكفارة المغلظة، وقضاء ذلك اليوم، والتوبة، وهنا أيضا هو أشد محظورات الإحرام ويختلف الحكم بينما إذا كان الوطء قبل التحلل الأول، أو بعد التحلل الأول، والتحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق أو التقصير، والطواف، إذا فعل اثنين منها حل التحلل الأول، وإذا فعلها كلها حل التحلل الكامل، فإذا حصل الجماع قبل التحلل الأول ترتب عليه أمور: قال المؤلف: (وكَذا مَنْ وَطِئَ فَتَجِبُ بهِ بَدَنَةٌ فِي الحَجِّ) يجب به بدنه في الحج، وشاة في العمرة، وأيضا قال: (وفِعْلُهُ قَبْلَ التّحَلُّلِ الأولِ مُفْسِدٌ) أيضا يترتب عليه اثنين فساد الحج.

قال: (ويَمضِي فيهِ) ثلاثة وجوب المضي فيه، (ويَقْضِي مِنْ قَابلٍ )إذا وأربعة يجب عليه قضاء هذا الحج من قابل، خمسة التوبة، يجب عليه التوبة، إذا هذه الأمور الخمسة هي المترتبة على الجماع قبل التحلل الأول خمسة: الأمر الأول: بدنة، الأمر الثاني: فساد الحج، الأمر الثالث: وجوب المضي فيه، الأمر الرابع: وجوب قضائه من العام المقبل، الأمر الخامس: التوبة، أما وجوب البدنة لآثار روية عن بعض الصحابة كعمر، وابن عمر، وابن عباس، واشتهر رأيهم في هذه المسألة، ولم يظهر لهم مخالف فكان كالإجماع، وأما فساد الحج فقد نقل ابن منذر وغيره أيضا إجماع العلماء على ذلك، وأما وجوب المضي فيه كذلك أيضا نقل الإجماع عليه، وأما وجوب قضائه من قابل فروي عن بعض الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وحكي فيه الإجماع أيضا، والتوبة لأن هذه معصية، وأما لو فعله في العمرة قبل الطواف فتجب شاة، وليس بدنة، فيكون حكم العمرة أقل من حكم الحج، وقيل إنه يجب فدية الأذى؛ لأنه مخير بين ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، هذا في العمرة، وأيضا العمرة تفسد كذلك إذا حصل الجماع قبل الطواف، ويجب عليه أن يقضيها. قال: (وبَعْدَ التَحلُّلِ الأَولِ يُحْرِمُ مِنَ الحِلِّ، وعَليهِ شَاةٌ) يقول المؤلف يجب عليه أمران:

الأمر الأول: أنه يخرج إلى الحل، ومعنى الحل: خارج حدود الحرم، فيجدد إحرامه، وعليه أيضا شاة يذبحها في الحرم، ويوزعها على فقراء الحرم، أما بالنسبة للشاة فهذا قد روي عن ابن عباس – رضي الله عنه – وأما بالنسبة لتجديد الإحرام هذا ليس عليه دليل ظاهر؛ لأن إحرامه لم يفسد جميعه، فلا يلزمه تجديد إحرامه، وهذا هو القول الراجح، ثم إن قوله بتجديد الإحرام ليس عليه دليل، القول الراجح إذا أنه إذا حصل الجماع بعد التحلل الأول عليه فقط شاة، وعليه التوبة، وكذلك أيضا إذا حصل الجماع بعد الفراغ من السعي، وقبل الحلق، فيجب عليه كذلك أيضا شاة.

قال: (ومَنْ بَاشَرَ فَأنَزَلَ فَعَلَيهِ بَدَنةٌ، وإلاَّ شَاةٌ، كَمَنْ كرَّرَ نَظَراً فأنزَل) من باشر زوجته وهو محرم إما بقبلة، أو لمس، أو غير ذلك.. فأنزل فإن حجه لا يفسد؛ لأنه لم يحصل منه جماع، وإنما حصلت منه مباشرة، لكن يجب عليه بدنة، ووجوب البدنة قياسا على الجماع، ولكن هذا القياس قياس مع الفارق، قياس لا يستقيم؛ لأن المباشرة هي دون الجماع، ولا تأخذ حكمه، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا باشر فأنزل فيجب عليه شاة، وقال آخرون: إنه يجب عليه فدية الأذى، وهذا هو الأرجح، وهي صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، قياسا على بقية المحظورات.

قال: (وإلاَّ شَاةٌ) يعني وإن لم ينزل فشاة، وعلى هذا نقول: إذا باشر فأنزل فالمؤلف يرى أن عليه بدنة، وقيل: عليه شاة، وقيل فدية الأذى، وهذا هو الراجح، أما إن لم ينزل فعليه شاة.

قال: (كَمَنْ كرَّرَ نَظَراً فأنزَل، أو اسْتَمْنَى) يعني فعليه شاة، على رأي المؤلف، لكن على المشهور من مذهب الحنابلة يرون أن عليه بدنة، وعدوه من المفردات، وقيل: لا شيء عليه وهو مذهب الحنفية، والشافعية، فتكون المسألة هذه فيها ثلاثة أقوال:

(كَمَنْ كرَّرَ نَظَراً فأنزَل، أو اسْتَمْنَى) قيل: عليه شاة، وهو رأي المؤلف، وهو مذهب المالكية.

وقيل عليه بدنه وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو من المفردات.

وقيل لا شيء عليه، وهو مذهب الحنفية، والشافعية.

وقيل: وهو القول الرابع، عليه فدية أذى، يعني مخير بين الصيام، والصدقة، والنسك.

وهذه الأقوال ليس عليها دليل ظاهر، فيكون أقيسها القياس على بقية المحظورات، فإذا قسناها على بقية المحظورات، أن فيه فدية الأذى، هذا هو القول الراجح.

قال: (وَمَنْ كَرَّرَ مَحظُوراً مِنْ جِنسٍ غَيرِ قَتْلِ الصَّيدِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَكَفَّارُةٌ، وإلاَّ كَفَّارَتَينِ كالجِنْسَينِ) من كرر محظورا من جنس واحد قبل أن يكفر، يعني مثلا: تطيب ثم تطيب ثم تطيب عليه كفارة واحدة، ولا تكرر الكفارة بتكرر ارتكاب المحظور ما دام من جنس واحد، فتتداخل الكفارات فيما بينها وتكفيه كفارة واحده، ككفارة اليمين فلو أنك حلفت فتقول: والله لا أفعل كذا، ثم قلت والله لا أفعل كذا، ثم قلت والله لا أفعل كذا تكفيك كفارة واحدة، وكالأحداث يكفيك وضوء واحد، وقوله: (مِنْ جِنسٍ )، يعني لو كانت من أجناس فتتعدد الكفارات، وسيأتي الكلام عنها، واستثنى المصنف قال: (غَيرِ قَتْلِ الصَّيدِ) يعني أن قتل الصيد يتعدد، جزاءه بتعدده، لقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ فلو قتل حمامه، ثم قتل حمامه، فيكون عليه جزاءان وليس جزاء واحدا.

قال: (وإلاَّ كَفَّارَتَينِ كالجِنْسَينِ) وإلا كفارتين يعني إن كفر عن هذا المحظور ثم فعله مرة ثانية فتلزمه كفارتان، فلو أنه تطيب ثم كفر ثم تطيب فعليه كفارة ثانية، ولا تتداخل الكفارتان، وهذا ظاهر، كما لو حلف ثم كفر ثم حلف فعليه كفارة آخرى، كالجنسين أي أن الكفارة تتعدد عند تعدد الأجناس، فلو أنه غطى رأسه وتطيب، فعليه كفارتان، إذا متى تتداخل الكفارات؟ تتداخل في حالة واحدة، إذا كانت من جنس واحد، وقبل أن يكفر، ككفارة اليمين تماما، فكفارة الأذى هي ككفارة اليمين في التداخل، وكالحدود أيضا في تداخلها، فلو أنه زنى ثم زنى عليه حد واحد، لكن لو زنى وسرق، عليه حد الزنى وحد السرقة، وهكذا، تجد أن هذه القاعدة مطردة لكثير من الأحكام الشرعية.

قال: (وكُلُّ هَدْيٍ أو إطعامٍ لمسَاكينِ الحَرَمِ) وأشرنا لهذه القاعدة قبل قليل، وهذه هل نسميها قاعدة، أو نسميها ضابط؟ وما هو الفرق بين القاعدة والضابط؟ الضابط: يكون في الباب الواحد من أبواب الفقه، أما القاعدة: فيها حكم كلي أو أكثري أو أغلبي في جميع الأبواب، أو في معظم الأبواب، مثلا: قاعدة اليقين لا يزول بالشك، هذه في عدة أبواب من الفقه، لكن مثل هذا (وكُلُّ هَدْيٍ أو إطعامٍ لمسَاكينِ الحَرَمِ) هذا ضابط وليس قاعدة.

(وكُلُّ هَدْيٍ أو إطعامٍ لمسَاكينِ الحَرَمِ) يعني كل ما وجب فيه الهدي مثل: هدي التمتع، هدي القران، هدي التطوع، جزاء الصيد، هذه كلها تكون لمساكين الحرم، وهكذا أيضا الإطعام الأصل فيه يكون لمساكين الحرم.

 (إلاَّ فِدْيَةُ الأََذى والإِحْصَارِ فَحيثُ وُجِدَا) فدية الأذى التي تكلمنا عنها هذه تكون حيث وجد، إذا كانت في الحرم تكون في الحرم، وإذا كانت في الحل تكون في الحل، وهكذا الإحصار أيضا فلو أحصرت مثلا في الحل فتذبح هديا في الحل، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

 ثم أفرد المصنف – رحمه الله – جزاء الصيد بباب ونضمه عليه الكلام الذي استثنيناه قبل قليل.

قال: (بابُ جَزَاءِ الصَّيدِ).

نرجع لعبارة المصنف التي أخرناها قبل قليل وهي قوله: (وإِنْ قَتَلَ صَيداً فَدَاهُ بِمِثْلِه نَعَمَاً) ما هو ضابط الصيد؟ الحيوان الحلال، البري، المتوحش، بأصل الخلقة، من قتل صيدا

قال: (وإِنْ قَتَلَ صَيداً فَدَاهُ) الله تعالى يقول: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ما معنى النَّعَمِ ؟ بهيمة الأنعام، وما هي بهيمة الأنعام؟ الإبل، والبقر، والغنم، معنى ذلك أن جزاء الصيد يكون من الإبل والبقر والغنم فقط.

قال: (بِقَولِ الصَّحَابةِ) لقول الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ والصحابة – رضي الله عنهم – كلهم عدول، بل هم أعدل الأمة، فحكمهم مقدم على غيرهم، فما حكم فيه الصحابة يجب الأخذ به، وما لم يحكم به الصحابة يحكم به ذوا عدل من الناس.

ولهذا قال المصنف: (وإِنْ قَتَلَ صَيداً فَدَاهُ بِمِثْلِه نَعَمَاً، بِقَولِ الصَّحَابةِ، وإلاَّ عَدْلينِ) فالصحابة لها أقضية في هذا، سيأتي الكلام عنها بعد قليل، في الباب الآتي، فأقضية الصحابة يؤخذ بها لأنهم أعدل الناس، لكن إن لم يوجد أقضية للصحابة يحكم به ذوا عدل من الناس من أهل الخبرة، ممن اجتمع فيهم وصف العدالة والخبرة، وهذا معنى قول المصنف.

(أو قَوَّمَهُ بِنَقدٍ) يعني إما أن يفديه بمثله من الأنعام، من إبل، وبقر، وغنم، أو تقدر قيمة هذا النعم بنقد، فيقال مثلا: هذه الحمامة فيها شاة، والشاة قيمتها مثلا: تسعمائة ريال، ويشتري بهذه القيمة طعاما، وهذا الطعام يوزع على مساكين الحرم، ولهذا قال المصنف: (أو قَوَّمَهُ بِنَقدٍ واشترى به طَعَاماً) كيف يوزع هذا الطعام؟ قال: (لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، أو يَصومُ عَنْ كلِّ مُدٍّ يَومَاً) وإنما قدر المصنف المد؛ لأن الشرع لم يرد بأقل من ذلك، ولكن إذا رجعنا إلى حديث كعب بن عجرة، ماذا كان تقدير النبي صلى الله عليه وسلم للإطعام؟ كان تقديره نصف صاع، ونصف صاع يعادل مدين، وعلى هذا فالقول الراجح أن الإطعام يكون نصف صاع، وهو مدان، وهو أيضا أقرب للعرف، ولكفاية هذا المسكين، فإن المد قد لا يكفيه، فالصواب إذا أنه يكون لكل مسكين نصف صاع، فتسعمائة ريال مثلا هذه: يشتري بها طعاما، ويعطي كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن كل مد يوما، وعلى القول الراجح يصوم عن كل نصف صاع يوما، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ذكر الله تعالى الأمور الثلاثة، ذبح المثل، أو الإطعام، أو الصيام، هذا رجل قتل حمامه، نقول: الواجب أن تذبح المثل، ومثيلتها التي قضى بها الصحابة الشاة، تذبح شاة في الحرم، أو أنك تقدر الشاة كم قيمتها، قال: قيمتها تسعمائة ريال، تشتري بها طعاما توزعه على مساكين الحرم، لكل مسكين نصف صاع، أو تصوم عن إطعام كل مسكين يوم، هذا منصوص عليه في الآية الكريمة، هذا من حيث التقعيد لجزاء الصيد.

قال: (بابُ جَزَاءِ الصَّيدِ) هذا في التمثيل، ولو أن المصنف جمع بينهما لكان أحسن.

قال: (يَجِبُ المِثْلُ فِي المِثْلِيِّ) ومعنى المثل: أي ما كان له مثل من بهيمة الأنعام، كقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ لأن الحيوان لا يخلو إما أن يكون له مثل، أو ليس له مثل، فإن كان له مثل فهو مخير بين الأمور الثلاثة التي ذكرنا، الأول: ذبح المثل، كيف نعرف المثل؟ فيما قضت به الصحابة يكون بقضائهم، وما فيما لم تقضي به الصحابة قضائه ذوا عدل من المسلمين، أقضيت الصحابة أشار المصنف لها.

 قال: (فَقَضَتِ الصَّحابَةُ فِي النَّعامَة بِبَدَنَةٍ) هذا روي عن عدد من الصحابة، عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والنعامة تشبه البدنة في طول رقبتها، وفي أيضا شكلها، وهيئتها، فمن قتل نعامة ففيها بدنة.

(وحِمارِ الوَحْشِ، وبَقَرِهِ، والإيَّلِ، والثَّيْتَلِ، والوَعِلِ بِبَقَرَةٍ، والضَّبُعِ بِكَبْشٍ) يعني وبقر الوحش، (وحِمارِ الوَحْشِ): هو نوع من الصيد يسمى حمار الوحش، وقد كان موجودا في الجزيرة العربية، في صدر الإسلام، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أما الآن فقد انقرض، لكن يوجد الآن في بعض الدول وبخاصة أفريقيا يوجد فيها حمار الوحش، وقيل إنه: المخطط الذي نرى صورته، وقيل المخطط أنه ليس الحمار الوحش وإنما هو غيره، (وبَقَرِهِ) بقر الوحش، يقولون شبيه بالماعز، وأيضا هو ليس موجودا الآن في الجزيرة العربية انقرض، (والإيَّلِ): يقولون إنه شبيه ببقر الوحش وهو ذكر الوعل، (والوَعِلِ) وهو تيس الجبل، (والثَّيْتَلِ) يقولون هو ذكر الكبير من الأوعال، هذه كلها ليست موجودة الآن عندنا في الجزيرة العربية انقرضت، هذه كلها جزاؤها بقرة؛ لأن الصحابة حكموا فيها بذلك.

قال: (والضَّبُعِ بِكَبْشٍ) وهذا بناء على القول بأن الضبع صيد، وأنه يباح أكله، وإلا على القول بأنه يحرم أكله، لا يكون صيدا، وإن شاء الله سنشرحها في كتاب الأطعمة بالتفصيل، وهو الحقيقة أن الضبع الخلاف فيه قوي، لأنه من ذوات السباع، ونابه أقوى أنياب السباع، أقوى حتى من ناب الذئب، ويأكل الجيف، حتى يأكل الإنسان، سنفصل الكلام عن حكم الضبع في حينه إن شاء الله.

قال: (والغَزَالِ ، والثَّعْلبِ بِعَنْزٍ) الغزال يشبه العنز، فهو له شعر، وليس له صوف، أجرد الشعر، له أيضا مقاطع الذنب، أما الثعلب، فذكره هنا بناء على جواز أكله، فالقول فيه كما قلنا في الضبع، بناء على جواز أكله، وإلا على القول بأنه لا يجوز أكله، لا اعتبر أصلا صيدا.

قال: (وَالوَبْرِ ، والضَّبِّ بِجَدْيٍ) الوبر يقولون إنه:حيوان صغير، له ذنب قصير، وهو معروف، الوبران معروفة عند أهل الصيد، أما الضب حيوان معروف، موجود بكثرة في الجزيرة العربية، الجزاء فيه الجدي، والجدي الذكر من ولد الماعز الذي له ستة أشهر فأكثر، وهذا أيضا قد قضى فيه الصحابة.

(والأرْنَبِ بِعَنَاقٍ) الأرنب معروف، وأما العناق وهي: الأنثى من ولد المعز، فمن قتل أرنبا ففيه عناق.

(والحَمَامِ بِشَاةٍ) والحمام الآن هو أكثر الصيد في الحرم، الحمام يشبه الشاة في عبء الماء، في طريقة شربه للماء، والصحابة قضوا بأن قتل الحمامة فيه شاة، هذه أقضية قضى فيها الصحابة – رضي الله عنهم – إذا يخير بين ذبح المثل، أو أن يشتري بقيمته طعاما، أو أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوما، هذا إذا كان له مثل، أما إذا قتل صيدا لا مثل له.

قال: (وَفِيمَا لا مِثْلَ لهُ قيمَتُهُ) قيمته يعني أو صيام، فيكون فيه الأمران الآخران إما قيمته بأن تقدر قيمته ويشتري به طعاما ويوزع على فقراء الحرم، أو يصوم عن كل مسكين يوما، فيكون فيه الأمر الثاني، والثالث، فالصيد الذي ليس له مِثل، مثل: العصافير، من الصيد الذي ليس له مثل، ومثل: الجراد، ونحوه.. فتقدر قيمتها ويشترى طعام لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوما.

قال: (وَفِي الجُزْءِ بقِسْطِهِ) إذا أتلف المحرم جزءا من الصيد بأن قطع مثلا: يده أو رجله ثم اندملت بعد ذلك، فيضمن الجزء المتلف بمثله لحما من مثله من النعم، أو قيمته طعاما.

قال: (والإعَانَةُ شَرِكَةٌ) يعني إذا تعاون جماعة على قتل الصيد فشخص مثلا: أشار، وشخص أعان، وشخص قتل، اشتركوا جميعا في قتله، فيكون عليهم جزاء.

قال: (وعَلى الشُّرَكَاءِ جَزَاءٌ) عليهم جميعا جزاء واحد، لو أنهم اشتركوا مثلا في قتل حمامة، قال: شخص انظر هذه حمامة، ثم أحدهم أتى ببندقية، وسلمها للثالث، والثالث هو الذي أطلق الرصاص على الحمامة، اشترك الثلاثة في قتل هذه الحمامة، فعليهم جزاء واحد، عليهم شاة، يشترون شاة ويذبحونها، أو بقيمتها طعاما، أو إطعام عن كل مسكين يوما.

قال: (وصَيدُ الحرمِ كالإحْرامِ) أن حكم صيد الحرم كالصيد في حال الإحرام، فمن كان داخل حدود الحرم، وداخل الأميال، يحرم عليه الصيد، فإن صاد فعليه الجزاء على التفصيل السابق، وعلى هذا أهل مكة المقيمون فيها يحرم عليهم الصيد، ولو لم يكونوا محرمين؛ لأن هذا البلد بلد آمن، يأمن فيه الإنسان، والحيوان، والطير، والنبات، بلد جعله الله تعالى آمنا، إذا هذا الحكم لا يختص بالمحرم فقط، بل يشمل المحرم، ويشمل من كان داخل الحرم، بل لو كنت بملابسك في مكة، لا يجوز لك أن تقتل الصيد، ولا حتى أن تنفره، فإذا جميع الأحكام السابقة متعلقة بالمحرم وبمن كان داخل حدود الحرم.

قال: (ويَحْرُمُ قَلْعُ شَجَرَةٍ، لا يَابِسٍ، وإِذْخِرٍ، ومَا زَرَعَهُ آدميٌّ) يعني داخل حدود الحرم، (ويَحْرُمُ قَلْعُ شَجَرَةٍ ) والمراد بالشجرة: الشجرة الرطبة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم مكة إلى قوله: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا يحش حشيشها» ويستثنى من ذلك: اليابس قال: (لا يَابِسٍ) فيجوز قطعه؛ لأن اليابس خرج بموته عن اسم النبات، والشجر، وأيضا يستثنى من ذلك: (وإِذْخِرٍ) وهو نبات له رائحة طيبة، وقضبانه دقيقة كما يقولون، ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم مكة إلى قوله: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا يحش حشيشها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف، قام: العباس، فقال يا رسول الله: إلا الإذخر فإنه لصاغتنا، وقبورنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر» فاستثنى النبي صلى الله عليه وسلم الإذخر، فيجوز قلعه ولو كان أخضر، والمستثنى الثالث، قال: (ومَا زَرَعَهُ آدميٌّ) يباح أيضا قطعه؛ لأنه ملكه فيضاف إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما حرم ما كان مضافا إلى مكة، فلو أن أحدا مثلا ساكن في مكة، فوضع في مقدمة البيت مثلا: نعناع، أو وضع زرعا، أو وضع بقوليات، هل له أن يقطعها؟ نعم له أن يقطعها؛ لأنه زرعها.

قال: (وتُضْمَنُ الكَبِيرةُ بِبَقَرةٍ، والصَّغِيرةُ بِشَاةٍ) تضمن قطع الشجرة الكبيرة في الحرم ببقرة، وقطع الشجرة الصغيرة في الحرم بشاة، وروي ذلك عن بعض الصحابة.

قال: (والغُصْنُ بِما نَقَصَ) يضمن غصن الشجرة بما نقص من قيمة الشجرة.

قال: (والحَشِيشُ الرَّطبُ بِقِيمتِه) كذلك إذا حش حشيش رطبا ضمنه بقيمته، وليس في هذه المسألة دليل إلا آثار عن بعض الصحابة، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا جزاء في قطع شجر الحرم، وإنما فيه التوبة، وهذا هو مذهب المالكية، وهو القول الراجح؛ لعدم الدليل الدال على ثبوت الجزاء في قطع شجر الحرم، والأصل براءة الذمة، ولو كان هناك جزاء في قطع شجر الحرم لبينه الله تعالى في آية الصيد، أو بينه رسوله صلى الله عليه وسلم، كما بين جزاء في قتل الصيد، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والله تعالى ذكر جزاء الصيد على وجه مفصل، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر جزاء الصيد على وجه مفصل، ولم يرد ذكر الجزاء على من قطع شجرة.

قال: (ويَحْرُمُ صَيدُ المَدينةِ) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة، حرام مابين حرتيها، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها» فصيد المدينة إذا يحرم كحرمة صيد مكة، لكن هل فيه جزاء؟ قال: (بِلا فِدْيةٍ) أي ليس فيه جزاء، وهذا القول رواية عند الحنابلة، ولكن الرواية المشهورة عند الحنابلة هي أنه: يضمن القاتل بأن يؤخذ سلبه منه، يعني يؤخذ ما بيده، معه مثلا: البندقية، تؤخذ منه البندقية، والراجح والله أعلم، هو القول الأول الذي قرره المؤلف أنه ليس فيه فدية، ولكن فيه التوبة؛ لأنه وجوب الجزاء لا دليل عليه، وأما حديث سعد بن أبي وقاص أنه رأى رجلا يقطع شجرا، فأخذ سلبه، وقال: معاذ الله، أن أرد عليه شيء نفلنيه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا اجتهاد منه، ويمكن أن يلجأ إليه الإمام وولي الأمر إذا رأى المصلحة في هذا.

قال: (وَحَشِيشُهَا وشَجَرُهَا بِلا حَاجةٍ) يحرم قطع حشيش المدينة وقطع شجرها بلا حاجة، وأيضا قطع شجرها ليس فيه جزاء من باب أولى، إذا قلنا: إن الصيد ليس بجزاء فالحشيش والشجرة ليس به جزاء، لكن فيه التوبة، وقوله: (بِلا حَاجةٍ) فيه إشارة أنه لو احتاج إلى قطع الشجرة جاز ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: «ولا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» وعلى هذا فسكان المدينة الذين عندهم مزارع، ما أنبتوه بفعلهم لا إشكال فيه، لكن ما نبت ليس بفعلهم فنقول: إن احتاجوا إلى قطعه، كأن يجعلوه علفا للبهائم فلا بأس، أما إن لم يحتاجوا فالأصل أنه لا يقطع، ولاحظوا هنا أن شجر المدينة أخف من شجر مكة، شجر مكة ما يجوز مطلقا حتى للحاجة، أما شجر المدينة فيجوز للحاجة، لقوله: «إلا أن يعلف رجل بعيره».

ثم قال المصنف – رحمه الله - : (بابُ دُخُولِ مَكَّة) يعني صفة دخول مكة للعمرة والحج.

قال: (سُنَّ مِنْ أَعَلاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَا) يسن دخول مكة من أعلاها، ثم وضح المصنف ذلك قال: (مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَا) يقال: كدا بالفتح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل مكة دخلها من الثنية العليا التي هي كدا، وإذا خرج خرج من الثنية السفلى، وقال بعض أهل العلم إنما يسن دخول مكة من ثنية كدا لمن كانت على طريقه كأهل المدينة، أما إذا لم تكن على طريقه كأهل نجد مثلا: فإنه لا يستحب أن يذهب ويدخل مكة من ثنية كدا، وهذا هو القول الراجح والله أعلم؛ لأن القول بالاستحباب يحتاج إلى دليل، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما دخل مكة من ثنية كدا لأنها على طريقه من المدينة، ولو لم تكن على طريقه فالظاهر أنه لن يدخلها من هذه الجهة.

قال: (ثُمَّ يَدخُلُ المَسجدَ مِنْ بابِ بَنِي شَيْبَةَ) المسجد الحرام في عهد النبي عليه الصلاة والسلام صغير، كان الكعبة والفناء الذي محيط بها، المطاف، أو حتى أصغر من المطاف الحالي، فكان باب بني شيبة داخل المطاف الآن، يقال أنه: قريب من مقام إبراهيم، فهو الآن إذا لا وجود له، وأما أحد أبواب الحرم مكتوب عليه باب بني شيبة مجرد اسم وإلا باب بني شيبة الذي دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم أصبح الآن داخل المطاف.

قال: (فَإذَا رَأى البَيتَ رَفَعَ يَدَيهِ وكَبَّرَ ودَعَا) البيت يعني الكعبة، قوله: رفع يديه، هذا روي عن ابن عباس – رضي الله عنهما –: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن: وذكر منها إذا رأى البيت» ولكن هذا الأثر عن ابن عباس ضعيف لا يصح، ولهذا الصواب: أنه لا يشرع رفع اليدين عند رؤية الكعبة؛ لأنه ليس هناك دليل على مشروعية رفع اليدين.

قال: (وكَبَّرَ ودَعَا) كذلك أيضا التكبير والدعاء عند رؤية الكعبة، لم يرد فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعبادات مبناها على التوقيف، وعلى هذا فالصواب لا يشرع شيء من ذلك، لا رفع اليدين ولا التكبير ولا الدعاء؛ لأنه لم يثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: (ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الحَجرِ الأسودِ بِطَوافِ العُمْرةِ المُعْتَمِرُ، وبالقُدُومِ غَيرُهُ) إذا وصل إلى المطاف بدأ بالطواف من الحجر الأسود، فإن كان معتمرا يبدأ بطواف العمرة، وإن كان متمتعا كذلك سيبدأ بطواف العمرة، وإن كان مفردا أو قارنا فيبدأ بطواف القدوم.

قال: (مُضْطَبِعاً بِرِدَائِهِ، وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى الأَيسَرِ) فسر المصنف الإضطباع وبين أنه مسنون في هذا الطواف، فالإضطباع يسن في طواف القدوم، أو طواف العمرة، ولا يسن في غيرهما، ما معنى الاضطباع: فسره المصنف قال: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، أي أنه يكشف عاتقه الأيمن، والحكمة من ذلك: أن هذا فيه إظهار للشجاعة، والقوة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم به الصحابة، لما قدوم من المدينة، قال: كفار قريش، سيقدم عليكم أصحاب محمد، وهانتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا ذلك إظهارا للقوة، والشجاعة، الاضطباع محل كما ذكرنا طواف العمرة، وطواف القدوم، وما يفعله بعض الناس من كشف العاتق الأيمن من حين أن يحرم هذا غير صحيح، غير مشروع، إنما يستر عاتقه الأيمن، ولا يكشفه إلا وقت الطواف، وليس أي طواف، وإنما طواف العمرة، أو طواف القدوم فقط.

قال: (فَيُحَاذِي الحَجَرَ بِبَدنِهِ) يقف مقابل الحجر، (وَيَسْتَلِمُهُ) يلمسه بيده، (ويُقَبِّلُهُ، فَإن شَقَّ قبَّلَ يَدَهُ، أَو أَشَارَ إليهِ) الحجر الأسود فيه ثلاث سنن:

السنة الأولى: أن يستلمه، ويقبله.

السنة الثانية: أن يستلمه بيده، أو بشيء آخر بعصا ونحوه ويقبل ما استلمه به؛ لحديث أبي الطفيل قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن» رواه مسلم.

السنة الثالثة: أن يشير إليه.

وعلى هذا الترتيب الأفضل الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، وهذه كلها فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يتيسر لأكثر الناس اليوم هو: الثالث، الإشارة، يشير إليه، لحديث ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه، وكبر» كيف تكون الإشارة؟ تكون باليد اليمنى فقط، وليس باليدين، بعض الناس يشير باليدين، هذا خلاف السنة، وأيضا يستقبل الحجر بوجهه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر – رضي الله عنه – : «إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر، فتؤذي الضعيف، إذا وجدت فرجة فاستلمه، وإلا فاستقبله، وكبر» وعلى هذا إذا كنت طائفا الأفضل أن تستقبل الحجر، وترفع يدك اليمنى، وتكبر، وبعض الناس تجد أنه يكبر وهو على جنبه، هذا خلاف السنة، هل يقول بسم الله والله أكبر، أو يقول: الله أكبر؟ النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه التكبير، كما في حديث ابن عباس، أشار إليه وكبر، لكن جاءت التسمية عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه كان يقول: بسم الله، والله أكبر، والراجح أنه يقتصر على التكبير؛ لأن هذا هو المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض الفقهاء، وفي بعض كتب المناسك يذكرون أنه يشرع أن يقول: بعدما يكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، وإتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه كثيرا ما نسمعها من المطوفين، وهذا روي في حديث ولكنه ضعيف، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا فالأقرب أنها لا تقال، وإنما يكتفي بالتكبير.

قال: (ثُمَّ يأخذُ عَلَى يَمِينِهِ) إذا انتهى من محاذاة الحجر، أو تقبيله، أو الإشارة، (ثُمَّ يأخذُ عَلَى يَمِينِهِ، ويَجْعَلُ البيتَ عَلَى يَسارِهِ) يعني يجعل الكعبة على يساره، إذا أراد أن يطوف، (فَإذَا أَتَى اليَمَانِيَّ استَلَمَهُ) اليماني يعني: الركن اليماني، وهو الذي يقع جنوب غرب الكعبة، أما جنوب الشرق هذا الحجر الأسود، وفي مقابلهما الركن الشامي والعراقي، الكعبة لها أربعة أركان: الحجر الأسود: ويقع في جنوب شرق الكعبة، الركن اليماني: جنوب غرب الكعبة، والركن الشامي: شمال شرق، الركن العراقي: شمال غرب، الذي يشرع هو: تقبيل الحجر الأسود كما ذكرنا، أو استلامه، أو الإشارة إليه، أما الركن اليماني ففيه سنة واحدة وهي: فإذا أتى اليماني استلمه، يعني لمسه بيده إن تيسر، (وقبَّلَ يَدَهُ) أما الاستلام؛ فقد جاء في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر» وأما تقبيل اليد لا دليل عليه، ولا دليل أيضا على مشروعية تقبيل الركن اليماني أصلا، وعلى هذا فالمحفوظ فيما يتعلق بالركن اليماني أن فيه سنة واحدة وهي: الاستلام فقط، فإن تيسر أن يستلمه استلمه، وإلا مشى ولم يشر، ولم يكبر، أما ما يرى من بعض الناس إذا مر بالركن اليماني قام وأشار فهذا خلاف السنة، بقية الأركان هذه لا يشرع لا استلامها، ولا الإشارة إليها، ولا تقبيلها؛ وذلك لأنها ليست على قواعد إبراهيم؛ لأن الكعبة لما تهدمت عادت قريش بناءها فقصرت فيهم النفقة، فأخرجوا الحجر، ولم يبنوا الكعبة على قواعد إبراهيم إلا الحجر الأسود، والركن اليماني فقط، هو الذي على قواعد إبراهيم، ولهذا تمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد بناء الكعبة لكن خشي الفتنة، قال لعائشة: «لولا أن قومك حديث عهدي بكفر لهدمت الكعبة ولجعلت لها بابين، وبنيت على قواعد إبراهيم» أتى عبدالله بن الزبير حقق ما تمناه النبي صلى الله عليه وسلم أعاد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين، ثم أتاه الحجاج بن يوسف بجيشه واجتاح مكة، وقتل عبدالله بن الزبير، ثم صلبه، وبقي مدة طويلة مصلوبا، حتى مر به عبدالله بن عمر، وقال: «السلام عليك أبا خبيب، أما كنت والله أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت صوما قوما»، كان عبدالله بن الزبير يصوم الدهر كله، يصوم كل يوم، هذا ورد النهي عنه لكن لم يبلغه النهي، وكان يقوم الليل، قواما، كان عابدا، صحابيا جليلا، أما والله أمة لأنت شرها لأمة خير لأن الحجاج كان يقول: هذا شر الأمة، فمباشرة هذا الكلام نقل للحجاج كان يهاب ابن عمر من كبار الصحابة، فلم يتعرض له بسوء، فأمر بعبدالله بن الزبير أن يرمى في مقبرة قريبة فرمي فأخذه الصحابة، وغسلوه، يقولون: جسمه تقطع لحمه، لحمه، وجمعوه في كفن، وصلوا عليه، ودفنوه، والقصة طويلة ثم ذهب الحجاج إلى أمه، الشاهد: أن الحجاج لما ولي على مكة أعاد بناء الكعبة كما كانت، هدمها مرة آخرى، وقال: دعونا من تخليط ابن الزبير، ثم لما أتى أبو جعفر المنصور أراد أن يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فنهاه العلماء وعلى رأسهم: الإمام مالك، قال: اتركها، لا تكون الكعبة ألعوبة للملوك، هذا يهدم، وهذا يبني، تركت على وضعها فأصبحت ترمم من حين لآخر، وآخر بناء للكعبة قريب 1417هـ، ولله الحكمة في هذا أنها بقيت، تصور لو أن لها بابين، باب يدخل منه الناس، وباب يخرج منه الناس، ربما تعذر، وما تمناه النبي عليه الصلاة والسلام من وجود البابين هو الآن موجود في حجر الكعبة، له بابان: باب يدخل الناس منه، وباب يخرج الناس منه، ومن صلى في الحجر فهو قد صلى في الكعبة؛ لأن الحجر جزء من الكعبة، لله الحكمة في بقاء الكعبة بهذا الشكل.

قال: (فَيَطوفُ سَبْعَاً، يَرْمُلُ في الثَّلاثةِ الأُوَلِ، وهو إسراعُ المَشْي) يطوف سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأول، الرمل هو: الإسراع في المشي، مع مقاربة الخطى، وهذا إنما يشرع في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وأما الأربعة الباقية فيمشي فيها مشيا، وأيضا الرمل: إنما يشرع في طواف العمرة، أو طواف القدوم، فهو كالإضطباع.

قال: (ويَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الأسودَ والرُّكْنَ: اللَّهُ أكبرُ، لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، وبينَ الركنَينِ: ربنَا آتنا في الدُّنيَا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النارِ) قوله: الله أكبر، لا إله إلا الله، هذا لم يرد فيه دليل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا فالصواب أنه لا يشرع ذلك؛ لأن القول بمشروعية التكبير، وقول: لا إله إلا الله يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل يدل على هذا، وأما قوله: (بينَ الركنَينِ) يعني بين الركن اليماني والحجر الأسود (ربنَا آتنا في الدُّنيَا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النارِ) فهذا قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله بين الركنين، وهذا الدعاء من أعظم الأدعية، وأجمعها، ولهذا كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر بذلك أنس، (ويَدعُو بِمَا أحَبَّ) يعني في الطواف يدعو بما أحب، وبما يحضره من خيري الدنيا والآخرة، وليس هناك دعاء محدد يقوله، وأما ما يفعله بعض الناس من تخصيص أدعية لكل شوط هذا لا أصل له، وتجد بعض الكتبيات مكتوب فيها دعاء الشوط الأول، دعاء الشوط الثاني.. هذا كله لا أصل له، وإنما يدعو بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف دعاء إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود (ربنَا آتنا في الدُّنيَا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النارِ).

قال: (وَلاَ رَمَلَ عَلى امرأةٍ، وأَهلِ مَكَّةَ) الرمل الذي ذكرنا صفته إنما يشرع على غير أهل مكة، ويشرع للرجال فقط دون النساء، أما أهل مكة فلا رمل عليهم؛ لأنه شرع لإظهار القوة والجلد لأهل البلد، وهم أهل البلد، وأما المرأة فالرمل أيضا شرع لإظهار الجلد والقوة وهذا غير وارد في حق المرأة.

قال: (ولا اضطِبَاعَ) ليس على المرأة الاضطباع وهذا ظاهر؛ لأن المرأة أصلا لا تلبس مثل لباس الرجل في الإحرام.

(ولاَ عَلَى الرَّجُلِ فِي غَيرِ هذَا) لا رمل، ولا اضطباع، في غير طواف القدوم، وطواف العمرة، هذا أشارنا إليه.

بقي مسألة نحن قلنا أنه يشرع أن يكبر كلما حاذى الحجر الأسود، هل إذا فرغ من الشوط السابع هل يشرع أن يكبر أم لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء فمن أهل العلم من قال: أنه لا يشرع؛ لأن عبادة الطواف قد انتهت، فلا يشرع له التكبير في هذه الحال.

القول الثاني: أنه يشرع له التكبير، وهذا اختيار شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – وهذا هو القول الراجح أنه يشرع له التكبير، وسبب الخلاف في هذه المسألة، هل التكبير لأجل بداية الشوط، أو التكبير لأجل محاذاة الحجر؟ من قال لأنه لأجل بداية الشوط قال: أنه لا يشرع التكبير عند نهاية الشوط السابع، ومن قال أنه لأجل محاذاة الحجر أنه يشرع، وإذا تأملنا السنة الواردة في هذا جاء في حديث ابن عباس قال: كلما أتى على الركن أشار إليه وكبر، وهذا يرجح أن التكبير لأجل محاذاة الحجر، وليس لأجل بداية الشوط، وعلى ذلك فهو في نهاية الشوط السابع، سوف يحاذي الحجر، وبناء على هذا فالقول الراجح أنه يشرع التكبير عند نهاية الشوط السابع، وبناء على هذا يكون التكبير ثمان مرات، هذا هو التحقيق في هذه المسألة والله أعلم.

قال: (ويَكُونُ طَاهِراً مُستَتِراً) يكون طاهرا من الحدث الأصغر والأكبر، وإلا هذا ذهب جمهور العلماء، أما استحبابه فمجمع عليه، ولكن اختلف العلماء في وجوبه، فمنهم من قال: أنه واجبة غير شرط، كما هو مذهب الحنفية، ومنهم من قال: أنها شرط لصحة الطواف، ومنهم من قال: إن الطهارة مستحبة، فالأقوال فيها ثلاثة:

القول الأول: أن الطهارة واجبة للطواف لكنها غير شرط، وهو مذهب الحنفية.

القول الثاني: أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.

القول الثالث: أن الطهارة ليست بشرط لصحة الطواف وإنما هي مستحبة، وهذا قال به بعض الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية – رحمه الله -.

ولا شك أن الأحوط هو التطهر، ولكن القول بالوجوب، أو الشرطية، يحتاج إلى دليل، والقائلون بذلك احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «افعلي ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» وأما القائلون بالاستحباب قالوا: إن الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قرابة مائة ألف، وفيهم الأعرابي، وفيهم الفلاح، وفيهم الأمي، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بالطهارة لأجل الطواف، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا بد في هذا العدد الكبير مائة ألف أن يكون فيهم غير متطهر، وهذا كما ترون هذا الاستدلال استدلال قوي، ونقول: الأحوط هو قول الجمهور، وهو اشتراط الطهارة ولكن الأقرب من حيث الدليل هو قول: ابن تيمية – رحمه الله – فعلى هذا من سأل في البداية نقول: تطهر خروجا من الخلاف واحتياطا، ولكن لو أنه أتى يريد أن يستفتي وقال: إنني سبق أن حجيت أو اعتمرت وأنا على غير طهارة، وانتقضت طهارتي، فهنا لا يؤمر بإعادة الطواف، لأن القول بعدم إيجاب الطهارة قول قوي كما ترون، أما حديث عائشة فهو خاص بالحيض، ولا يشمل غيره.

قال: (مُستَتِراً) يعني ساترا عورته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يطوف بالبيت عريانا».

قال: فصل، (ثُمَّ يُصَلّي رَكْعَتَينِ، خَلْفَ المَقَامِ) إذا فرغ من طوافه صلى ركعتين، والسنة أن يقرأ في الركعة الأولى قل يا أيها الكافرون، والركعة الثانية قل هو الله أحد، وقوله: (خَلْفَ المَقَامِ) خلف مقام إبراهيم إن تيسر له، وإن لم يتيسر فيصلي ركعتين في أي مكان من الحرم، (ثُمَّ يَعُودُ إلى الحَجَرِ فَيَستَلِمُهُ) يعني بعدما يصلي ركعتين يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر، وإن لم يتيسر مضى ولم يشر، ولم يكبر، وأكثر الناس الآن لا يتيسر لهم الاستلام.

قال: (ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّفَا مِنْ بابهِ) الصفا: جبل الصفا، وقوله: من بابه: كان فيما سبق له باب، وهو باب بني مخزوم، وكان بين المسعى وبين الحرم بيوت، وكان يوجد على جانبي المسعى باعه، بل كان أعظم أسواق مكة في المسعى، هذا من العجائب، وكان يختلط الساعون بالمتسوقين، ويجد الساعون صعوبة في السعي بسبب المتسوقين، وكان هناك إنكار من بعض العلماء، وبقي الأمر على هذا مدة طويلة، إلى أن أتت الدولة السعودية، وهذا في الحقيقة من حسناتها، وهدمت المباني التي ما بين المسعى وما بين الحرم، وأيضا أزالت هذه المحلات، أبعدتها عن المسعى، وكان هذا عام 1375هـ، فهذا معنى قول الفقهاء: يخرج إلى الصفا من بابه.

قال: (فَيَرْقَى عَليهِ) يعني يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة، (ويُكَبِّرُ ويَحْمَدُ) يعني يقول: الله أكبر، الحمد لله، وأيضا يشرع أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يقول هذا، ثم يدعو بين ذلك، يفعل ذلك يعني التكبير والتحميد والتهليل ثلاث مرات، لكن الدعاء كم مره؟ في حديث جابر ثم دعا بين ذلك، يعني لو أتى بالذكر المرة الأولى ثم دعا، ثم أتى بالذكر مرة ثانية، ثم دعا، ثم أتى بالذكر، يكون الدعاء مرتين، والذكر ثلاث مرات، إذا دنا من الصفا يشرع أن يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ، أبدأ بما بدأ الله به، كما في جاء في حديث جابر، إذا دنا من الصفا، وليس عندما يصل الصفا، هل يشرع أن يكمل الآية أو يقف عند قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ، المحفوظ أنه يقتصر على أول الآية فقط.

(ثُمَّ يَنْزِلُ ويَمشِي حَتَى يَأتِيَ العَلَمَ) ينزل من جبل الصفا ويمشي حتى يأتي العلم الأخضر، والموفق ابن قدامه في المغني قال: العلم الأخضر يظهر أنه كان أخضر منذ ذلك الزمن، كان أخضر من ذلك الزمن، الموفق توفي سنة 620 ، وقد كان قبل ذلك واديا ثم ردم، فيسعى إلى العلم الأخضر، وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويسرع بقدر ما يستطيع، إلا المرأة فإن المرأة تمشي مشيا لأنها مأمورة بالستر.

 (ثُمَّ يَمشِي إلى المَرْوَةِ، فَيَفْعَلُ عَليهَا كالصَّفا) يحمد الله ويكبر، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره.

(ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الصَّفا، يَفعلُ ذلك سَبعاً، يَفْتتحُ بالصّفا ويَختِمُ بالمروةِ، ذَهَابُهُ سَعيَةٌ، وَرُجُوعُهُ سَعيَةٌ) وهذا بالإجماع، ولم يخالف فيه ذلك إلا ما نقل عن ابن حزم أنه قال: ذهابه ورجوعه سعية، وقال ابن القيم: «رحم الله أبا محمد، لو أنه حج أو اعتمر لرأى مشقة في هذا» لأنه كان لم  يحج ابن حزم، فكان يرى أنها أربعة عشر، لكن لا أعلم أن أحدا غير ابن حزم قال بهذا فتكاد تكون المسألة محل إجماع.

قال: (ثُمَّ إِنْ كَان في الحجِّ بَقِيَ على إحِرامِهِ) إذا كان في آخر شوط من أشواط السبعة، هل يأتي بالذكر والدعاء؟ يقال فيه ما قيل في آخر شوط من أشواط الطواف، وحيث إننا رجحنا أنه يكبر في آخر الشوط من أشواط الطواف، كذلك أيضا هنا يأتي بالذكر والدعاء، فعلى هذا الذكر والدعاء يأتي به ثمان مرات على القول الراجح.

قال: (ثُمَّ إِنْ كَان في الحجِّ بَقِيَ على إحِرامِهِ) يعني إن كان مفردا أو قارنا، أو أنه قد ساق الهدي، يبقى على إحرامه، بخلاف المعتمر والمتمتع.

(وإنْ كَانَ مُعتَمراً قَصَّرَ وحَلَّ) وقوله: قصر، إذا أتى بالعمرة قريبا من الحج، فالتقصير أفضل، وإلا فالحلق أفضل من التقصير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «دعا للمحلقين ثلاثة والمقصرين مرة واحدة».

قال: (إلاَّ مُتَمَتِّعَاً مَعَهُ هَدْيٌ فَلا يَحِلُّ حَتَى يَحُجَّ) يعني من ساق الهدي فيجب عليه ألا يحل حتى يذبح هديا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ والذي يسوق الهدي يكون قارنا، وإذا كان متمتعا فيدخل العمرة على الحج ليكون قارنا.

قال: (ويَقْطعُ المُتَمَتِّعُ التلبيَةَ حتى إذا وَصَلَ البَيتَ) يعني إذا وصل إلى الكعبة قطع التلبية، والحاج يقطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة، فوقت التلبية بالنسبة للعمرة يستمر إلى بداية الطواف، وبالنسبة للحج إلى رمي جمرة العقبة.

ونقف عند (باب صفة الحج).

 

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى يوم الاثنين 27-7-1438هـ