الخثلان
الخثلان
كتاب الصيام (4) تابع مفطرات الصيام واحكام الاعتكاف
4 رجب 1438 عدد الزيارات 483

شرح التسهيل 44

قال المصنف – رحمه الله - : (والفِطْرُ فِي الفَرْضِ لمَرَضٍ يَشُقُّ) تكلم المؤلف عن من يجوز لهم الفطر في نهار رمضان، فابتدأ بالمريض.

 قال: (والفِطْرُ فِي الفَرْضِ لمَرَضٍ يَشُقُّ) أي وسن الفطر في صوم الفرض لمرض يشق، والمرض قد ورد ذكره في القرآن الكريم كأول الأعذار التي يجوز بسببها الفطر في نهار رمضان، فإن الله تعالى لما فرض الصيام قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ثم كررها بعد ذلك في الآية التالية ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ فالمرض هو العذر الأول الذي ابتدأ الله تعالى به في حق من يجوز لهم الفطر في نهار رمضان، ولكن ما ضابط المرض الذي يجوز بسببه الفطر؟ المصنف هنا ربطه بالمشقة، ولكن هذا القيد قيد مجمل، فإن المشقة قد تكون شديدة، وقد تكون يسيره، فالمشقة اليسيرة التي تصاحب المرض لا تمنع من الصيام، كالمصاب بزكام مثلا، فهذا لا يجوز له الفطر في نهار رمضان بسبب الزكام؛ لأنه وإن كان مرضا فإنه مرض يسير محتمل، والمشقة التي تصحبه يسيره، إذا ما هو ضابط المرض الذي يباح الفطر لأجله؟ الضابط هو المرض الذي يتضرر معه بالصيام، أو يتسبب الصيام في تأخير برئه منه، أو يشق عليه معه الصيام مشقة شديدة، إذا بهذه الأمور الثلاثة، فيجوز له الفطر في هذه الأحوال الثلاث، ويجب عليه الفطر إذا غلب على ظنه أن الصيام يضره، ويستحب له الفطر إذا كان الصيام يشق عليه مشقة شديدة؛ لأنه كونه يصوم مع المشقة الشديدة مع المرض الذي فيه مشقة شديدة عدول عن رخصة الله تعالى له بالفطر، بالنسبة للحالة الأولى وهي المرض الذي يتضرر معه بالصيام، من الذي يقرر أن المرض يضره أو لا يضره؟ الطبيب المختص الثقة، فإذا قرر الطبيب الثقة أنه لو صام لتضرر فليس له الصيام في هذه الحالة.

الحالة الثانية: إذا كان المرض يتسبب في تأخير برئه، أيضا الذي يقرر هذا الطبيب، لكن في هذه الحال لا يجب عليه الفطر وإنما يجوز.

أما المشقة الشديدة هذه يقررها المريض نفسه، إذا كان يشق عليه الصيام مع المرض مشقة غير محتملة، بحيث يكون مشغولا بنفسه، بسبب هذا المرض، ولو أفطر لذهبت عنه تلك المشقة أو خفت جاز له الفطر، هذا هو العذر الأول.

والعذر الثاني قال: (وَسَفَرِ قَصْرٍ) وذلك للآية السابقة ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ المسافر يجوز له الفطر في نهار رمضان، وهنا ذكر المؤلف ضابط السفر، قال: (سَفَرِ قَصْرٍ) الضابط هو: السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة، وهذه المسألة مرت معنا في كتاب الصلاة، ما ضابط السفر الذي يجوز معه قصر الصلاة من حيث المسافة؟ أرجح الأقوال، هو قول الجمهور أن تكون مسافة السفر لا تقل عن ثمانين كيلو متر بالتقديرات المعاصرة، وبتقديرات الفقهاء عن أربعة بُرد، أو ستة عشر فرسخا، أو ثمانية وأربعين ميلا، أو يوم وليلة بسير الإبل المحملة، وقلنا إن هذا القول هو الذي دل له قول النبي صلى الله عليه وسلم : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم» متفق عليه، ومسيرة اليوم والليلة هو ثمانون كيلو متر، وهذا هو المروي عن ابن عباس، وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، وأشرنا أيضا إلى كيفية حساب المسافة؟ من مفارقة العمران، وأحسن طريقة إذا كنت في السيارة أنك إذا أتيت إلى آخر حي من أحياء البلد التي تقيم فيه تضع عداد السيارة على صفر ثم تحسب، فإذا كانت المسافة ثمانين كيلو متر فأكثر فهي مسافة سفر، وإذا كانت أقل من ثمانين فليست بمسافة سفر، إذا كانت المدن أو القرى متلاصقة مثل: الخبر والدمام، فهنا ينظر إلى آخر حي من أحياء البلد الذي يقيم فيه الإنسان، فإذا قيل إن آخر أحياء هذا البلد هو هذا الحي، فتبدأ المسافة ولو كانت متصلة بالعمران، إذا ضبط لنا المصنف السفر بأنه السفر الذي يشرع فيه قصر الصلاة، وقد ذكر العلماء أن المسافر له مع الفطر ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يشق عليه الصيام في السفر مشقة شديدة غير محتملة، فيجب عليه الفطر؛ لما جاء في الصحيحين عن جابر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم : «كان في سفر وشق على الناس الصيام فدعا بماء وشربه، وأفطر الناس،  وقيل له أن بعض الناس قد صاموا فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة» فقوله أولئك العصاة يدل على وجوب الفطر في هذه الحال، وأيضا لما جاء في الصحيحين عن جابر أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه  قال: «ما هذا، قالوا: هو صائم، قال: ليس من البر الصيام في السفر» فإذا لم يكن من البر كان من الإثم في هذه الحالة التي يشق فيها الصوم مشقة شديدة غير محتملة.

الحالة الثانية: أن يكون الصيام في السفر يشق مشقة غير شديدة، ويكون الفطر أرفق به، فيستحب في حقه الفطر؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه.

الحالة الثالثة: أن يكون الصيام لا يشق عليه مطلقا،  فالأفضل في حقه الصيام، لما جاء في الصحيح، عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى أسفاره في يوم حار، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبدالله بن رواحه» فكون النبي صلى الله عليه وسلم كان صائما؛ فالأظهر لأنه عليه الصلاة والسلام لم يشق عليه الصوم؛ لأنه كان مع الصحابة وكانوا يخدمونه، كان هو النبي والقائد، والصحابة يعظمونه ويخدمونه ، أما بقية الصحابة فأفطروا ما عدا عبدالله بن رواحة؛ ولأن الصوم في هذه الحال أسرع في إبراء الذمة، فمثلا بعض الناس يذهب للعمرة في السيارة مكيفه، والطائرة مكيفه، فلا يجد مشقة في الصيام في السفر، هنا نقول الأفضل في حقه الصيام، أما إذا وجد مشقة غير شديدة فالأفضل في حقه الفطر، فإذا وجد مشقة شديدة غير محتملة فيجب عليه الفطر، وبهذا التفصيل تجتمع النصوص الواردة في هذه المسألة.

 قال: (وَخَوفِ حَامِلٍ أو مُرْضِعٍ على نَفْسِهِمَا فَتَقْضِي، وَعَلى وَلَدِهِمَا فَتَقْضِي وَتُطْعِمُ مِسْكِينَاً لِكُلِّ يَومٍ) الحامل والمرضع يجوز لهما الفطر في نهار رمضان، ويدل لذلك حديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وضع عن المسافر الصلاة، وعن المسافر، والحامل، والمرضع الصوم» أخرجه أبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، بسند صحيح، فإن المرأة الحامل يلحقها مشقة كبيرة بسبب الحمل،﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ وتتغير عندها هرمونات الجسم وما يتبعها، فربما أنها تتضرر، أو يشق عليها الصيام، فلها في هذه الحال الفطر، كذلك المرضع خاصة في الزمن السابق لما كان الأطفال يعتمدون على رضاع الأم فتحتاج المرضع إلى سيولة لكي يدر ثديها باللبن، لكن ما الواجب عليهما؟ المؤلف فصل في المسألة فقال: إن خافتا على أنفسهما فيجب عليهما القضاء، وإن خافتا على أنفسهما، أو على ولديهما فالواجب القضاء والإطعام عن كل يوم مسكينا، هذا هو القول الذي ذهب إليه المصنف – رحمه الله – وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء، فالقول الذي قرره المصنف هو المشهور من مذهب الحنابلة، وكذلك أيضا هو مذهب الشافعية.

القول الثاني في المسألة: أن الواجب عليهما القضاء فقط سواء خافتا على أنفسهما أو على ولديهما؛ لأنهما كالمريض، والمريض لا يجب عليه سوى القضاء.

القول الثالث في المسألة: أنه يجب عليهما الإطعام فقط دون القضاء، واستدلوا بقول ابن عباس – رضي الله عنهما – : «والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا» أخرجه أبو داوود بسند صحيح، هذا القول من أبرز من قال به الشيخ الألباني – رحمه الله – وتبعه على ذلك كثير من تلامذته.

 وأضعف الأقوال القول الثالث فإن هذا القول لا نظير له في الشريعة الإسلامية، ومن المقرر في الشريعة أن من كان قادرا على القضاء وجب عليه القضاء، وأما أثر ابن عباس فالمقصود أفطرتا وقضتا وأطعمتا ولكن ابن عباس لم يذكر القضاء لكونه معلوما.

ويبقى النظر في الموازنة بين القول الأول والثاني، القول الأول بهذا التفصيل الذي ذكره المؤلف بنوا هذا أيضا على أثر ابن عباس فإنه جاء في  بعض الروايات: «إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا» ومفهوم إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا، والقول الراجح هو القول الثاني وهو أن الحامل والمرضع إنما يجب عليهما القضاء فقط، سواء خافتا على أنفسهما، أو على ولديهما، أو على أنفسهما وولديهما، وهذا القول هو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد ابن عثيمين – رحمهما الله تعالى – وهو ظاهر القرآن، فإن الله تعالى قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الحامل والمرضع كالمريض وإيجاب الإطعام عليهما ليس عليه دليل ظاهر إلا أثر ابن عباس وهو اجتهاد منه – رضي الله عنه – وهو خلاف ظاهر القرآن، وكما قلنا في الدرس السابق فيمن أخر رمضان حتى أدركه رمضان آخر فالقول الراجح أنه لا يجب إلا سوى القضاء من غير إطعام.

قال (والهَرِمُ، وَمَنْ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ يُطْعِمُ فَقَطْ) الهرم مراد المصنف يعني: الشيخ الكبير العاجز عن الصيام، وليس المقصود به من بلغ الهذيان، فإن من بلغ الهذيان أصبح لا يميز مرفوع عنه القلم؛ لأنه ليس له عقل، وهكذا أيضا كبير السن الذي خف الضبط عنده، يعني تارة يميز وتارة لا يميز، فإن هذا لا يجب عليه الصيام في هذه الحال لكن إن صام أجر، وإلا لا يجب عليه، ولا الصلاة أيضا، لكنه إذا صلى أو صام أجر، فهو كالصبي المميز هل عنده ضبط؟ عنده ضبط، مثلا عمره 13 سنة، عنده ضبط لكن مع خفه في الضبط، ليس تاما، ومع ذلك رفع عنه القلم، لكن إذا صلى هل يثاب أم لا؟ يثاب، إذا صام، يثاب، وكذلك أيضا الشيخ الكبير، إذا خف الضبط عنده فهو كالصبي المميز، يثاب على الطاعات، ولا يعاقب على ترك الواجبات، الشيخ الكبير ما حكمه؟ يقول المؤلف أنه يطعم فقط، ليس عليه قضاء؛ لأنه كبير في السن، وعاجز عن الصيام عجزا لا يرجى زواله، ولا يرجى أنه يستطيع القضاء فيما بعد، فلا يمكن أن يجب عليه القضاء، لأنه عاجز أصلا عن الصيام، فالواجب عليه إذا هو الإطعام، وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على قولين:

القول الأول: أن الكبير، والكبيرة، العاجزان عن الصيام، والذي يشق عليهما مشقة كبيرة يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

القول الثاني: أن الكبير، والكبيرة، في هذه الحال ليس عليهما شيء، لا قضاء ولا إطعام، ولكن يستحب لهما الإطعام على سبيل الاستحباب لا الوجوب، وهذا هو مذهب المالكية.

 واستدل الجمهور لقول وجوب الإطعام لقول ابن عباس – رضي الله عنهما – لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قال: «هي غير منسوخة، هي في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان عن كل يوم مسكينا» هذه وجهة الجمهور؛ ولأن الإطعام بدل عن الصيام عند العجز عنه، أما المالكية القائلون بأنه ليس عليهما شيء، فاستدلوا بقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ﴾ وهذا الشيخ الكبير لا يستطيع الصيام فلا يكلفه الله تعالى لا بقضاء ولا إطعام، والقول الراجح هو قول الجمهور أن الواجب على الإنسان الكبير، والمرأة الكبيرة عند العجز عن الصيام الإطعام؛ لأثر ابن عباس، ولأن الإطعام هو البدل عن الصيام عند العجز، كما في حال المريض الذي لا يرجى برؤه.

قال: (وَمَنْ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ يُطْعِمُ فَقَطْ) يعني المريض مرضا لا يرجى برؤه، فهذا يطعم عن كل يوم مسكينا، كالشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، والذي يقرر أن المرض الذي لا يرجى برؤه الطبيب الثقة المختص، من يذكر لنا أمثلة لمرض لا يرجى برؤه؟ مثل المصاب بالفشل الكلوي، مريض السكر من النوع الأول، السرطان إذا انتشر، الإطعام قلنا يطعم عن كل يوم مسكينا، معنى ذلك إذا كان رمضان ثلاثين يوما يطعم ثلاثين مسكينا، وإذا كان رمضان تسع وعشرين يوما، يطعم تسع وعشرين مسكينا، لكن هل يشترط استيعاب عدد المساكين أو يجوز أن يعطي إطعام ثلاثين مسكينا لمسكين واحد؟ هذه المسألة لم يرد دليل يدل على وجوب استيعاب عدد المساكين ولذلك قال الفقهاء إنه في هذه الحال يجوز أن يعطي إطعام ثلاثين مسكينا لمسكين واحد؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على وجوب تعدد المساكين بخلاف الكفارة المغلظة، الظهار، أو الجماع، فالعدد معتبر إطعام ستين مسكينا، وبخلاف أيضا كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين العدد معتبر، لكن هنا عند الإطعام سواء بالنسبة للشيخ الكبير، أو بالنسبة للمريض مرضا لا يرجى برؤه لا يشترط عدد المساكين، فله أن يعطي ما يكفي ثلاثين مسكينا لمسكين واحد، أو مسكينين، أو ثلاثة..، وأيضا هنا مسألة متعلقة بالإطعام، هل يجوز أن يخرج الإطعام كله عن ثلاثين يوما من أول رمضان أو لا يجوز؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أنه يجوز أن يخرج الإطعام عن شهر رمضان كاملا من أول رمضان، وإليه ذهب الحنفية، والحنابلة؛ قالوا لأن رمضان كله كاليوم الواحد.

والقول الثاني: لا يجوز إخراج الإطعام عن جميع الشهر من أول رمضان، ولكنه إن شاء أطعم عن كل يوم بيومه، أو أخر الإطعام لآخر رمضان، وإليه ذهب الشافعية.

المالكية لم يذكرهم لأنهم لا يرون أصلا وجوب الإطعام، وأصحاب القول الثاني عللوا لذلك بقاعدة فقهية قالوا: لأن العبادات لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، وسبب الوجوب هنا الفطر في رمضان، وقد ذكر ابن رجب في قواعده هذه القاعدة قال: «العبادات كلها لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز بعد سبب الوجوب، وقبل شرط الوجوب»  فمثلا: لو أن شخصا أخرج كفارة يقول: حتى إذا حلفت تكون كفارة لما سأحلف؟ هذا لا يجزئ لأنه لم ينعقد سبب الوجوب وهو الحلف، لكن لو أنه حلف ثم أخرج الكفارة قبل أن يحنث؟ جاز؛ لأنه أخرجها بعد سبب الوجوب وقبل شرطه، وهنا أيضا في هذه المسألة يقولون: إن سبب الوجوب هو الفطر، فكيف يخرج الإطعام عن جميع الشهر قبل سبب الوجوب، وأيضا عللوا وقالوا لأنه تقديم للإطعام قبل الصيام، كما أنه لا يجوز تقديم الإطعام لشعبان فكذلك أيضا لا يجوز تقديم الإطعام في أول رمضان، والقول الراجح هو القول الثاني وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – لأنه ليس هناك دليل يدل على جواز تقديم الإطعام لأول رمضان، أما قولهم إن رمضان كله كاليوم الواحد فهذا لا يسلم فإن رمضان ليس كاليوم الواحد إنما هو كاليوم الواحد فقط في النية، فإذا نوى من أول الشهر تكفيه النية لجميع الشهر؛ لأن النية تتبع العلم، وأما في سائر الأحكام فرمضان ليس كاليوم الواحد وكل يوم له أحكامه، ثم نقول لهم أيضا: أرأيت لو جعل الإطعام في ثلاثين شعبان عن رمضان كاملا هل يصح؟ لا يصح بالإجماع، فما الفرق بين ثلاثين شعبان وبين واحد رمضان؟ الواقع أنه لا فرق، ثم إنه تقديم للعبادة قبل سبب وجوبها، ونقول لمن عليه إطعام سواء شيخ كبير، أو مريض مرضا لا يرجى برؤه أنت مخير بين أمرين: إما أن تطعم عن كل يوم بيومه إذا مثلا غربت شمس اليوم الأول تطعم، واليوم الثاني تطعم ..، أو أنك تؤخر الإطعام إلى آخر رمضان، أو لما بعد رمضان وتطعم عن الأيام الماضية كلها، هذا هو التحقيق في هذه المسألة.

قال: (وَيَقضِي المُغْمَى عَليهِ، إلا المجنُونُ) المغمى عليه أي: الذي أغمي عليه جميع النهار فإنه يجب عليه القضاء؛ لأنه لا يصح منه الصيام؛ لأن الصيام إمساك بنية، والنية لا تصح من المغمى عليه، لكن يجب عليه القضاء، في قول أكثر أهل العلم، وعلى هذا لو أنه مغمى عليه طيلة رمضان، أصيب بجلطة مثلا أو غيبوبة ثم أفاق بعد هذا، فهل يجب عليه القضاء؟ نعم، يجب عليه القضاء، وأما بالنسبة للصلاة لا يجب عليه قضاء الصلوات؛ ما دامت أن مدة الإغماء طويلة، والتفريق بين الصلاة والصوم وردت به الشريعة، ها هي الحائض يجب عليها قضاء الصيام ولا يجب عليها قضاء الصلاة، إذا المغمى عليه إذا كانت مدة الإغماء طويلة لا يجب عليه قضاء الصلوات، لكن يجب عليه قضاء الصيام، أما إذا كانت مدة الإغماء يسيرة يجب عليه قضاء الصلاة والصيام، وأحسن ما قيل في ضابط اليسير في حدود ثلاث أيام فأقل، هذا إذا كان مغما جميع النهار، أما إذا أفاق المغمى عليه جزء من النهار صح صومه؛ لأنه يصح إضافة النية إليه في هذه الحال حتى لو لم يفق إلا خمس دقائق فيصح صومه، سواء أكانت الإفاقة أول النهار أو آخره.

قال: (إلا المجنُونُ) المجنون مرفوع عنه القلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاثة: وذكر منها المجنون حتى يفيق» فالمجنون لا يجب عليه الصيام أصلا، ولا يجب عليه القضاء، ولكن هناك المعتوه ومن كان في حكمه من هو ليس مجنونا جنونا مطبقا لكن عنده خفة في العقل، ومثل ذلك: بعض مرضى التوحد، ومتلازمة داون ونحوها..، ذوي الحاجات فهؤلاء أرجح الأقوال فيهم أنهم كالصبي المميز إن صاموا وصلوا أثيبوا وأجروا، وإن لم يصلوا ولم يصوموا فليس عليهم شيء، هذا أرجح الأقوال في هؤلاء.

قال المصنف – رحمه الله -: ( باب الاعتكاف)

قال: (هوَ سُنَّةٌ، ولُزومُ المَسجِدِ للطاعةِ) قدم المؤلف الحكم على التعريف وكان الأحسن بالمصنف أن يبدأ بالتعريف أولا ثم يذكر الحكم، ولهذا نحن سنقدم التعريف أولا، الاعتكاف معناه في اللغة: لزوم الشيء، كما قال الله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْوتعريفه شرعا: عرفه المصنف قال: هو لزوم المسجد للطاعة، هذا أحسن ما قيل في تعريفه، ويسمى الاعتكاف جوارا، ولهذا جاء في حديث أبي سعيد – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت أجاور هذه العشر، ثم بدأ لي أن لا أجاور العشر الأواخر» متفق عليه، «في سنة من السنوات، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتكف، فأتت إحدى أزواجه بخباء لها، ثم الثانية، والثالثة ...، فاجتمع عدد من الأخبية، فقال عليه الصلاة والسلام: آل بر أردتم، فأمر بنزع الأخبية كلها، وقال: هذه السنة لن أعتكف، فقال: إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدأ لي أن لا أجاور العشر الأواخر، غضب عليه الصلاة والسلام، قال: السنة هذه لن أعتكف، وكان من عادته عليه الصلاة والسلام أنه إذا ترك نافلة قضاها، فقضى هذه العشر في العشر الأول من شوال» وفي الاعتكاف كما يقول ابن القيم: «عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال بالله سبحانه» وأما حكمه فقد بين هذا المصنف قال: (هوَ سُنَّةٌ) هذا بالإجماع، وقد ذكره الله تعالى في القرآن الكريم في أكثر من موضع، ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِي َلِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ الاعتكاف وهو من الشرائع القديمة، بدليل الآية السابقة، أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل أن يطهرا البيت للطائفين بالبيت، والمعتكفين في الحرم، وأيضا ذكر الله تعالى عن مريم أن امرأة عمران والدة مريم قالت ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  كان من عادتهم أنهم ينذرون أن يكون المولود لخدمة بيت المقدس، فامرأة عمران لما حملت، نذرت أن ما في بطنها يكون لخدمة بيت المقدس، فلما وضعتها ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ كانت ترغب أن يكون ذكرا حتى يكون أقوى على الخدمة، فدعت لها ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا فمريم – عليها السلام – اعتكفت في المسجد، في بيت المقدس، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ  كلما دخل عليها بيت المقدس، وجد عندها رزقا يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، رزقا عجيبا ليس كرزق الدنيا، وهذه تسمى عند العلماء كرامة، المقصود من قصة مريم فيها فوائد ودروس كثيرة، لكن الذي يعنينا أن مريم اعتكفت في بيت المقدس، وهو سنة في جميع الأزمان، لكنه متأكد في العشر الأواخر من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في العشر الأول من رمضان، يلتمس ليلة القدر، فقيل إنها أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فقيل إنها أمامك، فاعتكف العشر الأواخر، ثم استقر اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان، واعتكف أزواجه في حياته، وبعد مماته في العشر الأواخر من رمضان، فالأفضل في الاعتكاف أن يكون في العشر الأواخر من رمضان، لكنه مشروع في جميع أوقات العام.

وقال: (وَيَجِبُ بِالنَّذرِ) إذا نذر أن يعتكف أصبح واجبا؛ لأنه يكون نذر طاعة، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» والنذر له خمسة أقسام: نذر الطاعة يجب الوفاء به، نذر المعصية لا يجوز الوفاء به وبه كفارة يمين، نذر المباح هو مخير بين الوفاء به وبين كفارة يمين، نذر لجاج والغضب وهو أيضا مخير بين الوفاء به وبين كفارة يمين، ونذر مطلق وفيه كفارة يمين، وسيأتينا الكلام عنه مفصلا في باب النذر.

قال: (وإنَّمَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ) لأنه عبادة، والعبادات لا تصح إلا بنية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».

قال: (وَمَسْجِدِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ تَلزَمُهُ في مُدَّةِ اعتِكَافِهِ) فأفادنا المؤلف بأنه يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في مسجد جماعة، أما اشتراط المسجد فهذا بالإجماع، فقد أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، وإلى هذا أشار الله تعالى في قوله: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ لكن اختلف العلماء في ضابط المسجد الذي يشرع فيه الاعتكاف على ثلاثة أقوال:

القول الأول: هو القول الذي قرره المصنف – رحمه الله – هو أن يكون المسجد تقام فيه الجماعة، وهذا هو مذهب الحنفية، والحنابلة.

القول الثاني: أنه يصح الاعتكاف في كل مسجد، وهذا مذهب الشافعية، حتى لو كان مسجدا مهجورا لا تقام فيه الجماعة.

القول الثالث: أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد الجامع الذي تقام فيه الجمعة، وإلى هذا ذهب المالكية.

القول الرابع: أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، المسجد النبوي، والمسجد الأقصى.

والقول الراجح هو القول الأول، وهو أن الاعتكاف إنما يشرع في المسجد الذي تقام فيه الجماعة، حتى لو لم يكن جامعا، وذلك لعموم الآية: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ واشترط أن يكون المسجد تقام فيه الجماعة؛ لأن الجماعة واجبة على الرجال، وأيضا استدلوا بقول عائشة – رضي الله عنها – «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» وهذا الأثر أخرجه البيهقي، والدارقطني إلا أن الدارقطني قال: إنه مدرج من قول الزهري، قال الإمام ابن تيمية – رحمه الله -: «لم ينقل عن صحابي خلاف هذا القول» إنما يشرع الاعتكاف في مسجد تقام فيه جماعة، إلا قول من خص الاعتكاف في المساجد الثلاثة قول ضعيف؛ لأنه مبني على حديث حذيفة: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» وهو حديث ضعيف، ولو صح فمحمول على أن المقصود الاعتكاف كامل، جمعا بين الأدلة، قد كان القول هذا مهجورا، لكن أحياه الشيخ الألباني – رحمه الله – ولكنه قول ضعيف فيما يظهر، فعلى هذا يكون الضابط هو الضابط الذي قرره المؤلف أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة، إذا كان في مسجد تقام فيه الجماعة وحضر وقت الجمعة ماذا يفعل؟ يذهب ويصلي الجمعة ويرجع، ويكون هذا من الخروج لحاجة لما لا بد له منه.

قال: (وَمِنَ المَرأةِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، سِوَى مَسْجِدِ بَيتِهَا) المرأة يجوز لها أن تعتكف في أي مسجد، حتى وإن كان المسجد لا تقام فيه الجماعة، كأن يكون مسجدا مهجورا مثلا، فلا يشترط إذا في المسجد الذي تعتكف فيه المرأة أن تقام فيه الجماعة؛ لأن المرأة لا تجب عليها الجماعة أصلا.

وقول المصنف: (سِوَى مَسْجِدِ بَيتِهَا) احترازا من قول من قال من الفقهاء إن المرأة يجوز لها أن تعتكف في مسجد بيتها، ومسجد بيتها هو مكان الذي تصلي فيه عادة في البيت فإن الحنفية ذهبوا إلى أن المرأة يجوز لها أن تعتكف في مسجد بيتها، ولكن هذا قول ضعيف، والصواب ما عليه أكثر أهل العلم من أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد سواء للرجل أو للمرأة، ولكن عند اعتكاف المرأة في المسجد فيشترط أمن الفتنة، بأن يكون هناك مكان مهيأ للنساء، وتؤمن الفتنة، يكون المكان أمنا، أما إذا لم تؤمن الفتنة فليس لها أن تعتكف؛ لأنها تريد أن تأتي بالسنة فربما تقع في أمر محرم سواء كانت الفتنة منها أو بها.

قال: (وَلَو نَذَرَ شَهْرَاً مُطْلقَاً لَزِمَه مُتَتَابِعَاً) يعني لو نذر شخص أن يعتكف شهرا فهل يشترط التتابع في أيام الشهر أو لا يشترط؟ المؤلف يقول: أنه يشترط، قال: (لَزِمَه مُتَتَابِعَاً )؛ قالوا لأن الشهر عبارة عن الليل والنهار ثلاثين يوما فإذا أطلق أقتضى التتابع، وذهب بعض أهل العلم أنه لا يلزم التتابع في هذه الحال؛ لأنه معنى يصح فيه التفريق، فلم يجب فيه التتابع، فيمكن أن يطلق الشهر على أيام متفرقة إذا بلغ الثلاثين يوما، وهذا هو القول الراجح، وعلى هذا نقول لمن نذر أن يعتكف شهرا ما نيتك؟ إن نوى التتابع لزمه التتابع، أما إن لم ينو التتابع فلا يلزمه التتابع على القول الراجح.

قال: (وَالشُّرُوعُ قَبْلَ ليْلَتِهِ) أي من نذر اعتكاف شهر معين فيلزمه الشروع في الاعتكاف قبل ليلته الأولى، وهكذا أيضا من أراد أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فيشرع له أن يعتكف في أول ليلة من ليال العشر؛ لأن الليل سابق النهار، والشهر يدخل بدخول ليلته، فمثلا إذا أراد أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان متى يدخل معتكفه؟ غروب شمس اليوم العشرين يدخل معتكفه، لأن الليل سابق النهار، إذا أعلن عن دخول شهر رمضان يشرع صلاة التراويح؛ لأنها تعتبر الليلة الأولى من رمضان، وإذا أعلن عن رؤية هلال شوال لم تشرع التراويح؛ لأن رمضان انقضى، فهذه الليلة ليلة الأولى من شوال، فعلى هذا تترتب الأحكام الشرعية.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك لمبطلات الاعتكاف قال: (وَيَبْطُل: بِرِدَّةٍ) إذا اعتكف فارتد – نسأل الله العافية – كأن يسب الله، أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، ونحو ذلك.. فيبطل اعتكافه؛ لقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولأن الردة تنافي المقصود من الاعتكاف.

قال: (وَسُكْرٍ) لو اعتكف وشرب مسكر، كانت هذه حالات نادرة، لكن الفقهاء يذكرون المسائل النادرة حتى إذا وقعت يكون طالب العلم على معرفة بها، اعتكف وسكر بطل اعتكافه؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ فالسكران ليس بأهل للمسجد ولا للاعتكاف.

قال: (وَجِمَاعٍ) وهذا لو أن المؤلف بدأ به لكان أحسن، لأنه هو المنصوص عليه في الآية كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ.

قال: (وإنْزَالٍ بِمُبَاشَرَةٍ) أيضا إذا باشر امرأته وأنزل بطل اعتكافه للآية.

وأيضا خروج من غير حاجة، لكن المؤلف عبر قال: (لا بِخُرُوجٍ لا بُدَّ مِنْهُ كَحَاجَتِهِ) وكان الأولى بالمصنف أن يقول: وخروج من غير حاجة، فإنه ينافي الاعتكاف، أما إذا كان الخروج لحاجة فلا بأس، ولذلك قال المصنف: (لا بِخُرُوجٍ لا بُدَّ مِنْهُ كَحَاجَتِهِ) يعني أنه يجوز للمعتكف أن يخرج لما لا بد له منه، فلا يفسد اعتكافه، وهذا باتفاق العلماء، ومثل المؤلف قال: (كَحَاجَتِهِ) يعني كخروجه لقضاء الحاجة من البول والغائط، وأيضا الخروج للإتيان بالطعام والشراب إذا لم يوجد من يأتيه بهما، وخروجه أيضا للإتيان بملابس مثلا عند اتساخ ملابسه.. وكل ما يحتاج إليه يجوز له أن يخرج لأجله، هل لو كان موظفا هل له أن يخرج للدوام ويرجع لمعتكفه؟ ينافي الاعتكاف، ولا يعتبر هذا من الخروج للحاجة، لكن من أراد أن يعتكف وعنده دوام فهناك مخرج، وهو أن ينوي الاعتكاف إلى وقت خروجه للدوام، إذا خرج للدوام ينوي انقضاء اعتكافه، ثم إذا رجع من الدوام ينشأ اعتكافا جديدا، إلى خروجه للدوام لليوم الثاني.. هذا يعتبر مخرج، وبذلك يحقق المقصود وهو الاعتكاف ولا يقع في الحرج، الخروج من المسجد للوضوء والاغتسال إذا كان ذلك لدورة مياه المسجد فلا بأس بهذا، وهذا ما يسميه الفقهاء بسقاية المسجد، باتفاق العلماء، لكن لو أراد الخروج لمنزله للوضوء والغسل وهو معتكف فهل له ذلك؟ اختلف العلماء في هذه المسألة أولا: قالوا إن لم يكن بالقرب من المسجد دورة مياه جاز له الخروج لمنزله للوضوء والغسل بالإجماع، أما إذا كان بالقرب من المسجد سقاية، أو ما يسمى في وقتنا الحاضر بدورة المياه هل له الخروج لمنزله لأجل الوضوء أو الغسل؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ليس له ذلك، وإليه ذهب الحنفية، والشافعية.

القول الثاني: له الخروج لمنزله مطلقا، وإليه ذهب المالكية.

القول الثالث: التفصيل فإن كان لا يحتشم من دخول سقاية المسجد، أو دورة المياه في الوقت الحاضر فليس له الخروج، وإن كان ممن يحتشم من دخولها فله الخروج، وإليه ذهب الحنابلة، ما معنى يحتشم؟ يشق عليه أن يغتسل في دورة مياه المسجد، ويرى أنها تنافي المروءة في حقه، وهو القول الراجح في المسألة، وسبب الخلاف في هذه المسألة هل يعتبر خروجه لبيته للوضوء أو الغسل من الحاجة التي تجيز للمعتكف الخروج أم لا؟ الراجح هو القول الثالث، وتفسير هذه المسألة ذكرته في بحث موجود على الموقع، وإن شاء الله سيطبع في كتاب: "خروج المعتكف من المسجد والاشتراط فيه".

قال: (وَوَاجِبٍ وَمَسنونٍ شَرَطَهُ) أي لا يبطل اعتكافه إذا خرج لواجب اشترطه، أو لمسنون اشترطه، فالواجب مثل خروجه لقضاء حاجة أهله، والمسنون كزيارة المريض، أو إتباع الجنازة، وهذا يقودنا إلى بحث مسألة حكم الاشتراط في الاعتكاف؟ وهذا هي المسألة التي من أجلها كتبت هذا البحث، والعلماء اختلفوا في حكم الاشتراط في الاعتكاف على قولين: القول الأول: أنه يصح الاشتراط في الاعتكاف، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، فللمعتكف أن يشترط أمرا واجبا أو مسنونا، واستدلوا بحديث ضباعة بن الزبير لما حجت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهي مريضة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «حجي واشترطي»فقاسوا الاشتراط في الاعتكاف على الاشتراط في الحج.

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يصح الاشتراط في الاعتكاف ولا أصل له أصلا، وإليه ذهب المالكية، واستدلوا بعدم الدليل الدال على مشروعية الاشتراط في الاعتكاف، قال الإمام مالك: «لم أسمع أحدا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطا، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل: الصلاة، والصيام، والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنه يعمل بما مضى من السنة، لا من شرط يشترطه، ولا يبتدعه» والقول الراجح في هذه المسألة هو القول الثاني وهو أنه لا يصح الاشتراط؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على صحة الاشتراط في الاعتكاف، وأما الاستدلال بحديث ضباعة بن الزبير مقياسا فإن حاصله قياس الاشتراط في الاعتكاف على الاشتراط في الحج هو قياس مع الفارق؛ لأن الاشتراط في الحج إنما هو في حق من حصل له مانع يعيقه عن إتمام الحج، وعلى هذا القياس ينبغي أن يقتصر المعتكف في شرطه على المانع الذي يمنعه من إتمام الاعتكاف، لكن المعتكف يريد الآن أن يشترط أن يفعل أشياء تنافي الاعتكاف فلم يصح الشرط، إذا القياس قياس مع الفارق، فالقول الراجح أن الاعتكاف لا يصح ولا يشرع، وقد فصلت الكلام في هذه المسألة في البحث المشار إليه، رجحت مذهب المالكية في هذه المسألة.

قال: (وَلَهُ السُّؤالُ عَنِ المَرِيضِ مَا لَمْ يَخْرُجْ)  أي له أن يسأل عن المريض مالم يخرج من المسجد، فإن كان السؤال يترتب عليه خروج من المسجد لم يفعل، وهذا يقودنا لحكم خروج المعتكف لعيادة المريض، وإتباع الجنازة، ونحو ذلك.. والجمهور يمنعون من ذلك إلا أن يشترط، وأما المالكية فلا يرون الاشتراط أصلا، والقول الراجح في هذه المسألة هو أنه إن كان للمريض، أو الميت، حق متأكد على المعتكف كأن يكون ممن تجب صلته، جاز له الخروج لعيادة المريض، وإتباع الجنازة من غير اشتراط أصلا، وإن لم يكن عليه حق فليس عليه الخروج، فإذا كان المريض مثلا أباه أو أمه فله أن يخرج أن يعود أباه أو أمه، فليس له أن يبقى في معتكفه وأمه وأبوه مريضين، وتفصيلها بالبحث المشار إليه.

قال: (وَيَشْتَغِلُ بِالقُرَبِ) أي أن المعتكف يشرع له أن يشتغل بالقرب، وهي الطاعات، وما يقرب إلى الله عز وجل من الصلاة، والصيام، والصدقة، وتلاوة القرآن، والذكر.. وإذا كان اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان فإنه يصوم نهارها، ويشرع أن يقوم لياليها، فإن ظاهر هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم ليالي العشر الأواخر من رمضان كل الليل، ويبقى النظر في تَعلم العِلم وتعليمه بالنسبة للمعتكف، فعند أكثر أهل العلم الأولى تركه، والإقبال على الذكر، والصلاة.

قال: (وَيَجْتَنِبُ مَا لا يَعْنِيَهُ) على المعتكف أن يجتنب ما لا يعنيه من المباحات، كاللعب، والهزل، ونحو ذلك..هذا ينافي المقصود من الاعتكاف، صحيح أنه لا بأس بالحديث مع المعتكفين، أو مع غيرهم، لكن ينبغي أن لا يكون هذا هو الغالب على حال المعتكف، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزوره بعض أزواجه، وزارته صفيه وتحدث معها ساعة، ثم انقلب يودعها، فهذا لا بأس به، لكن لا يكون هذا الغالب على حال المعتكف.

قال: (وَلَو نَذَرَهُ أو الصَّلاةَ في مَسْجِدٍ فَلَهُ فِعلُهُ في أَفْضَلَ مِنهُ، وأَفْضَلُهَا: الحَرَامُ، ثُمَّ المَديِنةُ، ثُمَّ الأَقْصَى) يعني ولو نذر الاعتكاف، أو نذر الصلاة، فقول أو الصلاة استطراد للمؤلف، أي لو نذر الإنسان الاعتكاف، أو نذر الصلاة، في مسجد معين، فله فعله في أفضل منه، فإذا نذره في مسجد في أوقات، فله أن يعتكفه في مسجد جامع، وأفضل المساجد: المسجد الحرام، ثم المدينة، ثم الأقصى، وعلى هذا فلو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى فله أن يعتكف في المسجد المدينة، وله أن يعتكف في المسجد الحرام، وقد جاء من حديث جابر – رضي الله عنه – أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال: «يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صلها هنا، فأعاد عليه، فقال: صلها هنا، فأعاد عليه، فقال: صلها هنا، فأعاد عليه، قال: شأنك» إذا أخرجه أبو داوود، وأحمد بسند صحيح، فهنا نقله النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة في بيت المقدس إلى المسجد الحرام لكونه نقله له من المفضول إلى الأفضل، وهكذا أيضا بالنسبة للاعتكاف فله أن ينتقل من المكان المفضول إلى المكان الأفضل، وهكذا أيضا بالنسبة للأوقاف إلى ما هو أفضل منه وأصلح ..

 

 

 

* * *