الخثلان
الخثلان
كتاب الصيام (3) - مفسدات الصيام
29 جمادى الآخرة 1438 عدد الزيارات 657

شرح التسهيل 43

وهو أعظم المفسدات، كما أنه أعظم مفسدات الحج أيضا، فإذا وقع الجماع قبل التحلل الأول وهو محرم بطل حجه، ووجب المضي فيه، ووجب قضائه من عام قابل، ووجب عليه بدنه كما هو معلوم، وهكذا أيضا بالنسبة للصيام إذا حصل الجماع في نهار رمضان فإن صومه يفسد، ويجب عليه القضاء والكفارة، فلهذا قال (وَعَلى مُفْطِرٍ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ ولو مِرَارَاً قَبلَ التَّكْفِيرِ القَضَاءُ) أي من وطء مرارا قبل أن يكفر فليس عليه سوى كفارة واحدة، وظاهر كلامه ولو كان في أكثر من يوم، أما إذا وطء أكثر من مرة في يوم واحد فعليه كفارة واحدة عند عامة أهل العلم، ولكن إذا وطء في أكثر من يوم ولم يكفر فظاهر كلام المؤلف فليس عليه إلا كفارة واحدة.

 والقول الثاني: أنه عليه عن كل يوم كفارة وهذا هو القول الراجح، وقيل إن هذا القول هو المذهب عند الحنابلة، وهو أيضا قول المالكية، والشافعية، وهو من قول الجمهور؛ وذلك لأن كل يوم عبادة منفردة فلا تتأثر بما يقع في الأيام الأخرى، فإذا حصل جماع في يوم ثم جماع في يوم آخر فعليه كفارتان، وإنما تتداخل الكفارات إذا حصل جماع ثم جماع قبل التكفير في يوم واحد فهنا تتداخل، بل إن الجماع الثاني وما بعده ليس فيه أصلا إفساد للصوم؛ لأن الصوم قد فسد بالجماع الأول، فليس عليه إلا كفارة واحدة، ومن حصل منه جماع في نهار رمضان يجب عليه القضاء، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم؛ لأنه قد أفسد صيامه بالجماع، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا قضاء عليه، وإلى هذا ذهب أبو محمد بن حزم، واختاره الإمام ابن تيمية – رحمه الله – ابن حزم على ظاهريته، لكن الكلام في رأي ابن تيمية – رحمه الله – يرى أنه لا قضاء عليه، وهذا جرين على قاعدته: بأن من تعمد إفساد عبادة لم تقبل منه، فعنده أن من تعمد ترك الصلاة لا يقضيها، ومن تعمد الإفطار في نهار رمضان بالجماع ليس عليه القضاء، ولكن الصواب ما عليه جمهور العلماء أن عليه القضاء، وأما كونه لم يذكر في قصة الرجل الذي جامع أهله في رمضان فلأنه معلوم، النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرشده لما يجهله وهو كفارة، وأما القضاء فلم يذكر في روايات الحديث لكونه معلوما، والأصل أن من أفطر في نهار رمضان فيجب عليه القضاء، كما قال الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ

قال: (وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ) يعني يجب عليه الكفارة، فأحال المؤلف على كفارة الظهار، مع أن باب الظهار لم يأتي بعد، سيأتي في كتاب النكاح، فأحال المؤلف على أمر مستقبل، وكان الأحسن بالمؤلف أن يذكر الكفارة هنا، ثم إذا أتى لكفارة الظهار أحال كفارة الظهار على كفارة الجماع في نهار رمضان، فيحيل على أمر قد أمر مضى، لا أن يحيل الآن على أمر مستقبل، وبكل حال كفارة الظهار هي المذكورة في سورة المجادلة، وأيضا وردت في حديث أبي هريرة في قصة الذي وقع امرأته في نهار رمضان وهي: عتق رقبة فمن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فيجب أولا: عتق رقبة، والرق: هو عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب كفره بالله تعالى، هذا التعريف عند الفقهاء، وقد انقرض الرق في الوقت الحاضر، وأصبح معدوما، وممنوع دوليا في جميع دول العالم، فينتقل إلى صيام شهرين متتابعين، وتأمل الإعجاز في قول الله عز وجل لما ذكر الكفارة قال في الآية الأولى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّاۚ في الآية التي بعدها ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لم يجد ماذا؟ يشمل جميع أنواع الفقد وعدم الوجود، فالله عز وجل علم بأنه سيأتي على الناس زمان ينقرض فيه الرق، والصيام الشهرين المتتابعين فيه مشقة كبيرة، لكن لما كان الذنب عظيما لابد من هذا، وبعض الناس إذا أرشد للصيام يقول: ما أستطيع، فمقصوده بعدم الاستطاعة المشقة الكبيرة، نقول: مشقة كبيرة لابد منها إذا أردت براءة ذمتك، فمن كان شابا، صحيحا، غير مريض، الأصل أنه مستطيع، ولذلك إذا قيل للإنسان عليك صيام شهرين متتابعين، إن قال ما أستطيع، فينبغي أن يسأل سؤالا؛ هل تستطيع أن تصوم شهر رمضان كاملا؟ إن قال نعم، فمعنى ذلك يستطيع أنه يصوم شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فهي على الترتيب.

قال: (وَغَيرُهُ يَقضِي فَقَطْ) أي من أفطر في غير رمضان بجماع فليس عليه إلا القضاء ولا كفارة عليه؛ لأن الكفارة إنما هي لأجل انتهاك حرمة شهر رمضان، بخلاف القضاء فليس هناك انتهاك لحرمة زمن معين، فلو أنه جامع في القضاء فعليه التوبة، وعليه أن يقضي يوما مكانه لكن ليس عليه كفارة.

قال: (وَعَلى مَنْ مَاتَ وَلم يَصُمْ مُدُّ طَعَامٍ لِكُلِّ يَومٍ إنْ فَرَّطَ، وَلَوْ عَبَرَ رَمَضَانٌ آخَرُ قَبْلَ صَوْمِهِ لِغَيْرِ عُذرٍ قَضَى وَأَطْعَمَ) مات ولم يصم، إن كان قد فرط يعني عليه أيام وجب عليه صيامها لكنه سوف وفرط حتى مات، يطعم عنه مد طعام عن كل يوم، وظاهر قوله: إن فرط أنه إن لم يفرط فليس عليه شيء، كأن يكون استمر به المرض

( الصوت مقطوع من دقيقة 10,10 تقريبا إلى 11 )

 

 

الميت يصام عنه إن كان عليه أيام فرط في قضائها، لهذا الحديث فإن هذا الحديث صحيح صريح، «من مات وعليه صيام صام عنه وليه » وأصحاب القول الأول حملوا الصيام في هذا الحديث على صيام النذر، وقالوا إن الذي يصام عن الميت إنما هو صيام النذر، واستدلوا بأثر روي عن ابن عباس في هذا، ولكن حمل هذا الحديث على صيام النذر محل نظر؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام من مات وعليه صيام جاءت نكرة غير مقيدة بصوم معين، قال من مات وعليه صيام، فلم يقل: عليه صيام نذر، وحملوه على صوم النذر بعيد؛ لأن صوم النذر بالنسبة لصوم الفرض قليل جدا، وربما يموت الإنسان وما نذر صوم يوم واحد قط، لكن كونه يموت وعليه صوم واجب هذا كثير فكيف ترفع دلالة الحديث على ما هو غالب وتحمل على الناذر القليل، هذا الحديث يحمل على عموم الصيام؛ لعدم وجود ما يقيده، الصواب في هذه المسألة أن كل من مات وعليه صوم واجب، وفرط في القضاء، فإنه يشرع لوليه أن يصوم عنه، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

 قال: (وَلَوْ عَبَرَ رَمَضَانٌ آخَرُ قَبْلَ صَوْمِهِ لِغَيْرِ عُذرٍ قَضَى وَأَطْعَمَ) يعني لو مر عليه رمضان آخر قبل أن يصوم قضائه لغير عذر قضى ما عليه وأطعم عن كل يوم مسكينا، مثال ذلك: هذا رجل عليه خمسة أيام من رمضان، قضى ثم إنه تساهل حتى أتاه رمضان من العام الذي بعده، فأراد أن يصوم ما عليه بعد رمضان الثاني، يقول المؤلف عليه القضاء والإطعام، والإطعام أن يطعم عن كل يوم مسكينا، وقد روي هذا عن بعض الصحابة عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة أنهم يرون الإطعام على كل من آخر رمضان حتى أدركه رمضان الآخر، وأما إذا كان التأخير لعذر من مرض، أو سفر، أو غير ذلك.. فعليه القضاء فقط ولا يلزمه الإطعام.

والقول الثاني في المسألة: أن من أخر القضاء حتى أدركه رمضان آخر فلا يجب عليه إلا القضاء فقط، ويستحب له الإطعام ولا يجب؛ قالوا لأن هذا هو ظاهر القرآن فإن الله عز وجل قال: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ﴾ فذكر الله تعالى القضاء ولم يذكر الإطعام، وهذا هو القول الراجح، أنه لا يجب عليه إلا القضاء فقط، وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – وأما ما استدل به أصحاب القول الأول آثار عن بعض الصحابة فقول الصحابي لا يحتج به إذا خالف النص، وهنا هذه الآثار مخالفة لظاهر القرآن، وربما أن هؤلاء الصحابة أرادوا الاستحباب، ولا نستطيع أن نلزم عباد الله بما لم يلزمهم به الله، والأصل في أموال الناس الحرمة، فكونه نوجب عليهم الإطعام من غير دليل هذا مشكل، ليس عندنا دليل واضح لا من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن عليه مع ذلك التوبة إلى الله عز وجل لأنه يأثم بهذا التأخير فيكون الواجب عليه التوبة والقضاء ويستحب له الإطعام ولا يجب، هذا هو التحقيق في هذه المسألة.

قال: (وَمَنْ مَاتَ وقَد نَذَرَ صَومَاً، أو حَجَّاً، أو اعْتِكَافَاً فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ) أراد المؤلف أن يبين أن الذي يفعله ولي الميت عليه إنما هو صوم النذر، لكن المؤلف استطرد وأردف معه الحج والاعتكاف، فصوم النذر لحديث عائشة السابق: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه » هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، رجحنا أن هذا الحديث يدل على أنه يشرع  الصيام عن الميت سواء كان صيام نذر أو غيره، وأما بالنسبة للحج فيشرع لوليه أن يحج عنه، ويدل لذلك ما جاء في الصحيح البخاري وغيره: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: «إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته، أقضوا الله فالله أحق بالوفاء»  وهذا نص في مشروعية القضاء، الحج المنذور عن الميت.

وقوله: (أو اعْتِكَافَاً) يعني إذا نذر أن يعتكف فيشرع قضائه؛ لعموم حديث سعد بن عبادة لما استفتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أمي ماتت وعليها نذر، قال: أقضه عنها» وهذا يدل على مشروعية القضاء ما وجب على الميت، والأولى أن يقضيه عنه وليه، أي قريبه، والوارث أولى من غير الوارث، لكن إذا لم يتيسر قريب وارث قريب غير وارث، فإن لم يتيسر، فمن أي شخص من المسلمين يشرع له أن يقضيه لكن هذا على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ﴾.

ثم قال المصنف – رحمه الله – ( باب صيام التطوع )

صوم التطوع المراد به: الصوم غير الواجب، وهو من أفضل الأعمال الصالحة، وقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث القدسي: «كل عمل ابن ادم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» هذا يشمل صوم الفريضة، وصوم النافلة، وصوم التطوع يفيد في جبر ما قد يقع من خلل ونقص في صوم الفريضة، وهذا مطرد في جميع التطوعات؛ فإن التطوعات تجبر الخلل الذي يكون في الفرائض، وهذا من رحمة الله تعالى بالمؤمنين، فالتطوع في الصلاة مثلا يجبر الخلل الواقع في الفريضة.. ولذلك أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، وأول ما يحاسب عليه من الصلاة الفرائض، فإن كان فيها نقص فيقال انظروا هل له من تطوع؟ فترقع كما يرقع الثوب،

 وأيضا من فوائد التطوع أنه: من أسباب نيل محبة الله عز وجل التي هي الشرف الأعظم، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلى عبدي بأحب مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» وبعض الناس قد يفتح عليه في باب الصيام فينبغي أن يغتنم هذا الفتح، وأن يكثر من صيام التطوع، وبعض الناس قد يشق عليه صيام التطوع، ولا يفتح عليه في هذا الباب، وقد جاء في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم وإفطار يومين؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ليت أن الله قوانا لذلك» كان عليه الصلاة والسلام يتمنى هذا لكن اعتذر بهذا، فقد يفتح لإنسان في باب ولا يفتح له في باب آخر، ابن مسعود – رضي الله عنه –: «لم يكن يكثر من الصيام لأنه كان نحيل البدن، وكان يكثر من أعمال صالحة أخرى» ويرى أنه لو صام تطوع لضعف عن أعمال صالحة أخرى، فباب التطوع هو فتوحات، فمن فتح عليه في باب من الأبواب فينبغي أن يغتنم هذا الباب وأن يكثر من هذا التطوع، وبعض الناس قد يفتح عليه في باب الصيام حيث أنه لا يؤثر عليه، ولا يشق عليه الصوم، هذا من الفتوحات العظيمة.

قال المصنف – رحمه الله -: (أَفْضَلُهُ صِيَامُ دَاوُدَ) داود أعطاه الله تعالى قوة في العبادة، فكان يصوم يوم ويفطر يوما، ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌۚ أعطاه الله قوة عظيمة في العبادة، وهو إذا أفضل درجات ...

( انقطع الصوت من دقيقة 27,38 إلى 28,10 ) تقريبا

 

 

 فينبغي الإكثار من الصيام في شهر محرم، فإن الصيام فيه أفضل من غيره.

قال: (وسُنَّ صَومُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ) لو أن المؤلف قال: تسع ذي الحجة لكان أحسن؛ لأن اليوم العاشر يحرم صومه بالإجماع، وهو يوم عيد الأضحى، فيشرع صيامها بدخولها في عموم العمل الصالح الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما من أيام العمل فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» أخرجه البخاري في صحيحه، وهذا يشمل كل عمل صالح، فصيام التطوع من أفضل الأعمال الصالحة، قد جاء في حديث عند أبي داوود، والنسائي، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسعة ذي الحجة، لكنه حديث ضعيف، لا يصح من جهة السند، فلا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم صيامها، ولكن يكفينا دخولها في عموم قوله: ما من أيام العمل فيها أحب إلى الله، فإنها داخلة في عموم الحديث ولا شك، وعلى هذا فيشرع صيام تسع الأيام الأولى من ذي الحجة.

قال: (والبِيضِ) أي يسن صيام أيام البيض، وأيام البيض هي اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، من الشهر الهجري القمري، وهي التي يكون فيها القمر بدرا، وسميت بالبيض: لابيضاض ليلها بنور القمر، نور القمر يكون واضح فيها، وبيضاء، يقال: أيام البيض على تقدير حذف موصوف، أي أيام ليال البيض، ودليل على استحباب صيام أيام البيض حديث أبي ذر – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» وهذا الحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وقال: الترمذي هذا حديث حسن، وهذا الحديث عند المحققين ضعيف ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله طرق وشواهد لكن كلها ضعيفة، وجاءت الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من الشهر من غير تحديد ذلك بالأيام البيض، قد جاءت في الصحيحين، وفي غيرها.. وعلى هذا اختلف العلماء هل يستحب صيام الأيام البيض، أو أنه يستحب صيام ثلاثة أيام من الشهر من غير تحديد بالأيام البيض؟ فالجمهور على استحباب أيام البيض كما أقر هذا المؤلف.

والقول الثاني في المسألة: حكى مقاسا عن الإمام مالك أنه سئل عن أيام البيض فكره صيامها، فقال: ما هي ببلدنا، والأيام كلها لله، فالإمام مالك يرى أنه لا يتعمد تخصيص أيام البيض وإنما يصوم ثلاثة أيام من الشهر، وهذا هو الأقرب والله أعلم، وهذا هو القول الراجح، أنه لا يثبت في الأيام البيض فضل خاص، وإنما المحفوظ هو صيام ثلاثة أيام من الشهر سواء أكانت في أول الشهر، أو في وسطه، أو في آخره، وعلى هذا تدل الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن حديث أبي ذر لا يثبت مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: (وَعَرَفَةَ لِغَيرِ مَنْ بهَا) يستحب صيام عرفة لغير من بها أي: لغير الحجاج، وقد ورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم حديث أبي قتادة لما سئل عن صيام يوم عرفة قال: «يكفر السنة الماضية، والسنة الباقية» وفي لفظ: «أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية، والسنة الباقية» وعلى هذا فالصيام هو أفضل من صيام عاشوراء؛ لأن عاشوراء قال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها» وأما بالنسبة للحاج: فيكره صيام عرفة بالنسبة لهم، الحكمة من ذلك: حتى يتقوى الحاج لفطره وعلى الدعاء في صعيد عرفة، ولأن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم فكيف بنفله، وذكر ابن تيمية – رحمه الله – «أن الحكمة من ذلك أن يوم عرفة يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا العيد يختص بمن كان بعرفة دون أهل الآفاق» قال ويدل لذلك حديث : «يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام» والذي يظهر أن كلا المعنيين صحيح.

قال: (وَعَاشُورَاءَ) أي يسن صيام يوم عاشوراء، وعاشوراء: هو العاشر من شهر الله المحرم، قد جاء بفضله أحاديث أبي قتادة – رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها» وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه في مكة، وكانت قريش تصومه في الجاهلية، ولما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه ويقولون: هذا اليوم الذي نجا الله فيه موسى وقومه، فقال عليه الصلاة والسلام: «نحن أولى بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه» وكان قد فرض صيام يوم عاشوراء في أول الأمر، كان صومه واجبا، ثم بعد ذلك نسخ وجوبه في فرض صيام رمضان، وبقي الحكم على الاستحباب، كان عليه الصلاة والسلام يتحرى صومه، قال ابن عباس – رضي الله عنهما – : «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم» - يعني يوم عاشوراء - أخرجه البخاري في صحيحه، وفي آخر حياته قال عليه الصلاة والسلام: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» وتوفي عليه الصلاة والسلام ولم يبقى إلى قابل، وعلى هذا فالسنة أن يصام التاسع مع العاشر، لكن يبقى السؤال الآن.. قبل السنة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لئن بقيت إلى قابل هل كان عليه الصلاة والسلام يقتصر على صيام عاشوراء أو كان يصوم معه يوم آخر؟ كان يقتصر على صيام عاشوراء، فبهذا يكون قد وافق اليهود، في أول الأمر قبل فتح مكة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب مخالفة المشركين وموافقة أهل الكتاب، فلما أظهره الله تعالى فتح مكة ما بقي فيها مشركون فأصبح عليه الصلاة والسلام يحب مخالفة أهل الكتاب، فمخالفة أهل الكتاب بعد فتح مكة في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، فبذلك يزول هذا الإشكال، هذه الفائدة ذكرها ابن حجر، وغيره من الشراح.. وصيام عاشوراء ذكر ابن القيم أن له أربع مراتب:

المرتبة الأولى: أن يصام يوم عاشوراء ويوم قبله ويوم بعده.

المرتبة الثانية: أن يصام التاسع مع العاشر.

المرتبة الثالثة: أن يصام العاشر والحادي عشر.

المرتبة الرابعة: أن يصام عاشوراء وحده.

أما المرتبة الأولى: وهو أن يصام التاسع، والعاشر، والحادي عشر، فقد روي في ذلك حديث: صوموا عاشوراء، ويوم قبله، ويوم بعده، لكن هذه الرواية ضعيفة، ولكن تبقى أيضا هذه المرتبة هي أكمل المراتب لأمور:

الأمر الأول: أنه يصوم بهذا ثلاثة أيام من الشهر، وصيام ثلاثة أيام من الشهر قد ورد الحث عليها في عدة أحاديث.

الأمر الثاني: أن يستكثر من الصيام في شهر محرم، الذي الصوم فيه أفضل الصيام بعد رمضان.

الأمر الثالث: أنه يحتاط لدخول الشهر؛ لأنه أحيانا لا يكون هناك تحري لرؤية هلال شهر محرم فيكون بهذا نوع من الاحتياط إذا صام ثلاثة أيام كلها.

يليها صيام عاشوراء ويوم قبله لقوله عليه الصلاة والسلام: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، يليه صيام عاشوراء ويوما بعده؛ لأنه يتحقق صيام عاشوراء مع تحقيق مخالفة اليهود بصيام يوم بعده، يليه صيام عاشوراء فقط ولا يكره؛ لأنه أصلا هو الذي كان عليه عمل النبي عليه الصلاة والسلام.

قال: (والاثنَينِ والخَمِيسِ) أما الاثنين فقد جاء فيه حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الاثنين فقال :«ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، أو أنزل علي فيه» أخرجه مسلم، ويستحب صيام يوم الاثنين باتفاق أهل العلم، وأما يوم الخميس فقد روي في ذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» وهذا الحديثأخرجه أبو داوود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، يشير بذلك إلى ضعفه، وقد ضعفه مسلم في صحيحه، فإن مسلما روى الحديث بلفظ آخر: «وهو تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا»

وأخرجه مسلم بلفظ آخر: «تعرض الأعمال كل اثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فانظرا هذين حتى يصطلحا» من غير ذلك للصيام ولما أخرج مسلم هذا الحديث بهذا اللفظ قال: وفي هذا الحديث من رواية شعبة، وسئل عن صيام الاثنين والخميس فسكتنا ....

( انقطع الصوت من 46,11 إلى 46,34)

 

لكن من كان من عادته أنه يصوم يوم الاثنين والخميس فيصوم الخميس اعتمادا على ما صح الحديث من أهل العلم فلا حرج عليه، ويستمر على عادته، ولكننا الآن في مقام التحقيق العلمي لهذه المسائل، فمن حيث التحقيق لا يثبت هذا الحديث، والإمام مسلم أشار لهذا، وأن الرواية المحفوظة أنه تعرض الأعمال على الله فيغفر لكل من لا يشرك بالله شيئا وليس وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم فرواية وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم هذه غير محفوظة، وإنما المحفوظ من الرواية هي رواية مسلم، تعرض الأعمال على الله يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل من لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظرا هذين الاثنين حتى يصطلحا، وعلى هذا فالمحفوظ هو فضل صيام الاثنين فقط دون الخميس.

 قال: (وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) أي يستحب صيام ستة أيام من شوال؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر» رواه مسلم، والمراد بالدهر: السنة، أي: كصيام السنة؛ وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام شهر رمضان عن كم شهر؟ عن عشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال عن شهرين، فمن صام ستة أيام بعد رمضان كان كأنه صام السنة كلها، قال ستا من شوال ولم يشترط التتابع فلو فرقها فلا بأس، فالأمر في هذا واسع، ولكن يشترط لحصول الفضل الوارد في هذا الحديث تبييت النية من الليل، وليس شرطا لصحة الصيام؛ صيام النافلة يجوز إنشاء النية أثناء النهار، لكن قلنا شرط لحصول على الثواب؛ لأنك لو صمت خمسة أيام بيّت فيها النية من الليل ثم في اليوم السادس أنشأت النية منتصف النهار فمعنى ذلك أنك صمت خمسة أيام ونصف فهو إذا شرط لحصول الثواب، من لم يتمكن من صيام الست من شوال إن كان لغير عذر فهي سنة فات محلها، وإن كان لعذر كمرض، أو امرأة نفست رمضان واستوعب القضاء شهر شوال فهل يشرع قضاء الست من شوال في شهر ذي القعدة؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: أنه لا يشرع القضاء؛ لأنها سنة فات محلها، ومنهم من قال: أنه يشرع القضاء لمن كان له عذر فتقضى ست من شوال في ذي القعدة كالفرض إذا أخره لعذر، وكالسنة الراتبة إذا أخرها عن وقتها لعذر.. فيشرع له قضائها وهذا هو القول الراجح، فقد رجحه الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ، والشيخ محمد بن عثيمين – رحمهم الله تعالى – ومما يدل لذلك أيضا ما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أصمت سرر شعبان قال: لا، قال: إذا أفطرت فصم» المراد بسرر شعبان يعني: هذه أيام من آخر الشهر كان الرجل اعتاد صومها، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين ما صام، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى قضائها بعد رمضان، فهذا يدل على أن من اعتاد سنة ثم تركها لعذر فيشرع له قضائها.

ثم قال المؤلف – رحمه الله - : (وَلَيلَةُ القَدْرِ فِي العَشرِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) انتقل الكلام عن ليلة القدر، وليلة القدر من باب إضافة الشيء إلى صفته، أي الليلة ذات القدر العظيم، والشرف الكبير، الليلة الشريفة، أو أن القدر من باب التقدير؛ لأن هذه الليلة تقدر فيها المقادير، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍۚ يفصل في هذه الليلة من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة ما يكون في تلك السنة، من الأرزاق، والآجال، والأعمال، وغير ذلك.. وهذه الليلة أعطاها الله تعالى هذه الأمة، قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولي أعمار الأمم السابقة فكأنه تقاصر أعمار أمته، الأمم السابقة كانت أعمارهم طويلة تصل إلى ألف سنة أو أكثر، فأعطاه الله تعالى وأمته هذه الليلة التي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، تعمل عمل قليلا وتنال أجرا عظيما، وألف شهر تعادل ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، ومع ذلك العمل فيها ليس مساويا بل خير من العمل في ألف شهر؛ ولذلك من وفق لليلة القدر فكأنما كتب له عمر جديد، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما اعتكف اعتكف العشر الأول من رمضان يلتمس ليلة القدر، فقيل إنها أمامك فاعتكف العشر الأواسط فقيل إنها أمامك فاعتكف العشر الأواخر من رمضان، واستقر اعتكافه على العشر الأواخر من رمضان، وأخبر أمته بأنها في العشر الأواخر من رمضان، قال: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وكان عليه الصلاة والسلام أخبر بتحديدها وخرج إلى الصحابة يريد أن يخبرهم بها فتلاحى رجلان فأنسيها وقال: عسى أن يكون خيرا، وقد اختلف العلماء هل تتنقل في العشر الأواخر من رمضان أو أنها ثابتة في ليلة معينة؟ فذهب بعض أهل العلم أنها تتنقل فمثلا 21، 23 ...وهكذا قالوا: لأنه لا يمكن الجمع بين الأحاديث المروية إلا بهذا القول، فإنه قد جاء في حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني رأيت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين قال أبو سعيد: فوالله لقد رأيت أثر الماء والطين على جبهته صبيحة إحدى وعشرين» رواه مسلم

وجاء في حديث عبدالله بن أنيس: «أنه رأى أثر الماء والطين صبيحة ثلاثا وعشرين» ولما قام النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه قام بهم ثلاث ليال، قام بهم ليلة ثلاثا وعشرين إلى ثلث الليل، وقام بهم ليلة خمس وعشرين إلى منتصف الليل، فقالوا: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة، وقام بهم ليلة سبع وعشرين الليلة كلها إلا يسيرا، يقول الصحابة: حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، يعني السحور هذا يدل على تأكد ليلة سبع وعشرين.

القول الثاني: أن ليلة القدر ثابتة لا تتنقل؛ قالوا لأنها إنما اكتسبت شرفها بنزول القرآن فيها، والقول بالتنقل ينافي هذا المعنى، أرأيت مثلا يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، اكتسب شرفه لأن الله نجا فيه موسى وقومه، لكن هل يتنقل؟ لا يتنقل، هكذا ليلة القدر اكتسبت شرفها بنزول القرآن فيها، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍۚ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِۚ قالوا ومما يدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بها الصحابة، فتلاحى رجلان فأنسيها، ولو كانت تتنقل لكان لما أنسيها في هذا العام أخبر بها في الأعوام التي بعدها، ظاهر هذا أنه أراد أن يخبرهم مرة واحدة، وهذا هو القول الراجح أن ليلة القدر ثابتة لا تتنقل، وكما ترون الآن في وجهتهم وحجتهم أنها قوية، وهذا هو ظاهر المأثور عن الصحابة؛ ولهذا كان أبي بن كعب: «يحلف بأن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين»، وظاهر السياق أنه يرى أنها لا تتنقل أنها ثابتة، كما جاء عنه في صحيح مسلم، ويستدل على هذا بأنه قد راقب الشمس صبيحة سبع وعشرين فوجد أنها تطلع لا شعاع لها، راقبها عدة سنوات مراقبة الخبير.

ولهذا قال المؤلف: (والوِتْرُ آكَدُ، وَأرْجَاهُ لَيلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) وذكر بعض المفسرين من اللطائف في كون ليلة القدر أن أرجاه ليلة سبع وعشرين ذكر هذا ابن كثير وغيره أن سورة إنا أنزلناه في ليلة القدر ثلاثون كلمة، وأن الكلمة رقم سبع وعشرين سلام هي حتى مطلع الفجر، هذه من اللطائف التي يستأنس بها ولا يعتمد عليها، قالوا كلمة هي فيها إشارة وهي رقم سبع وعشرين، وأيضا ذكر ابن كثير وغيره من اللطائف أن ليلة القدر تسعة حروف وتكرر في السورة ثلاث مرات، فتسعة ضرب ثلاثة تسع وعشرين، وذكروا أشياء كثيرة من هذا القبيل، لكنه أقوى علامة أن صبيحتها تطلع لا شعاع لها، وأيضا من أقوى ما يدل على أنها أرجى الليالي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فيها شيئا لم يفعله في غيرها من الليالي، جمع أهله وأصحابه وقام بالصحابة الليل كله حتى خشوا أن يفوتهم السحور وهذا لم يفعله في ليلة آخرى، فأرجى الليالي موافقة لليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين.

قال: (وَيَدعُو بِالعَفوِ) لحديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول، قال: قولي«اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» أخرجه الترمذي، وفي سنده مقال، لكن ينبغي الدعاء في العشر الأواخر عموما، وفي شهر رمضان أيضا، ولهذا استنبط بعض المفسرين من قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖۚ يقولون إن هذه الآية نزلت بين آيات الصيام، فالآية التي قبلها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُوالآية التي بعدها ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ﴾ إشارة إلى أن شهر الصيام أن الدعاء فيه حري بالإجابة، وأنه ينبغي للصائم أن يكثر من الدعاء خاصة في العشر الأواخر من رمضان.

ثم قال المصنف – رحمه الله -: (كَُرِهَ إفْرَادُ رَجَبٍ) أي: كره إفراد شهر رجب بالصوم؛ لأن فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه، ولكن المكروه هو إفراده، أما إذا صامه وصام معه غيره فلا يكره، ولم يرد في فضل صيامه شهر رجب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في فضل صلاة ليلة من ليال رجب، كل ما روي في فضل الصيام، أو الصلاة في رجب فهو ضعيف، أو موضوع، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وللحافظ ابن حجر رسالة ( تبين العجب لما ورد في شهر رجب) خلص إلا أنه لم يثبت في شهر رجب شيء، وما يفعله بعض الناس من تعظيم أول جمعة يسمونها الجمعة الرجبية، وتعظيم ليالي معينة، هذا كله من البدع المحدثة.

قال: (والجُمُعَةِ) يكره إفراد الجمعة بالصوم؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخص الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحد» ودخل النبي صلى الله عليه وسلم على إحدى أزواجه وهي صائمة يوم الجمعة، قال: «أتصومين غدا، قالت: لا، قال: صمت أمس، قالت: لا، قال: فأفطري» أخرجه البخاري في صحيحه.

والجمهور على أن إفراد الجمعة بصيامه على أنه مكروه، وذهب بعض أهل العلم إلى أن إفراد الجمعة بالصوم محرم، وقد نقل ابن المنذر، وابن حزم تحريم إفراد الجمعة بالصوم عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وسلمان، وأبي ذر – رضي الله عنهم – قال ابن حزم : لا نعلم لهم مخالف من الصحابة، وهذا القول أقرب والله أعلم، أنه يحرم إفراد الجمعة بالصوم؛ والحكمة من ذلك: أنه يوم عيد والعيد لا يصام، فالجمعة هي عيد الأسبوع، لكن أورد ابن القيم إشكالا على هذا وقال: إذا كانت عيدا كيف يجوز صيامها مع يوم قبلها ويوم بعدها؟ ثم أجاب عن هذا الإشكال وقال: لما كان يوم الجمعة مشبها بالعيد أخذ شبهة النهي عن تحري صيامه، فإذا صام قبله أو بعده لم يكن قد تحرى، الممنوع إذا هو تحري صومه، أما لو وافق عادته في الصيام فلا بأس ولو أفرده؛ كان يكون من عادته أن يصوم يوما ويفطر يوما، فأفطر الخميس وصام الجمعة وأفطر السبت فلا بأس بهذا، وقد سئل الإمام أحمد عن رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما، ووقع فطره الخميس والسبت، وصومه الجمعة فقال: هذا لم يتعمد صومه خاصة، وإنما كره أن يتعمد الجمعة، وعلى هذا لو كان الإنسان موظفا ولا يتهيأ له إلا الصيام الجمعة فأراد أن يصوم كل جمعة في شوال حتى يصوم الست؟ نقول: هذا لا بأس به؛ لأن هذا لم يتعمد إفراد الجمعة أو تخصيصها لكونها يوم الجمعة.

قال: (والسَّبْتِ) يكره إفراد السبت بالصوم؛ لحديث الصماء بنت بسر – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب، أو عود شجرة فليمضغها» هذا الحديث أخرجه أبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وهنا المؤلف يكره إفراده لكن لو تأملنا في الحديث هل الحديث نص على الإفراد أو الصيام؟ على الصيام، لا تصوموا يوم السبت، وهذا الحديث ضعفه كثير من الأئمة، قال عنه الإمام مالك قال: هو كذب، وقال أبو داوود: منسوخ، وقال النسائي: إنه حديث مضطرب، وكذا قال الحافظ ابن حجر، وهذا الحديث غير محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنه معارض وهو أصح منه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده» اليوم الذي بعده السبت، وعلى هذا فلا يثبت شيء في النهي عن صيام يوم السبت، ولا حتى في إفراده، وعلى هذا القول الراجح أنه لا بأس بإفراد يوم السبت بالصيام، ولا بحسب صومه؛ لأنه لم يثبت في النهي عنه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد جاء في حديث أم سلمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، ويقول إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم» أخرجه النسائي، وابن خزيمه، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – كان يضعف هذا الحديث، ثم إنه في آخر حياته تراجع عن تضعيفه فصححه، وعمل بظاهره، وأصبح يفتي أنه لا يجوز صيام السبت إلا في الفريضة، وأخذ بذلك كثير من طلابه، فأصبحوا إذا وافق عرفة السبت ينهون الناس عن الصيام، وإذا وافق عاشوراء السبت ينهون الناس عن الصيام، ولكن هذا القول قول ضعيف، ومبني على حديث ضعفه الأئمة.

قال: ( والشك) سبق أن تحدثنا عنه، وقلنا: إن الشك على المذهب أي يوم الثلاثين من شعبان إذا كان الجو صحوا، وقلنا: إن القول الراجح أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان الجو ليس صحوا، وذكرنا خلاف هل يكره صيام يوم الشك أو يحرم؟ ورجحنا أنه يحرم.

قال: ( والدهر) أي يكره صيام الدهر أي: السنة كلها، وقد ورد النهي عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صام من صام الأبد» متفق عليه، وفي لفظ: لا صام ولا أفطر.

في قصة الرهط الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم: وكأنهم تقالوها، قال: أحدهم ولكني أصوم ولا أفطر، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أما أنا: فأصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني، فيكره صيام الدهر، يعني السنة كلها لا يفطر أبدا، لكن روي عن بعض الصحابة أنهم كانوا يصومون الدهر منهم عبدالله بن الزبير فكيف نجيب عن هذا؟ عبدالله بن الزبير ما كان يفطر يصوم السنة كلها، ولذلك لما صلبه الحجاج، قتله ثم صلبه على خشبة، وجعله أياما على خشبة مصلوبا والناس تمر، فسلم عليه عبدالله بن عمر قال: السلام عليك أبا خبيب أما والله لقد كنت صوما قوما، كان يصوم الدهر كله، ويقوم الليل، أما أمة أنت شرها أمة الخير، لأن الحجاج كان يقال أنه شر الأمة، فمباشرة أبلغ الحجاج بهذا الكلام، أمر به رمي رميا، فأخذه الصحابة ولحمه يتقطع قطعا، ثم جمعوه فغسلوه وكفنوه ودفنوه، القصة مشهورة في صحيح مسلم، وغيره.. نقول: عبدالله بن الزبير لم يبلغه نهي النبي صلى الله عليه وسلم فكان مجتهدا – رضي الله عنه -.

قال: (وَكُلِّ يَومٍ يُعَظِّمُهُ الكُفَّارُ) يكره صومه، كيوم النيروز، والمهرجان، يوافق عيد الفرس يسمونه يوم النيروز، هو أول الربيع عنده أنهم عيد، يعتبرونه أول السنة عندهم، من تحرى صيام هذا اليوم لكونه يوم للمجوس، فيكره ذلك، لكن من صامه على يوم اثنين فلا حرج، ولهذا قال المؤلف: (مَا لم يُوافِقْ عَادَةً).

(ويحرم صوم العيدين) وهذا بالإجماع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن صومهما.

(وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، إلا لِمَنْ تَمَتَّعَ وَلم يَجِدْ هَدْيَا) لحديث عائشة، وابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي»فمن لم يجد الهدي يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لأهله، الثلاثة أيام الأفضل أن تكون: قبل عرفة، يعني في السادس، والسابع، والثامن، لكن يجوز أن يجعلها السابع، والثامن، والتاسع، ويجوز أن يجعلها الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، إذا كان متمتعا ولم يجد الهدي، أو القارن.

قال: (وسُنَّ لِمَن تَطَوَّعَ بِعِبَادَةٍ إتْمَامُهَا، إلا الحَجَّ والعُمْرَةَ، فَيَجِبُ إتْمَامُهُمَا) من تطوع بأي عبادة من صلاة، أو صدقة، أو صيام، فيسن له إتمامها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ  ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمر: «لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فتركه» فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عاتب هذا الرجل على ترك قيام الليل، لأن يلام لمن تلبس بالنافلة ثم قطعها من باب أولى، لكنه يجوز قطعها إلا الحج والعمرة، فيجوز لمن صام أن يقطع صومه، ويدل لذلك حديث عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقالت يا رسول الله: «أهدي إلينا حيس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرينيه فلقد أصبحت صائما ثم أكل» رواه مسلم، ولهذا جاء في حديث أخرجه النسائي وغيره: «إنما صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» وعند الفقهاء عبارة مشهورة وهي أن: «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر» وهكذا أيضا لو صلى صلاة نافلة يجوز له أن يقطعها، إنما الذي لا يجوز له قطعها قال: (إلا الحَجَّ والعُمْرَةَ، فَيَجِبُ إتْمَامُهُمَا) لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فمن أحرم بالعمرة أو الحج وجب عليه إتمامها وإن كان نافلتين وهذا بالإجماع؛ والحكمة في هذا: أن الحج والعمرة خاصة في الأزمنة السابقة لا يحصلان إلا بمشقة وكلفة، فلا ينبغي للإنسان أن يبطل هذه العبادة، ويترتب على ذلك إهدار جهد، ومال كثير من غير عذر، ولهذا فالحج والعمرة يجب إتمامها؛ حتى وإن كانا نافلتين.

قال: (وَقَضَاءُ فَاسِدِهِمَا) يعني لو أفسد حجه بالجماع قبل التحلل الأول وجب عليه أمور:

 أولا: وجوب المضي فيه.

 ثانيا: قضائه من عام مقبل.

 ثالثا: يجب عليه بدنه.

نقف عند قوله: (والفِطْرُ فِي الفَرْضِ لمَرَضٍ يَشُقُّ) نفتتح به إن شاء الله الدرس القادم.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد

 

 

 

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض