الخثلان
الخثلان
كتاب الصيام (2) - تابع مفطرات الصوم
29 جمادى الآخرة 1438 عدد الزيارات 831

تابع مفطرات الصوم

لا زلنا في كتاب الصيام في متن التسهيل في الفقه، وكنا قد وصلنا إلى المفطرات، يعبر عنها بعض الفقهاء بمفسدات الصيام.

قال المصنف – رحمه الله – (وَانْتِفَاءِ مُفَطِّرٍ): وهذا معطوف على قوله: (وإنَّمَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، لِكُلِّ يَومٍ وَانْتِفَاءِ مُفَطِّرٍ) كأن هذا شرط ثاني للصحة، والأصل هو صحة الصوم، فلا نعدل عن هذا الأصل إلا بشيء واضح، وهذا الأصل سنحتاج إليه عند الترجيح في المسائل الخلافية في بعض في كونه مفسد للصيام أم لا، فلا يقال إن هذا قد فسد صومه إلا بأمر واضح.

ذكر المصنف – رحمه الله – مفسدات الصيام، أو المفطرات قال:

 الأول: (حَيضٌ ونِفَاسٌ) فهذا هو الأول والثاني، فالحيض والنفاس مفسدان للصيام بإجماع العلماء، ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم، قلنا: بلى قال: فذلك من نقصان دينها» فالمرأة الحائض لا تصل ولا تصوم، أما كونها لا تصل فلأجل عدم الطهارة، فإن وجود هذا الدم يجعلها غير طاهرة، والصلاة يشترط لصحتها الطهارة، وأما كونها لا تصوم فقد اختلف في المعنى لأجله منعت الحائض من الصيام، ولعل الأظهر والله أعلم: أنه من باب الرفق بها؛ لأنها إذا صامت وهي حائض فربما يضعف بدنها مع خروج الدم، فمنعت من الصيام لكي تتقوى بالتغذية، وتقضي هذه الأيام بعد رمضان في وقت طهرها، والمرأة إذا خرج دم الحيض أو النفاس فسد صومها، سواء أكان في أول النهار أو في آخره، حتى لو كان قبل غروب الشمس بلحظات، فلو أن امرأة كانت صائمة، وقبل غروب الشمس بدقيقة واحدة، نزل معها دم الحيض، فسد صومها، وعليها القضاء، وهي مأجورة على إمساكها هذه المدة، لكن صومها فسد، أما إذا أحست المرأة الحائض بانتقال الدم قبل غروب الشمس لكنه لم يبرز إلا بعد غروب الشمس، فصومها صحيح، فالعبرة إذا بخروج الدم، وليست العبرة بالإحساس، فمجرد إحساس الإنسان بالشيء لا يترتب عليه حكم شرعي، أرأيت لو أحس بانتقال المني، لكن لم يخرج منه المني، فلا يجب عليه الغسل، ولا يترتب على هذا الجنابة الموجبة للغسل، بل لابد من خروج الماء، أرأيت لو أحس بخروج الريح، لكن حبسه ولم تخرج الريح، لم تفسد طهارته، بل طهارته صحيحة.

المفسد الثالث قال: (وَرِدَّةٌ ) إذا ارتد عن الإسلام أثناء الصيام، فسد صومه – نسأل الله العافية - قال الموفق ابن قدامه – رحمه الله - : «لا نعلم فيه خلافا»لأن الصوم عبادة من شرطها النية فأبطلتها الردة؛ فإن النية ركن من أركان الصوم، فإذا فسدت النية بالردة فسد الصوم، والردة تحصل بأحد أمور أربعة: بالقول، وبالفعل، وبالاعتقاد، وبالشك، بالقول كأن يسب الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، أو يسب رسوله صلى الله عليه وسلم، بالفعل كأن يسجد للصنم، بالاعتقاد كأن يعتقد شريك لله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، بالشك، بالشك المستقر الذي يركن إليه الإنسان، أما الشك الذي يدفعه ولا يستقر، هذا لا يضر، فإن بعض الناس تعتريه شكوك ووساوس يدفعها، هذه لا تضره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم».

الرابع من مفسدات الصيام قال: (وتَعَمُّدُ ذَاكِرٍ قَيئَاً) تعمد القيء من شخص ذاكر لصيامه، ومفهوم كلام المؤلف أنه إن كان غير متعمد بل غلبه القيء فصيامه صحيح، ويدل لهذا حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض» أخرجه أبو داوود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: لا أراه محفوظا، وقيل: إنه موقوف عن أبي هريرة، لكن نقل ابن منذر الإجماع على أن القيء يفسد الصيام، وقال الترمذي معلقا على حديث أبي هريرة: «والعمل عند أهل العلم عليه، أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمدا فليقض» فحتى وإن قلنا بعدم ثبوت الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن عليه عمل أهل العلم، ونقل إجماع العلماء عليه، هذه مسألة دقيقة، بعض المسائل قد لا تجد فيها أحاديث أو نصوص صحيحة، لكن تجد عمل الأمة عليها، وعمل أهل العلم على أمر من الأمور، هذا لا شك أن له اعتباره، فإن عمل الأمة قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، على قول من الأقوال لا شك أن هذا أمر معتبر، خاصة أنه إذا حكي الإجماع عليه، وعليه عامة أهل العلم، وإلا لو أخذتها بقواعد مصطلح الحديث ما ثبت في هذه المسألة شيء، حديث أبي هريرة معلول، والأصل صحة الصيام، لكن إذا نظرت بالمعنى الذي أشرت عليه وهو عمل أهل العلم، وعمل الأمة على هذا القول، يترجح قول أكثر أهل العلم، وجماهير أهل العلم على العمل بما دل عليه حديث أبي هريرة.

وقوله: (وتَعَمُّدُ ذَاكِرٍ قَيئَا)ً قوله: ذاكر يفهم منها لو كان ناسيا لصيامه، فصومه صحيح، فإن كان هذا في الأكل والشرب ففي القيء من باب أولى.

 والحكمة من كون القيء مفسدا للصيام: أنه إذا استقاء الإنسان يضعف بدنه، فروعي حاله ولكن قد يقال: إذا ذرعه القيء ضعف بدنه، فالله تعالى أعلم.

قوله: (أو جِمَاعَاً) هذا هو المفسد الخامس من مفسدات الصيام، الجماع، وهو أعظم المفسدات، وأكبرها إثما، فهو يفسد الصيام بالإجماع، ويترتب عليه الكفارة المغلظة وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، مع وجوب الإمساك في ذلك اليوم الذي وقع فيه الجماع، وعلى هذا إذا أردنا أن نرتب الأمور المترتبة على الجماع في نهار رمضان نقول إنها أربعة أمور:

أولا: الإثم، ويجب عليه التوبة.

ثانيا: قضاء ذلك اليوم بعد رمضان.

ثالثا: الكفارة المغلظة. وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا.

رابعا: وجوب إمساك ذلك اليوم الذي وقع فيه الجماع.

هذه أمور تلزم من وقع في الجماع في نهار رمضان.

المفسد هو الجماع، أما مقدمات الجماع فإنها لا تفسد الصيام، كالقبلة، والمباشرة، ونحوها.. ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم» ولكن كما تقول أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - : «كان أملككم لإربه» كان عليه الصلاة والسلام يملك إربه، ويأمن من الوقوع في المحظور، ولكن مع ذلك من كان يأمن من الوقوع في المحظور، من الوقوع في الجماع، أو الإنزال، فالقبلة في حقه جائزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، فكان عليه الصلاة والسلام يباشر وهو صائم، لا قول لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن عامة الناس ينصحون بألا يفعلوا هذا لأن الإنسان قد تغلبه الشهوة، ولا يأمن من الوقوع في المحظور، إما في الجماع، أو أن يخرج منه مني، فيفسد صومه.

قال: (أو اسْتِمْنَاءً) وهذا هو المفسد السادس، أي أن يتعمد ذاكر استمناء، فيفسد صومه، ويدل لذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته، من أجلي» الحديث في الصحيحين، فقوله: وشهوته، يدل على هذا أن الصائم ممنوع من وضع الشهوة، ووضع الشهوة يكون بالإنزال، فعلى هذا الاستمناء مفسد للصيام في قول عامة أهل العلم، ولكن إذا احتلم في منامه فخرج منه المني بغير اختياره فصومه صحيح؛ لأن خروج المني هنا بغير اختياره، فالاحتلام إذا لا يفسد الصيام، الذي يفسد الصيام أن يتعمد إخراج المني يقظة، فهذا مفسد للصيام، وهذا يشمل الرجل والمرأة.

المفسد السابع قال: (أو إنزَالاً بِتِكْرَارِ نَظَرٍ) أي وتعمد ذاكر لصومه إنزال المني بسبب تكرار النظر فيفسد صومه؛ لأنه إنزال بأمر يمكن الاحتراز منه، وهذا هو المذهب عند الحنابلة والمالكية، ومفهوم كلامه أن النظرة الواحدة لو تسببت في الإنزال لم يفسد صومه، وهذا صحيح، لأن النظرة واحدة قد تقع فجأة وبغير اختياره، فلا يفسد صومه لو حصل معه إنزال، كما لو رأى رجل امرأة أجنبية فجأة، ثم صرف نظره، لكن هذا النظرة تسببت في إنزاله وهو صائم، فلا يفسد صومه، ثم إن النظرة الأولى معفو عنها، كما جاء في الحديث: «فإن لك الأولى وليس لك الآخرة» ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن النظرة الفجأة قال: «اصرف بصرك» أما تكرار النظر فهذا هو الذي يؤاخذ به، ولهذا لاحظ تعبير المصنف بقوله: أو إنزال بتكرار نظر، ولم يقل: أو إنزال بنظر.

والقول الثاني: أنه لا يفسد صومه بتكرار النظر، وهذا هو المذهب عند الحنفية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة، وعللوا لذلك قالوا: لأنه إنزال بغير مباشرة، أشبه الإنزال بالتفكير، ولأن الأصل صحة الصيام، ولكن الأظهر والله أعلم هو القول الأول، وهو أن تكرار النظر إذا تسبب في الإنزال فسد صومه؛ لأنه نزل بفعل من نفسه باختياره، أشبه بالاستمناء، وفرق بين الإنزال بالتفكير، والإنزال بتكرار النظر؟ فإن التفكير أقل من النظر، ثم إن الفكر لا يمكن التحرز منه، بخلاف تكرار النظر، وعلى هذا يكون الجواب عن بعض الاستفتاءات التي ترد من بعض الناس، أنه مثلا: ينظر إلى مقاطع إباحية في نهار رمضان، ثم يحصل منه إنزال، نقول: إن هذا يفسد الصيام، مادام أنه حصل تكرار نظر، وتكرار النظر تسبب في الإنزال فإنه يفسد صومه بذلك، هذا هو القول الراجح؛ لأنه تسبب في إنزال المني باختياره، وإذا نظرنا للمفسدات نجد أنما تكون فيما حصل باختياره، أما ما حصل بغير اختياره فلا تفسد الصيام إلا في بعض المسائل كالحيض والنفاس.

قال: (أو وُصُولَ شَيءٍ مِنْ مَنْفَذِ جَوفِهِ) وقوله أو وصول : معطوف بالنصب على قوله: قيئا، فيكون المعنى وتعمد ذاكر وصول شيء من منفذ جوفه، والمراد بذلك وصول الطعام والشراب إلى الجوف، وما كان في معنى الطعام والشراب، فإن هذا مفسد للصيام، أما الطعام والشراب، فمفسد للصيام بالإجماع، أيا كان نوع المأكول والمشروب، ومن ذلك: شرب الدخان، التبغ، مفسد للصيام، فإن قال قائل: لماذا نفرق بين شرب الدخان، وبين البخور؟ البخور لا يفسد الصيام، بينما الدخان الذي هو التبغ يفسد الصيام، فأي فرق بينهما؟ نقول الذي يدخل في الدخان ليس مجرد دخان وإنما يدخل دخان مصحوب بمادة النيكوتين، ومواد آخرى.. ولذلك فهذه المادة هي لها مكونات ولها جرم تدخل في جوفه على شكل دخان، وأما بالنسبة للبخور فالأصل لا يفسد الصيام، لكن يكره تعمد استنشاقه، يخشى من كثرته وتعمد استنشاقه بكثرة أن يتكون له جرم، لكنه لا يفسد للصيام، هو مجرد دخان، أيضا يلحق بالأكل والشرب ما كان في معناها ومن ذلك: الإبر المغذية؛ فإنها تفسد الصيام؛ لأن الإبر المغذية يعتمد عليها المريض، ويستغني بها عن الطعام والشراب مدة طويلة، وأما الإبر الغير مغذية فقد اختلف في كونها مفسدة للصيام، فذهب بعض العلماء إلى أنها مفسدة؛ لأنها تشتمل على ماء، ومواد وتنفذ إلى الجوف، ولكن أكثر العلماء المعاصرين على أنها غير مفسدة، وهذا هو القول الراجح؛ لأنها ليست بأكل، ولا شرب، وليست في معنى الأكل والشرب، والأصل هو صحة الصيام، إذا القول الراجح أن جميع الإبر العلاجية غير المغذية أنها لا تفسد الصيام، ومن ذلك إبرة الأنسولين التي يتعاطها مريض السكر إذا كان من النوع الأول، إبر الفيتامينات أحيانا مريض يكون عنده ضعف فيحقن بمجموعة من الفيتامينات، ومعادن، وأملاح، هل هذه تلحق بالإبر المغذية أو الإبر العلاجية؟ تلحق بالإبر المغذية، وأما بالنسبة لحقن الصائم بالدم فإنه يفسد الصيام؛ لأن الدم هو غاية الغذاء للطعام والشراب، وأما بالنسبة لعلاج الربو له عدة صور:

الصورة الأولى: أن يكون عن طريق عقاقير توضع في الفم، ويختلط طحينها بالريق، ويبتلعها المصاب بالربو، فهذه تفسد الصيام؛ لأن لها جرم، وتنفذ للجوف.

الصورة الثانية: أن تكون عن طريق بخاخ الربو، فهذه لا تفسد الصيام؛ لأن بخاخ الربو إنما ينفذ لمجاري النفس، والقصبة الهوائية، ولا ينفذ للمعدة منه إلا شيء يسير جدا، ويقول أهل الاختصاص: إن ما ينفذ من بخاخ الربو إلى المعدة هو يسير جدا بحيث أنه أقل من ملوحة الماء التي تختلط بالريق ويبتلعها الصائم بعد المضمضة، وهو معفو عنها بالإجماع، قطرة العين، والأنف، والأذن، أما قطرة العين فيمكن تخريجها على مسألة ذكرها الفقهاء وهي الكحل للصائم، هل يجوز للصائم الكحل ولو وجد الصائم طعم الكحل في حلقه فهل يفسد الصيام؟ أولا: العين ليست بمنفذ معتاد للطعام ولا للشراب.

ثانيا: قد يجد الإنسان أثر القطرة في حلقه، فإنه وإن لم تكن العين منفذا معتادا إلا أن لها اتصالا بالحلق، قال الإمام أحمد – رحمه الله - : «حدثني إنسان أنه اكتحل بالليل فتنخعه بالنهار».

ثالثا: يبقى النظر في قطرة العين.

 أولا: بالنسبة للكحل روي في ذلك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث بأن الكحل يفطر، وأحاديث بأنه لا يفطر، وكل ما ورد في الكحل من أحاديث كله ضعيف، لا يصح ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الترمذي: لا يثبت في الكحل للصائم شيء ، إذا لا يثبت في هذه المسألة شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا قلنا أن العين ليست منفذ معتاد للجوف الراجح أن الكحل لا يفسد الصيام؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب ولا بمعنى أكل وشرب.

 ويترتب على هذا أن قطرة العين للصائم لا تفسد الصيام، حتى ولو وجد طعمها في حلقه؛ وهذا هو القول الراجح؛ لأن العين ليست بمنفذ معتاد للطعام ولا للشراب، ولم نجد يوم من الأيام أن مريضا أعطي الطعام أو الشراب عن طريق عينه، بينما يمكن أن يعطى عن طريق أنفه، فإذا تعذر إعطاءه عن طريق الفم، وضع له ليات عن طريق الأنف وأعطي الغذاء عن طريق الأنف، فالأنف يمكن أن يكون منفذ للطعام والشراب، أما العين فلا يمكن.

وأما بالنسبة لقطرة الأذن فيقال فيها: ما قلنا في قطرة العين، هل الأذن تعتبر منفذا معتادا للطعام والشراب؟ لا، وعلى هذا فالقول الراجح أيضا، أن قطرة الأذن لا تفسد الصيام؛ لأن الأذن ليس بمنفذ معتاد للطعام ولا للشراب.

ويبقى النظر في قطرة الأنف، الأنف له نفوذ للجوف، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث لقيط بن صبره: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» حديث صحيح، أخرجه أصحاب السنن، فنهاه عن المبالغة في الاستنشاق حال الصيام؛ لأنه لو بالغ في الاستنشاق وهو صائم فربما نفذ الماء إلى جوفه عن طريق أنفه، وعلى هذا فالأنف يعتبر منفذا للطعام والشراب عند تعذر الطعام و الشراب عن طريق الفم، ولهذا نجد أن بعض المرضى الذين يتعذر إعطاءهم الطعام والشراب عن طريق الفم يعطون عن طريق الأنف، ويترتب على هذا أن قطرة الأنف أنها مفسدة للصيام، إذا وصل ماءها إلى الجوف، أما إذا لم يصل ماءها للجوف فلا تفسد الصيام، لو كان مثلا: معه حساسية في الأنف ووضع القطرة على طرف أنفه، وهو يضمن أنها لا تصل للجوف؟ لا تفسد الصيام، لكن لو وصل ماء القطرة إلى جوفه فسد الصيام، هذا هو القول الراجح في المسألة، وهو اختيار شيخنا عبدالعزيز ابن باز، والشيخ محمد بن عثيمين – رحمهم الله تعالى –.

الغسيل الكلوي هل يفسد الصيام أم لا؟ الغسيل الكلوي ينقسم إلى قسمين: الغسيل الكلوي الدموي، الغسيل الكلوي البريتوني، أما الغسيل الكلوي الدموي هذه الطريقة شائعة وهي أن المصاب بالفشل الكلوي يذهب إلى وحدات غسيل الكلى توضع ليات، يستخرج عن طريقها دمه، ويسحب إلى هذه الوحدات لتنقية الشوائب من دمه، فتقوم هذه الوحدات بعمل الكلى، ثم بعد ذلك يعاد إليه الدم مرة آخرى مصفى منقى من الشوائب، ويستمر عدة ساعات، ويعاني المصاب بالفشل الكلوي – عافانا الله وإياك – معاناة عظيمة، هذا الغسيل الكلوي يمكن تخريجه على الحجامة، والحجامة سيتكلم عنها المؤلف بعد قليل، لكن ليست القضية قضية إخراج دم فقط، وإنما عند الغسيل الكلوي يحقن هذا الذي تغسل له الكلى بمواد مكونة من جلوكوز، وأملاح، ومعادن، سكريات، هذه مجموع هذه المواد يكون لها أثر على نشاطه، وعلى معدل السكر في الدم، وعلى الضغط.. فتجد أن هذا الذي قام بتغسيل الكلى يرتفع عنده بعد الغسيل مستوى السكر في الدم؛ لأنه يحقن مع الدم جلوكوز، إذا إدخال هذه المواد لدم الإنسان هذا هو المؤثر في الحكم، وعلى هذا فغسيل الكلوي الدموي مفسد للصيام مطلقا، حتى عند القائلين بأن الحجامة لا تفسد الصيام، على أن بعض أهل العلم يقول: أن تخريجه على الحجامة أصلا محل نظر، لأن الحجامة هي استخراج الدم، وهذا استخراج واسترجاع، ولكن نقول لسنا بحاجة إلى هذا التخريج أصلا، وأما القسم الثاني: وهو الغسيل الكلوي البريتوني وجدت في السنوات الأخيرة، وصفتها: أنه يؤتى للمصاب بالفشل الكلوي ويحدث تحت السرة فتحة، ويوضع شيء مثل: الأنبوب، ويحقن بجلوكوز، وسكريات مركزة، تجذب الشوائب التي تكون في الدم، فتنجذب الشوائب التي تخرج مع البول عادة، ويقوم ذلك بعمل الكلية، وهذا إنما يكون في بعض حالات الفشل الكلوي الغير حاد، فهل هذا الغسيل الكلوي البريتوني مفسد للصيام؟ الواقع أن ما قلناه في الغسيل الكلوي الدموي من كونه يحقن المريض هو أيضا يقع في الغسيل الكلوي البريتوني وعلى هذا أيضا فالغسيل الكلوي البريتوني مفسد للصيام كذلك، فيكون الغسيل الكلوي بنوعيه أنه مفسد للصيام، وبناءا على هذا فإن من ابتلي بهذا الفشل الكلوي يغسل لكن إن استطاع بعد رمضان أن يقضي قضى، وإن لم يستطع أطعم عن كل يوم مسكينا، هذا حاصل كلام العلماء المعاصرين في هذه النوازل.

قال: (لا غُبَارٌ وَنَحْوُهُ) يعني أن الغبار إذا طار إلى حلقه لا يفسد الصيام، وقد حكي إجماع العلماء على ذلك؛ وذلك لعدم إمكان التحرز منه، ومثل ذلك: لو نفذ إلى جوفه ماء بغير اختياره، ونحو ذلك.. لا يفسد صومه.

قال: (وريقٌ مُعْتَادٌ) أي أنه لا يفسد الصيام بلع الريق المعتاد؛ وذلك لمشقة التحرز منه، قد حكي إجماع العلماء على ذلك أيضا، ولكن قال الفقهاء: إنه يكره أن يجمع ريقه فيبتلعه، لكن مع ذلك لو تعمد ابتلاعه فصومه صحيح، وحكي الإجماع على ذلك.

وأما بالنسبة للنخامه فيكثر السؤال عنها هل ابتلاعها يفسد الصيام أم لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء فالمذهب عند الحنابلة أن تعمد ابتلاع النخامة يفسد الصيام لأن لها جرما، فهي أشبه بالطعام الذي يبتلعه.

والقول الثاني: أنه لا يفسد الصيام؛ لأنها ليست أكلا ولا شربا، وليست في معنى الأكل والشرب، بل هي أشبه بالريق، وهذا هو القول الراجح.

وأما بالنسبة لاستخدام الفرشاة والمعجون للصائم فلا بأس بذلك؛ لأنها إنما تكون في الفم فهي كالمضمضة، ولكن بعض أنواع المعاجين لها نفوذ قوي فيخشى أنها تصل للمعدة ولهذا الأحسن أن يجعل ذلك في الليل ولا يجعله في النهار، ومع ذلك لو استعمل الفرشاة والمعجون واحترز من أن يصل شيء من المعجون إلى جوفه فلا بأس بذلك.

 كذلك أيضا السواك لا بأس به للصائم، ولا يكره سواء أكان قبل الزوال أو بعده، على القول الراجح، وما روي من النهي عن الإستياك بعد الزوال للصائم فضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أنبه هنا إلى أن بعض أنواع عود الأراك تكون رطبة، وحارة، ولها طعم، فهذه يخشى من أنه إذا تسوك أثناء الصيام أن ينفذ طعمها إلى جوفه، فإذا استاك الصائم عليه أن يحترز من الإستياك بأعواد الأراك الرطبة، الحارة، التي لها طعم.

وقوله: (وحَجْمَاً واحْتِجَامَاً) معطوف على قوله: قيئا أي: وتعمد ذاكر حجما واحتجاما، يعني حجما: من يقوم بالحجامة، وهذا إنما كان في الزمن السابق لما كانت الحجامة عن طريق مص الدم، فإنه ربما تنفذ أجزاء لطيفة من الدم إلى جوفه وهو لا يشعر، وأما الاحتجام: الشخص الذي يحجم فيفسد صومه على رأي المؤلف بسبب خروج الدم، والحجامة هي من الطب النبوي الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إن أمثل ما تداويتم به الحجامة» متفق عليه، وهي من الأدوية التي عرفها الناس بالتجارب، الأدوية النافعة للإنسان، وأصبحت الآن معترفا بها من منظمة الصحة العالمية ضمن الطب البديل، وكما قال ابن تيمية – رحمه الله – : «أن ما يجتمع عليه عقلاء بني ادم لا يكون إلا حقا» فنفعها معروف وثابت علميا، ويكفينا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أمثل ما تداويتم به الحجامة» الذي يهمنا هنا أثرها على الصيام، المؤلف يرى أنها تفسد الصيام؛ لحديث شداد بن أوس – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» قال هذا لما مر على رجل يحجم آخر في رمضان، هذا الحديث أخرجه أبو داوود، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الإمام أحمد، وكذلك البخاري، وابن المديني، وهو حديث صحيح، وقد روي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المذهب عند الحنابلة وهو من المفردات، والمفردات: يعني انفراد به الحنابلة عن بقية المذاهب.

القول الثاني: أن الحجامة لا تفسد الصيام، ولهذا ذهب إليه الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة، واستدلوا لذلك لحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم : «احتجم وهو صائم محرم» أخرجه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه، وأيضا استدلوا بحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم : «رخص في الحجامة للصائم» والقول الراجح هو القول الأول، وهو أن الحجامة تفسد الصيام، وقد اختاره جمع من المحققين من أهل العلم كأبي العباس بن تيمية، وابن القيم، وشيخنا عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد ابن عثيمين – رحمهم الله تعالى جميعا – وذلك لحديث شداد بن أوس : «أفطر الحاجم والمحجوم» وهو حديث صحيح، صريح.

 وأما حديث ابن عباس الذي استدل به الجمهور فإن المحفوظ من الرواية هو رواية مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم: «احتجم وهو محرم» وزيادة وهو صائم هذه غير محفوظة، ولذلك لم يخرجها مسلم في صحيحه، على أنه جاءت رواية آخرى عند البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: «احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم» وعلى تقدير أن الحجامة وقعت حال الصيام فقد أجاب ابن القيم عن ذلك أن هذا يحتمل عدة احتمالات: فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك في السفر، بدليل قوله: محرم وصائم، وهو لا يكون محرم إلا في السفر، والمسافر يباح له الفطر في نهار رمضان، ويحتمل أنه في صيام التطوع، ويحتمل أنه قبل إخباره بأن الحجامة تفسد الصيام، ويحتمل غير ذلك.. وعلى تقدير التعارض بين حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين حديث: «احتجم وهو صائم» من فعله فأيهما أقوى دلالة؟ وعند الأصوليين أنه إذا تعارضت دلالة القول والفعل فأيهما أقوى؟ فدلالة القول أقوى، وأصرح، ومقدمة، لأن دلالة القول لا يرد عليه احتمالات بينما دلالة الفعل يرد عليها عدة احتمالات، وأضرب لكم مثال: لو رأيت عالم من العلماء مثلا يقرر حكما، يقرر نجاسة الاستراحة مستحبة في الصلاة، ثم رأيته يصلي ولا يجلس جلسة الاستراحة؟ أيهما ينسب إليه قوله، لأن فعله يحتمل عند احتمالات يحتمل أنه عنده مثلا: ألم في الركب، يحتمل أنه مريض، يحتمل أنه ناسي، يحتمل عدة احتمالات.. أما قوله لا يرد عليه عدة احتمالات.

أما حديث رخص في الحجامة في سنده مقال، وهو من قول أبي سعيد – رضي الله عنه – وحديث شداد بن أوس أقوى وأصرح وهو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالقول الراجح أن الحجامة تفسد الصيام، والقول بالنسخ لا دليل عليه، لأنه لا بد من معرفة المتقدم على المتأخر وهذا ليس معلوما.

يبقى بالنسبة للحاجم إذا كان يمص الدم مباشرة فإنه يفسد صومه، وأما إذا كان مثل ما عليه الأمر في الوقت الحاضر، أن الحجامة تكون عن طريق تفريغ الهوى وليس عن طريق مص الدم، فالحجامة لا تفسد الصيام بالنسبة للحاجم؛ لأنه لا يمص الدم مباشرة.

 يتفرع على مسألة الحجامة مسألة تحليل الدم هل يفسد الصيام أم لا؟ تحليل الدم إذا كان الدم المستخرج يسيرا عرفا أقل من الدم من المستخرج عادة في دم الحجامة فإنه لا يفسد الصيام، كالدم المستخرج لتحليل السكر، قطرة فإنه لا يفسد الصيام، أما إذا كان الدم المستخرج للتحليل كثيرا في معنى دم الحجامة فأكثر فإنه يفسد الصيام، فمثلا: بعض الناس عندما يطلب منه تحليل الدم يؤخذ منه أربع براويز، أو خمسة، وطول الأصبع، فهذا دم كثير يفسد الصوم، أما إذا كان في حدود برواز وأقل فهذا قليل لا يفسد الصيام.

خلع السن بالنسبة للصائم لا يفسد الصيام؛ وذلك لأن الدم الذي يخرج دم يسير.

وأما بالنسبة للرعاف فإنه لا يفسد الصيام حتى ولو كان الدم كثيرا؛ لأن الدم الخارج بغير اختياره.

وهكذا لو أنه خرج منه دم كثير بغير اختياره إما بسبب حادث، أو غير ذلك.. فلا يفسد الصيام؛ لأنه بغير اختياره.

التبرع بالدم يفسد الصيام؛ لأنه دم كثير، أكثر من الدم الذي يخرج من الحجامة، لكن عند الحاجة للتبرع لا بأس أن يتبرع إنسان، وينقذ حياة أخيه المسلم، ويقضي هذا اليوم بعد رمضان. فلو أن مريضا احتاج للتبرع حالا وإلا ربما هلك هذا المريض، فلا بأس أن يتبرع الإنسان بالدم، ويقضي بعد رمضان.

قال: (وَلَو أَكَلَ شَاكَّاً فِي الغُرُوبِ، لا الفَجْرِ، أو اعْتَقَدَهُ ليلاً فَخَالَفَ قَضَى) أكل شاكا في غروب الشمس، ثم تبين له بعد ذلك أنها لم تغرب، فعليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، وهذا نقل إجماع العلماء عليه، فإن الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚوهذا لم يتم الصيام، وقوله: (شَاكَّاً) يفهم منه أنه لو لم يكن شاكا لكان صومه صحيحا، فلو أكل متيقنا غروب الشمس، أو غلب على ظنه غروب الشمس، فصومه صحيح، ويكفي للفطر في نهار رمضان غلبة الظن بغروب الشمس، ولا يجب الانتظار حتى حصول اليقين، ويدل لهذا حديث أسماء – رضي الله عنها – قالت: «أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس»  أخرجه البخاري في صحيحه، إفطارهم في يوم غيم يدل على أنهم اعتمدوا على غلبة الظن أو اليقين؟ غلبة الظن، بل قال: ابن تيمية – رحمه الله - : «إنه يستحب الإفطار في نهار رمضان بناء على غلبة الظن، ولا يستحب الانتظار حتى حصول اليقين قال: لأنه ليس هناك أحد أطوع لله من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته – رضي الله عنهم – وهم كانوا يفطرون بناء على غلبة الظن، ولا ينتظرون حتى يحصل اليقين بغروب الشمس» فلو كنت مثلا: في البرية، وغلب على ظنك غروب الشمس، السنة أن تفطر، ولا تنتظر حتى تتيقن غروب الشمس.

قوله: (لا الفَجْرِ) أي أن من أكل أو شرب شاكا في طلوع الفجر فصومه صحيح، وقد حكي الإجماع على ذلك؛ لأن الأصل بقاء الليل؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِۚ قال: حتى يتبين، وهو لم يتبين له الفجر، ولذلك فإذا أكل أو شرب شاكا في طلوع الفجر فصومه صحيح.

 وعلى هذا فالمسألة التي يكثر السؤال عنها، من أكل أو شرب وقت آذان الفجر؟ فنقول: صومه صحيح ولا بأس بهذا، وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» أخرجه أبو داوود، وله شواهد وطرق متعددة، وصحيح بمجموعها.

من جهة النظر أن الفجر ليس كالمصباح يضيء في وقت واحد، وإنما الفجر تظهر إضاءته شيئا فشيئا، ولذلك لو راقب اثنان الفجر لربما اختلفا، هذا يقول طلع وهذا يقول لم يطلع، والأصل هو بقاء الليل، وعلى هذا فلا يشدد في مسألة الأكل والشرب في وقت الآذان هذا غير صحيح، وقد روي آثار كثيرة عن السلف في التسامح في هذه المسألة، كان ابن عباس – رضي الله عنهما – : «يرسل غلامين يرقبان له الفجر فإذا قال: أحدهم طلع وقال الآخر: لم يطلع جعل يأكل حتى يتفقا على أنه طلع الفجر»، بل كان بعض السلف: «يضع ناقته ويأكل ويشرب ويقول: لم يطلع الفجر».

قال: (أو اعْتَقَدَهُ ليلاً فَخَالَفَ قَضَى) أي أكل أو شرب معتقدا أنه ليل فخالف الواقع اعتقاده فبان نهارا فيقول المؤلف: إنه يفسد صومه ويجب عليه القضاء، مثال ذلك: رجل جعل يتسحر يظن أنه لا زال بليل، ثم لما خرج المسجد وجد الناس خرجوا من الصلاة، وأنه أكل وشرب بعد طلوع الفجر، أو حصل منه الجماع، يظن أنه في الليل، ثم تبين أنه طلع الفجر، فيقول المؤلف: أن صومه يفسد وعليه القضاء، وقال بعض العلماء: إن صومه صحيح، وذلك لأنه لم يتعمد الأكل، والشرب، أو الجماع في نهار رمضان، وإنما أخطا في ذلك، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عفي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» ولحديث أسماء السابق: «أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس» ولم ينقل أنهم أمروا بالقضاء مع أنهم قد أفطروا بطريق الخطأ، وهذا أيضا قد روي عن عمر – رضي الله عنه – وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية، وجمع من المحققين من أهل العلم وهو القول الراجح، وعلى هذا من أكل أو شرب معتقدا أنه ليلا ثم تبين أنه طلع الفجر، أو أنه أكل أو شرب معتقدا أنها غربت الشمس وتبين له أن لم تغرب فصومه صحيح.

قال: (ويَتَحَرَّى الأسِيرُ، ويُجْزِئُه إن وافَقَهُ أو بَعْدَهُ) الأسير الذي ليس عنده وسيلة لمعرفة الوقت ومن ذلك: أن يكون مسجونا في زنزانة وليس معه ساعة، وليس عنده أحد يخبره بالوقت، مثلا: فهذا يتحرى في معرفة شهر رمضان.

قال: (ويُجْزِئُه إن وافَقَهُ أو بَعْدَهُ) يعني إن اجتهد فوافق اجتهاده أنه صام شهر رمضان أجزاءه وإن اجتهد فوافق أنه صام بعد رمضان أجزاءه أيضا؛ لأنه يصبح قضاء، أما إذا اجتهد فتبين أنه صام قبل رمضان فلا يجزئه، يعني: لو أنه لما اجتهد تبين له أنه صام في شهر شعبان أو في شهر رجب لا يجزئه، لو أنه لما اجتهد تبين له أنه صام في شهر شوال أو ذي القعدة أجزئه؛ لأنه يصبح قضاء.

قال: (يُسَنُّ تَأخِيرُ سَحُورٍ، وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ) السحور هو: ما يؤكل في وقت السحر، وهو آخر الليل، فالسنة إذا تأخير السحور إلى قبيل الفجر، وقد جاء في حديث زيد بن ثابت قال: «تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة، فقلنا: كم بين الآذان والسحور، قال: قدر خمسين آية» وفي رواية: «كم كان بين فراغين سحورهم ودخولهم الصلاة قال: قدر قراءة خمسين آية» الحديث في الصحيحين، جاء في رواية عن الطبراني: «أنه قدر قراءة سورة الحاقة» وقدر هذا الحافظ ابن حجر وقال: «ومقداره ثلث خمس ساعة» ووضح هذا الحافظ ابن حجر قال: «بقدر ما يتوضأ الرجل عادة» فكان بين الآذان والإقامة بمقدار آداء السنة الراتبة لم يكن طويلا، لكن في وقتنا الحاضر لا يقل عن خمس وعشرين دقيقة، فاصل طويل، ظاهر الحال في عهد النبوة أنه لم يكن فاصل طويلا بين الآذان والإقامة، يفترض أنه يؤذن المؤذن ويفتح للناس فرصة إتيان السنن الرواتب، ثم تقام الصلاة، من غير تعطيل للناس، لأن إغلاق المحلات التجارية مدة طويلة ربما يضر بأصحاب المحلات.

إذا السنة تأخير السحور؛ لأن هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن أنبه هنا أن البعض يستدل بحديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور» زيادة وأخروا السحور غير محفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يغني عنها هدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يؤخر السحور إلى قبيل الفجر.

قال : (وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ) هذه هي السنة؛ لحديث سهل بن سعد السابق، وجاء في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال: «أن أحب عباد إلي أعجلهم فطرا» أخرجه الترمذي، لكن في سنده مقال.

قال: (عَلَى رُطَبٍ، ثُمَّ تَمرٍ، ثُمَّ ماءٍ) وهذا قد جاء في حديث أنس – رضي الله عنه – قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء» أخرجه أبو داوود، والترمذي، وهذا يدل على أن السنة الإفطار على الرطب، فإن لم يتيسر فعلى التمر، فإن لم يتيسر فعلى الماء.

قال: (وَالذِّكْرُ عِنْدَهُ) أي يسن الذكر عند الإفطار، وأفضل الذكر الذي ينبغي أن يكون عند الإفطار هو الدعاء، فإنه قد جاء في حديث عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» أخرجه ابن ماجه، وهو حديث صحيح.

فينبغي للصائم عند الفطر أن يدعو فهذا دعاء من مواطن الإجابة، لكن ما موطن الدعاء؟ قبيل أن يفطر، اللحظات التي تسبق الإفطار يدعو، فقبيل الإفطار يسن الدعاء، لا بعد فطره، لأنه قال: عند والعندية تقتضي القرب.

ورد في حديث عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان إذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» وهذا حديث حسن أو صحيح، أخرجه أبو داوود، وغيره، لكن قوله: ذهب الظمأ إنما يقال: إذا قد ظمأ بالفعل، أما إذا كان لم يظمأ فلا يشرع أن يقول: ذهب الظمأ.

ثم انتقل المؤلف للكلام عن الإفطار بالجماع، وكفارته، ومسائله المتعلقة بالكفارة.

لعلنا نرجئ الكلام عنها للدرس القادم، نكتفي بهذا القدر.

 

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض