الخثلان
الخثلان
كتاب الصيام (1)
17 جمادى الآخرة 1438 عدد الزيارات 796

والصيام معناه في اللغة: الإمساك، يقال: للساكت صائم لإمساكه عن الكلام، ومنه قول الله تعالى عن مريم: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا صوما: أي إمساكا عن الكلام، ويقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، ومنه قول الشاعر: خيل صيام وأخرى غير صائمة *** تحت اللجاج وأخرى تعلك اللجما، فهذه المادة مادة الصيام يدور معناه في اللغة العربية حول معنى الإمساك، وأما معنى الصيام شرعا: فأحسن ما قيل في تعريفه: التعبد لله تعالى بالإمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص، التعبد لله تعالى لابد من هذا القيد؛ لأن الإمساك بنية من غير نية التعبد لا يعتبر صياما شرعا، فلو أنه أمسك من غير نية، يعني مثلا كان النهار قصيرا، ومن حين أصبح إلى أن أمسى لم يأكل، ولم يشرب، ولم يفعل شيئا من المفطرات، لكنه لم ينوي الصيام، لا يعتبر صياما شرعا، في زمن مخصوص، والزمن المخصوص هو: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص وهو: المسلم، المكلف، القادر، المقيم، غير الحائض والنفساء، كما سيأتي بيانه، وقد فرض الصيام في شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات، وكانت فرضية صيام شهر رمضان على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: فرضية صيام عاشوراء، كان في أول الأمر صيام عاشوراء واجبا.

المرحلة الثانية: نسخ وجوب عاشوراء بفرض صيام شهر رمضان لكن على التخيير بين الصيام والإطعام، مع كون الصيام خيرا من الإطعام، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖفَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ ﴾ يعني من الإطعام.

المرحلة الثالثة: وهي التي استقر عليها التشريع، وهي فرض صيام رمضان على التعيين؛ بقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إذا كان فرض رمضان على هذه المراحل الثلاثة.

والحكمة من هذا التدرج: هو مراعاة أحوال النفوس، فإن قاعدة الشريعة أن ما كان ثقيلا على النفوس يسلك معه مسلك التدرج، فلما كان الصيام لم يألفه الناس في ذلك الزمن أتت فرضيته بهذا التدرج، وهذا له نظائر في الشريعة الإسلامية: كتحريم الخمر، فقد أتى متدرجا فلم يأتِ مرة واحدة، أول ما نزل ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾.

 كره بعض العلماء أن يقال رمضان وقالوا: إن الأولى أن يقال شهر رمضان، واستدلوا بحديث  أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا رمضان فإن رمضان من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان» ولكن هذا الحديث حديث ضعيف، أخرجه البيهقي، وابن عدي، وضعفه شديد، فلا يثبت ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب أنه لا بأس أن يقال رمضان، وقد جاءت به السنة كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» الحديث في الصحيحين، وكما في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» ولهذا الأمر واسع، سواء قلت رمضان، أو قلت شهر رمضان.

مشروعية صيام رمضان، من محاسن هذه الشريعة، إن الله تعالى أوجب على المؤمنين صيام شهر رمضان لحكم عظيمة ومن أبرز هذه الحكم:

أولا: ما أشار إليه ربنا تبارك وتعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أبرز حكم مشروعية الصيام، تحقيق التقوى لله عز وجل، وهذا أمر ظاهر فإن الصيام معين على تحقيق التقوى، لهذا تجد أن الناس في رمضان يقبلون على الطاعات، وعلى الأعمال الصالحة أكثر من غيره من شهور العام.

وأيضا تحصيل الأجر والثواب، فإن الله تعالى قد رتب على الصيام أجرا عظيما، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن ادم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» متفق عليه، معنى الحديث: كل عمل ابن ادم له أي: جميع الأعمال الصالحة الجزاء عليها من باب الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، أما الصوم فالجزاء عليه ليس من هذا الباب وإنما يجزي الله عليه جزاءً خاصا من عنده، مثال: لو أن معلما وزع جوائز على طلابه المتفوقين فقال: يا فلان أنت لك هذه الجائزة، وأنت لك هذه الجائزة، وأما أنت يا فلان فلك عندي جائزة خاصة، ما الظن بهذه الجائزة؟ أفضل من جوائز زملائه، هكذا الصوم أيضا مع بقية الأعمال الصالحة، وكما يقال: العطية بقدر معطيها، الله تعالى هو أكرم الأكرمين، لكن هل هذا الجزاء الخاص خاص بصيام الفريضة أو يشمل صيام النافلة؟ يشمل صيام النافلة، هذا يدل على فضل هذه العبادة واختصاصها من بين سائر العبادات، لماذا اختص الصيام بهذه الخصيصة؟ الجواب عن هذا مذكور في الحديث، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه، وشرابه، وشهوته، من أجلي، أي: أنه يظهر فيه الإخلاص لله عز وجل؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يرائي في عبادة الصيام، فيمكن للإنسان في المكان الخالي أن يأكل، أو يشرب، لن يكون عليه رقابة من المخلوقين طيلة النهار، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا لم يفعل ذلك ابتغاء الثواب من الله سبحانه دل هذا على إخلاصه، فكان جزاؤه عظيما.

أيضا مما يدل على فضل عبادة الصيام أن الصائم يؤجر طول وقت صيامه؛ لأنه طيلة الوقت متلبس بعبادة، وقد جاء عن أبي العالية – رحمه الله – قال: «الصائم في عبادة مالم يغتب أحدا، وإن كان نائما على فراشه» فكانت حفصة بنت سيرين التي روت هذا الأثر تقول: «يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي» أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح، وهذا لا يوجد في غير الصيام.

أيضا الصوم فيه تربية للنفس، وتعويد لها على الصبر، والتحمل، فإنه يجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة: ففيه صبر على طاعة الله بحمل النفس على الصيام، وصبر عن محارم الله وهي المفطرات أثناء الصيام، وصبر على ما يتألم منه الإنسان من الجوع، والعطش، ونحوه..

ثم إن الصيام فيه فوائد صحية كثيرة، فهو يطهر البدن من الأخلاط الرديئة ويكسبها صحة وقوة، والحكم كثيرة جدا، لكن لهذه إشارات لأبرزها.

قال المصنف – رحمه الله - : (يَجِبُ برؤيةِ الهلالِ، أو كَمَالِ شَعبَانَ، أو إِحَالَةِ غَيْمٍ أو قَتَرٍ دُونَهُ لَيلَةَ الثَّلاثِينَ) ذكر المصنف أنه يجب صيام شهر رمضان بأحد هذه الأمور الثلاثة:

 الأمر الأول قال:( برؤيةِ الهلالِ) أي رؤية هلال شهر رمضان وذلك بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شهر شعبان، وهذا قد وردت فيه الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»وما جاء في معناه، وهذا يشمل الرؤية بالعين المجردة، ويشمل كذلك الرؤية عبر مكبرات الرؤية الحديثة، مثل: الدربيل، والتلسكوب، والمراصد، وقد أقرت هيئة كبار العلماء المدة الطويلة من أكثر من ثلاثين عاما استخدام هذه الوسائل في الرؤية؛ لأنه ليس هناك فرق بين أن ترى الهلال بعين مجردة أو تراه بالدربيل أو بالتلسكوب، كما أنك لو لبست نظارة ما تراه مباشرة هو نفسه كما تراه بالنظارة، فهذه الأجهزة مجرد مكبرة للرؤية، وفي السنوات الأخيرة وجدت تقنية جديدة وتعتبر نازلة وهي ما تسمى: بكاميرة ccdهذه فكرتها تعتمد على تجميع الصور في حدود ثلاث مائة صورة ثم الكمبيوتر يعالج هذه الصورة وتخرج صورة الهلال في كثير من الأحيان في النهار، والمهتم بهذا الأمر يجد أنه تنشر هذه الصور، فهل الرؤية عبر كميرة ccdهل هي معتبرة شرعا أو لا؟ هذه نازلة فقهية تعم عموم المسلمين، وقد اقترحت على المجمع الفقهي على رابطة العالم الإسلامي دراسة هذه النازلة في الدورة القادمة فقد وافق المجمع وكلفني بإعداد بحث فيها، وأنا في طور البحث، أما بالنسبة للوسائل الأخرى مثل: الدربيل، والتلسكوب، والمراصد هذه يعتمد عليها، لكن العجيب رغم أن قرار هيئة كبار العلماء من أكثر من ثلاثين عاما لم يحصل ولا مرة واحدة أن الهلال رئي عبر هذه الأجهزة ولم يرى بالعين المجردة، وهذا من العجب، مع أن هذه الأجهزة لا مقارنة بينها وبين العين المجردة.

 الطريق الثاني قال: (أو كَمَالِ شَعبَانَ) يعني إكمال شعبان ثلاثين يوما، عند عدم رؤية الهلال بعد غروب شمس التاسع والعشرين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» متفق عليه، وهذا أمر ظاهر، وعليه عامة أهل العلم.

قبل أن ننتقل للأمر الثالث وهو المتعلق بصيام يوم الشك، نريد أن نكمل مبحث الرؤية، هل يعتمد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول الشهر أم لا؟ نقول: الأصل هو الرؤية، لكن هل الحسابات الفلكية تطرح جملة أو أنه يؤخذ بها في حال دون حال؟ حسابات الفلكية في حال الإثبات لا يعتمد عليها، لو دلت الحسابات الفلكية أن الهلال موجود في الأفق وأنه من الممكن رؤيته لكن لم يتقدم بالشهادة لرؤيته أحد فلا يثبت الشهر، وأما في النفي إذا قال أهل الفلك: إن الهلال لا يمكن رؤيته ثم أتى شهود وادعوا رؤية الهلال هل تقبل شهادتهم أم لا؟ هذه المسألة بحثت من قديم، من أبرز من تكلم عنها بتوسع: ابن السبكي، وذهب ابن السبكي إلا أنه يؤخذ بالحساب الفلكي القطعي في النفي، وله في هذا رسالة، وأيضا من أبرز من ذهب لهذا الرأي من المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين – رحمة الله على الجميع – أنه يؤخذ بالحسابات الفلكية في النفي دون الإثبات، والذي يظهر والله أعلم أنه يؤخذ بالحسابات الفلكية القطعية في النفي دون الإثبات، أما غير قطعية فلا يؤخذ بها، فمثال القطعية: غروب القمر، فلو كان القمر يغرب قبل الشمس بربع ساعة فلكيا، ثم أتى شاهد، أو شاهدان وادعيا أنهما رأيا الهلال غرباً بعد الشمس، فهنا ترد شهادة الشهود، فإن قال قائل لماذا ترد شهادة الشهود، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: صوموا لرؤيته، أقول: أرأيت لو أن شاهدين عدلين أتيا في اليوم السادس والعشرين من رمضان وشهدا برؤية الهلال هل تقبل شهادتهما؟ ما تقبل وإن كان عدلين، وإن كانوا عشرة شهود؛ لأن الشهادة لابد أن تنفك عن من يكذبها، وهذه الشهادة لم تنفك عن من يكذبها، لأنها تخالف ما هو معلوم من سنن الله تعالى في الكون، الله تعالى يقول: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ هكذا أيضا إذا غربت الشمس في اليوم التاسع والعشرين قبل القمر فلكيا ثم أتى الشهود وشهدوا برؤيته بعد غروب الشمس ترد شهادتهم؛ لأننا نعلم أن من سنن الله عز وجل أن القمر غرب قبل الشمس، وأن حسابات غروب وشروق القمر أنها صحيحة، ودقيقة، وقطعية، مثل: شروق وغروب الشمس، أرأيت الآن في صلاة المغرب هل المؤذن يصعد للمنارة ليرى الشمس؟ يعتمد على التقويم، لأننا عرفنا أن هذه التقاويم صحيحة، وأنها تجري على ما هو معلوم من سنن الله تعالى، غروب القمر مثل غروب الشمس تماما، فإذا كنت ستشك في غروب القمر فشك أيضا في شروق الشمس، فلذلك إذا غرب القمر قبل الشمس فلكيا لا يمكن أن يرى بعد غروب الشمس، هذا مثال للحسابات القطعية، أما غير القطعية لو أن كان الهلال موجودا في الأفق، يغرب مثلا: بعد الشمس بعشر دقائق، لكن قال كثير من أهل الفلك: أنه لا يمكن رؤيته لأنه قريب من الشمس، هذا ليس قطعي، فقد يمكن الله عز وجل بعض البشر ممن عنده حده في البصر أن يرى الهلال، المهم أن الهلال موجود أمامنا في الأفق ما غرب، فهنا لا نرد شهادة الشهود، نقبل شهادة الشهود، لأن الحسابات الفلكية هنا ليست قطعية، وإنما هي حساب الإمكان، هذا هو أرجح الأقوال في هذه المسألة، وهو الذي أصبح عليه العمل مؤخرا هنا في المملكة من 1430 والعمل على هذا القول، وعلى هذا أيضا تقويم أم القرى عدل من 1420 عدل بهذه الطريقة، فالحمد لله انضبطت الرؤيا هنا عندنا في المملكة، وكان لهذا أثر على ضبطها في العالم الإسلامي كله.

الأمر الثالث قال: (أو إِحَالَةِ غَيْمٍ أو قَتَرٍ دُونَهُ لَيلَةَ الثَّلاثِينَ) وهذا ما يسمى بيوم الشك، فعلى كلام المؤلف أنه يجب صيام يوم الشك، وقوله: غيم أو قتر، الغيم هو: السحاب، والقتر هو: الغبار المرتفع يقال له: قتر، وهذا هو المذهب عند الحنابلة أنه إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين يجب صيام ذلك اليوم، لكن الحنابلة لا يعتبرون هذا يوم الشك، ولهذا حصل الخلاف في تحديد يوم الشك ما هو يوم الشك؟ فيوم الشك هو: يوم الثلاثين من شعبان، لكن هل هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان الجو صحوا ليلة الثلاثين، أو إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر؟ فعند الحنابلة أن يوم الشك إذا كان الجو صحوا، أما إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر عندهم أن هذا ليس يوم الشك بل يجب صومه، والقول الراجح أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر؛ لأنه إذا كان الجو صحوا لم يعد هناك شك أصلا، واستدلوا بحديث ابن عمر – رضي الله عنهما –  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أغمي عليكم فاقدروا له» قال نافع: «فكان عبدالله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما بعث من ينظر، فإن رآه فذاك، وإن لم يره ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما» وقالوا هو راوي الحديث وهو أعلم بما روى، فمعنى فاقدروا له أي: ضيقوا له العدد بأن يجعل تسعة وعشرين من باب قول الله تعالى: ﴿مَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ  يعني : ضيق، وهذا هو ظاهر المذهب عند الحنابلة.

القول الثاني: أنه لا يجوز صيام الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤيته غيم أو قتر، وأن هذا هو يوم الشك الذي ورد النهي عنه، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء، بل إن بعضهم يقول: إن الإمام أحمد هذا هو رأيه، وأن ما ذكره بعض الأصحاب عنه من صيام يوم الثلاثين من شعبان أن هذا غير صحيح، ولهذا قال ابن مفلح – رحمه الله - : «لم أجد عن أحمد قول صريح بالوجوب ولا أمر به» لكن المشهور عند المتأخرين وجوب صيام هذا اليوم، والقول الراجح هو أنه: يحرم صومه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين» ولأن هذا هو يوم الشك، وقد قال عمار بن ياسر: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» وهذه المسألة من غرائب مسائل الفقه؟ لأن القولان فيها متقابلان: قول يجب صومه، وقول يحرم صومه، ولكن الله عز وجل يقول: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وإذا رددنا هذه المسألة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومه فليصمه» متفق عليه، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان وصيامه احتياطا، وقد قال عمر بن ياسر: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» وعلى هذا فالأرجح هو تحريم صيام يوم الشك، وأما ما روي عن ابن عمر وما وافقهم من الصحابة فهو اجتهاد منهم، ولكن العبرة بالدليل، والعبرة بما روى الصحابي لا بما رأى، وعلى هذا فيكون الراجح أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، وأن القول الراجح أنه يحرم صيام يوم الشك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه في قوله: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم، وهناك رأي لابن تيمية – رحمه الله – يرى أن المسألة لا تصل للتحريم وأن من شاء صام، ومن شاء أفطر؛ لأن روي عن عدد من الصحابة أنهم كانوا يصومون يوم الشك كمعاوية، وعمر، وعائشة، وابن عمر.. ولكن إذا نظرنا إلى ظاهر السنة نجد أن الأقرب هو التحريم، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قال: أصمت من سرر شعبان شيئا قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يوم أو يومين، قالوا: لأن هذا الرجل كان من عادته أنه يصوم السرر أي: آخر الشهر، لكن لما علم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين لم يصم ذلك الشهر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء بعد رمضان.

قال: (وَإِنَّمَا يُقْبَلُ عَدْلٌ في رَمَضَانَ) أي يقبل شخص واحد يشهد برؤية هلال رمضان بشرط أن يكون عدلا، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه يكفي في دخول شهر رمضان شاهد واحد عدل، وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة، واستدلوا بحديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر بصيامه» أخرجه أبو داوود بسند صحيح، وأيضا بحديث الأعرابي، أن أعرابي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إني رأيت الهلال قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال: نعم، فأمر بلالا أن يؤذن بالناس للصيام غدا» وهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن.

القول الثاني: أنه إذا كان في موضع لا يعتنى فيه برؤية الهلال فيكفي شاهد واحد، وإذا كان في موضع يعتنى فيه برؤية الهلال فلا بد من اثنين، وهذا هو مذهب المالكية، وقالوا: إنه لابد من اثنين لحديث عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» رواه أحمد، وهو حديث صحيح بشواهده.

القول الثالث: أنه لا بد من الاستفاضة برؤية الهلال إلا أن يكون في السماء علة فتكفي شهادة الواحد، وهذا هو مذهب الحنفية.

 والقول الراجح والله أعلم هو القول الثاني.

لأنه إذا كان في موضع يعتنى فيه الهلال، وانفرد شخص بالشهادة، هذا يثير إشكالا على شهادته، كيف ينفرد بالشهادة من بين سائر الناس، خاصة في وقتنا الحاضر، مع وجود كثير من الأجرام في الأفق، فهناك الأقمار الصناعية أحيانا تسطع فيها إضاءة الشمس فتكون على هيئة هلال، كذلك أحيانا دخان الطائرات، وأحيانا بعض النجوم والكواكب تجتمع وتتشكل على هيئة هلال، فالوهم وارد في وقتنا الحاضر أكثر من السابق، القول الأقرب هو قول المالكية، إذا رجحنا هذا القول عندنا حديث ابن عمر، وحديث الأعرابي أما حديث الأعرابي فضعيف من جهة الإسناد، لا يصح، وأيضا في متنه نكاره، وأما حديث ابن عمر فهو حديث صحيح، لكن ابن عمر معروف بشدة التحري، والضبط، والإتقان، والورع، فمثله لا يقاس عليه، يكفينا ربع ابن عمر كشاهد واحد، فهذا هو الأظهر والله أعلم في هذه المسألة.

 أما بقية أشهر العام غير رمضان فلابد فيها من شهادة رجلين عدليين فأكثر، كشهر شوال مثلا، وشهر ذي القعدة .. بقية أشهر العام، لحديث عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب السابق، وقد نقل الإجماع على ذلك.

قال: (وَرُؤْيَتُهُ نَهَاراً للمُقْبِلَةِ) رؤيته الضمير يرجع على الهلال، إذا رؤي الهلال نهارا فهو لليلة مقبلة، ومراد المصنف بهذه العبارة: دفع قول من يقول: إنه لليلة الماضية فيلزم الناس الإمساك، ومراد الفقهاء عندما يذكرون هذه العبارة: ليس ترتيب أثر على رؤية الهلال نهارا، ولأن مقصودهم رؤيته نهار يوم الثلاثين، فأراد الفقهاء بذلك أن يبينوا أن رؤيته نهارا يوم الثلاثين أن هذه الرؤية لليلة المقبلة، ولأن الشهر قد تم ببلوغه الثلاثين، فهو من باب الإخبار بواقع الحال، وليس من باب ترتيب الحكم على الرؤية النهارية، فلو أتى رجلا مثلا يوم الثلاثين من الشهر، ورأى الهلال بعد صلاة الفجر، فلا يقال أننا قد أخطانا بالأمس، وأن هذا هو الهلال، أن هذا الهلال التي رأيته يوم الثلاثين لليلة المقبلة، ليس لليلة الماضية، لكن هل الرؤية النهارية تعتبر؟ لا، إلا إذا رؤي بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين، والأحكام المتعلقة برؤية الهلال إنما تثبت برؤيته ليلا لا نهارا، ولهذا قال الفقهاء لا تشرع صلاة الخسوف لو خسف القمر نهارا؟ لذهاب سلطان القمر، فإن سلطان القمر هو الليل، فلو خسف القمر نهارا لم تشرع صلاة الخسوف، ولو رؤي الهلال نهارا ولم يرَ ليلا فعامة أهل العلم على أن رؤيته نهارا لا يثبت بها دخول الشهر، وهذا هو الذي عليه المذاهب الأربعة، وقد نقل لي عن بعض طلبة العلم البارزين أن رؤية الهلال نهارا أنها معتبرة ونسب هذا للجمهور؟ لكن هذا وهم، وغير صحيح، بل إن الإجماع العملي من المسلمين جيلا بعد جيل، وقرن بعد قرن، في جميع البلدان، والأزمان.

قال: (وَرُؤيَةُ بَلَدٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ) هذه المسألة هي محل خلاف بين أهل العلم: إذا رؤي الهلال في بلد هل يلزم الناس كلهم الصيام أو أنه لكل أهل بلد رؤيتهم؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إذا رؤي الهلال في بلد لزم الناس كلهم الصيام، وعلى هذا إذا رؤي مثلا في المملكة لزم جميع المسلمين على وجه الأرض الصيام وهذا هو القول الذي قرره المؤلف وهو المذهب عند الحنابلة والحنفية.

القول الثاني: أن لكل أهل بلد رؤيتهم، وهذا هو مذهب الشافعية.

وهناك قول ثالث: وهو أنه إذا رؤي الهلال في بلد لزم الناس الصيام في ذلك البلد ومن كان غرب ذلك البلد، ولا يلزم الناس الصيام أو الفطر لمن كان شرق ذلك البلد.

أما أصحاب القول الأول: فاستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» قالوا هذا خطاب للأمة كافة، ومن أبرز من قال بهذا شيخنا عبدالعزيز بن باز – رحمه الله -.

وأما أصحاب القول الثاني: قالوا إن الواقع أن مطالع الهلال مختلفة، وإذا كانت مختلفة فلكل أهل بلد رؤيتهم، وإن هذا هو الذي عليه العمل في عهد الصحابة كما جاء في صحيح مسلم عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال: «فقدمت الشام واستهل علينا رمضان وأنا بالشام ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيناه ليلة الجمعة، قال ابن عباس: ولكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، قلت: أفلا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وأما أصحاب القول الثالث قالوا: إن الهلال إذا رؤي في مكان فلا بد أن يرى في غرب ذلك البلد؟ لأن نور الهلال يقوى مع مرور الوقت، فإذا رؤي في هذا البلد فرؤيته في البلاد الواقع غربه من باب أولى، هذه المسألة بحثت في المجامع الفقهية فرأى فقهاء العالم الإسلامي أن هذه المسألة الخلاف فيها من قديم من صدر الإسلام، وأن الأمة على مدار أربعة عشر قرنا لم تجتمع على الصيام في يوم واحد، ولا على الفطر في يوم واحد، وأن هذا ليس مقصودا شرعا اجتماع الأمة كلها في يوم واحد، ولكن المقصود شرعا هو أن يجتمع أهل البلد الواحد على الصيام أو الفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس» فإذا اعتمد ولي الأمر رأيا من هذه الآراء الفقهية فيجتمع الناس عليه ولا يختلفون، هذا الذي يظهر في هذه المسألة، فمثلا: عندنا في المملكة إذا أعلن ولي الأمر فينبغي على الجميع أن يصوم، ولا يقال بأي رأي خلاف هذا، في بلد آخر مثلا: في دولة من دول الخليج، أو دول العالم الإسلامي خالفت المملكة يجتمع الإنسان مع أهل البلد ولا يصوم مع المملكة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس» بل لو كان الإنسان مسافرا إلى ذلك البلد، مثلا مسافر إلى ماليزيا، أو تركيا وأعلن عن دخول الشهر، أو عن الفطر فيكون الإنسان معهم ما دام أنهم يعتمدون على الرؤية، لكن الناحية النظرية القول الثالث قول متجه، وبكل حال الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، يكون المسلم مع الجماعة في البلد، لا يخالفهم ولا يشذ عنهم برأي، هذا هو الأظهر، وهو الذي تجتمع به الأدلة.

قال : (وَمَنْ رَآهُ وَحْدَهُ صَامَ) من رأى الهلال وحده ثم ردت شهادته، ولم تقبل فإنه يصوم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته» وهذا قد رآه، وذهب بعض أهل العلم أنه إذا ردت شهادته فلا يلزمه الصيام، وإنما يفطر مع الناس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس» أخرجه الترمذي، وهو حديث صحيح، وهذا هو القول الراجح، أنه لا يصوم وإنما يفطر مع الناس.

قال: (عَكْسُ الفِطْرِ) يعني من رأى هلال شوال وحده فإنه لا يفطر، وهذا هو الصحيح للحديث السابق، لكن الحنابلة قالوا: لا يفطر؛ لأنه لا يثبت دخول شهر شوال إلا بشهادة شاهدين، فإذا رآه وحده لا تكفي، وهذا قول صحيح، ونضيف له حديث السابق.

فيه قضية حتى ننتهي من مسائل الرؤية، لو صام الناس ثمانية وعشرين يوما ثم رأوا الهلال فما الحكم؟ فإنه يتبين أنهم قد أخطئوا في دخول الشهر فيقضون يوما واحدا؛ لأن الشهر لا يقل عن تسعة وعشرين يوما.

قال: (وَيُؤْمَرُ بهِ الصَّبِيُّ إنْ أَطَاقَهُ) يعني يؤمر الصبي والمقصود بالصبي: الصبي المميز، فإن كان غير مميز فلا يؤمر به؛ لأن غير المميز لا تصح منه النية، والصوم لابد فيه من نية، ويكون التمييز مر معنا في كتاب الصلاة، التمييز يكون بسبع سنين، على القول الراجح، فيؤمر بالصيام إن أطاقه، كونه يطيقه أو لا؟ فهذا يرجع إلى البنية الجسدية لهذا الصبي، فإن أطاقه فيؤمر به حتى يتمرن عليه، ويتدرب على الصيام، ويؤجر عليه، كما أيضا أنه يؤمر بالصلاة، لكن الصوم عليه غير واجب، والدليل على استحباب أمر الصبي به، ما أثر عن الصحابة – رضي الله عنهم – أنهم كانوا يصومون أولادهم الصغار، فإذا بكوا من الجوع أعطوهم اللعبة من العهن أي: الصوف، يلعبون بها ويتلهون بها إلى أن تغرب الشمس، وهذا يدل على أنه ينبغي تمرين وتدريب الصبيان على الصيام والصلاة مع أن القلم عنهم مرفوع، لو لم يصوموا ولو لم يصلوا لم يكن عليهم إثم؛ لكن من باب التمرين والتدريب حتى يألف الصلاة ويألف الصيام.

قال: (وَلَو صَامُوا بِشَهَادَةِ اثنَينِ ثَلاثِينَ فَلَمْ يَرَوهُ أَفْطَرُوا) لو صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوما، ثم لم يروا الهلال بعد الثلاثين، يعني: ليلة واحد أفطروا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» ولقوله: «فإن غمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» ولأن الشهر الهجري لا يزيد عن الثلاثين يوما، لكن مفهوم كلام المصنف أنه لو صام بشهادة شاهد واحد ثلاثين يوما ثم لم يروا الهلال بعد غروب شمس يوم الثلاثين لم يفطروا، ووجب عليهم صيام ذلك اليوم، معنا ذلك أنهم سيصومون واحد وثلاثين يوما، وهذا القول قول ضعيف، إذ أن الشهر لا يمكن أن يزيد عن ثلاثين يوما؛ لأنهم قد صاموا بوجه شرعي فيفطرون بإكمال العدة، فهم قد صاموا ببينة شرعية جاز إثبات الشارع بها فإذا أكملوا الثلاثين يوما فقد أكملوا العدة، فالصواب حتى وإن كان دخول رمضان بشاهد واحد، إذا صاموا ثلاثين يوما ولم يروا الهلال أنهم يفطرون ولا يصومون واحد وثلاثين يوما.

ثم قال المصنف – رحمه الله – فصل : (إنَّمَا يَجِبُ على مُسْلِمٍ، مُكَلَّفٍ، قَادِرٍ) ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن شروط وجوب الصيام: فذكر المؤلف ثلاثة شروط:

الشرط الأول: قال: (مُسْلِمٍ) أي الشرط الأول: الإسلام، أشار إليه بقول مسلم، فلا يجب الصيام على الكافر ولا يصح منه؛ لأنه يشترط لصحة الصيام النية، والنية لا تصح من كافر، ولذلك فإن الله تعالى لما أوجب الصيام خاطب المؤمنين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ لكنه يعاقب على ترك الصيام، كما يعاقب على ترك الصلاة، كما يعاقب على ترك سائر الواجبات الشرعية؛ لقول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ إلى قوله : ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ هذا يدل على أنهم كفار، ثم تفرع على هذا أنا إذا وجدنا عامل غير مسلم هل نأمره بالصيام؟ لا، لكن نأمره بعدم المجاهرة، حتى الخدم في المنازل الغير مسلمين لا يؤمرون بالصيام، لكن يؤمرون بعدم المجاهرة بالأكل والشرب.

الشرط الثاني قال: (مُكَلَّفٍ) التكليف وذلك بأن يكون عاقلا، بالغا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ» فإذا كان مجنونا، أو غير بالغ فلا يجب عليه الصيام، من كان يجن تارة، ويفيق تارة، فيلزمه الصيام متى ما أفاق، فبعض الناس يأتيه الصرع مثلا: يصرع في بعض الأيام، نقول: هذا يلزمه الصيام، أما جنونه في أثناء النهار لا يبطل الصيام؛ لأنه نوى الصوم وهو عاقل بنية صحيحة، هذا بالنسبة لمن يجن، أما الذي يغمى عليه فإن أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه، يعني مثلا: أصيب بجلطة وأغمي عليه طيلة النهار وهو مغمى عليه، ثم أفاق بعد ذلك لم يصح صومه، حتى ولو نوى الصوم قبل ذلك؛ لأن الصوم إمساك بنية ولم يحصل ذلك منه، أما إذا أفاق المغمى عليه جزء من النهار فصيامه صحيح، سواء أكان من أول النهار أو من آخره؛ لوجود الإمساك بنية منه في الجملة، فمثلا لو أن رجلا كان مغمى عليه قبل غروب الشمس بنصف ساعة أفاق، هل يصح صومه أو لا يصح؟ يصح، لو أنه كان ما أتاه الإغماء بعد طلوع الفجر بنصف ساعة وأغمي عليه إلى الليل؟ صومه صح،إذا كان الصيام لا يصح هل يؤمر بالقضاء؟ نعم، المغمى عليه يؤمر بقضاء الصيام، قال الموفق ابن قدامه – رحمه الله - : في المغني «بغير خلاف علمناه» المغمى عليه يؤمر بقضاء الصيام هل يؤمر بقضاء الصلاة؟ إذا كانت المدة طويلة لا يؤمر بقضائها، تسقط عليه، أما إذا كانت يسيرة في حدود ثلاث أيام فأقل فيؤمر بالقضاء، مثلا: رجل أصابته جلطة طيلة شهر رمضان كان في غيبوبة، ثم في شوال مثلا أفاق؟ يؤمر بقضاء الصيام فقط دون الصلاة.

الشرط الثالث قال: (قَادِرٍ)القدرة على الصيام، فغير القادر على الصيام لمرض أو لغيره لا يلزمه الصيام لكنه يؤمر بالقضاء لقول الله تعالى : ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

 وأضاف بعض العلماء شرطا رابعا وهو: الإقامة، فالمسافر لا يلزمه الصيام، لكنه إذا أفطر يقضي بعد رمضان، لقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

قال المصنف – رحمه الله - : (وإنَّمَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ) أي من شروط صحة الصيام النية؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ولا بد من تبييت النية من الليل لحديث حفصة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له» وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داوود، والترمذي، والنسائي.

 وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) أي من ليل اليوم الذي يريد أن يصومه، وعليه فإن ابتداء وقت تبييت النية يكون من غروب شمس اليوم الذي قبله، يعني مثلا: واحد رمضان إذا كان شهر تاما بغروب شمس يوم الثلاثين يبدأ وقت تبييت النية إلى الفجر، ولا فرق بين أول الليل، أو وسطه، أو آخره، لكن لو بيت النية قبل غروب الشمس لم يصح صومه.

قال: (لِكُلِّ يَومٍ) أي لكل يوم يحتاج لتبييت النية، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء هل لابد من تبييت النية لكل يوم من أيام رمضان، أو تجزؤه نية واحدة من أول الشهر لجميع رمضان؟ المؤلف يرى أنه لا بد من تبييت النية لكل يوم.

 والقول الثاني: أنه تجزؤه نية واحدة في أول الشهر لجميع رمضان ما لم يقطعه لعذر، فيحتاج لتبييت النية من جديد، وهذا هو مذهب المالكية، وهو القول الراجح؛ لأنه إذا نوى أول شهر رمضان صيام جميع رمضان فيصدق عليه أنه نوى كل ليلة، فهي واقعة حكما، وتبييت النية ينبغي عدم التدقيق فيه؛ لأن التدقيق فيه يؤدي إلى الوسواس، لذلك قال بن تيمية – رحمه الله - : «من علم أن غدا رمضان ومن عادته يصوم فقد نوى» من تسحر فقد نوى، النية تتبع العلم، لكن إذا لم يعلم هذا هو الإشكال، إنسان مثلا: مسافر مثل بعض العمالة في نقل الشاحنات، دخل رمضان ما علم أن غدا رمضان، فلما أتى الفجر أعلمه الناس أن البارحة أعلن دخول رمضان، فلم يعلم إلى الآن ماذا يعمل؟ يمسك بقية اليوم، ويقضي بعد رمضان مكان هذا اليوم، يترتب الخلاف بين الحنابلة والمالكية في هذه المسألة ثمرة وهي: لو أن رجلا في يوم من أيام رمضان نام بعد العصر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فهل يصح صومه على القول الأول أو القول الثاني؟ على القول الأول مذهب الحنابلة لا يصح؛ لأنه لم يبيت النية من الليل، وعلى القول الثاني: يصح؛ لأنه بيت النية من أول رمضان، وأما صيام النافلة فلا يشترط له تبييت النية من الليل، ولهذا لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم على إحدى نسائه قال: «هل عندكم من شيء قالت: لا قال: فإني إذا صائم» رواه مسلم، لكن تبييت النية في صيام النافلة شرط لحصول الثواب فيما ورد فيه فضل خاص، وليس شرطا لصحة الصيام، مثال ذلك: صيام الست من شوال، لو صام الست من شوال بغير تبييت النية من الليل، صيامه صحيح، لكن حتى يحصل على الثواب الوارد في الحديث كان كصيام الدهر لابد من تبييت النية؛ لأنه مثلا لو صام خمسة أيام ثم اليوم السادس أنشأ النية من منتصف النهار، فإنه لا يصدق عليه أنه صام الست أيام من شوال، وإنما صام خمسة أيام ونصف، فلا يحصل على الثواب الوارد في الحديث.

ثم انتقل بعد ذلك المؤلف للكلام عن المفطرات، قال: (وَانْتِفَاءِ مُفَطِّرٍ).

هذا إن شاء الله سنتكلم عن بالتفصيل في الدرس القادم.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض