الخثلان
الخثلان
باب ما يفسد الصوم وباب صيام التطوع
7 جمادى الآخرة 1438 عدد الزيارات 777

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا .

كنا قد وصلنا لباب "ما يفسد الصوم" نستمع أولاً لعبارة المصنف رحمه الله
قال المصنف رحمه الله:

باب ما يفسد الصوم

من أكل أو شرب أو استعط أو أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان, أو استقاء فقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى أو كرر النظر حتى أنزل أو احتجم عامدا ذاكرا لصومه فسد وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد صومه.
قال: (باب ما يفسد الصوم) الأصل هو صحة الصيام, ومن أمسك بنية التعبد لله عز وجل عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فالأصل صحة صيامه, ولا يفسد صيامه إلا إذا ارتكب مفسداً من مفسدات الصيام وذكر المؤلف رحمه الله هذه المفسدات:
الأول: قال: (من أكل أو شرب) إذا أكل أو شرب متعمداً ذاكراً صومه بطل صومه وهذا بالإجماع؛ لقول الله عز وجل ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وكذلك أيضاً ما كان في معنى الأكل والشرب يأخذ حكمه ومن ذلك الإبر المغذية, فإن الإبر المغذية تقوم مقام الأكل والشرب, بدليل أن المريض يعيش عليها مدةً طويلة, وبعض المرضى في المستشفيات يعيشون مدداً طويلة بدون أكل ولا شرب وإنما يعتمدون على الإبر المغذية, هذه الإبر تقوم مقام الطاعم والشراب؛ ولذلك فإنها مفسدة للصيام بخلاف الإبر العلاجية كإبرة السكر مثلاً ونحوها فهذه الإبر لا تفسد الصيام؛ لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب, فمن أخذ إبرة الأنسولين أو إبرة دوائية وليست مغذية فإنها لا تفسد الصيام.
قال: (أو استعط) السعوط معناه: صب الدواء في الأنف, فإذا صب الدواء في أنفه فوصل إلى جوفه عامداً ذاكراً فسد صومه, وكان الناس يستخدمون السعوط قديماً أما في الوقت الحاضر فقلّ استخدامه؛ لأن الأنف يعتبر منفذاً للطعام والشراب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث لقيط بن صبرة: ((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) وهو حديث صحيح أخرجه أبوداود وغيره, فنهى النبي ﷺ عن المبالغة في الاستنشاق للصائم خشية أن ينفذ إلى جوفه شيء من الماء, فدل هذا على أن الأنف منفذ للطعام والشراب.
قال: (أو أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان) إذا وصل إلى جوفه شيء من أي موضع كأن يداوي جرحاً غائراً في جسده مثلاً فيصل الدواء إلى جوفه, وكأن يدخل العلاج إلى جوفه عن طريق القبل أو الدبر فعلى رأي المؤلف أنه يفسد صومه.
والقول الثاني في المسألة: أن صومه صحيح؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على أن الصيام يفسد بهذه الأشياء والأصل صحة الصوم, وهذا القول هو القول الراجح
قال: (أو استقاء فقاء) إذا استقاء ذاكراً لصيامه فسد صومه؛ لقول النبي ﷺ: ((من ذرعه القيئ فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقضِ)) أخرجه الترمذي وأحمد وأبوداود, والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة ولكن العمل عليه عند أهل العلم كما قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. فمن تعمد الاستقاء أفطر ومن ذرعه القيئ رغماً عنه فصومه صحيح.
قال: (أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى) يعني تعمد إخراج المني من رجل أو امرأة فإنه يفسد صومه؛ لقول النبي ﷺ عن الصائم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)) قوله: ((وشهوته)) يدل على أن خروج المني باختيار الإنسان أنه مفسد للصيام؛ لأنه لم يترك شهوته لله عز وجل, وكذا لو قبل أو لمس أو باشر فأنزل, أما إذا خرج منه مذي: وهو سائل رقيق يخرج عند اشتداد الشهوة, إذا خرج منه مذي قد اختلف العلماء هل خروج المذي يفسد الصيام أم لا؟ قال بعضهم أنه يفسد الصيام وهو المذهب عند الحنابلة
والقول الثاني: أنه لا يفسد الصيام وأن الصيام صحيح؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على إفساده للصيام, ولا يصح قياسه على المني للفرق الكبير بينهما, وهذا اختيار أبي العباس بن تيمية واختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله تعالى على الجميع, وهو القول الراجح, فالقول الراجح إذاً أن خروج المذي لا يفسد الصيام, وسبق أن ذكرنا أصلاً عاماً وهو صحة الصيام فلا نخرج عن هذا الأصل إلا بشيء واضح ولم يرد دليل يدل على أن خروج المذي يفسد الصيام, بل إنه جاء في الصحيحين حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يباشرها وهو صائم, معلوم أن المباشرة سبب لإنزال المذي وعليه فالقول الراجح أن خروج المذي لا يفسد الصيام, خلافاً لما قرره المؤلف بقوله: (أو أمذى)
قال: (أو كرر النظر حتى أنزل) فيفسد هذا التكرار الصيام بخلاف النظرة الأولى؛ لأن النظرة الأولى هي نظرة الفجأة ونظرة الفجأة معفو عنها, ولما سئل النبي ﷺ عن نظر الفجأة قال: ((اصرف بصرك)) وقال: ((لك الأولى وليس لك الآخرة)) لكن إذا كرر النظر فقد عصى بهذا النظر فإن أمنى فقد تسبب في خروج المني فيفسد صومه.
قال: (أو احتجم) الحجامة: هي إخراج الدم من الإنسان عن طريق المحاجم, وطريقتها أنه يؤتى للموضع الذي يراد حجمه ويؤتى بمحجم ويفرغ الهواء, كان قديماً يمص وفي الوقت الحاضر أصبح بطريق التفريغ, ثم بعد ذلك يجرح بمشرط ونحوه فيسحب الدم, وهي دواء عظيم نافع فقد قال النبي ﷺ: ((إن أمثل ما تداويتم به الحجامة)) متفق عليه. فهي من الأدوية العظيمة التي تناقلتها الشعوب وأقرهم النبي ﷺ على نفعها, وهي مصنفة حديثاً ضمن الطب البديل من منظمة الصحة العالمية فنفعها مشهور من قديم الزمان وحديثه.
 الحجامة هل تفسد الصيام أم لا؟ يقول المؤلف أنه إذا احتجم فسد صومه, فأفادنا المؤلف بأن الحجامة تفسد الصيام هذا هو المذهب عند الحنابلة, وهو من المفردات ما معنى من المفردات؟ أي انفرد به الحنابلة عن بقية المذاهب؛ لقول النبي ﷺ لما مر على رجل يحجم غيره قال: ((افطر الحاجم والمحجوم)) وهو حديث صحيح رواه أحمد والترمذي وغيرهم.
والقول الثاني: أن الحجامة لا تفسد الصيام, وإليه ذهب جمهور الحنفية والمالكية والشافعية؛ لحديث أنس رضي الله عنه أنه سئل: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد النبي ﷺ ؟ قال: لا إلا من أجل الضعف أخرجه البخاري في صحيحه.
 والقول الراجح: هو القول الأول وهو أن الحجامة تفسد الصيام؛ لأن حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) حديث صحيح وهو صريح في أن الحجامة تفسد الصيام, وأما حديث أنس فهو اجتهاد منه رضي الله عنه وهذا الاجتهاد لا يقف في مقابلة النص, القول الراجح إذاً أن الحجامة تفسد الصيام. يقاس على الحجامة إخراج الدم الكثير للتحليل أو للتبرع فيفسد الصيام, أما إن كان الدم المستخرج قليل فلا يفسد الصيام, وعلى هذا تحليل السكر لا يفسد الصيام؛ لأنه قليل, قطرة, الدم المصاحب لقلع السن لا يفسد الصيام؛ لأنه قليل في الغالب, لكن التحليل أحياناً في بعض المستشفيات تسحب عدة "براويس" تسحب أحياناً أربعة أو خمسة هذا دم كثير فيفسد الصيام, فالقاعدة أنه إذا كان الدم المستخرج في معنى دم الحجامة فأكثر فإنه يفسد الصيام, أما إذا كان أقل من دم الحجامة دم يسير كالدم المستخرج لتحليل السكر ونحوه فهذا لا يفسد الصيام.
أما بالنسبة للحجام فقد كان في عهد النبي ﷺ وإلى وقت ليس بالبعيد كان هو الذي يمص المحجم - الآلة التي يحجم بها - كان يمصها بفمه فربما تطاير إلى جوفه أجزاء لطيفة من الدم, أما في الوقت الحاضر مع تغير طريقة الحجامة كونها بطريق التفريغ والحاجم لا يمص شيئاً بفيه فلا تفسد الحجامة الصيام بالنسبة للحاجم؛ لأننا إنما قلنا بفسادها بالنسبة للحجام لكونه يمص الدم بفيه, فإذا انتفت العلة انتفى الحكم والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وهنا اشترط المؤلف لهذا قال: (عامدا ذاكرا لصومه فسد) فإن كان جاهلاً لم يفسد صومه, وإن كان ناسياً لم يفسد صومه.

  • قطرة العين هل تفسد الصيام؟ اختلف العلماء في هذا: فمنهم من قال أنها تفسد الصيام, بدليل أن الإنسان إذا قطر في عينه فقد يحس بالطعم في حلقه, قال الإمام أحمد: حدثني إنسان أنه اكتحل بالليل فتنخعه بالنهار.
    والقول الثاني في المسألة: أن قطرة العين لا تفسد الصيام؛ لأن العين ليست بمنفذ معتاد للطعام ولا للشراب ولذلك المريض إذا تعذر إعطاءه الطعام و الشراب عن طريق الفم لا يمكن أن يعطى عن طريق العين, يعطى عن طريق الأنف فإن تعذر يفتح له فتحة, لكن هل سمعتم أن مريضاً أعطي الطعام أو الشراب عن طريق العين؟! إذاً ليست منفذاً للطعام ولا للشراب, ولهذا فالقول الراجح أن قطرة العين لا تفسد الصيام حتى لو وجد طعم القطرة في حلقه.
  • قطرة الأذن كذلك هي محل خلاف بين العلماء: فمنهم من قال أنها تفسد الصيام والقول الراجح: أنها لا تفسد الصيام؛ لأن الأذن ليس بمنفذ معتاد للطعام ولا للشراب
  • بخاخ الربو هل يفسد الصيام أم لا؟ بخاخ الربو لا يفسد الصيام؛ لأنه إنما يذهب لمجاري النفس و القصبة الهوائية, هو لتوسيع الشعب الهوائية ولا يذهب للمعدة إلا شيء يسير جداً يعفى عنه؛ لأن الذي يذهب للمعدة منه أقل من ملوحة الماء التي تختلط بالريق عند المضمضة ويبتلعها الصائم وهي معفو عنها بالإجماع, فعلى هذا بخاخ الربو لا حرج فيه للصائم, لكن هناك أنواع من علاج الربو عن طريق الكبسولات هذه تفسد الصيام؛ لأنه يأخذ كبسولة فيها طحين ودقيق فيجعلها في فيه ثم تختلط بالريقفيبتلعها هذه تفسد الصيام.
  • غسيل الكلى هل يفسد الصيام أم لا؟ غسيل الكلى نوعين: غسيل كلوي دموي وغسيل كلوي بريتوني
    أما الغسيل الكلوي الدموي: هذه الطريقة المعروفة أن الذي عنده فشل كلوي يأتي لهذه الأجهزة وتوضع الليات في يديه ثم بعد ذلك يسحب الدم ويخلص مما به من الشوائب ثم يعاد الدم إليه مرة أخرى ويستغرق هذا ساعات, فهذا الغسيل الكلوي الدموي أولاً: يمكن قياسه على الحجامة بجامع إخراج الدم ,ثانياً: أنه يصاحب الغسيل الكلوي الدموي حقن هذا الشخص الذي يغسل بأملاح وفيتامينات وجلكوز ونحوه؛ ولهذا يجد هذا الذي يغسل الكلية بعد التغسيل خفة ونشاطاً, ولو قاس مستوى السكر لوجد أن السكر عنده ارتفع, وهذا يبين أثر هذه السكريات والفيتامينات والأملاح عليه, وعلى هذا فالغسيل الكلوي الدموي مفسد للصيام, وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله
    أما الغسيل الكلوي البريتوني: فهذا وجد حديثاً وصفته أنه يؤتى لموضع تحت السرة يوضع فيه فتحة ويؤتى بأنبوب يوضع فيه جلكوز مركز ثم يبقى عدة ساعات فيسحب ما في الدم من الشوائب, لكنه أيضاً لا يخلوا من حقن المريض بسكريات وفيتامينات وأملاح ولهذا يجد خفة أيضاً بعد هذا الغسيل, وعليه فالقول الراجح: أن الغسيل الكلوي البريتوني أنه أيضاً مفسد للصيام, لكن من ابتلي بذلك إن استطاع أن يقضي بعد رمضان قضى وإلا أطعم عن كل يوم مسكيناً.
  • استعمال الفرشاة والمعجون هل يفسد الصيام؟ لا حرج في استعمال الفرشاة والمعجون بشرط أن يلفظ المعجون وألا يدخل إلى جوفه, لكن بعض أنواع المعاجين نفوذها قوي فيخشى من وصولها للجوف, ولهذا فالأحسن أن يكون استعمالها في الليل وألا يستعملها في النهار, لكن مع ذلك لو استعمل الفرشة و المعجون في النهار واحترز من أن ينفذ المعجون إلى جوفه فصيامه صحيح.
    قال: (وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد صومه) من فعل مفسداً من مفسدات الصيام ناسياً أو مكرهاً فصيامه صحيح؛ لقول النبي
    r: ((من أكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)) متفق عليه. وهكذا أيضاً المكره إذا أكره على شيء فصيامه صحيح؛ لقول النبي r ((عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))
    قال: (وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء أو فكر فأنزل أو قطر في إحليله أو احتلم أو ذرعه القيء لم يفسد صومه)
    هذا احتراز مما سبق: قال: (إن طار إلى حلقه ذباب أو غبار) رغماً عنه فصومه صحيح؛ لأنه بغير اختياره.
    قال: (أو تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء) بغير اختياره فصيامه صحيح
    قال: (أو فكر فأنزل) يعني المرة الأولى فقط فصومه صحيح؛ لأن التفكير معفو عنه بقول النبي
    r: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم)) متفق عليه. فإذا كان معفو عنه فقد ترتب عليه أمرٌ هو معفو عنه فصومه صحيح.
    قال: (أو قطر في إحليله) معنى إحليله: ذكره, فإن وضع قطرةً فيه لم يفسد صومه ومن ذلك ما يسمى بالقسطرة فإنها لا تفسد الصوم.
    قال: (أو احتلم) إذا احتلم أيضاً فصومه صحيح ونقل الإجماع على ذلك؛ لأن خروج المني بالاحتلام بغير اختياره فصومه صحيح.
    فال: (أو ذرعه القيء لم يفسد صومه) هذا تكلمنا عنه وقلنا أن من ذرعه القيء بأن خرج القيء منه بغير اختياره فصيامه صحيح, والعمل عليه عند أهل العلم

قال: (ومن أكل يظنه ليلا فبان نهارا فعليه القضاء ومن أكل شاكا في طلوع الفجر لم يفسد صومه وإن أكل شاكا في غروب الشمس فعليه القضاء.)
قال: (ومن أكل يظنه ليلا فبان نهارا فعليه القضاء) يعني هذا رجل قام وتسحر يظن أن الفجر لم يطلع ثم لما ذهب للمسجد وجد أن الفجر قد طلع فيقول المؤلف أن صيامه فسد ويجب عليه القضاء؛ لأنه أكل في نهار رمضان ذاكراً مختاراً.
والقول الثاني في المسألة: أن من أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً أن صومه صحيح؛ وذلك لأنه معذور بخطئه, فهو قد أخطأ ولم يتعمد الأكل أو الشرب نهاراً, وقد جاء في الصحيحين في قصة عدي بن حاتم أنه جعل له عقالين لما أنزل الله تعالى ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ جعل له عقالين عقالاً أبيض وعقالاً أسود وجعل يأكل ويشرب حتى يتبين له هذا من هذا فلما بلغ النبي
r قال: ((إنك لعريض القفا إن وسادك إذاً لعريض ذاك سواد الليل من بياض النهار)) ومعنى ذلك أن عدياً كان يأكل ويشرب بعد طلوع الفجر لكن هذا بطريق التأول والخطأ فلم يأمره النبي r بقضاء تلك الأيام التي كان يأكل ويشرب فيها بعد طلوع الفجر, وأيضاً جاء في حديث أسماء رضي الله عنها قالت: أفطرنا على عهد رسول الله r في يوم غيم ثم طلعت الشمس رواه البخاري. ولم يثبت أنهم أمروا بالقضاء, وعلى هذا فمن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً فصومه صحيح سواء كان في أول النهار أو في آخره, فمن تسحر بعد طلوع الفجر مخطأً يظن أن الليل لا زال باقٍ ثم تبين طلوع الفجر فصومه صحيح, وهكذا من أفطر قبل غروب الشمس يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين له أنها لم تغرب فصومه صحيح خلافاً لما قرره المصنف رحمه الله.
قال: (ومن أكل شاكا في طلوع الفجر لم يفسد صومه)؛ لأن الأصل بقاء الليل وعكسه (إن أكل شاكا في غروب الشمس) فسد صومه لماذا؟ لأن الأصل بقاء النهار, فإذا أكل أو شرب شاكاً في طلوع الفجر الأصل بقاء الليل؛ لهذا صومه صحيح, لكن ليس له أن يفطر إلا بعد أن يغلب على ظنه أن الشمس قد غربت فمن أكل أو شرب شاكاً في غروب الشمس ثم تبين أنها لم تغرب فصومه غير صحيح وعليه القضاء, ومن أكثر المسائل التي يسأل عنها الناس حكم الأكل والشرب وقت أذان الفجر في رمضان, نقول أنه لا بأس به فقد جاء في هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي
r قال: ((إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه)) أخرجه أبوداود وغيره وله شواهد متعددة, له أكثر من ستة شواهد فهو صحيح بمجموعها وهو نص في المسألة, ثم من جهة النظر الفجر ليس مصباحاً يضيء دفعة واحدة الفجر يطلع شيئاً فشيئاً ولهذا لو راقب الفجر اثنان لربما اختلفا هل طلع الفجر أم لا؛ لأن إضاءة الفجر تخرج شيئاً فشيئاً وعلى هذا الأمر فيه سعة لو أكل أو شرب وقت الأذان الأمر في هذا واسع فلا يشدد في هذه المسألة. هذه أبرز الأحكام المتعلقة بهذا الباب وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن مفسدات الصيام.

نأخذ ما تيسر من باب صيام التطوع
قال المصنف رحمه الله: (باب صيام التطوع

أفضل الصيام صيام داود عليه السلام كان يصوم يوما ويفطر يوما وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة وصيام يوم عرفة كفارة سنتين ولا يستحب لمن بعرفة أن يصومه ويستحب صيام أيام البيض والاثنين والخميس.)
قال: (باب صيام التطوع) صيام التطوع هو صيام نافلة؛ شرع لجبر ما قد يقع من النقص والخلل في الفريضة, وأيضاً حتى يزداد المسلم تقرباً إلى  الله عز وجل كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) وأفضل صيام النوافل قال المؤلف: (أفضل الصيام صيام داود عليه السلام كان يصوم يوما ويفطر يوما) هذا أفضل درجات صيام التطوع صيام يوم وإفطار يوم, أما صيام الدهر كله أن يصوم ولا يفطر فهذا قد ورد النهي عنه قال
r ((من صام الدهر لا صام ولا أفطر)) فصيام الدهر كله مكروه, وأذكر أن بعض الناس يصوم الدهر فقد وردت أسئلة من بعض الناس يقول صيام الدهر أسهل علي من صيام يوم وإفطار يوم؛ لأن جسمي يتعود على هذا فنقول إن هذا مكروه وغير مشروع, وقد روي عن عبدالله بن الزبير أنه كان يصوم الدهر كله لكن لعله لم يبلغه النهي, عبدالله بن الزبير كان صواماً قواماً ولي الخلافة في مكة ثمان سنين, ثم أتاه الحجاج بن يوسف وحاصره حتى قتله ثم صلبه وبقي مدة طويلة مصلوباً على خشبة حتى مر به عبدالله بن عمر وقال: (السلام عليك أبا خبيب أما والله كنت أنهاك عن هذا ) يعني أنهاك أن تدخل في السياسة كن في العبادة واترك السياسة والولاية لأهلها (أما والله قد كنت صواماً قواماً)؛ لأنه كان يصوم الدهر كله لكن لعله لم يبلغه النهي (أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير)؛ لأن الحجاج ومن معه كانوا يقولون هذا شر الأمة, ما أن قال ابن عمر هذه المقولة - كما في صحيح مسلم - إلا مباشرة نقلوا هذا الكلام للحجاج, فلما بلغ الحجاج مقولة ابن عمر- وابن عمر عنده قدم صدق ومعلوم وزنه وقيمته - لم يستطع الحجاج أن يتعرض له بالأذى, فلما بلغ الحجاج هذا الكلام أخذ ابن الزبير ورماه في المقبرة ثم أتى الصحابة يجمعون جسده قطعة قطعة جمعوه ثم غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه, والقصة طويلة على كل حال الشاهد أن ابن الزبير كان صواماً قواماً فكان يصوم الدهر ولعله لم يبلغه النهي عن صيام الدهر كله.
هل كان النبي
r يصوم يوماً ويفطر يوماً ؟ لا فكيف يخبر r أن أفضل الصيام صيام يوم وإفطار يوم وهو لا يفعل ذلك؟ لأنه قد يعرض للفاضل ما يجعله مفضولاً فالنبي r كان مشغولا بمصالح أرجح, كان هو نبي الأمة وهو القائد وهو الموجه وهو المرشد فكان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم, وأيضاً كان يحث على صلاة الضحى وكان أيضاً r أحياناً لا يصليها, فربما حث النبي r على الشيء وترك العمل به لمصالح أرجح.
قال: (وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم) الشهر المحرم هو أفضل الصيام بعد رمضان؛ لقول النبي
r: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)) أخرجه مسلم. فينبغي الاستكثار من صيام النافلة في شهر محرم.
قال: (وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة) وهذا قد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي
r قال: ((ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء)) أخرجه البخاري في صحيحه. فأفضل أيام السنة على الإطلاق عشر ذي الحجة, وأفضل ليالي السنة العشر الأواخر من رمضان وبهذا يحصل الجمع بين النصوص, أفضل الأيام يعني أفضل النهار أيام عشر ذي الحجة, وأفضل الليالي ليالي العشر الأواخر من رمضان؛ لأن فيها ليلة القدر.
قال: (ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله)؛ لقول النبي
r كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله)) رواه مسلم. ومعنى الدهر يعني السنة, ووجه كون صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان كصيام السنة: أن الحسنة تعدل عشر أمثالها فصيام شهر رمضان عن كم شهر؟ عن عشرة أشهر الحسنة بعشر أمثالها,  صيام رمضان عن عشرة أشهر وصيام ستة أيام من شوال عن شهرين؛ لأن ستة في عشرة كم؟ ستون يعني ستون يوماً تعادل شهرين فإذا أضفت شهرين إلى عشرة أشهر عادل السنة كلها هذا معنى قوله: ((فكأنما صام الدهر كله)) يعني كان كصيام السنة كلها, رمضان عن عشرة أشهر وستة أيام من شوال عن ستين يوماً يعني عن شهرين.
قال: (وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة)  وهو اليوم العاشر من محرم؛ لقول النبي
r: ((صيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها)) رواه مسلم. والحكمة من صيام عاشوراء: أنه يوافق اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون وقومه, ولما رأى النبي r اليهود يصومونه قال: ((نحن أحق بموسى منكم)) فصامه وأمر بصيامه, لكن يستحب أن يصام قبله التاسع تحقيقاً لمخالفة اليهود؛ لقول النبي r: ((لإن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)) رواه مسلم. فإن لم يتيسر التاسع فيصوم الحادي عشر بدلاً عنه؛ لأنه يتحقق بذلك مخالفة اليهود, فإن لم يتيسر فلا أقل من أن يصوم عاشوراء, وعلى هذا يكون صيام عاشوراء أربع مراتب:
المرتبة الأولى: أن يصوم التاسع والعاشر والحادي عشر؛ لأنه بهذا أولاً يصوم عاشوراء ويحقق المخالفة لليهود, ويستكثر من الصيام في شهر الله المحرم, ويكون قد صام ثلاثة أيام من الشهر.
المرتبة الثانية: صيام التاسع و العاشر.
المرتبة الثالثة: صيام العاشر والحادي عشر.
المرتبة الرابع: صيام العاشر فقط.
قال: (وصيام يوم عرفة كفارة سنتين)؛ لحديث أبي قتادة رضي الله عنه السابق ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)) رواه مسلم. لكن صيام يوم عرفة مستحب لغير الحاج وأما الحاج فيكره في حقه صيام عرفة, وقد جاء في حديث عائشة أن النبي
r نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة. وأيضاً هدي النبي r في حجة الوداع أنه لم يكن صائماً يوم عرف, ولهذا قال المؤلف: (ولا يستحب لمن بعرفة أن يصومه)
قال: (ويستحب صيام أيام البيض) أيام البيض هو اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر القمري؛ وسميت بيضاً لابيضاض لياليها بالقمر فهي ليالي مبيضة مسفرة, ومما استدل به لاستحباب صيامها حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي
r قال: ((إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة)) هذا الحديث أخرجه أحمد والترمذي لكنه ضعيف, ولهذا فالأقرب والله أعلم مشروعية صيام ثلاثة أيام من الشهر ولا تختص بالبيض, وإنما تكون في أول الشهر أو وسطه أو آخره؛ لأن هذا الحديث ضعيف, لكن من عمل به اعتماداً على من صححه من أهل العلم فلا حرج عليه مع ملاحظة أن أيام البيض من شهر ذي الحجة لا يكون فيها الثالث عشر؛ لأن الثالث عشر من أيام التشريق وأيام التشريق ورد النهي عن صيامها, وعلى ذلك فالأيام البيض في شهر ذي الحجة يصوم الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر.
قال: (والاثنين والخميس) الإثنين جاء في حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي
r سئل عن صيام يوم الإثنين فقال: ((ذلك يوم ولدت فيه أو أنزل علي فيه)) وهذا في صحيح مسلم فيشرع صيام يوم الإثنين, وأما الخميس فالحديث المروي فيه فيه ضعف, ولذلك بعض أهل العلم يرى أنه لم يثبت شيء في استحباب صيام يوم الخميس وأن المحفوظ إنما هو في استحباب صيام يوم الإثنين فقط ,أما يوم الخميس فالحديث فيه ضعف, قد أشار مسلم إلى ذلك في صحيحه.

قال: (والصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه وكذلك سائر التطوع إلا الحج والعمرة فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما)
فسر المؤلف المقصود من قوله: (الصائم المتطوع أمير نفسه) فقال: (إن شاء صام وإن شاء أفطر) أما كونه يصوم؛ فلأن النبي
r دخل يوما على أحد أزواجه وقال: ((هل عندكم من شيء؟)) قالت: لا, قال:((إني إذاً صائم)) فأنشأ نية الصيام من النهار فدل ذلك على أنه يجوز إنشاء نية الصيام من النهار في صيام النافلة, فلو أنك مثلاً في يوم من الأيام أذن الظهر وأنت ما أكلت شيئاً قلت إذاً أكمل هذا اليوم صياماً ما بقي إلا نصف النهار فلا بأس, أما صيام الفريضة والصيام الواجب عموماً فلا بد فيه من تبييت النية من الليل, صيام رمضان وصيام القضاء والصيام الواجب لا بد فيه من تبييت النية من الليل, أما صيام التطوع فيجوز إنشاء النية من النهار بشرط ألا يكون الإنسان قد أكل أو شرب أو فعل شيئاً من المفطرات من النهار
 أما كونه يفطر؛ فلأنه يجوز للصائم صيام التطوع أن يقطع صيامه, ويدل لذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي
r دخل عليها ذات يوم فقال: ((هل عندكم من شيء؟)) قالت: نعم أهدي إلينا حيس قال:((أرنيه فلقد أصبحت صائماً)) فأكل. فصيام التطوع يجوز قطعه خاصةً إذ كان في ذلك مصلحة, دعيت مثلاً لوليمة دعيت لمناسبة زرت والديك مثلاً ورأيت أن من الأنس أن تفطر وتشاركهما في الأكل أو نحو ذلك فلا بأس بهذا, الصائم المتطوع أمير نفسه فمتى ما شاء قطع صومه ومتى ما شاء أنشأ نية الصيام أثناء النهار.
قال: (وكذلك سائر التطوع) للإنسان أن يقطع صلاته أن يقطع اعتكافه أن يقطع وضوءه فلا يلزمه إتمام تلك العبادة بعد الشروع فيها, لكن الأفضل ألا يفعل هذا لقول الله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ ويستثنى من هذا عبادة واحدة تلزم بالشروع فيها وهي قال المؤلف: (إلا الحج والعمرة فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما) لقول الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ حتى لو كان الحج والعمرة نافلتين فيلزمان بالشروع فيهما, إذا بدأت في الحج يجب عليك أن تكمله وإن كان حج نافلة, وإذا بدأت في العمرة يجب عليك أن تكملها وإن كانت عمرة نافلة, ولذلك عند الفقهاء أن الإحرام لا يرتفض برفضه ما معنى هذه العبارة؟ يعني كل من أحرم يلزمه إتمام النسك فليس له أن يرفضه, إلا في حالة واحدة إذا اشترط فله شرطه أما إذا لم يشترط فليس له أن يترك الإحرام, وأحياناً ترد استفتاءات من بعض الناس يقول أنه ذهب لعمرة فوجد زحاماً فرجع ولبس ثيابه وقال أؤجل العمرة إلى وقت آخر هل له ذلك؟ ليس له ذلك يلزمه إتمام العمرة, وهو لا يزال محرماً حتى لو لبس ثوبه فالإحرام لا يرتفض برفضه, والحج والعمرة يلزمان بالشروع فيهما حتى إن كانا نافلتين.

ثم ذكر المؤلف ما نهي عنه من الصيام فقال: (ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى ونهى عن صوم أيام التشريق إلا أنه رخص في صومهما للمتمتع إذا لم يجد الهدي)
قال: (ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى) فالعيد يحرم صومه بالإجماع
قال: (ونهى عن صوم أيام التشريق إلا أنه رخص في صومهما للمتمتع إذا لم يجد الهدي)؛ لحديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي رواه البخاري. وأيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر, فلا يجوز صيام يوم العيدين, ولا يجوز صيام أيام التشريق إلا في حالة واحدة وهي في حق من لم يجد الهدي

 

أما قوله: (وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) نرجئها للحديث عن احكام الاعتكاف في الدرس القادم إن شاء الله تعالى, والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بن عبدالعزيز - حي خزامى شمال غرب الرياض