الخثلان
الخثلان
بابُ زكاةِ العُرُوضِ
29 جمادى الأولى 1438 عدد الزيارات 814

قال المصنف رحمه الله (بابُ زكاةِ العُرُوضِ).

العروض جمع عَرْض بإسكان الراء، وأما العَرَض بفتح الراء فمعناه متاع الدنيا، والعرض هو المال الـمُعدُّ للتجارة، وعرفه الموفق ابن قدامة بأنه غير الأثمان، أي غير النقود، يقول هذه هي العروض، من الملابس من المراكب، غير النقود كلها تعتبر عروضا، وهناك تعريف أدق لعروض التجارة، وهو ما يُعد للبيع والشراء، بقصد الربح، هذا أدق تعريف لعروض التجارة. فمثلا لو أنك عرضت سيارتك للبيع، أو عرضت بيتك للبيع، هل هذا من عروض التجارة، ليس هذا من عروض التجارة، لأنه ليس بقصد الربح، لكن إذا كان عند سلع تبيع فيها وتشتري، هذه عروض التجارة، ولذلك لو عرضت بيتك، وبقي ثلاث سنين أربع سنين ما شراه أحد ما فيه زكاة، ليس من عروض التجارة، بينما لو كان عندك بيوت تبيع فيها وتشتري، هذه عروض التجارة، لأنك أعددتها للبيع والشراء بقصد الربح، فانتبه لهذا الضابط هذا يفيدك في مسألة الزكاة.

فإذاً ضابط عروض التجارة: ما يُعد للبيع والشراء بقصد الربح، يعني كل مال لا يُراد لذاته وإنما أمسكه مالكه ليبيعه في الوقت المناسب وأخذ قيمته.

وقد أجمع العلماء على وجوب الزكاة في عروض التجارة، والخلاف المنقول عن داود ومن وافقه يعتبر خلافا شاذا لا يُعول عليه، والدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة: عموم الأدلة على وجوب الزكاة في المال، ومنها قول الله: (خُذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وما جاء في معنى الآية، وجاء في حديث سمرة بن جندب قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نُعده للبيع)  أخرجه أبو داود وفي سنده مقال، الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام قال في سنده لين، لكن عامة أهل العلم على العمل بمعناه، وأما قول من قال بعدم وجوب زكاة العروض فقول ضعيف، ولم يقل به من المتقدمين فيما أعلم إلا داود، ومن المعاصرين إلا الشيخ الألباني رحمة الله تعالى  على الجميع، لكنه قول ضعيف، فإن هذا القول يفضي إلى تعطيل أكثر الزكاة في وقتنا الحاضر، الآن ما أكثر الزكاة في وقتنا الحاضر؟ أكثر زكاة الناس من عروض التجارة، يمكن 98% من عروض التجارة، الآن السائمة من بهيمة الأنعام قليلة، وحتى الخارج من الأرض من الحبوب والثمار قليل، فأكثر زكاة الناس في النقدين وفي عروض التجارة.

قال المصنف رحمه الله: (تُقَوَّمُ آخِرَ الحَولِ) التقويم معناه أن ينظر كم قيمة السلعة فيقومها في نهاية السنة ويزكيها، وهذا التقويم لا بد أن يكون من صاحب خبرة، فإن كان صاحب عروض التجارة ذا خبرة قوّمها بنفسه، وإن لم يكن ذا خبرة أتى بخبير يقومها له، وهذا التقويم هل يكون باعتبار الجملة أو باعتبار التفريق؟ يعني هذا صاحب محل تجاري، صاحب جوالات، صاحب ملابس، صاحب بقالة، قلنا يجب عليك أن تزكي هذا المحل؟ قال: كيف أزكيه، نقول: قوِّمه، طيب هل يقومه بسعر الجملة أم بسعر المفرق؟ نقول: بحسب بيعه، فإن كان ممن يقيمه بالجملة فيقومه بالجملة، وإن كان ممن يبيعه بالتفريق فيقومه بالتفريق، وإن كان يبيعه بهما جميعا فيقومه بالأكثر مبيعا.

قال المصنف (تُقَوَّمُ آخِرَ الحَولِ) يعني أن التقويم إنما يكون عند آخر الحول، قال الموفق ابن قدامة (لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا)، فالعبرة إذاً بقيمة هذا العرَض آخر الحول، وعلى هذا لو أن رجلا اشترى أرضا بمائة ألف ريال  وأراد بها التجارة، ثم عند تمام الحول أصبحت قيمتها مائة وخمسين ألفا، كم يزكي؟ يزكي مائة أم مائة وخمسين؟ يزكي مائة وخمسين، لو كان بالعكس اشتراها بمائة ألف وعند تمام الحول أصبحت قيمتها ثمانين ألف، يزكي ثمانين، فالعبرة إذاً بقيمتها عند آخر الحول.

قال (بِالأَحَظِّ لِلمَسَاكِينِ مِنْ عَينٍ أو وَرِقٍ) يعني أن التقويم إنما يكون عند تقدير نصاب عروض التجارة بالأحظ للمساكين من العين يعني الذهب والورق يعني الفضة، فكأنه يقول بأدنى النصابين من الذهب أو الفضة كما قلنا في الأوراق النقدية، وعلى هذا فنصاب عروض التجارة هو الأحظ للمساكين من نصاب الذهب والفضة، معنى عبارة المصنف: أن نصاب عروض التجارة هو الأحظ للمساكين من نصاب الذهب والفضة، وأيهما أحظ للمساكين والفقراء في وقتنا الحاضر؟ الفضة, وعلى هذا فيكون نصاب عروض التجارة في وقتنا الحاضر هو نصاب الفضة.

نصاب الفضة تكلمنا عنه في الدرس السابق، كم نصاب الفضة الجرامات؟ 595 جرام. فننظر إذا كان عند الإنسان عروض تبلغ قيمتها قيمة 595 جرام من الفضة فأكثر وحال عليها الحول ففيها الزكاة، فهذا إذاً هو نصاب عروض التجارة.

قال (فإن بَلَغَتْ نِصَابَاً أُخِذَ رُبْعُ عُشْرِهَا) انتقل المؤلف للكلام عن شروط وجوب زكاة عروض التجارة، فذكر ثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن تبلغ نصابا، وما هو النصاب؟ النصاب ذكرنا، ذكرنا مقدار النصاب، قلنا إنه الأحظ  للمساكين من نصاب الذهب والفضة، وقلنا إن نصاب الفضة هو الأحظ في وقتنا الحاضر، ومقدار الزكاة فيها هو ربع العشر يعني 2.5% فتُزكى كزكاة النقدين، وعلى هذا فصاحب المحل التجاري، صاحب الجوالات، صاحب الملابس، صاحب المواد الغذائية كل المحلات التجارية هذه تعتبر عروض تجارية، نقول: قوِّموها آخر الحول، فصاحب المحل إن كان ذا خبرة يقومها أو يأتي بخبير ويجردها كأنه يريد أن يصفي، يجرد البضاعة الموجودة عنده، كأنه يريد أن يبيعها. الجرد يكون للسع المعدة للبيع دون الأصول، فالثلاجات والرفوف، والديكور، والأشياء الثابتة هذه لا تدخل في التقويم، فإنما يقوّم السلع المعروضة الـمُعدّة للبيع، ثم يخرج ربع العُشُر يعني 2.5%، وسبق أن ذكرنا قاعدة لمعرفة ربع العشر، اقسمه على أربعين، فلو أنك لما جردت هذا المحل قلتَ هذا المحل قيمة البضاعة المعدة للبيع التي فيه مليون ريال، نقول: مليون اقسمه على أربعين، كم؟ = 25 ألفا، هذه طريقة زكاة عروض التجارة.

فإن كان المحل ما فيه سلع, مطعم أو منجرة أو ورشة, كيف يُزكّى؟ ليس فيها زكاة إلا في ريعها، إذا حال عليه الحول، وإلا هي ليس فيها زكاة، إذاً الأشياء التي فيها سلع ليس فيها عروض ليس فيها زكاة إنما الزكاة في الريع إذا حال عليه الحول. ولهذا هيئة كبار العلماء لما درست نظام الزكاة قررت هذا وأن مصلحة الزكاة لا تأخذ على أصحاب الحرف والمهن، وأن هذا سيعتمد إن شاء الله في النظام الجديد للزكاة؛ لأن هؤلاء ما عليهم زكاة، إلا فيما لديه من ريع إذا حال عليه الحول.

السِّلع هل يُشترط أن يمضي الحولُ على كل سلعة؟ لا يُشترط، لأننا لو قلنا لتعطلت زكاة عروض التجارة، التاجر الذي تبقى عنده السلع سنة ما باعها هذا فاشل، أليس كذلك؟! التجارة مبناها على التقليب والاستبدال، فلا يُشترط في السلع أو في العروض أن يمضي عليها سنة، حتى لو لم يمضِ عليها إلا يوم ففيها زكاة، إذاً كيف يكون التقويم؟ التقويم عند تمام الحول تقيِّم السلع المعروضة للبيع الموجودة سواء مضى عليها سنة أو ستة أشهر أو شهر أو يوم تقيمها، فلا يُشترط في السلع أو في العروض أن يمضي عليها حول، لأن التجارة مبناها على التقليب والاستبدال. وأمور التجارة قائمة على هذا، انتبه، لهذا، السلع التي تبقى سنة ما بيعت هذه تعتبر قليلة في عالم التجارة، ويبدأ الحول من تاريخ دخوله في التجارة، من تاريخ فتحه لهذا المحل، بداية ممارسته للبيع. إذاً هذا هو الشرط الأول، وهو بلوغ النصاب.

الشرط الثاني: قال (بشرط ملكها) أي الشرط الثاني ملك عروض التجارة، أن يملك عروض التجارة، ويعبرون عن ذلك، يقولون: أن يملكها بفعله واختياره، كالشراء والهبة ونحو ذلك، فلو أنه ملكها بإرث لم تجب فيها الزكاة، فلو أن رجلا من عادته أنه يزكي عروض التجارة التي عنده كل سنة في رمضان، ثم إنه في شهر شعبان تُوفي، فهل يجب على ورثته أن يزكوا في رمضان؟ لا يجب، لأنهم ملكوها بالإرث، لكن ننظر: إن تعاملوا بالتجارة واستمروا في عمل والدهم زكوها في العام المقبل، وإن وزعوها فيما بينهم لا زكاة فيه.

 إذاً الشرط الثاني: أن يملكها بفعله يعني باختياره، فلو ملكها قهرا كما لو ملكها بالإرث فلا زكاة فيها.

الشرط الثالث، أشار إليه المصنف قال (بينة التجارة) أي أن ينوي بها التجارة، فلو لم ينو بها التجارة فلا زكاة فيها، فلو اشترى سيارة ليستعملها لا زكاة فيها، أو اشترى بيتا ليسكنه فلا زكاة فيه، فإذاً لا بد من أن ينوي بها التجارة، فإذاً هذه هي الشروط الثلاثة.

نعيدها مرة ثانية, شروط زكاة عروض التجارة:

الشرط الأول: أن تبلغ نصابا، وعرفنا النصاب، وهو: الأحظ للمساكين من نصاب الذهب والفضة، وقلنا في وقتنا الحاضر نصاب الفضة.

الشرط الثاني: وهو أن يملكها بفعله أي باختياره، فإن ملكها بإرث لم تجب فيها الزكاة.

الشرط الثالث: أن ينوي بها التجارة فإن لم ينو بها التجارة وإنما نوى بها القنية كبيت يسكنه أو سيارة يستعملها ونحو ذلك فلا زكاة فيها.

هذه هي الشروط الثلاثة لوجوب الزكاة في عروض التجارة.

قال: (ثُمَّ إن نَوَى القُنْيَة فلا) القنية معناها ما يتخذه الإنسان لنفسه للانتفاع به لا للتجارة، من مركب ومسكن وأواني ونحو ذلك، فإذا اشترى سلعة للتجارة ثم نوى بها القنية فلا زكاة فيها، وهذا معنى قول المصنف (ثُمَّ إن نَوَى القُنْيَة فلا) يعني اشتراها للتجارة ثم نوى بها القنية فلا زكاة فيها، لأن الأصل هو القنية وأما نية التجارة فتحتاج إلى أن ينشئ هذه النية.

قال (ثُمَّ لَو نَوَى التِّجَارَةَ استَأنفَ) أي لو نوى التجارة بالعروض التي صارت قنية فإنها لا تصير للتجارة وإنما لا بد أن يستأنف حولا جديدا، هذر جل اشترى سيارة مثلا أو سيارات أو بيتا مثلا ليسكنه أو سيارة يستعملها ثم غير النية ونوى بها التجارة فيستأنف حولا جديدا من نية التجارة، هذا معنى قوله: (ثُمَّ لَو نَوَى التِّجَارَةَ استَأنفَ).

واختلف العلماء فيما إذا ملك الإنسان العروض بغير فعله، ثم نوى بها التجارة كأن يكون ورث من أبيه عقارات ثم نوى بها التجارة، أو يشتري أرضا مثلا لبناء مسكن عليها، ثم يغير نيته فينوي بها التجارة، فالمذاهب الأربعة على أنه لا زكاة فيها، وأن هذه النية لا توجب الزكاة، قالوا: لأن ما لا يثبت  له الحكم بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية، يعني يقولون: هذه النية لا تغير.

والقول الثاني أنه ما دام أنه نوى بها التجارة فتكون للتجارة وتجب فيها الزكاة، ولو كان ملكها بغير فعله، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختارها ابن عقيل من الحنابلة، وهو القول الراجح، وهو اختيار شيخنا عبد العزيز ابن باز، والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله تعالى، وهو الذي عليه الفتوى.

 فهذا رجل ورث من أبيه عقارات للتجارة، أبوه يبيع ويشتري فيها، أو ورث من أبيه محلات، المهم ورث من أبيه عروض التجارة، فيقولون هنا لا زكاة فيها، لأنه دخلت في ملكه بطريق الإرث، والعجيب أن هذا القول هو الذي عليه المذاهب الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

 والقول الثاني: تجب فيها الزكاة ما دام أنه نوى التجارة، تشمله عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة، وأما كونها دخلت بغير فعله فهذا غير مؤثر، المهم أنه نوى بها التجارة فتصبح من عروض التجارة، وما الذي يمنعها أن تدخل في عروض التجارة؟

هذا هو القول الراجح، وهو الذي يفتي به مشائخنا، وهو الذي عليه الفتوى، وهذا مثال من المسائل التي تكون الفتوى العامة فيها على خلاف المذاهب الأربعة، يعني بعض المسائل تكون الفتوى فيها على خلاف المذاهب الأربعة، مثل الفتوى أيضا في الطلاق المعلق، الفتوى الآن ليس في المملكة فقط, في العالم الإسلامي كله على رأي ابن تيمية: أنه لا يقع، وإنما فيه كفارة يمين، وهذه المسألة أيضا كذلك الذي عليه الفتوى أن فيها زكاة، والمذاهب الأربعة على أنه لا زكاة فيها.

قال: (وَيُضَمُّ أحَدُ النَّقدَينِ إلى الآخَرِ، كَقِيمَةِ العُرُوضِ) ويُضم أحد النقدين، ما المراد بالنقدين؟ الذهب والفضة، يعني يُضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، فنصاب الذهب عشرون مثقالا، يعني عشرون دينارا، فلو كان عنده عشرة دنانير وعنده مائة درهم، فتضم الدراهم إلى الدنانير ويقال إنه تجب فيها الزكاة.

والقول الثاني: أنه لا يضم أحد النقدين إلى الآخر، وهو رواية عن الإمام أحمد، قالوا لأنهما جنسان مختلفان كالبر والشعير، ولا دليل يدل على أنه يُضم أحدهما إلى الآخر، وهذا هو القول الراجح، القول الراجح أنه لا يُضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، وأن الذهب والفضة جنسان مختلفان كاختلاف الشعير عن البر، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله وجمع من المحققين من أهل العلم.

قال: (كَقِيمَةِ العُرُوضِ) يعني أن عروض التجارة تُضم قيمة بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فلو كان عنده مثلا سلع تبلغ قيمة نصاب من الذهب، وسلع أخرى تبلغ قيمتها النصف الآخر، فتُضم قيمة هذه إلى هذه في تكميل النصاب، وهذا بالإجماع.

(وَثَمَرةِ العَامِ) أي تُضم ثمرة العام بعضها إلى بعض، لو كان عنده تمر سكري وتمر خلاص فيضم هذا إلى هذا، نحن ذكرنا في الدرس السابق نصاب زكاة الحبوب والثمار، كم بالكيلوجرامات؟ 612كجم، فلو كان عنده 300 كيلو جرام تمر سكري، و312كيلوجرام تمر خلاص هل يُضم هذا إلى هذا؟ نعم يُضم هذا إلى هذا في تكميل النصاب، ونقول: تجب عليك الزكاة.

قال (ولا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى غَيرِهِ) يعني لا يُضم مثلا بُر إلى شعير، ولا تمر إلى بر، وهذا بالاتفاق.

ثمَّتَ مسائل متعلقة بعروض التجارة لم يذكرها المؤلف، فنحب من تمام الفائدة أن نذكرها:

زكاة الأراضي:

الأراضي فيما سبق لم يكن لها كبير قيمة، وكانت مبذولة للناس، (ومن أحيا أرضا ميتة فهي له)، كانت قيمة العقارات فيما سبق إنما هي في البناء فقط، أما الأراضي فهي للجميع، ما حصل ارتفاع في قيمة الأرض إلا في الوقت الحاضر، ففيما سبق كانت الأراضي مبذولة.

الأراضي لا تخلو من ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن ينوي بها التجارة نية جازمة، فيجب عليه أن يزكيها كل سنة، والمقصود بنية التجارة أن ينوي بيعها في الحال أو في المستقبل. أما بيعها في الحال فهذا ظاهر، وليس من شرط ذلك أن يضعها عند مكتب عقاري، إذا جزم بنية بيعها في الحال ومضى عليها سنة وجب عليها أن يزكيها، وأما نية بيعها في المستقبل فعند الجمهور تجب فيها الزكاة، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، خلافا للمالكية، فإن المالكية يفرقون بين المحتكر والمدير، فعندهم تجب الزكاة في المدير، يعني الذي يقلب السلع ويعرضها للبيع، وأما المحتكر الذي يبقيها عنده ويبيعها في المستقبل فلا زكاة فيها، فعلى قول المالكية لا تجب الزكاة في هذه الأرض، وعلى قول الجمهور تجب.

هذا رجل عنده أرض ولا يريد أن يبني فيها  مسكنا، يتربص بها ارتفاع أسعار الأراضي، يقول عندي أرض أبيعها بعد عشر سنين، أو عشرين سنة، أو أقل أو أكثر، متى ما أتت بقيمة بعتها، هل فيها زكاة؟ نقول: على قول الجمهور فيها زكاة، وعلى قول المالكية لا زكاة فيها، والقول الراجح هو قول الجمهور أنه تجب فيها الزكاة، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة، وهذه يصدق عليها أنها من عروض التجارة، لأنه إنما نوى بها التجارة، طلبا للتربح والتكسب.فالقول الراجح أن هذه الأرض يجب فيها أن يزكيها كل سنة، إذاً هذه هي الحال الأولى أن ينوي بها التجارة.

الحال الثانية: أن لا ينوي بها التجارة، وإنما ينوي بها القنية، كأن ينوي أن يبني بها مسكنا، فهذه لا زكاة فيها، ومثل ذلك أيضا لو نوى  أن يبني بها عقارا لتأجيره، فلا زكاة فيها كذلك.

الحال الثالثة: أن يكون مترددا في نيته، فتارة يقول: ربما أبني بها مسكنا، وتارة يقول ربما أبيعها، ولم يجزم بنية، فلا زكاة عليه فيها.

ومن هنا يتبين أن النية في الزكاة مؤثرة، والمفتي يحيل المستفتي على نيته، وهو أدرى بنيته.

الآن رسوم الأراضي تحتسب حسب ما أُقرَّ 2.5%، هل يجوز احتسابها زكاة؟ لا تجزئ عن الزكاة، لأنها لن تُصرف أصلا في مصارف الزكاة، وإنما هي أُخذت لمعالجة الاحتكار فقط، فإذاً هي لا تجزئ عن الزكاة، هي ستُؤخذ، وتستخدمها وزارة الإسكان لبناء مساكن، وهذه المساكن ليس بالضرورة أن تكون للمستحقين للزكاة، فإذاً لا يجزئ احتساب هذه الرسوم بدلا عن الزكاة.

زكاة الأسهم:

أيضا من المسائل التي نريد من تمام الفائدة أن نذكرها زكاة الأسهم:

الأسهم تنقسم إلى قسمين:

  1. أسهم يقصد صاحبها المتاجرة والمضاربة فيها، أي أنه يبيع ويشتري فيها، فهذه تعتبر عروض تجارة، ويجب على المساهم أن يزكيها كل حول، كل سنة، وكيفية إخراج زكاتها أن ينظر إلى محفظته عند تمام الحول، فينظر كم في محفظته من أسهم، كأنه يريد أن يبيع جميع هذه الأسهم، فهذ الذي في الأسهم يبيع ويشتري نقول له: عند تمام الحول انظر كم في محفظتك من قيمة لهذه الأسهم التي تملكها فتزكيها.
  2. القسم الثاني: أسهم لا يقصد صاحبها المتاجرة بها، وإنما يريد الإفادة من ريعها، أو يتربص بها ارتفاع السعر، فهذه إذا كانت الشركة تزكي فتكفي زكاة الشركة، وعندنا في المملكة العربية السعودية جميع الشركات المساهمة ملزمة، بدفع الزكوات إلى مصلحة الزكاة والدخل، فتكفي زكاة الشركة، أما إن كانت الشركة لا تزكي كما هو الحال في كثير من بلدان العالم الإسلامي، فلا بد من أن يعرف المساهم مقدار الوعاء الزكوي، ويُزكي ما تجب فيه الزكاة، ويسأل الشركة كم مقدار الوعاء الزكوي؟، ويزكي ما تجب فيه الزكاة، لكن عندنا في المملكة نقول: زكاة الشركة تكفي.

 يعني هذا رجل مثلا ساهم في شركة (أ) شركة من الشركات، نقول: هل أنت مضارب تبيع وتشتري أم تركته؟ إذا قال:أنا مضارب أبيع وأشتري، نقول زكها بكل حال، بغض النظر عن زكاة الشركة، إذا قال: أنا تركتها، لي سنة ما أبيع وأشتري، أو لي أكثر من ذلك، نقول إذاً زكاة الشركة تكفي، إذا كانت الشركة لا تزكي، كما في بعض دول العالم الإسلامي، نقول لا بد من معرفة مقدار الوعاء الزكوي وتزكي أنت، لا تزكي جميع الأسهم وإنما الوعاء الزكوي، والوعاء الزكوي تحسبه كل شركة، كل شركة عندها محاسبون قانونيون يحسبون مقدار الوعاء الزكوي للشركة.

س/ما هو الوعاء الزكوي؟

جـ/يعني مقدار ما تجب فيه الزكاة، لأن الشركة تشتمل على أصول وتشتمل على سلع، فالأصول تستبعد، وأيضا تشتمل على ديون، فالمحاسبون لهم طريقة في حساب الوعاء الزكوي، فيخصمون الأصول، وكذلك الديون، ويبقون السلع، ويعطون المساهم مقدار الوعاء الزكوي، هذا في غير المملكة، أما في داخل المملكة تكفي زكاة الشركة.

الصناديق الاستثمارية:

يجب من دخل في الصناديق الاستثمارية أن يزكيها، الصناديق الاستثمارية تعتبر عروض تجارة، ولا تُجبى زكاتها لمصلحة الزكاة والدخل، انتبه لهذا، فجميع الصناديق الاستثمارية لا بُد من دخل فيها أن يزكي ما يخصه فيها، لأنها لا تُجبى للدولة أو لمصلحة الزكاة والدخل.

ومصلحة الزكاة والدخل بالمناسبة هي تصرفها للضمان الاجتماعي، ما تجبيه مصلحة الزكاة والدخل عندنا في المملكة من الشركات يصبُّ مباشرة في حساب الضمان الاجتماعي، ولذلك من كان غير مستحق للزكاة لا يجوز له أن يأخذ من الضمان الاجتماعي، وأنا رأيت في موقع وكالة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تنبيها لهذا، وقالوا: إنه ينبغي للخطباء وأئمة المساجد والمشائخ تنبيه الناس على أن المورد الرئيسي للضمان الاجتماعي هو زكوات الشركات، فمن كان غير مستحق للزكاة فلا يحل له أن يأخذ من الضمان الاجتماعي، لأن بعض الناس يعتبر الضمان الاجتماعي إعانة، هذا غير صحيح، ليس هو إعانة، هو زكاة، وإن كانت الدولة قد تدعمه، لكن مورده الرئيس هو زكوات الشركات.

 

باب زكاة الفطر

قال المصنف رحمه الله: (بابُ زكاةِ الفطرِ).

والمراد بزكاة الفطر الزكاة التي يخرجها المسلم نهاية شهر رمضان، وقد أضيفت إلى الفطر، لأنه سبب وجوبها، ووردت تسميتها بصدقة الفطر في حديث ابن عباس: قال (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين)

والحكمة من مشروعيتها: هي ما ورد في حديث ابن عباس أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، حتى يشاركوا الأغنياء فرحهم بالعيد، فيكون يوم عيد للجميع، وفيه شكر لله عز وجل على إتمام شهر رمضان وصيامه وقيامه، وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة، فحكمة مشروعيتها تدور حول هذه الأمور الثلاثة:

الأمر الأول: أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث، لأن الصائم يعتري صيامه ما يعتريه من النقص والخلل، لكن هذا يرد عليه إشكال، وهو أن زكاة الفطر تُدفع عن الطفل، فكيف يُقال إنها طهرة من اللغو والرفث، والطفل أصلا غير مطالب بالصيام؟ نقول في الأعم الأغلب، إذاً (طهرة للصائم من اللغو والرفث) يعني في الغالب.

الأمر الثاني: أنها طعمة للمساكين حتى يشاركوا الأغنياء يوم العيد الذي هو يوم فرح، حتى يكون يوم فرح للفقراء والمساكين أُعطوا هذه الزكاة.

الأمر الثالث: أنها من باب الشكر لله عز وجل على التوفيق لصيام رمضان وقيامه وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة.

فالحكمة من مشروعيتها تدور حول هذه الأمور الثلاثة، وربما أيضا يكون هناك أمور غيرها.

قال المصنف: (إنَّمَا تَجِبُ علَى مُسلِمٍ) الزكاة تجب على المسلم فقط، أما غير المسلم فلا تجب عليه الزكاة، لأن الزكاة طهرة، والكافر ليس أهلا للتطهير، ولا يُطهره إلا الإسلام، وبناء على ذلك فالعُمّال والخَدَم من غير المسلمين لا تُدفع عنهم زكاة الفطر، إذاً هذا ممكن نعتبره الشرط الأول لوجوب زكاة الفطر وهو الإسلام.

قال: (مسلمٍ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) سبق أن قلنا في الدرس السابق: فيها لغتان: (مَؤونة) و(مُؤنة)، (تلزمه مؤونة نفسه) أي نفقة نفسه، إذا كان يعني ممن ينفق على نفسه.

(فَضَلَ عندهُ عن قُوْتِهِ وَقُوْتِ عِيَالِهِ يَومَ العِيدِ وَلَيلَتَهُ صَاعٌ)، وهذا هو الشرط الثاني: أن يكون غنيا، وغنى كل شيء بحسبه، فالغنى في باب زكاة الفطر أن يملك فاضلا عن قوت يوم العيد وليلته، والقوت هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام. وقوله (وقوت عياله) يعني أولاده الذين تجب عليه نفقتهم، وأيضا يدخل في ذلك زوجته التي يجب عليها نفقتها، وعلى هذا فلا يُشترط أن يملك نصابا، فحتى لو كان فقيرا لكنه يملك فاضلا عن قوت يوم العيد وليلته فتجب عليه زكاة الفطر، فعلى هذا زكاة الفطر تجب على معظم الفقراء والمساكين، يعني من الذي يجب عليه زكاة الفطر؟ الذي لا يملك فاضلا عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، وهذا في وقتنا الحاضر قليل، ربما يكون قليلا جداً، لكن إذا كان يملك فاضلا عن قوته يوم العيد وليلته تجب عليه زكاة الفطر ولو كان فقيرا، وعلى هذا فقد يدفع الإنسان زكاة الفطر ويأخذ زكاة الفطر، يدفع زكاة الفطر باعتباره ملكا فاضلا عن قوته وقوت عائلته، ويأخذ زكاة الفطر باعتباره فقيرا.

قال: (وتَلزَمُهُ فِطرَةُ مَنْ يَمُونُهُ بِقَدْرِهَا) يعني تلزم الإنسان فطرة من تلزمه نفقته من زوجة وأولاد وأقارب أيضا، فإذا كان مثلا أبوه أو أمه أو أخوه تلزمه نفقته فيجب عليه أن يدفع زكاة الفطر عنه، إذاً هي تجب على الإنسان فطرته وفطرة من تلزمه نفقته، ولكن إنما تجب عليه فطرة من تلزمه نفقته  إذا كان فقيرا، ما عدا الزوجة، الزوجة يجب عليه أن يدفع عنها زكاة الفطر، أما من عداهم فلا بد أن يكونوا فقراء، فأولاده إذا كانوا فقراءة يجب عليه أن يدفع عنهم زكاة الفطر، أما إذا كانوا كبارا أغنياء لا يجب عليه أن يدفع عنهم زكاة الفطر، وهكذا لو كان له أب أو أم أو أخ أو أخت ولم يكونوا فقراء فلا يلزمه وكان هو المطالب بالنفقة عليهم، لكن ليسوا بفقراء فلا يلزمه أن يدفع عنهم زكاة الفطر عنهم، إذاً يجب أن يدفع زكاة الفطر عن زوجته وعن من تلزمه نفقته من الفقراء.

قوله (بِقَدْرِهَا) يعني لو كان شخص فقير له أخوان، وتجب عليهما نفقة هذا الأخ، فزكاة الفطر عندما نقول تجب، تجب على كل منهما بقدره،تجب على كل أخ بقدر نصف صاع، هذا يجب عليه نصف وهذا يجب عليه نصف صاع.

أخوان لهما أخ فقير وهما ملزمان بنفقته، فيجب على كل منهما أن يخرج عن هذا الفقير مقدار نصف صاع، هذا معنى قوله (بقدرها).

(كَالمُبَعَّضِ) يعني الذي بعضه حر وبعضه رقيق، فعليه وعلى سيده صاع بحسب ما فيه من الحرية والرق.

قال: (وَيُقَدِّمُ نَفْسَهُ) يعني عند المشاحة عند الضيق، فمن يقدم؟ يقدم نفسه أولا ثم امرأته ثم رقيقه، ثم ولده، ثم أمه ثم أباه ثم الأقرب.

(يقدم نفسه) لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ابدأ بنفسك).

(ثُمَّ امرَأتَهُ) لأن النفقة عليها نفقة معاوضة، لأن النفقة على الزوجة هي مقابل الاستمتاع بها، فهي نفقة معاوضة، فهي مقدمة على الأولاد ومقدمة على الأب والأم في النفقة هنا.

(ثُمَّ رَقِيقَهُ) لأن نفقة الرقيق تجب في حال الإعسار واليسار.

(ثُمَّ وَلَدَهُ) لقربه منه.

(ثُمَّ أُمَّهُ، ثُمَّ أَبَاهُ) لأن الأم حقها آكد من حق الأب.

(ثُمَّ الأَقرَبَ) فالأقرب.

قال (وَتُسَنُّ عَنِ الجَنِينِ) أي يستحب إخراج زكاة الفطر عن الجنين، والمراد بالجنين هنا من بلغ أربعة أشهر فأكثر، أما إن كان دون أربعة أشهر فلا تُخرج عنه الفطرة، فالجنين إذا كان عمره شهر أو شهرين أو ثلاثة أو أقل من أربعة أشهر، لا تُخرج عنه زكاة الفطر، إنما تخرج عنه إذا بلغ أربعة أشهر فأكثر، لأن الروح إنما تُنفخ في الإنسان إذا بلغ أربعة أشهر، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه في هذا.

والدليل على استحباب إخراج زكاة الفطر عن الجنين إذا بلغ أربعة أشهر أثر عثمان أنه كان يعطي صدقة الفطر عن الجنين. أخرجه ابن أبي شيبة، لكنه ضعيف لا يصح عن عثمان، لكن أخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة، قال: (كانوا يعطون صدقة الفطر، حتى إنهم ليعطون عن الحبل). يعني عن الحمل، وأبو قلابة أدرك عددا من الصحابة والتابعين، توفي سنة 104هـ، وهذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وأيضا لأن هذا الجنين لما نفخت فيه الروح أصبح آدميا، فحتى لو لم يصح أثر عثمان، فهذه المعاني كافية في إثبات استحباب ذلك.

(وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمسِ لَيلَةَ الفِطرِ) أي تجب زكاة الفطر بغروب الشمس ليلة عيد الفطر، وذلك لأنها تُضاف إلى الفطر، والإضافة تقتضي التخصيص، وأول زمن يقع فيه الفطر هو غروب الشمس، ليلة عيد الفطر، وعلى هذا فوقت وجوب زكاة الفطر هو غروب الشمس في الثلاثين من رمضان، إن كان الشهر تاما، أو غروب شمس يوم التاسع والعشرين من رمضان إن كان ناقصا، ويترتب على قولنا: تجب زكاة الفطر بغروب الشمس ليلة عيد الفطر مسائل، منها:

  1. من مات قبل غروب الشمس ليلة العيد لم يجب إخراج زكاة الفطر عنه، ومن مات بعد غروب الشمس ليلة العيد ولو بدقيقة واحدة وجب إخراج زكاة الفطر عنه.
  2. لو أسلم شخص من رجل أو امرأة قبل غروب الشمس ليلة العيد فيجب عليه إخراج زكاة الفطر، ولو أسلم بعد غروب الشمس ليلة العيد لم يجب عليه إخراج زكاة الفطر.
  3. لو عقد على امرأة قبل غروب الشمس ليلة العيد، فإن كان دخل بها فعليه فطرتها، وإن لم يدخل بها فلا تجب عليه فطرتها، أما إن عقد عليها بعد غروب الشمس ليلة العيد لم يجب عليه فطرتها، يعني هذا رجل عقد على امرأة, تملك في رمضان، والزواج بعد العيد، هل يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عنها؟ لا يجب، لأنه لم يتسلمها، لأنها لا زالت باقية في بيت أهلها، لم يتسلمها، لو كان العقد بعد غروب الشمس ليلة العيد، لم يجب أيضا، إنما يجب عليه إذا عقد عليها ودخل بها، وتسلمها.
  4. لو ولد إنسان بعد غروب الشمس ليلة العيد ، لم يجب إخراج زكاة الفطر عنه، ولكن يستحب كما سبق، ولو ولد قبل غروب الشمس ليلة العيد ولو بدقيقة، وجب إخراج الفطرة عنه.

كل هذه المسائل مترتبة على هذه المسألة.

قال: (وَإخرَاجُها يومَ العيدِ جَائِزٌ) وقوله (يوم العيد) أما إخراجها يوم العيد قبل الصلاة فهذا جائز بالإجماع، لكن ظاهر كلام المؤلف هنا أنه لو أخرجها يوم العيد بعد الصلاة فيجوز، لأن عبارة المؤلف قال: (وَإخرَاجُها يومَ العيدِ جَائِزٌ)، لكن عندهم لو أخرجها يوم العيد بعد الصلاة فجائز مع الكراهة، لأن إخراجها في بقية يوم العيد يُفوِّب المقصود من إغناء الفقراء ذلك اليوم.

وذهب بعض العلماء إلى أن إخراجها يوم العيد بعد الصلاة لا يجوز، لحديث ابن عباس السابق، وفيه «ومن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقة). ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجها قبل الصلاة، فإخراجها بعد الصلاة مخالف لأمره عليه الصلاة والسلام، وهذا هو القول الراجح، وهو الذي عليه الفتوى: أن إخراجها بعد صلاة العيد لا يجوز ولا يجزئ، وأنه لابد من إخراجها قبل صلاة العيد.

قال: (ومِنْ يَومينِ قَبْلَهُ) يعني يجوز إخراجها قبل العيد بيومين، لقول ابن عمر رضي الله عنها: «وكانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين). أخرجه البخاري في صحيحه.

قبل العيد بيوم أو يومين، نريد أن نحدد الآن بداية إخراج وقت زكاة الفطر، فمثلا ما هو أول وقت لإخراج زكاة الفطر؟ يعني هل يوم 27 ، 28، 29؟ غرب الشمس يوم الثامن والعشرين، إذاً أول وقت يجوز فيه إخراج زكاة الفطر غروب شمس اليوم 28 من رمضان، لكن إن أخرجها في اليوم 27 من رمضان، فننظر، إن أخرجها مثلا في ليلة 28 من رمضان، فننظر إن كان الشهر تاما لم يجزئ، إن كان ناقصا أجزأ، لأنه إن كان الشهر ناقصا قبل العيد بيومين، لكن إن كان الشهر تاما أخرج قبل العيد بثلاثة أيام. فإذاً أول وقت هو غروب الشمس في اليوم 28 من رمضان، إن أخرجها قبل ذلك ننظر لتمام الشهر ونقصه، إن كان قبل ذلك بيوم، فإن نقص الشهر أجزأه ، وإلا لم يجزئ.

قال (وَمِنْ قَبلِ صَلاتِهِ أَفضَلُ) يعني الوقت الأفضل لإخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، لقول ابن عمر (أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة). والناس فيما سبق كانوا قلة لم يكونوا بهذه الكثرة التي عليها الناس اليوم، وكانت أمور الناس ميسورة، فكان من السهل أن الإنسان يذهب ويوزع زكاة الفطر بعد  صلاة الفجر يوم العيد، وقبل صلاة العيد، وأما في وقتنا الحاضر مع كثرة الناس واتساع البلدان فالذي يظهر أن الأفضل أن يخرجها قبل ذلك، أن يخرجها ليلة العيد، وألا يتأخر إلى ما بعد صلاة الفجر يوم العيد، لأن تأخره إلى ما بعد صلاة الفجر يوم العيد يتسبب في تفويته صلاة العيد، إلا إذا كان يضمن أنه سيوصلها إلى مستحقيها قبل صلاة العيد وأنه لن يؤخر عن صلاة العيد فيمكن أن يقال ذلك، لكن ينبغي مراعاة اختلاف الناس.

قال: (وَقَدرُهَا: صَاعٌ، خَمسَةُ أرطَالٍ وثُلثٌ بِالعِرَاقِيِّ) قدر زكاة الفطر صاع، والصاع مكيل، وقدرها المصنف بخمسة أرطال وثلث، الصاع يعادل بالعراقي خسمة أرطال وثلث عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وعند الحنفية يعادل ثمانية أرطال، وكان القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، كان يقول بقول أبي حنيفة : أن الصاع يعادل ثمانية أرطال، ثم إنه أتى المدينة فالتقى بالإمام مالك وتناظرا في هذه المسألة، فقال الإمام مالك: ادعوا لي الناس من أهل المدينة، فأتى الناس، وكل يأتي بالصاع الذي عنده، فأتى أهل المدينة بأصواعهم، فسأل كل واحد منهم: من أين لك هذا الصاع؟ كل منهم يقول: هذا عن أبي عن أبي عن جدي، إلى أن يوصل ذلك إلى الصحابة، فلما رأى هذا القاضي أبو يوسف، رجع عن قوله، وترك قول أبي حنيفة، وأخذ بقول الإمام مالك بأن الصاع يعادل خمسة أرطال وثلث.

 وهذا يدل على أن هؤلاء الأئمة والعلماء إذا تبين لهم الحق رجعوا عنه، هذه مناظرة لطيفة حصلت بين الإمام مالك والقاضي أبي يوسف، واستدل عليها الإمام مالك بالإجماع، كل واحد من أهل المدينة يقول هذا الصاع عن أبي عن جدي إلى أن يوصلها إلى الصحابة، فلما رأى هذا أبو يوسف رجع عن قول أبي حنيفة وأخذ بقول الإمام مالك، فإذاً الصواب أن الصاع يعادل خمسة أرطال وثلث، والذي يهمنا هو تقديرها المعاصر، الآن ما أحد يعرف الأرطال.

الناس يقدرونها الآن بالكيلوجرامات ، والكيلوجرامات وزن، ولهذا لابد أن نحول الكيل إلى وزن،  قبل هذا ما الفرق بين الكيل والوزن؟ الكيل يُقدر بالحجم، والوزن يُقدر بالثقل، فعندما أقول مثلا هذا الصاع تملأه تمرا من النوع الثقيل أو تمرا من النوع الخفيف، وهو صاع، هذا صاع وهذا صاع، لكن يختلف وزن هذا عن وزن هذا، ولذلك أيهما أدق الكيل أم الوزن؟ الوزن.

 ولذلك ما وردت السنة بكونه صاعا، ينبغي أن يستخدم بالكيل مثل زكاة الفطر، يوضع الصاع النبوي مثلا، فيحدد حجمه بالليترات، ويُصنع هذا ويشتهر، يكون هذا من أحسن من عمل الناس اليوم، وهو تقدير ذلك بالكيلوجرامات.

 لكن نحن الآن أمام أمر واقع، الناس الآن ماتتعامل إلا بالكيلوجرامات، فلابد من التحويل، فعندما نحول الصاع إلى كيلوجرامات أحسن ما قيل في تقدير ذلك هو تقدير الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله أن الصاع يعادل: كيلوين و40 جرام من الأرز، ونحوه، وإن أراد أن يحتاط ويجعلها كيلوين وربع فحسن. فهذا ذاً هو تقدير زكاة الفطر  وأنه في حدود كيلوين و40 جرام وكيلوين وربع.

قال: (مِنْ بُرٍّ، وشَعيرٍ وَدَقِيقِهِمَا وَتَمرٍ، وَزَبِيبٍ فإن عَدِمَهُ فَمِمَّا يُقتَاتُ)  أي أن زكاة الفطر تُدفع من هذه الأصناف التي ذكرها المصنف وهي البر والشعير والتمر والزبيب، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وأيضا عندهم الأقط، وتركه المصنف، ولا أدري هل تركه سهوا؟ إذاً عندهم هذه هي الأصناف الخمسة: البر والشعير والتمر والزبيب والأقط، وهذه هي التي وردت في حديث أبي سعيد.

قال (فإن عَدِمَهُ فَمِمَّا يُقتَاتُ) يعني من غالب قوت البلد، فعلى كلام المصنف هل يجوز إخراج الرز في وقتنا الحاضر ابتداء، لا، لكن نريد أن نفهم كلا المؤلف، فالمؤلف يرى أن تُخرج من هذه الأصناف الأربعة وعلى المذهب الأصناف الخمسة، فإن عُدم فمما يُقتات.

والقول الثاني في المسألة: أن زكاة الفطر تُخرج من غالب قوت أهل البلد، لقول أبي سعيد رضي الله عنه: (كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله وعليه وسلم صاعا من طعام، وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والأقط والتمر والبر)، فالقول الراجح إذاً أن زكاة الفطر تخرج من غالب قوت البلد، وعلى هذا في وقتنا الحاضر مثلا عندنا في المملكة غالب قوت الناس (الأرز)، فتخرج من الأرز، وكذلك ما كان من غالب قوت الناس، لكن ما ذكر في الحديث من غالب قوت الناس في زمن النبوة، هل هو لازال غالب قوت الناس اليوم أم لا؟ فعندنا خمسة أصناف:

البر: هل البر لا زال غالب قوت الناس اليوم؟ نعم لا زال. لذلك لا بأس بخراج زكاة الفطر من البر.

الشعير: الشعير عندنا يمكن في دول الخيلج العربي ولا أدري عن بقية أصبح ليس من غالب قوت الآدميين، ولهذا أصبح علفا، فلا يجوز إخراج الشعير في زكاة الفطر، فإن قال قائل: كيف لا يجزئ الشعير وهو منصوص عليه؟ كيف نخالف النص؟

ليس هناك نص أصلا، أعطنا  نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قال أبو سعيد : أمرنا أن نخرج زكاة الفطر من الطعام، وكان طعامنا كذا وكذا, ما عندنا نص من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ،فقول بعض الناس: كيف تخالف نصا؟ ما في نص أصلا، بل هذا هو الموافق للنص، لأنه أمرهم أن يخرجوها من الطعام، وكان طعامهم من الشعير، وأما في وقتنا الحاضر الشعير ليس طعاما للآدميين، وإنما هو علف للبهائم.

الصنف الثالث: الزبيت، الزبيت الآن هل هو قوت للناس؟ لا وإنما يتفكه به ويتبسط به، فليس وجبة يعتمد عليها ويقدم للضيف كوجبة غداء أو عشاء. لا، إذاً الزبيب لا يجزئ إخراجه في زكاة الفطر.

الأقط: هل يعتبر قوتا في وقتنا الحاضر؟ لا يعتبر كذلك، لأنه لا يعتبر وجبة، ولا يقدم للضيف، ولا يقتاته الناس.

الصنف الخامس: التمر، التمر هل يعتبر قوتا؟ التمر في الحقيقة يحتمل، يحتمل أن نقول: إنه يصلح أن يكون قوتا، وربما عندنا هنا في المملكة يعتمدون عليه، ويعتبرونه قوتا، ويحتمل أن نقول إن حال الناس الآن تغيرت، فالناس الآن لا تعتبره قوتا، ولذلك لا يعتمد عليه كوجبة أساسية، ويقدم مثلا مع القهوة، لكن لا يعتبر قوتا يعتمدون عليه في الاقتيات، فالمسألة بالنسبة للتمر محل توقف عندي.

أما بالنسبة للشعير والزبيب والأقط فلا يجزئ، وأما البر فيجزئ، والأحسن من هذا كله أن يخرجها من الأرز، لأن الأرز هو غالب قوت الناس اليوم.

قال (وَدَقِيقِهِمَا) دقيق البر كذلك يجوز إخراجه في زكاة الفطر، لأنه يعتبر قوتا، ودقيق الشعير كذلك في وقتنا النبوة، أما في وقتنا الحاضر فلا.

قال: (وَأَفْضَلُهَا التَّمْرُ) لأنه – يقولون- قوته حلاوة، وأقل كلفة، وذكرت لكم أن إخراج التمر الآن في زكاة الفطر أنه محل توقف عندي.

قال (ثُمَّ الأَنْفَعُ) يعني الأنفع فالأنفع للفقراء.

إخراج زكاة الفطر من القيمة

بقيت مسألة وهي إخراج زكاة الفطر من القيمة، يعني هل يجوز إخراج زكاة الفطر من القيمة بدل الطعام؟

هذا محل خلاف بين الفقهاء على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز ولا يجزئ، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة.

والقول الثاني: أنه يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطرة، وإليه ذهب الحنفية.

أما من قال بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر قالوا: لأن القيمة أنفع للفقراء، وتغنيهم عن السؤال يوم العيد، ويستطيع الفقير أن يشتري بها ما أراد، بخلاف الطعام.

وأما الجمهور فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجها طعاما، وأيضا الشارع له مقصد بإخراجها طعاما وهو إظهار هذه الشعيرة حتى يراها الناس وتظهر وتبرز في المجتمع، بينما لو أخرجت نقدا لأصبحت من جنس زكاة المال، ولم تكن ظاهرة في المجتمع، وهذا هو القول الراجح.

 القول الراجح أنه لا يجزئ إخراجها نقدا وإنما يجب إخراجها طعاما، وأما قول القائلين بأن القيمة أنفع للفقراء فنقول بأن هذا أيضا وارد حتى على الفقراء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا يفرضها النبي صلى الله عليه وسلم دراهم أو دنانير والفقير في وقت النبوة يستطيع أن يشتري بهذه الدراهم والدنانير ما أرد من طعام ومن لباس ومما أراد، فهذا الذي يقال إنه أنفع للفقير يرد أيضا على حال الناس في عهد النبوة. وعلى هذا فالسنة أن تدفع طعاما وليس نقداً.

توكيل الجمعيات الخيرية

 لكن لا بأس بتوكيل الجمعيات الخيرية بأن تعطى الجمعية نقدا، وتشتري الجمعية طعاما، يُوزع على الفقراء، وعملت بعض الجمعيات في رمضان من العام الماضي طريقة جيدة وهي أن تستقبل من الناس نقودا، وتتفق مع بعض أصحاب المحلات الغذائية على أن يعطوا الفقراء قيمة هذه النقود طعاما، بحيث تصل للفقير قبل صلاة العيد، فيقال للفقير: فطرتك عند المواد الغذائية في المحل الفلاني، اذهب وخذها، فيذهب والمحل الفلاني يجد اسم هذا ويعطيه فطرته.

 وهذه الطريقة طريقة جيدة، لأنها تحقق المقصود الشرعي، توصل زكاة الفطر طعاما للفقراء وفي الوقت المحدد، وأيضا تحفظ كرامة الفقير، لأنهم كونهم أيضا يزدحمون على أخذ زكاة الفطر وقد يكون عليهم شيء من المنة والأذى، فلا تحفظ كرامة الفقير.

 بينما هذه الطريقة التي ابتكرتها بعض الجمعيات الخيرية الحقيقة فيها عدة من المصالح فيها أولا: حفظ كرامة هؤلاء الفقراء، وأيضا تسهيل لهذا العمل وتيسير له، وأيضا ضمان لإخراجها قبل صلاة العيد، لأنهم فيما سبق أحيانا يأتي وقت صلاة العيد وهم ما استطاعوا أن يخرجوا زكاة الفطر التي عندهم كلها، فهذه الطريقة طبقتها بعض الجمعيات الخيرية وكانت نتائج جيدة وحققت المقصود الشرعي، معنا الشيخ محمد من جمعية غرب الرياض، كيف كانت تجربتكم؟

 

إخراج زكاة الفطر عن كبير بدون إذنه:

بقيت مسألة نختم بها وهي إذا أراد أن يخرج الزكاة عن كبير غير أولاده وزوجته، فلا بد من توكيل هذا الكبير، أراد أن يخرج عن كبير يعني عن بالغ غير زوجته وأولاده، هنا لا بد من توكيل هذا الكبير، أو وجود عادة مستمرة، فإن لم يوكله هذا الكبير ولم توجد عادة مستمرة لم يصح إخراجها عنه، لعدم وجود النية، وعلى ذلك فإخراج زكاة الفطر مثلا عن السائق أو عن الخادمة من غير إذن منهما لا يجزئ، لا بد أن يأذن لك، تقول أريد أن أخرج زكاة الفطر عنك، فإذا أخذ تخرجها عنه، أما إذا لم يأذن فلا، أما أن تخرجها عنه وهو لا يعلم هنا لم توجد النية، هذا خطأ يقع فيه بعض الناس، أو حتى إخراج زكاة الفطر عن والده أو عن والدته إذا لم يكن هناك عادة مستمرة، لا بد من أن يستأذنهما، أو عن أخيه أو عن أخته، المهم إذا أخرجها عن كبير غير زوجته وأولاده، ولم يكن هناك عادة مستمرة بإخراجها عنه فلابد من إذنه.

ونقف عند باب إخراج زكاة.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض