الخثلان
الخثلان
باب زكاة النقدين وباب زكاة الحبوب والثمار

ننتقل بعد ذلك إلى درس الفقه وكنا قد وصلنا إلى باب زكاة النقدين.

قال المصنف رحمه الله (باب زكاة النقدين)

النقدان تثنية نقد، والنقد إذا أُطلق النقدان المقصود بهما الذهب والفضة، وأصل النقد هو الإعطاء، والذهب والفضة ليس إعطاء، بل هما مُعطيان، فهما يُنقدان في البيع والشراء، وهذان المعدنان الذهب والفضة أودع الله فيهما من الخصائص ما لم يودعه في غيرهما، ومن قديم الزمان إلى وقتنا الحاضر لا يزالان هذان المعدنان يحتفظان بنفاستهما، وإن كان الذهب أنفس من الفضة غالبا، وقد ذُكر الذهب والفضة في القرآن الكريم، في أكثر من موضع {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [التوبة: 34] {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20]الدراهم هي الفضة، {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] الدينار الذهب، {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ } [آل عمران: 14] تارة يُعبر بالذهب والفضة وتارة بالدنانير والدراهم، والدنانير مسكوكة من الذهب، والدراهم مسكوكة من الفضة.

 وذكر ابن منظور في لسان العرب عن ثعلب أنه قال: كنتُ أحسب قول الأصمعي: إن الفضة لا تُنتن صحيحا، حتى أخبرني بعض أصحاب الخبرة أن الذهب لا يبليه الثرى، ولا يُصدئه الندى، ولا تنقصه الأرض، ولا تأكله النار، وأما الفضة فإنها تصدأ وتبلى، ويعلوها السواد وتنتن. يعني هذه خصائص الذهب، ولهذا لما قُطع أنف عرفجة بن أسعد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ورِق فأنتنَ، فأمره أن يتخذ أنفا من ذهب.

 وجاء في الحديث في الصحيحين أنه في آخر الزمان من أشراط الساعة أنه يحسر نهر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل عليه الناس، فلا ينجو  من الألف إلا واحد، قال عليه الصلاة والسلام: فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا، وهذا يدل على أن سعر الذهب – والله أعلم- سيكون كبيرا جدا لدرجة أن الإنسان يخاطر بحياته لأجل أن يأخذ شيئا يسيرا من الذهب، فالعجيب أنه عليه الصلاة والسلام حدد المكان، وهو نهر الفرات في العراق، ولم يحدد الزمان في آخر الدنيا، فهو من أشراط الساعة.

إذاً قال (زكاة النقدين) وقلنا النقدان هما الذهب والفضة، وقد سُك من الذهب الدنانير ومن الفضة الدراهم، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الناس يتعاملون بالدراهم والدنانير، لكن الدراهم مختلفة الأوزان ما بين كبار وصغار، وكان أهل مكة يتعاملون بالدراهم وَزنًا، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (الميزان ميزان أهل مكة).

 وفي وقتنا الحاضر انتقل الناس للتعامل بالأوراق النقدية، وكانت الأوراق النقدية مغطاة بالذهب والفضة، ثم أصبح الغطاء يخف شيئا فشيئا، إلى أن أصبح الغطاء قليلا، وليس شرطا أيضا، وإنما أصبحت الأوراق النقدية يحكمها اقتصاد البلد، وبعض الأمور الاقتصادية مثل وجود العملات الصعبة وما يتعلق بها، فأصبحت هي التي تتحكم في قيمة الأوراق النقدية، فالأوراق النقدية ليست الآن مغطاة.

في أول الأمر اختلف الفقهاء المعاصرون فيها اختلافا كثيرا، ثم بعد ذلك استقر رأي عامة العلماء المعاصرين، والمجامع الفقهية والهيئات العلمية على أن الأوراق النقدية نقد قائم بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة، وأنها أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، والذي يهمنا هنا هو زكاة الأوراق النقدية، ونحن قلنا إن الأوراق النقدية مرتبطة بالذهب والفضة، لأنها أول ما نشأت كانت بديلا عنهما، وأذكر قديما أنه كان يُكتب قديما أنه كان يُكتب على الريالات: "تتعهد مؤسسة النقد العربي لحامل هذا السند قيمته" كانت تكتب في مستطيل على كل ورقة نقدية، في كل ريال أو عشرة يوجد هذا المستطيل، ثم أصبح فيما بعد لا يُكتب.

 فإذاً هي مرتبطة بالذهب والفضة، ولهذا اختلف العلماء في نصابها، فقيل: إن نصابها نصاب الذهب، وقيل إن نصابها نصاب الفضة، وقيل: أدنى النصابين الذهب أو الفضة.

أما من قال: إن نصاب الأوراق النقدية نصاب الذهب فعللوا لذلك قالوا: إن أربعين من الغنم تُعادل خمسا من الإبل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتعادل عشرين مثقالا، فالأنصبة المذكورة في الحديث متقاربة، وعلى هذا فهي تعادل الذهب، ولأن الذهب هو الأصل في تقويم الأشياء.

وأما من قال: إنها الفضة، فقالوا: لأن الفضة هي الأحظُّ للفقراء والمساكين، ولأن الدراهم كان يغلب وجودها في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فهي أكثر  من الدنانير.

والأقرب – والله أعلم – هو أن يقال إن نصاب الذهب والفضة هو أدنى النصابين من الذهب أو الفضة، وهو الذي قررته المجامع الفقهية وهيئة كبار العلماء، وهو الذي استقر عليه رأي أكثر العلماء المعاصرين، أن أنصاب الأوراق النقدية هو أدنى النصابين من الذهب أو الفضة، وأيهما أرخص الذهب أم الفضة؟ الفضة، فعلى هذا نصاب الأوراق النقدية في وقتنا الحاضر هو نصاب الفضة، وسوف نحسبه الآن إذا أتينا للكلام على نصاب الذهب والفضة حسبنا نصاب الأوراق النقدية.

قال: (نِصَابُ الذهبِ عِشْرُونَ مِثْقَالاً) وهذا قد جاء في حديث علي رضي الله عنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان لك عشرون مثقالا وحال عليه الحول ففيها نصف دينار) أخرجه أبو داود وابن ماجه، وأجمع العلماء على ذلك، والمثقال هو الدينار، ولم يتغير في جاهلية ولا إسلام، والدينار يُعادل أربعة جرامات وربع، وقد وُجد بعض الدنانير المسكوكة في عهد عبد الملك بن مروان وجدت في بعض المتاحف، ووجد أن وزنها أربع جرامات وربع، وعلى هذا نضرب 4.25    في 20 ، كم الننتيجة، اضرب أولا: 4×20= 80، 2.25 ×20= 5، فيكون نصاب الذهب بهذا = 85 جراما، احفظ هذا الرقم.هذا بالنسبة للذهب.

وأما الفضة قال: (وَالفِضَّةِ مائتا دِرْهَمٍ) نصاب الفضة مائتا درهم، وهذا أيضا مجمع عليه، أن نصاب الفضة 200 درهم، والدرهم الشرعي عشرة دراهم تُعادل سبعة مثاقيل من الذهب، وقلنا إن الدينار يعادل  4,25 (أربعة جرام وربع) فنضرب هذا الرقم في 7، ونقسم الناتج على 10، فالنتيجة أن الدرهم يعادل= 2,975 جرام، (جرامين وتسعمائة وخمسة وسبعين من ألف)، فنضربه في نصاب الفضة 200 فتكون النتيجة = 595 جرام. إذاً نصاب الفضة= 595 جرام. احفظ هذا الرقم.

 إذً نخلص من هذا الرقم أن نصاب الذهب= 20 مثقالا، تعادل بالتقديرات المعاصرة= 85 جرام، نصاب الفضة 200درهم، تعادل بالتقديرات المعاصرة= 595 جرام، فاحفظ هذه الأرقام، يهمنا فقط، هذه الأرقام الأربعة فقط، ما عداها عمليات حسابية للتحويل، إذاً عرفنا نصاب الذهب بالتقديرات المعاصرة 85 جرام، وعرفنا نصاب الفضة بالتقديرات المعاصرة 595جرام.

 وقلنا قبل قليل إن نصاب الأوراق النقدية هو أدنى النصابين من الذهب أو الفضة، يعني الفضة، يعني نصاب الأوراق النقدية هو الفضة، فمعنى ذلك الآن إذا أردنا أن نحسب نصاب الأوراق النقدية فننظر لسعر الجرام من الفضة ونضربه في 595، في السابق كان هناك عملية مطولة، قبل أن يأتي الإنترنت كان في السابق عمليات حسابية لتحويلها من الأوقية إلى الجرامات، وأيضا من الدولار للريالات، فتأخذ عدة عمليات، لكن مع وجود الآن المواقع على الإنترنت وُجد العديد من المواقع التي تعطيك السعر مباشرة، سعر الجرام من الفضة بالريال على مدار الساعة، فلو دخلت في أحد محركات البحث (جوجل مثلا) وكتبتَ فيه: "سعر الجرام من الفضة بالريال" فيعطيك سعر الجرام بالريال، ويُحدَّث كل ساعة، هذا ممكن أخصر وأقصر طريقة، فاليوم مثلا أو الآن كم سعر الجرام من الفضة بالريال؟ بعد الظهر كان 2.14. الآن كم؟ هو يتغير على مدار الساعة، الآن هو 2,16.

2,16 نضربها في 595= 1285، إذا نصاب الأوراق النقدية من الفضة في هذا اليوم السادس عشر من شهر جمادى الأولى من عام 1437 للهجرة هو = 1285 ريالاً، أو ما يعادلها من عملات أخرى، وهذا الرقم قد يتغير تبعا لتغير أسعار الفضة، لكن المهم أن تعرف القاعدة، إذا أردت أن تعرف نصاب الأوراق النقدية في أي وقت، ادخل على محرك بحث، واكتب "سعر الجرام من الفضة بالريال" وانظر سعر الجرام من الفضة النقية، لأنه يعطيك النقية ويعطيك غير النقية، سعر الجرام من الفضة الخالصة والنقية، واضربه في 595 يخرج لك نصاب الأوراق النقدية في أي وقت تريد، هذه هي طريقة حساب نصاب الأوراق النقدية.

وعلى هذا من ملك ألف ريال عليه زكاة؟ وكذا 1200؟ ما عليه زكاة، نحن قلنا إن النصاب 1285، وأذكر قبل – يمكن – خمسة عشر عاما كنتُ في كلية الشريعة مع الطلاب، ونشرح لهم هذه المسألة، وأذكر أننا توصلنا إلى النصاب في ذلك الوقت قبل خمسة عشر عاما تقريبا كان في حدود خمسمائة ريال، كان الطلاب يسألون عن المكافأة هل فيها زكاة أم لا؟ لكن كان أكثر الطلاب يقول: أصلا ما يحول عليها الحول. لو حسبتها بالذهب تجد الفرق كبيرا. كيف تحسب بالذهب؟ تضرب سعر الجرام من الذهب في 85 كم؟ حتى يتبين الفرق بين القولين، وذلك بالذهب الخالص عيار 24، سعر الجرام من الذهب الخالص عيار 24 بالريال: 147، اضربها في 85، والنتيجة= 12565. لا حظ الفرق بين 1285 و12565 فرق كبير، لهذا القول بأن نصاب الأوراق النقدية نصاب الذهب يترتب عليه تفويت الزكاة في هذا القدر الكبير.

قال (وفيهما رُبْعُ العُشُرِ) أي في الذهب والفضة، ومثلهما أيضا الأوراق النقدية: ربع العُشر، وهذا بالإجماع، وهذا أيضا في حديث علي :(ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا، ويحول عليها الحول، فإذا حال عليها الحول ففيها نصف دينار) يعني ربع العشر، وإذا أردت أن تعرف ربع العشر، سواء في الذهب أو في الفضة أو في الأوراق النقدية فخُذ هذه الفائدة: اقسمه على (40) يخرج لك ربع العشر، ولهذا نستطيع أن نقول: إذا أردت معرفة زكاة أي مبلغ نقدي اقسمه على أربعين، خُذ هذه الفائدة، يعني بدل ما تحسب ربع العشر، أو 2,5% وتأخذ منك وقتا، اقسمه على أربعين مباشرة، يخرج لك ربع العشر.

قال (وَمَا زَادَ بِحِسَابِهِ) يعني إذا بلغ النقد نصابا  قلنا وجبت فيه الزكاة، فإذا زاد تؤخذ الزكاة من الزائد بحسابه، وهذا ظاهر. وإنما قال المؤلف ذلك، ليبين أن زكاة الذهب والفضة لا وقص فيها، بخلاف زكاة بهيمة الأنعام ففيها الوقص، كما مر معنا، فأورد المؤلف هذه العبارة حتى يبين أنَّ زكاة النقدين وما في حكمهما لا وقص فيها.

قال (وَلَو شَكَّ فِي مَغْشُوشٍ سَبَكَهُ، أو اسْتَظْهَرَ بِزيادَةٍ) يعني لو شك في ذهب مغشوش، هذا رجل عنده ذهب، يريد أن يزكيه وشك هل هذا ذهب مغشوش أم لا؟ فإنه يسبكه وذلك بأن يعرضه على النار حتى يتبين الذهب الخالص، أو (أو اسْتَظْهَرَ بِزيادَةٍ) الاستظهار بمعنى الاحتياط، أو أنه يحتاط فيخرج قدرا زائدا على سبيل الاحتياط لتبرأ ذمته بيقين، وكان فيما سبق بعض الدراهم والدنانير تكون مغشوشة فلذلك تجد الفقهاء يفصلون أحكام الدنانير إذا غُشت، والدراهم إذا كانت مغشوشة، لكن في الوقت الحاضر أصبحت الأوراق النقدية، وأصبحت هذه المسألة غير واردة، لكن قد يُقال: الحُليّ، الحُليّ إذا كان أصلا عروض تجارة تجب فيه الزكاة مطلقا، إلا على قول من يقول: إن الزكاة تجب في الحُلي المعد للاستعمال، يمكن أن ترد مثل هذه المسألة.

قال (وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ عِندَ حُصُولِهِ) الركاز المال المدفون في الجاهلية، يُقال له الركاز، بشرط أن تُوجد عليه علامات الجاهلية، وهو بهذا التعريف يكاد يكون في وقتنا الحاضر معدوما أو نادرا، فأين الركاز الآن؟ أين المال المدفون الذي عليه علامات الجاهلية قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة؟ فهذا يكاد يكون نادرا، قد يُوجد في بعض البلدان، لكن على سبيل الندرة، ليس ممتنعا، لكنه نادرا جدا. قال فيه (الخُمُس)  يعني في قليله وكثيره فيجب فيه الخمس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (وفي الركاز الخُمس) متفق عليه، والخُمس كم يُعادل بالنسبة المئوية؟ = 20% . لاحظ كبير، بينما ربع العشر كم؟ 2,5% فلاحظ الفرق الكبير، قال (عند حصوله) يعني عند حصول الخمس، فلا يُشترط فيه حولان الحول، وقد اختلف العلماء هل الخُمس الذي يُؤخذ من الركاز هل هو على سبيل الفيء أم على سبيل الزكاة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:

فمن العلماء من قال: إنه يؤخذ على سبيل الزكاة، قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي الركاز الخُمس)، فهو كغير من الأموال، وإنما وجب فيه هذا القدر من الأموال لكونه موجودا من غير تعب ومن غير كلفة.

والقول الثاني أنه يؤخذ على سبيل الفيء، وإلى هذا ذهب الجمهور، والقول الراجح أن إخراج الخُمس على سبيل الفيء وليس على سبيل الزكاة، لأن القول إنه على سبيل الزكاة يرد عليه إشكالات، منها: أن الزكاة يُشترط فيها بُلوغ النصاب، والركاز لا يشترط فيه بلوغ النصاب، ولهذا قال (في قليله وكثيره)، ومنها أن الزكاة يشترط فيها حولان الحول، والركاز لا يُشترط فيه حولان الحول، ومنها أن الزكاة إنما يجب  فيها إخراج قدر يسير، كربع العشر كما في الخارج من الأرض إذا كان يُسقى بغير مؤونة، وأما إيجاب الخُمس زكاة فهذا لا نظير له، ولهذا فالقول الراجح أن إخراج الخُمس في الركاز أنه على سبيل الفيء وليس على سبيل الزكاة، وعلى هذا فمصرف الخُمس هو مصرف الفيء، في الغنيمة، الذي ذكره الله تعالى بقوله (اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) أي أنه يُصرف في مصارف المسلمين.

قال (وفي المَعْدِنِ رُبْعُ عُشْرِ قِيْمَتِهِ) المعدن جمع معدِن، وهو كل ما خرج من الأرض مما يُخلق فيها من غيرها كالحديد والرصاص والكبريت، فهو كل ما ظهر على الأرض أو استخرج منها مما ليس من جنسها مما أودعه الله تعالى فيها، وله قيمة، فهذه المعادن تجب فيها الزكاة، وقد نُقل الإجماع على ذلك، وممن نقل الإجماع النوي، نقل الإجماع على أن الزكاة تجب في المعادن، وتجب الزكاة في المعدن بعد استخراجه، ولا يُشترط له حولان الحول.

هل يدخل في المعادن البترول على  الضابط الذي ذكرنا الآن؟ قلنا ما هو الضابط؟ كل ما يستخرج من الأرض مما ليس من جنسها وله قيمة، فبناء على الضابط هذا الذي ذكرنا يدخل البترول. البترول من المعادن وعلى هذا تجب الزكاة في البترول، الذي يسميه العرب النفط، تجب الزكاة في النقط، لأنه من المعادن، ولكن إذا كان مملوكا للدولة فلا تجب فيه لأن ما كان من بيت مال المسلمين لا تجب فيه الزكاة، فيت مال المسلمين لا تجب فيه الزكاة، المال العام لا تجب فيه الزكاة، فالبترول الأصل أنه تجب فيه الزكاة، لكن إن كان مملوكا للدولة ولبيت مال المسلمين فلا زكاة فيه، لكن في بعض الدول، لكن في بعض الدول قد تكون لك أملاك البترول لك خاصة فتجب فيه الزكاة، أما عندنا هنا في المملكة وأغلب دول العالم يكون ملكا للدولة، فإذا كان ملكا للدولة فلا زكاة فيه باعتبار أنه مال عام، ويدخل في بيت مال المسلمين، فلا زكاة فيه لهذا الاعتبار.

إذا في المعدن قال تجب (في المَعْدِنِ رُبْعُ عُشْرِ قِيْمَتِهِ)  يجب فيه ربع العشر، وإلى هذا ذهب الجمهور، ربع عشر قيمته، يُقيَّم كم قيمته، ربع العشر معناه اثنان ونصف (2.5)، ما نصابه؟

قال: (إن بَلَغَتْ نِصَابَاً في الحالِ) نصابه هو نصاب النقدين من الذهب والفضة،

قال: (سَواءٌ كان بِدَفْعَةٍ أو دَفَعَاتٍ بِلا إِهْمَالٍ) ما معنى هذا الكلام؟ هذا راجع لشرط النصاب، يعني نحن قلنا: إذا بلغ المعدن نصابا يقول: وحتى ولو كان دفعات، إذا كان بدفعة واحدة فهذا ظاهر، لكن إذا كان بدفعات يُضم بعضها إلى بعض فتعتبر نصابا، (بِلا إِهْمَالٍ) معنى هذا الكلام: يُضم المعدن الذي هو من جنس واحد يضم بعضه إلى بعض إذا استخرجه مالكه في فترات ليس بينها سوى فاصل معتاد فيضم بعضها إلى بعض، لأنها في حكم المعدن الواحد، فإذا استخرج معدنا في الصباح، ثم استخرج معدنا في المساء يضم هذا إلى هذا لأن الفاصل معتادا، أما إذا كان الفاصل طويلا، قال (بِلا إِهْمَالٍ) يعني إذا ترك العمل مهملا له، مثلا استخرج الآن معدنا ثم أهمل، وبعد أربعة أشهر استخرج معدنا فلا يُضم هذا إلى هذا، فلا تجب فيه الزكاة بناء على هذا ما دام  أن كلا منها لا يبلغ النصاب، أما إذا كان الفاصل معتادا فإنه يضم بعضها إلى بعض في تحقيق النصاب، هذا ما يتعلق بزكاة المعدن.

باب زكاة الحبوب والثمار

قال المصنف (بابُ زَكاةِ الحُبُوبِ والثَّمَرِ):

والحبوب والثمار الأصل فيها قول الله عز وجل (يا أيها الذين أمنوا  أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض). فما أخرجه الله تعالى من الأرض الأصل وجوب الزكاة فيه، لكن سنبين ضابط هذا، واختلف العلماء في هذا الضابط، في ضابط زكاة الخارج من الأرض:

عند الحنفية الزكاة تجب في جميع الخارج من الأرض من الحبوب، والثمار، وأما الجمهور فقالوا إنها لا تجب في جميع ما يخرج، ثم اختلفوا في الضابط على أقوال كثيرة، والقول الراجح والله أعلم هو ما ذهب إليه الحنابلة وهو أن الزكاة تجب في الحبوب كلها، وفي ما يُكال ويُدخر من الثمار، هذا هو الضابط،  ومعنى الادخار أنه يمكن أن ييبس ويبقى فترة من الزمن دون أن يفسد، وعلى هذا فتجب الزكاة في التمر وفي البر ، وفي الشعير وفي الزبيب، وفي الأرز، وفي الذرة، وفي الفُستُق، ونحوها. وأما التين فاختلفوا في وُجوب الزكاة فيه على قولين:

القول الأول: أنه لا زكاة فيه، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

والقول الثاني: أنه تجب فيه الزكاة، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختار هذا القول الحافظ ابن عبد البر، واختاره أيضا أبو العباس ابن تيمية رحمه تعالى. قالوا لأن التين يمكن ادخاره، والأصل أن ما أمكن ادخاره من الثمار تجب الزكاة فيه، ولأن الزكاة تجب في الزبيب بالإجماع، فالتين من باب أولى. لأنه يُقتات أكثر من الزبيب، وهذا هو القول الراجح، إذن القول الراجح أن الزكاة تجب في التين خلافا للمذهب.

وأما الزيتون فاختلف في وجوب الزكاة فيه، وسبب الخلاف أن الزيتون يُمكن أن يدخر ويُستفاد منه مُدخرا، ويمكن أن لا يُدخر، فبعض العلماء نظر إلى أنه يمكن ادخاره، فأوجب الزكاة فيه، وبعضهم نظر إلى أن الزيتون لا يمكن ادخاره يابسا فقال إن الزكاة لا تجب فيه، والمذهب عند الحنابلة أنه لا تجب الزكاة في الزيتون.

 والقول الثاني أنه تجب الزكاة في الزيتون وإليه ذهب الجمهور؛: الحنفية والمالكية وأيضا أحد قولي الشافعي، وأيضا رواية عن الإمام أحمد، والقول الراجح أنه تجب الزكاة في الزيتون، لقول الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] فذكر الله تعالى في هذه الآية الزيتون والواقع أنه يُدخر إذ وُضع في سائل بمواصفات معينة فيمكن ادخاره، فالقول الراجح إذن أنه تجب الزكاة في الزيتون، إذاً خُلاصة القول أنه تجب الزكاة في التين وفي الزيتون كذلك خلافا للمشهور من المذهب، لكن قد يرد إشكال، وهو الاستدلال بالآية، فقد يقول قائل: الآية أيضا ذُكر فيها الرّمان، فهل الرمان تجب فيه الزكاة وهو {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} فيقول: ما دام تستدلون بهذه الآية في وجوب الزكاة في الزيتون، فلماذا لا تجب أيضا في الرمان؟ الرمان لا يمكن ادخاره نحن نقول الرمان لا تجب الزكاة فيه، لكن قد يعترض علينا أحد يقول هو مذكور في الآية كيف لا تجب فيه الزكاة؟ كيف نجيب على الآية لأنه قال {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ؟

اختلف في هذا اختلافا كثيرا، حقيقة هذا الإشكال أورده بعض المفسرين وأيضا بعض الفقهاء، وهو بالفعل مشكل، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الزكاة تجب في الرمان لهذه الآية، لكن أكثر العلماء على أن الزكاة لا تجب في الرمان، وقالوا في الآية منهم من قال إنها منسوخة، ومنهم من قال: إنها لا تدل أصلا على إيجاب الزكاة، وإنما آتوا حقه يوم حصاده فقط، وهي نزلت في مكة، والقول الراجح أن الأصول والقواعد الشرعية تقتضي أن الرمان لا زكاة فيه، لكن يبقى الإشكال في الآية، فللعلماء في ذلك كلام، منهم من قال: إن الآية منسوخة، لأنها نزلت في مكة وتشريع الزكاة كان في المدينة، ومنهم من قال: إنها أصلا لا تدل على إيجاب الزكاة أصلا، يقول: أين ذُكر الزكاة؟ (وآتوا حقه يوم حصاده) هذا ليس الزكاة، والأقرب أنه منسوخ، إذا قلنا بإيجاب الزكاة، فيكون منسوخا، هذا أقرب ما قيل في الجواب عن هذا والله أعلى وأعلم. هذا أوردته لأن بعض العلماء يورد هذا الإشكال يقول لا تستدلوا بهذه الآية على الزيتون أصلا، لكن الزيتون  حتى لو لم يُستدل بالآية الأصول والقواعد الشرعية تدل على إيجاب الزكاة فيه، لأنه يمكن ادخاره وتكمل به النعمة.

بقية الخضروات والفواكه هذه لا تجب فيها الزكاة كالباذنجان، والخيار، والجزر والبطيخ، والبرتقال والتفاح والموز، والخوخ والمشمش هذه لا تجب فيها الزكاة، وقد وُري في ذلك أحاديث لا تخلو أسانيدها من مقال، كحديث علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس في الخضروات صدقة) وجميع الأحاديث التي رُويت في أن الزكاة لا تجب في الخضروات ضعيفة، لكن يُقوي بعضها بعضا، وعليها العمل عند كثير من أهل العلم، ولهذا قال البيهقي: (هذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، ومعها أقوال الصحابة) وقال ابن القيم في زاد المعاد: (لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الزكاة من الخضروات ولا الفواكه، التي لا تُكال ولا تُدخر، وقد كانت لا تُؤدى زكاتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده، مع أنها كانت تُزرع بجوارهم،وهذا يدل على عدم وجوب الزكاة فيها).

فإذاً جُمهور العلماء على أنه لا تجب الزكاة في جميع الخضروات والفواكه، لكن مَن الذين يُوجبون الزكاة في الخضروات والفواكه؟ الحنفية، عند الحنفية تجب في جميع الخارج من الأرض، والراجح هو قول الجمهور وهو أن الزكاة لا تجب في الخضروات والفواكه، إلا أن بعض العلماء استثنى المشمش،وقال إن المشمش مثل التين، فإذا قلتم إن التين تجب فيه الزكاة فالمشمش كذلك تجب فيه الزكاة، وهذا قول قوي، القول بإيجاب الزكاة في المشمش قول قوي، خاصة في وقتنا الحاضر يمكن تجفيفه وادخاره.

قال المصنف رحمه الله (نِصَابُهُ: ألفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ عِرَاقِياً جَافَّاً مُصَفَّى)  يعني نصاب زكاة الحبوب والثمار ألف وستمائة رطل عراقي، والرطل يُعادل مائة وثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع الدرهم، وهناك خلاف بين الجمهور والحنفية في مقدار الصاع بالأرطال، فعند الجمهور أن الصاع يعادل خمسة أرطال وثلث، وعند الحنفية يُعادل ثمانية أرطال، وعلى هذا القصة المشهور لما كان أبو يوسف على مذهب أبي حنيفة بأن الصاع يعادل ثمانية أرطال فأتى أبو يوسف إلى المدينة وجلس إلى الإمام مالك وتناظرا في هذه المسألة، فقال الإمام مالك: نادوا لي الناس، فأتى الناس بأصواعهم، فسأل هذا: من أين لكَ هذا الصاع؟ فقال: عن أبي عن جدي عن فلان عن فلان إلى أن أوصله إلى الصحابة، وكل واحد يقول عن أبي عن جدي عن فلان إلى أن أوصله إلى الصحابة، فلما رأى أبو يوسف هذا اقتنع ورجع إلى قول مالك، وأصبح يقول بأن الصاع يعادل خمسة أرطال وثلث كالجمهور، وهذا يدل على أن الأئمة والعلماء الكبار إذا تبين لهم الحق يرجعون إليه، هذا أبو يوسف حنفي وعلى رأي أبي حنيفة لكن لما أقنعه الإمام مالك بهذه الحجة القوية، لأن هذه تكاد تكون نقل عملي من المسلمين إلى صدر الإسلام.

فإذاً الصاع يُعادل خمسة أرطال وثلث، والصاع يُعادل بالكيلوجرامات (بالتقديرات المعاصرة)= كيلوين وأربعين جرام، هذا التقدير هو أضبط ما قيل في تقدير الصاع بالكيلو جرامات، وهو تقدير الشيخ محمد ابن عثيمين، الآن نريد أن نحول إلى النصاب، نصاب الحبوب والثمار، خمسة أوسق والوسق ستون صاعا، فمعنى كذلك كم تكون خمسة أوسق بالصاع؟ نضرب 5 ×60= 300، فمعنى ذلك أن نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، نحن قلنا إن الصاع يعادل كليوين وأربعين جرام، اتركوا أربعين جرام،  اضرب 2 ×300= 600، اضرب 40 جرام  ×300= 12000جرام = 12 كيلو، فمعنى ذلك أن نصاب الحبوب والثمار 612كيلو جرام، احفظ هذا الرقم.

إذا مرَّ معنا في هذا الدرس عدة أرقام لا بُد من حفظها، نعود نستذكرها:

كم نصاب الذهب؟ = 85جرام

الفضة = 595 جرام

الحبوب والثمار= 612كيلو جرام

هذه الأرقام يا إخوان ينبغي حفظها.

قال (جَافَّاً مُصَفَّى)  يعني أن النصاب إنما يُعتبر بعد تصفية الحب من قشره، وبعد جفاف ما يحتاج إلى تجفيف، فلا يكون النصاب إلا بعد ذلك، بعد التجفيف والتصفية، فمثلا لو كان له عشرة أوسق عنبا، لكن لا يجيء منها إلى خمسة أوسق زبيبا، لم تجب عليه الزكاة، فإذاً المعتبر أن تكون بعد التجفيف والتصفية.

قال (وفيهِ العُشُرُ إن سُقِيَ بلا مُؤْنَةٍ) يُقال: مَؤُونة، ويُقال: مُؤنة، وهما لغتان كما ذكر ذلك صاحب المصباح، قال: مَؤُونة، وقال: مُؤنة كلاهما صحيح، لغتان.

قال (وفيهِ العُشُرُ إن سُقِيَ بلا مُؤْنَةٍ وإلا نِصْفُهُ) يعني مقدار الزكاة في الحبوب والثمار إن كان يُسقى بلا مؤونة يعني بلا كُلفة كالذي يُسقى بمياه الأنهار، والأمطار والعيون، فهذا فيه العشر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيما سقتِ السماءُ والعيون أو كان عَثَريّا العُشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العُشُر)، والعَثريّ هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، فهذا يدخل فيما يُسقى بغير مؤونة، العُشر كم بالنسبة المئوية؟  10%، وهي أكثر ما ورد في الزكاة على القول الراجح أن المقدار المخرج في الركاز فيء وليس زكاة، أما ما يُسقى بمئونة وكلفة ففيه نصف العشر، نصف العشر كما تساوي بالنسبة المئوية؟ 5%. ففيه خمسة في المئة نصف العشر، والذي يسقى بالكلفة والمئونة الفقهاء السابقون كانوا يمثلون لذلك بما يُسقى بالنواضح والإبل ونحوها، أما في وقتنا الحاضر فنقول الذي يُسقى الآن بالمكائن الرافعة للماء، مثل الغطاسات أو الدينمو أو نحو ذلك من المكائن والآلات الرافعة للماء، فهذا يُعتبر مما يُسقى بمؤونة وكلفة ففيه نصف العشر، يعني 5%.

قال (وما سُقي بهما بحسابه)، قبل هذا لما ذا فرقت الشريعة بين ما يُسقى بمئونة وما يُسقى بغير مئونة؟ الحكمة في هذا ظاهرة، لأن ما يُسقى بمئونة فيه كلفة ظاهرة على الإنسان، فرُوعي التخفيف عليه، فأُوجب فيه نصف العشر، بينما الذي يُسقى بغير مؤونة يعتبر أقل كلفة فكان الواجب فيه العشر، نظير ذلك في زكاة بهيمة الأنعام أن الزكاة تجب في السائمة ولا تجب في المعلوفة،  لأن السائمة لا يتعب عليها الإنسان تأكل من العشب والكلأ، أما المعلوفة فيتعب في إعلافها، فنجد أن هذا مطرد في الشريعة، إن الشريعة تراعي ما يتكلف فيه الإنسان فتقلل فيه الزكاة الواجبة فيه.

قال (وما سُقي بهما بحسابه) ما يُسقى بمئونة وبغير مئونة، إن كان يُسقى بغير مئونة نصف العام، ونصف العام بغير مئونة، فكم الواجب فيه؟ ثلا ثة أرباع العشر، لأنه إذا كان نصف العام يُسقى بمئونة فمعنى ذلك أن فيه نصف نصف العشر، يعني ربع العشر، وإذا كان يُسقى نصف العام بمئونة ففيه نصف العشر، فنضيف نصف العشر إلى ربع العشر فيصير ثلاثة أرباع العشر، إذاً إذاكان يُسقى نصف العام بمئونة، ونصف العام يُسقى بغير مئونة ففيه ثلا ثة أرباع العشر. إذا لم يمكن ضبط المدة فيما يُسقى بمئونة وبغير مئونة، هذا رجل عنده مزرعة قلنا أيهما أغلب: يُسقى بمئونة وبغير مئونة؟ قال والله ما أدري تارة تنزل الأمطار وتارة ما تنزل، ما أدري ما أستطيع أن اضبط الحساب في هذا، فنقول العبرة بأكثرها نفعا للزرع والشجر، فإن كان  نموه بمئونة أكثر من سقيه بغير مئونة فالواجب نصف العشر، وإن كان العكس فالواجب العشر، أما إذا جُهل المقدار، ما يدري، قلنا: ما الأكثر نفعا؟ قال: ما  أدري، أيهما أكثر أن يسقى بمئونة وبغير مئونة؟ قال لا أدري، كلما سألناه عن شيء قال لا أدري، هذا يجهل كل شيء، ما الحكم؟

قال الموفق ابن قدامة (إن جُهل المقدار، وجب العشر احتياطا) قالوا لأن الأصل هو وجوب العشر، وإنما يسقط بوجود الكلفة، فإذا لم يُتحقق من وجود الكلفة فنرجع للأصل، والأصل وجوب العشر، لكن أُسقط عن الإنسان لوجود الكلفة، فإذا لم نتحقق من وجود الكلفة فنرجع إلى الأصل وهو العشر.

قال (بشرط ملكه وقت الوجوب)  يعني بشرط أن يكون مالكا له وقت الوجوب، فلا بد من أن يكون المال الذي تجب فيه الزكاة مملوكا للإنسان وقت وجوب الزكاة، أما إذا لم يكن مملوكا له فلا تجب فيه الزكاة، يعني لو أن رجلا اشترى مزرعة بعد وجوب الزكاة فيها بعد بدو الصلاح فلا تجب الزكاة عليه إنما تجب الزكاة على البائع.

ثم بين المؤلف وقت الوجوب، ما هو وقت الوجوب قال: (وهو وقت اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر) حين اشتداد الحب بحيث إذا غُمزت الحبة لم تنغمز،  فهذا هو بدو الصلاح بأن تكو الحبوب مشتدة، فإذا غمزت لم تنغمز، هذا هو بدو الصلاح في الحبوب، وأما الثمار فبدو الصلاح فيها بأن تصلح للأكل، فمثلا في التمر بأن تحمرّ أو تصفرّ، وعموما في الثمار بأن تكون صالحة للأكل.

قال (ويُقبل قولُه في جَائِحةٍ) يعني يقبل قول المالك في الآفة التي تصيب الثمر، فلو أن الساعي أتى يريد قبض هذه الزكاة، قال والله إنها تلقت، أتاها برد، أتاها جراد، قديما كان هناك جراد، أتاها آفة من الآفات فيقبل قول المالك لأنه مؤتمن، يقبل قوله بلا يمين، ولأن الزكاة حق لله عز وجل، فيقبل قوله من غير أن يُحلف.

قال (ويَستقرُّ بجعلِه في البَيْدَرِ)  يعني يستقر وجوب الزكاة بجعل الحبوب والثمار في البيدر، وذلك أنه من عادة المزارعين أنهم إذا جزوا الثمر جعلوا له مكانا لتجفيفه، حتى يتكامل تجفيفه، وكذلك الحبوب يجعلون له مكان لتيبيسه، وهذا أمر معروف عند أهل الزراعة، ويُسمى البيدر ويسمى أيضا بالجرين، ويسمى بالمربد، ويسمى هنا في نجد بالفِدا، فله عدة تسميات، وهذه أسماء موضع تجفيف الثمر، فيقول إنه يستقر بجعله في البيدر، وبناء على هذا إذا تلفت الحبوب والثمار بعد بدو الصلاح وقبل جعلها في البيدر فلا تجب فيها الزكاة ما لم يكن التلف بتعد أو تفريط، أما إذا تلفت بعد وضعها في البيدر فتجب الزكاة فيها مطلقا، حتى لو كان التلف من غير تعد ولا تفريط، فعندهم أن الثمار إذا تلفت قبل بدو الصلاح لا تجب الزكاة فيها، تلفت بعد بدو الصلاح وقبل جعلها في البيدر ننظر إن تلفت بتعد وتفريط وجبت الزكاة إن كان من غير تعد ولا تفريط فلا تجب، تلفت بعد وضعها في البيدر تجب فيها الزكاة حتى وإن كان التلف من غير تعد ولا تفريط.

وقال بعض أهل العلم إن تلفت بعد وضعها في البيدر من غير تعد ولا تفريط فلا تجب فيها الزكاة لأنه مجتهد في حفظها ولم يحصل منه تعد ولا تفريط، وهذا هو القول الراجح.

وبهذا نستطيع أن نلخص ما سبق، فنقول: إنه بالنسبة لأثر تلف الحبوب والثمار على وجوب الزكاة نقول لا يخلو من ثلاث حالات:

الحال الأولى: أن يتلف قبل وجوب الزكاة، أي قبل اشتداد الحب وقبل بدو الصلاح في الثمر، فلا تجب الزكاة فيه مطلقا.

الحال الثانية: أن يتلف الحب أو الثمر بعد وجوب الزكاة وقبل جعله في البيدر، فإن كان بتعد أو تفريط ضمن، وإن كان بغير تعد ولا تفريط لم يضمن.

الحال الثالثة: أن يتلف الحب أو الثمر بعد جعله في البيدر، وقلنا إن الحنابلة يوجبون الزكاة فيه مطلقا، سواء كان التلف بتعد أو تفريط أو كان التلف من غير تعد ولا تفريط، والراجح أنه إن كان التلف من غير تعد ولا تفريط فهو كالحالة الثانية: لا تجب فيه الزكاة إلا إذا تلفت بتعد أو تفريط، هذه الحالات الثلاث تلخص لك ما سبق.

الجمهور عندهم حالتان فقط: قبل بدو الصلاح لا تجب، بعد بدو الصلاح ننظر إن تلفت بتعد أو تفريط تجب فيه الزكاة، وإلا فلا.

هذه الحالات الثلاث تلخص لك المسألة، لأنك لو قرأتها من الكتاب قد تشتت ذهنك، لكن هذه الحالات الثلاث إذا ضبطتها ضبطت المسألة.

قال ( وسُنَّ الخَرْصُ)  الخرص معناه في اللغة الحزر، والتخمين، والعمل بالخرص ثابت وليس ظنا وتخمينا، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار الثمار من أهل الخبرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث من يخرص الزكاة في الحبوب والثمار، وهذه مسؤولية أنه يبعث من يخرص الزكاة في الحبوب والثمار، فيذهب مثلا لهذه المزرعة وينظر كم فيها من نخل ويقدر كم فيها من تمر، ويقول يا فلان عليك زكاة مقدارها كذا، وفائدة الخرص هي التوسعة على أرباب الثمار، كيف التوسعة على أرباب الثمار؟ يعني بحيث يمكنهم أن يأكلوا منها ويتصدقون وبيبيعون ويهدون لأنهم عرفوا كم الزكاة الواجبة، ولو منع أرباب الثمار من التصرف فيها، قيل:ما تتصرفوا فيها حتى تُخرج الزكاة لأضر بهم لأن إخراج الزكاة يتأخر حتى تُجذ وحتى تُيبس وتكون في المربد، فلو منعوا لأضر ذلك بأرباب الثمار، ولو لم يُخرص عليهم لربما أخلوا بحق الفقراء، فكانت الحكمة تقتضي الخرص، فيأتي إنسان من أهل الخبرة، ويخرص يقول مثلا: أقدر أن التمر في هذه المزرعة مقدارها كذا، والزكاة الواجبة فيها مقدارها كذا، فيكون في هذا توسعة على رب المال، يستطيع أن يبيع وأن يتصدق وأن يهدي، هذه الحكمة من الخرص، والقول بالخرص هو قول الجمهور من الفقهاء وأتت به السنة خلافا للحنفية في ذلك، لا بد أن يكون الخارص من أهل الخبرة, ليس كل إنسان يكون مؤهلا للخرص، والصحيح أنه يكفي خارص واحد إذا كان من أهل الخبرة، والأحسن أن يكون أكثر من شخص، النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة للخرص على أهل خيبر.

قال (وسُنّ الخرص، وترك الثلث أو الربع)  يعني ترك الثلث أو الربع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا خرصتم فكلوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) رواه أبو دواد، والترمذي والنسائي، لكن ما معنى ترك الثلث أو الربع؟ هذا اختلف فيه العلماء، انتبه لهذه المسألة:

قال بعض العلماء: إن المراد إسقاط الزكاة في هذا القدر، يعني إن الخارص يسقط مقدار الثلث أو الربع، فإذا قال إن الثمار ألف كيلو يُسقط الثلث أو الربع، وهذا ظاهر صنيع المؤلف لأنه قال (وإن أبى أكل بقدره) .

والقول الثاني: أن المعنى أن يجعل الثلث من العشر أو من نصف العشر للمالك كي يتصرف فيه، يجعل الثلث أو الربع للمالك لكي يتصرف فيه، فمعنى ذلك أن الساعي لا يأخذ العشر كاملا وإنما يترك للمالك صاحب المزرعة ثلث العشر أو ربع العشر، لأن المالك له جيران وله أقارب وله أصحاب وله معارف، يريد أن يعطيهم فيترك له ويُسلم الزكاة بنفسه، وأما الساعي يأخذ ما عدا ذلك، وهذا هو القول الراجح في معنى الحديث.

 إذاً عندنا قولان في معنى (دعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) قيل: المراد إسقاط الزكاة في هذا القدر، وقيل المعنى: إن يُجعل ثلث العشر للمالك لكي يتصرف فيه بإهداء أو صدقة، يجعل الثلث ليس بإهداء وإنما بتوزيع، ثلث المالك بتوزيع، وإنما الإهداء على  القول المالك، إذاً القول الثاني أن يجعل ثلث العشر لكي يوصله المالك للمستحقين من أقاربه وجيرانه ومعارفه ونحو ذلك، فإذاً القول الأول يسقط الثلث للمالك لكي يتصرف فيه بإهداء أو توزيع، القول الثاني يجعل ثلث العشر للمالك ليس لأن يتصرف فيه وإنما ليوزعه على أهل الزكاة بنفسه، والقول الثاني هو المعنى الثاني أن المعنى أن يجعل ثلث العشر للمالك لكي يوصل الزكاة بنفسه للفقراء، لأن هذا المالك له أقارب فقراء، له معارف فقراء، له أصحاب فقراء، يأتونه يقولون نريد زكاة مرزعتك، فينبغي أن يترك الثلث أو الربع لكي يوصل الزكاة إليهم.

 ثم إن القول الأول يترتب عليه إسقاط الزكاة في ثلث الزكاة أو ربع الزكاة، هذا قول يحتاج إلى دليل، إن هذا المقدار كبير جدا، فكيف نسقط ثلث الزكاة عنه أو ربع الزكاة عنه وليس على هذا الدليل دليل ظاهر، وهذا يخالف العمومات الواردة (فيما سقت السماء العشر) إذا أسقطنا ثلث العشر أو ربع العشر ما أصبحت (فيما سقت السماء العشر) أصبحت أقل من ذلك، والفهم الأول فهم غير صحيح أنه يُسقط عنه ثلث الزكاة، هذا فهم غير صحيح، لا دليل يدل لذلك، ولهذا فالقول الراجح أن الساعي يُقال له لا تأخذ جميع الزكاة اترك ثلث العشر له، اترك ربع العشر له، لأن له أقارب له جيران فقراء، يعني هو بنفسه يوزع ربع العشر أو ثلث العشر على من يعرفهم من الفقراء والمساكين، هذا هو القول الراجح في معنى الحديث.

قال (فإن أبى أكل بقدره) يعني إن أبى الخارص أن يترك لرب المال الثلث أو الربع فله أن يأكل هو وعياله بقدره، وهذا بناء على القول الأول وهو أن يُسقط ثلث المال أو رب المال، وقلنا إن هذا قول مرجوح، فبناء على القول الراجح لا ترد هذه المسألة أصلا، إنما نقول للساعي: دَعْ له ثلث العشر، لكي يوزعه بنفسه على المستحقين للزكاة.

ثم قال المصنف (وفي العسل العُشُر)  انتقل المؤلف للكلام عن زكاة العسل، هل العسل تجب فيه الزكاة أم لا؟ المذهب عند الحنابلة تجب فيه الزكاة، وهذا أيضا هو مذهب الحنفية، والعسل هو معروف هو ما يخرج من بطون النحل، وقد ذكر الله تعالى أن فيه شفاء للناس، لو أن أكبر عشرة أطباء على وجه العالم أجمعوا بأن هذا الشيء فيه شفاء للناس، تجد أن الناس يقبلون على هذا الشيء ويحرصون عليه، قالوا: إن أكبر عشرة أطباء في العالم أجمعوا على ذلك، كيف إذا قال رب العالمين عن هذا الشيء خالق كل شيء، قال إن فيه شفاء للناس، فالشفاء مقطوع به لا شك، لأن الذي قال ذلك هو ربنا عز وجل.

هل تجب الزكاة في هذا العسل أم لا؟ رُوي في ذلك عدة أحاديث، منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العسل العُشر، وهذا عند ابن ماجه، وفي حديث أبي سيَّارة الـمُتَعي، قال يا رسول الله (إن لي نحلا) قال «أدِّ العُشر» قال (فاحمِ إذاً جبلها) فحماه النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو عبيد وابن ماجه، لكن هذا الحديث وما جاء في معناه، كلها أحاديث ضعيفة، فلا يثبت في زكاة العسل شيء، ولهذا قال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح، ونقل عنه هذا الترمذي في العلل، وهذا المقولة عن البخاري لا شك أن لها وزنها واعتبارها عند أهل العلم، وقال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل حديث يثبت ولا إجماع فلا زكاة فيه، وإذاً هذا هو القول الأول.

القول الثاني هو قول المالكية والشافعية، أنه ليس في العسل زكاة، استدلوا قالوا: إن الأصل براءة الذمة، ولا تجب الزكاة إلا بدليل صحيح، وليس هناك دليل صحيح صريح يوجب الزكاة في العسل، والقول الراجح، هو القول الثاني وهو أنه لا تجب الزكاة في العسل، وهو اختيار شيخنا عبد العزيز ابن باز والشيخ محمد ابن عثيمين رحمهما الله تعالى، لأن القول بإيجاب الزكاة فيه يحتاج إلى دليل، وجميع ما رُوي في إيجاب الزكاة في العسل ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

على القول بإيجاب الزكاة – وهو المذهب – كم نصابه؟

قال (نِصابُه ستمائة رطل) عراقي، وهي تعادل بالتقديرات المعاصرة 62 كيلو جرام، لكن الراجح أنه لا تجب فيه الزكاة، لكن يُستثنى من ذلك، ما إذا أُعد العسل للتجارة، كما في محلات العسل الآن التي تبيع العسل، فهذه يُزكي العسل زكاة عروض التجارة، وعلى هذا فمحلات العسل يجب عليهم أن يزكوا العسل زكاة عروض التجارة، أما أصحاب المزارع فالقول الراجح أنه لا تجب عليهم الزكاة في العسل إلا إذا أعدوا العسل للتجارة.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض