الخثلان
الخثلان
تتمة باب إخراج الزكاة مع باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه
23 جمادى الأولى 1438 عدد الزيارات 623

كنا قد وصلنا في درسنا إلى أهل الزكاة أو أصناف الزكاة, وذكرنا أن هذا المبحث من المباحث المهمة التي يُحتاج إليها وتكلمنا عن الأصناف الست الأولى, ووصلنا إلى الصنف السابع: في سبيل الله
فلعلنا أولاً نستمع لعبارة المصنف رحمه الله.

قال المصنف رحمه الله:

(السابع: في سبيل الله: وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم.
الثامن: ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع به, وإن كان ذا يسار في بلده.
فهؤلاء هم أهل الزكاة,  لا يجوز دفعها إلى غيرهم,  ويجوز دفعها إلى واحد منهم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر وقال لقبيصة: (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) )

 

قال: (السابع: في سبيل الله: وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم)
أفادنا المصنف - رحمه الله - بأن المقصود بمصرف في سبيل الله يعني: الجهاد في سبيل الله, فيجوز صرف الزكاة للمجاهدين في سبيل الله المتطوعين ولهذا قال: (الذين لا ديوان لهم).
اختلف العلماء في هذا المصرف, هل يقتصر على الجهاد في سبيل الله تعالى أم يشمل جميع وجوه البر؟ قولان للفقهاء:
فمنهم من قال: إن مصرف في سبيل الله يقتصر على الجهاد في سبيل الله
وقال آخرون: أنه يشمل جميع وجوه البر ؛فإن جميع وجوه البر كلها في سبيل الله, وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الحج في سبيل الله, فكل وجه من وجوه البر يعتبر في سبيل الله تعالى.
و القول الراجح أن المقصود بمصرف في سبيل الله: الجهاد في سبيل الله, وأنه لا يدخل في ذلك جميع وجوه البر, بل إن القول بدخول جميع وجوه البر قول ضعيف:
لأنه لو كان المقصود بمصرف في سبيل الله جميع وجوه البر لما كان هناك حاجة لذكر هذه الأصناف الثمانية, و لقال الله: إنما الصدقات في سبيل الله, هذا يشمل الفقراء, ويشمل المساكين, ويشمل الغارمين.... ويشمل جميع الأقسام, ولم يكن لهذا الحصر لهؤلاء الثمانية معنى. ثم أيضاً كلمة وجوه البر كلمة واسعة ما تنضبط, فلو أن أحداً أحسن لحيوان, وجد كلباً أو قطاً في الطريق فأحسن إليه, أليس هذا وجه من وجوه البر؟ هل يجوز دفع الزكاة لمثل هذا؟! هذه من لوازم هذا القول, ولهذا لو أرت أن تقيم قولاً فانظر إلى مآلاته و لوازمه, هذه فائدة منهجية لطالب العلم, إذا أردت أن تقيم قولاً وأن تعرف الراجح في المسألة الخلافية فانظر إلى المآلات و اللوازم. بناءً على هذا, القول الراجح في المقصود بـ(في سبيل الله) يعني الجهاد في سبيل الله.

ثم اختلف اصحاب هذا القول:
هل الجهاد في سبيل الله منحصر في جهاد السلاح أم أنه يشمل جهاد الدعوة؟
فظاهر كلام المؤلف أنه منحصر في جهاد السلاح, وإلى هذا ذهب الجمهور,  قالوا لأنه هو المقصود و المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق إذا قيل في سبيل الله يعني الجهاد في سبيل الله بالسيف.
والقول الثاني: أن المقصود بالجهاد في سبيل الله: جهاد السلاح وجهاد الدعوة ؛قالوا لأن جهاد السلاح إنما شرع أصلاً لنشر الدعوة إلى الله تعالى, وإلا فلو أن هؤلاء الكفار لم يعترضوا طريق الدعوة لم يجز قتالهم, فلو أن هؤلاء الكفار سمحوا للمسلمين بنشر الدعوة إلى الله تعالى, وخضعوا ورضخوا للمسلمين ولم يعترضوا طريق الدعوة لم يجز قتالهم, ولو أنهم أيضاً رضخوا للمسلمين ودفعوا الجزية لم يجز قتالهم, فالقتال بالسلاح ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصود منه نشر الدعوة إلى الله عز وجل ورفع الظلم.
وهذا القول الأخير هو القول الراجح وهو: أن الجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الدعوة ولا يختص بجهاد السلاح ؛لأن الدعوة إلى الله تعالى هي الأصل في الجهاد ؛ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم خلال دعوته للناس في مكة اقتصر على جهاد الدعوة, بعث وعمره أربعون وتوفي وعمره ثلاث وستون, يعني بقي في البعثة والرسالة كم سنة؟ ثلاث وعشرين سنة أمضى ثلاث عشرة سنة يعني أكثر من النصف في جهاد الدعوة, في مكة كان صلى الله عليه وسلم في جهاد الدعوة ولم ينتقل إلى جهاد السلاح أبداً, وأنزل الله تعالى في ذلك قوله: (وجاهدهم به جهاداً كبيراً) الضمير في (به) يرجع إلى ماذا؟ للقرآن, فسماه الله تعالى جهاداً كبيراً.
وهذا القول الراجح هو الذي أقره المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي, وهو القول المرجح عند كثير من المحققين: أن مصرف في سبيل الله خاص بالجهاد ولكن الجهاد لا ينحصر في جهاد السلاح وإنما يشمل جهاد الدعوة.
وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم, نجد أن الدعوة إلى الله تعالى بحاجة ماسة إلى المال, الدعوة بدون المال تكون ضعيفة ونحن نرى أن غير المسلمين عندهم أموال عظيمة لنشر أديانهم خاصة النصارى, ويبذلون أموالاً طائلة لنشر دينهم,  المسلمون أولى بذلك, ثم إن كثيراً من مراكز الدعوة إلى الله تعالى خاصة في الغرب إنما تعتمد على الزكاة, فلو قيل بعدم جواز دفع الزكاة لمراكز الدعوة لتعطلت تلك المراكز,  معظم مراكز الدعوة في الغرب موردها الرئيس الزكاة, أخذوا بهذه الفتوى فنفع الله بهم نفعاً عظيماً, وعلى هذا فيجوز صرف الزكاة فيما تمحض في الدعوة إلى الله.
ولا بد أن نضبط هذه المسألة, إذا قلنا يجوز دفع الزكاة في الدعوة إلى الله لا بد من وضع ضابط, والضابط هو: أن تكون فيما تمحض من أمور الدعوة, فلا تكون مثلاً في جوائز, أو في مسابقات, أو رحلات, لكن تكون في الأشياء الأساسية, تكون مثلاً في رواتب دعاة, وكفالة دعاة, تكون مثلاً في إيجار المقر, تكون في الأشياء الأساسية, فعلى هذا مراكز الدعوة إلى الله يجوز صرف الزكاة لها لكنها تصرف فيما تمحض من أمور الدعوة.
هل يجوز صرف الزكاة لحلقات تحفيظ القرآن الكريم؟
ننظر هل حلقات القرآن الكريم تدخل في جهاد الدعوة أم لا؟ إذا تأملنا الآية (وجاهدهم به) أي بالقرآن (جهاداً كبيراً) فسمى الله تعالى الدعوة بالقرآن بالجهاد ووصفه بالجهاد الكبير أيضاً ليس جهاداً صغيراً, هذه الآية نص في أن الدعوة بالقرآن أنها جهاد بل جهاد كبير, وحلقات القرآن الكريم لا شك أن لها أثراً في الدعوة بالقرآن ؛لأنك تؤهل شاباً يحفظ كتاب الله عز وجل أو يحفظ شيئاً من كتاب الله سبحانه وتعالى فيدعو به, قد يدعو وقد لا يدعو لكنها تؤهله للدعوة إلى لله تعالى بالقرآن, وعلى هذا فالذي يظهر أن حلقات تحفيظ القرآن الكريم تدخل في جهاد الدعوة ؛لأن القرآن الكريم هو أصل الدعوة إلى الله تعالى ولأن الله تعالى وصف الجهاد بالقرآن بالجهاد الكبير, لكن نحتاج إلى أن نضبطه فنقول فيما تمحض, فلا تكون في جوائز, ولا تكون في مسابقات, ولا تكون في رحلات, ولكن تكون في رواتب معلمي تحفيظ القرآن الكريم, وتكون مثلاً في إيجار المقر لو احتاجوا إلى إيجار, فتكون في الأمور الأساسية, هذا هو القول الأظهر والله أعلم.
فمن قال بأن الزكاة يجوز صرفها للدعوة, يلزم من ذلك القول بجواز صرفها لحلقات تحفيظ القرآن ؛لأن القرآن هو أصل الدعوة, ولأن الله تعالى وصف الدعوة بالقرآن بالجهاد الكبير, ولأنك لا يمكن أن تؤهل من يدعو إلى الله من غير أن يحفظ القرآن, كيف يدعوا إلى الله وما حفظ القرآن أو ما حفظ قدراً كبيراً من القرآن؟!! حتى تؤهله للدعوة لابد له من الحفظ والحفظ لا يكون إلا عن طريق الحلقات, الحفظ الأصل فيه أن يكون بالتلقي
وعلى هذا فالقول الراجح أنه يجوز صرف الزكاة في حلقات تحفيظ القرآن الكريم لكن فيما تمحض فيها

سأل أحد الطلاب: طبع الكتب يا شيخ هل يدخل في الدعوة؟
طبع الكتب هل يعتبر مما تمحض أم لا؟
إذا كان الكتاب متخصصاً في الدعوة فيعتبر, أما إن كان كتاباً ثقافياً, أو التعرض للدعوة فيه قليل فلا يعتبر.
أيضاً حتى طباعة الكتب فيها تفصيل

سأل أحد الطلاب: في قوله تعالى (وجاهدهم به جهاداً كبيراً) يدخل فيه المسلمون و المشركون أم المشركون فقط؟
يدخل فيه غير المسلمين هذا هو الأصل, لكن أيضاً حتى دعوة المسلمين ؛كثير من المسلمين يحتاج إلى دعوة, الدعوة إلى الله تعالى هي الأصل في الجهاد.

قال: (الثامن: ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع به, وإن كان ذا يسار في بلده)
ابن السبيل:هو المسافر الذي فقد نفقته, إما بضياعها, أو سرقتها....أو نحو ذلك,  ولم يبقى معه من المال ما يوصله إلى بلده فيعطى من الزكاة ولو كان غنياً, هذا كان موجوداً فيما سبق يأتي الإنسان وقد قطع مسافة طويلة, إما أن تضيع نفقته فيبقى بدون مال, معدم, فيعطى ما يوصله لبلده ولو كان غنياً,  لكن في وقتنا الحاضر, إذا ضاعت النفقة فننظر إن أمكن أن يطلب تحويلاً من أهله له فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة, لا يعتبر ابن سبيل, يعتبر ابن سبيل لكنه قادر على أن يأخذ مالاً من ماله عن طريق التحويلات فلا يعتبر منقطعاً, لكن إن قدر أنه ما استطاع أن يحول, كأن يكون مثلاً في الحج وما تمكن تكون مثلاً الأماكن مزدحمة فهنا يجوز أن يعطى من النفقة ما يوصله إلى بلده فهذا, هو ابن السبيل.

هؤلاء هم الأصناف الثمانية الذين يجوز دفع الزكاة إليهم
ولهذا قال المصنف: (فهؤلاء هم أهل الزكاة لا يجوز دفعها إلى غيرهم)
فلا يجوز دفع الزكاة إلى غير هؤلاء الأصناف الثمانية.
هل يجوز دفع الزكاة في بناء المساجد؟ لا يجوز ؛لأنها لا تدخل في الأصناف الثمانية.
هل يجوز دفع الزكاة في تفطير الصائمين؟ لا يجوز إلا إذا تحققنا أنهم كلهم من أهل الزكاة, كأن يكونوا فقراء, أما إذا كنا لا ندري,  قد يكون معهم مسلم وغير مسلم قد يكون معهم غني... فهنا لا يجوز, فلا بد من التحقق من كون المعطى للزكاة من أهل الزكاة الثمانية.

قال: (ويجوز دفعها إلى واحد منهم )
وإنما قال المؤلف ذلك ؛للرد على قول من قال أنه لابد من أن تشمل جميع هذه الأصناف الثمانية, كما هو قول عند الشافعية
والصواب: أنه لا بأس بدفعها لواحد منهم, كأن يعطي جميع زكاته لفقير, أو يعطي جميع زكاته لمسكين, أو يعطي جميع زكاته لابن سبيل, أو يعطي جميع زكاته في سبيل الله, أو للغارم ونحو ذلك.
قال: (لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر ) هذا الأثر فيه انقطاع, رواه أحمد و الترمذي.
قال: (وقال لقبيصة: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه.

قال المصنف رحمه الله:

(ويدفع إلى الفقير والمسكين ما تتم به كفايته, وإلى العامل قدر عمالته, وإلى المؤلف ما يحصل به تأليفه, وإلى المكاتب والغارم ما يقضي به دينه, وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه, وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده ولا يزاد واحد منهم على ذلك. وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وهم الفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل،  أربعة يجوز الدفع إليهم مع الغني وهم العامل والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين).

 

قال: (ويدفع إلى الفقير والمسكين ما تتم به كفايته)
يعني عندما نعطي هذا الفقير أو المسكين نعطيه كم من الزكاة؟
يُعطى ما يكفيه لمدة سنة, وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء:من الحنفية, والمالكية, والحنابلة
القول الثاني: أنه يُعطى ما يكفيه على وجه الدوام,  وإلى هذا ذهب الشافعية
والقول الراجح أنه يُعطى ما يكفيه لمدة سنة كما هو قول الجمهور ؛وذلك لأن الزكاة تتكرر كل عام, إذا أُعطي ما يكفيه لمدة سنة ينظر بعد ذلك: إن كانت الحاجة لا زالت قائمة فيعطى ما يكفيه لمدة سنة أخرى, فإن كانت الحاجة قائمة فكذلك, وهذه من حكم مشروعية الزكاة كل عام.
وأما القول بأنه يُعطى ما يكفيه على الدوام فإنه قول لا دليل عليه أولاً, وثانياً غير منضبط, ففي وقتنا الحاضر إذا قلنا يعطى الفقير ما يكفيه على الدوام يعني طيلة عمره,  كم يُعطى؟ نعطيه مليون؟ أو أقل أو أكثر؟ ثم أيضاً إذا أعطيناه قد يغتني أليس كذلك, كم من فقير اغتنى؟!!

سأل أحد الطلاب: ما المراد بأنه يُعطى ما يكفيه على الدوام؟
قال الشيخ: يعني ما يكفيه طيلة عمره.
قال الطالب: يُعطى ما يكفيه على الدوام عدة مرات أم مرة واحدة؟
قال الشيخ: مرة واحدة تكفي على الدوام.
قال الطالب: فإذا تيسرت له مثلاً وظيفة؟
قال الشيخ: هذا مما يرد على هذا القول, بعض التجار كان في السابق فقيراً فقراً مدقعاً ثم أغناه الله تعالى, فقد يفتقر الغني وقد يغتني الفقير,  فالقول أنه يعطى على الدوام قول يرد عليه إشكالات ؛ولهذا فالصواب أنه يُعطى ما يكفيه لمدة سنة.

وعلى هذا تخرّج مسألة من المسائل التي يكثر السؤال عنها وهي:
هل يجوز شراء أو بناء بيت للفقير أو المسكين أو لا يجوز؟ هذا فقير يقول أنا آتيكم كل سنة أطلب منكم إيجار, اشتروا لي بيت حتى استريح,  أو ابنوا لي بيت حتى أستريح, هل هذا يجوز أو لا يجوز؟
 أقول تخرج على هذه المسألة:على قول الشافعية بأن الفقير أو المسكين يعطى ما يكفيه على الدوام فيجوز
 أما على قول الجمهور وهو أن يُعطى ما يكفيه لمدة سنة, فلا يجوز شراء أو بناء بيت للمسكين
 وبناءً على ترجيحنا أن الفقير والمسكين يعطى ما يكفيه لمدة سنة, فلا يجوز شراء أو بناء بيت للفقير أو المسكين, وإنما نقول استأجر ونعطيك الإيجار من الزكاة,  فإن قال أنا سأستمر في الإيجار. نقول: نعم استمر قد يغنيك الله تعالى,  وكل سنة ننظر في حالك, إذا تبين أنك بحاجة للزكاة أعطيناك الإيجار, والسنة التي بعدها نعطيك الإيجار إلى أن يغنيك الله تعالى, ثم أيضاً شراء أو بناء بيت للفقير أو المسكين يكلف أموالاً طائلة, الرياض الآن إذا أردنا أن نشتري بيتناً أقل بيت يمكن مليون,  مليون كم تسد من حاجات الفقراء, كم سيسدد بها من إيجارات الفقراء والمساكين,  فعلى هذا لا يجوز شراء أو بناء بيت للفقير أو المسكين من أموال الزكاة, وإنما يستأجر له للفقير أو المسكين,
فإن قال قائل: أليس السكنى من الحاجات؟ نقول:نعم من الحاجات, لكن تسد حاجة السكنى بالاستئجار, والتملك هل هو من الحاجيات أو من الكماليات؟ من الكماليات, كم من انسان عاش طيلة عمره في بيت إيجار مكرماً معززاً, عاش عيشة سعداء,  وبعض الناس حتى بعض التجار تجد أنه يكون في بيت إيجار, ويقول أنا أستأجر بيتاً وبقية الأموا استثمرها واستفيد منها, هذه نظرة بعض التجار,  فالاستئجار ليس عيباً, ثم أيضاً يُستأجر له ما هو صالح لمثله, إذا كانت عائلته كبيرة يستأجر له بيتاً كبيراً, فحاجة السكنى تسد بالاستئجار والتملك ليس بحاجة فضلاً عن أن يكون ضرورة, وإنما هو كمال فلا نعطيه من أموال الزكاة ما يحصل به كمالات, إذا قال هذا الفقير: أعطوني لكي أشتري بيتاً.نقول:ما دمت فقيراً فلا تشتري بيتاً,  وإنما يستأجر لك من أموا ل الزكاة.

قال: (وإلى العامل قدر عمالته)
يعني العاملون عليها - الذين تكلمنا عنهم في الدرس السابق - يعطون من الزكاة بقدر العمالة, يعني بقدر أجرة العمل, هذا إذا لم يعطوا من بيت المال, أما إذا أعطوا من بيت المال فليس الأخذ من الزكاة إلا إذا أذن لهم ولي الأمر في ذلك.

 

قال: (وإلى المؤلف ما يحصل به تأليفه)
كذلك المؤلفة قلوبهم من أصحاب الزكاة, فيعطون من الزكاة ما يصل به تأليف القلوب, لكننا لما تكلمنا الأسبوع الماضي عن المؤلفة قلوبهم اشترطنا شرطاً وهو أن الذي يعطى لتأليف قلبه لأجل كف شره وضرره عن الإسلام والمسلمين لا بد أن يكون سيداً متبوعاً في قومه, أو له قوة وشوكة, وأنه لا يكون فراداً واحداً ؛لأن الفرد الواحد لا يضر المسلمين, وأما إذا كان يرجى بإعطائه الزكاة تأليف قلبه على الإسلام, بحيث يسلم أو يقوى إسلامه فمحل خلاف بين العلماء, هل يشترط أيضاً أن يكون سيداً متبوعاً في قومه أو لا يشترط؟ ورجحنا أنه لا يشترط, وقلنا إن الحاجة إلى حياة الأرواح وهداية الناس أعظم من الحاجة إلى إحياء الأبدان, وإذا كان يعطى من الزكاة لأجل إحياء بدنه فيعطى من الزكاة من أجل إحياء قلبه من باب أولى,  فإذن الذي يعطى من أجل تأليف قلبه على الإسلام لا يشترط أن يكون سيداً متبوعاً في قومه, أما الذي يعطى من أجل كف ضرره عن الإسلام لابد أن يكون سيداً متبوعاً أو له قوة و شوكة.

 

قال: (وإلى المكاتب)
يعني يعطى ما يقضي به دين الكتابة  

قال: (والغارم ما يقضي به دينه)
الغارم هو المدين, وسبق أن ذكرنا ضابط الدين الذي يجوز تسديده من الزكاة أو إعطاء المدين من الزكاة لأجله هو: الدين الحال العاجز عن سداده, فإذا كان الدين مؤجلاً فلا يعتبر من الغارمين ولا يعطى من الزكاة, نقول انتظر حتى يحل, وإذا كان الدين حالاً لكنه قادر على سداده أيضاً لا يعتبر من الغارمين.
فلذلك ينبغي أن ينتبه لهذه المسألة نبهت عليها الأسبوع الماضي و أأكد عليها أيضاً ؛لأن بعض الناس يعتقد أن كل مدين تحل له الزكاة, هذا غير صحيح, أتاني رجل مرة من المرات يطلب زكاة فسألته كم دخلك؟ قال: خمسة عشر ألفاً قلت: دخلك دخل أغنياء قال: علي دين قالت: كم الدين؟ قال: بحدود ستين ألف قلت: إذن تجدول الدين على الراتب, الراتب كبير والدخل دخل أغنياء, فكان يظن هذا الرجل أنه من الغارمين, هذا فهم غير صحيح ليس كل غارم يعطى من الزكاة, لابد أن يكون الدين حالاً ويكون المدين عاجزاً عن السداد بحيث لو رفع الدائن فيه شكاية لربما حبس بسبب ذلك الدين, ونلاحظ التساهل الآن من كثير من الناس في أخذ الزكاة وهم غير مستحقين لها, بعض الناس الحلال ما حل بيده وهذا لا يجوز النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أخذ أموال الناس تكثراً)) يعني ليس عن حاجة وإنما من أجل التكثر ((فإنما يأخذ جمراً فليستقل أو ليستكثر)), ثم إن الذي يأخذ الزكاة وهو غير مستحق لها تنزع البركة من ماله,  ويجعل فقره بين عينيه ويصبح فقيراً طيلة عمره, يصبح فقير النفس ؛لأنه تعود على السؤال, ومن تعود على السؤال فإنه يستمر على ذلك غالباً إلا أن يمن الله عليه كي يتخلص من هذا المرض, ولهذا ينبغي للإنسان ألا يسأل إلا عند الحاجة, بل حتى عند الحاجة الأولى ألا يسأل لكن إن سأل فلا بأس, أما أن يسأل وليس محتاجاً فهذا لا يحل له, كذلك أن يقبل الزكاة وهو ليس مستحقاً لها فهذا لا يحل له.

 

قال: (وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه)
هذا باعتبار أن الجهاد في سبيل الله ينحصر في جهاد السلاح, وقد قلنا أنه يشمل جهاد السلاح وجهاد الدعوة, فيدفع ما يحصل به المقصود ويتحقق به الغرض.

 

قال: (وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده, ولا يزاد واحد منهم على ذلك)
ابن السبيل إنما يعطى ما يوصله إلى بلده, فلو أنه مثلاً قال: أنا أحتاج إلى تذكرة يعطى فقط قيمة التذكرة وقيمة سيارة الأجرة ولا يعطى أكثر من ذلك إلا أن يكون فقيراً يعطى من أجل فقره.

 

قال: (وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وهم الفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل)
هؤلاء الخمسة لابد من أن يتحقق فيهم وصف الحاجة: فالفقير حاجته ظاهرة, وكذا المسكين, والمكاتب كذلك أيضاً فإنه مدين وغارم, والغارم لنفسه يعني المدين الذي عليه دين حال وهو عاجز عن سداده كذلك محتاج, وابن السبيل كذلك.

قال: (أربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى وهم: العامل والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين)
أربعة من هؤلاء الأصناف الثمانية يجوز أن يعطوا من الزكاة وهم أغنياء وهم:

قال: (العامل) العامل لا يشترط أن يكون فقيراً ؛لأنه إنما يعطى لأجل عمالته وليس لأجل فقره.

و(المؤلف) أيضاً لا يشترط أن يكون فقيراً, حتى لو كان غنياً إذا كان إعطاؤه من الزكاة له أثر في تأليف قلبه على الإسلام فيعطى من الزكاة وإن كان غنياً ؛لأن المال له أثر عظيم على النفوس, الأموال كما ترون تشترى بها الذمم, ولها أثر في الحب والكره وله أثر في كل شيء, الله تعالى سمى المال خيرا (وإنه لحب الخير لشديد) فهو خير لمن أخذه بحقه وأنفقه في حقه,  ووبال على الإنسان إذا أخذه من غير حقه وأنفقه في غير حقه, فالشريعة الإسلامية راعت هذه المعاني, راعت مسألة محبة الإنسان للمال, الله تعالى يقول (وتحبون المال حباً حماً) وراعت أثر إعطاء الإنسان المال, فهذا الأثر مراعى فالمؤلف قلبه يعطى من المال من أجل تقوية إسلامه, هل المال يكون سبباً لتقوية الإسلام؟ نعم يكون سبباً للإسلام وتقوية الإسلام ولكف الشر ولكل شيء, المال يمكن أن يحصل به الإنسان على معظم ما يريد, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم تألف رؤساء القبائل بالمال أعطاهم أموالاً عظيمة, كان يعطي رئيس القبيلة مائة من الإبل فيسلم وتسلم معه القبيلة بأكملها.

و(لغازي) يعني الغازي يأخذ وإن كان غنياً ؛لأنه يأخذ الزكاة من أجل مصلحة المسلمين وليس لنفسه.
و(الغارم لإصلاح ذات البين) بينا في الدرس السابق أن الغارم ينقسم إلى قسمين:

الغارم لنفسه و الغارم لإصلاح ذات البين،
فالغارم لنفسه لا يأخذ من الزكاة إلا عند الحاجة
والغارم لإصلاح ذات البين يأخذ ولو مع الغنى ؛تشجيعاً له على هذا العمل النبيل.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن من لا يجوز دفع الزكاة إليهم, نستمع أولاً لعبارة المصنف
قال المصنف رحمه الله:

باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه

(لا تحل الصدقة لغني, ولا لقوي مكتسب, ولا تحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم ومواليهم
ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علوا, ولا إلى الولد وإن سفل,  ولا إلى الزوجين, ولا من تلزمه مؤونته
ولا إلى الرقيق, ولا إلى كافر. فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم.

ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام قهرا.

وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزه إلا الغني إذا ظنه فقيرا).

هذا آخر باب من أبواب كتاب الزكاة: (من لا يجوز دفع الزكاة إليه) بعد ما بين من تدفع الزكاة إليهم انتقل لبيان من لا يجوز دفع الزكاة إليهم:
الأول: قال: (لا تحل الصدقة لغني)
الغني لا يجوز أن تدفع له الزكاة, ولا يجوز أن يزاحم الفقراء و المساكين في حقهم, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (( لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب))
الثاني:قال: (ولا لقوي مكتسب)
أيضاً لا تحل الزكاة لقوي مكتسب إذا كان قادراً على العمل ؛لأنه في الأزمنة السابقة كان القوي المكتسب يستطيع أن يحصل مالاً, يعمل في أي مكان ويحصّل مال, أما في وقتنا الحاضر مع وجود الأنظمة التي قيدت بعض الناس عن العمل, قد يكون غنياً مكتسباً لكن لا يستطيع أن يعمل, ما عنده إقامة مثلاً أو ما عنده كفيل, أو ما وجد وظيفة مناسبة له لا وظيفة حكومية ولا وظيفة القطاع الخاص,  الآن في وقتنا الحاضر تغيرت الأمور, قد يكون قوياً مكتسباً لكنه لا يجد مجالاً للعمل, هذا يعطى من الزكاة, أما إذا كان قوياً مكتسباً ووجد وظيفة أو وجد مجالاً للعمل فنقول لا يأخذ من الزكاة وإنما لابد أن يعمل.

 

الثالث: قال: (ولا تحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم ومواليهم)
لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن هذه لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وإنما هي أوساخ الناس)) رواه مسلم.
قال: (لآل محمد صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم) هاشم هو الجد لثاني والأب الثالث, نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اسمه محمد بن عبدالله -هذا الأب الأول- بن عبدالمطلب بن هاشم,  فهاشم هو الأب الثالث,  وإن شئت قلت الجد الثاني.
 أبو هاشم اسمه عبد مناف وعبد مناف له أربعة أبناء: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس, بنو هاشم هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم,  لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد))كما في صحيح البخاري, وبنو المطلب كانوا مع بني هاشم في شعب أبي طالب لما حوصروا, فاختلف العلماء هل بنو المطلب يدخلون مع بني هاشم في قرابة النبي صلى الله عليه وسلم في عدم جواز الأخذ من الزكاة أم لا؟
والقول الراجح كما قرره المؤلف:أن آل البيت آل محمد صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل الزكاة  لهم هم بنو هاشم فقط دون بني المطلب, وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)) يعني في النصرة وليس في بقية الأحكام, ولذلك يجوز دفع الزكاة لبني نوفل وبني عبد شمس بالإجماع, وإنما الخلاف فقط هل تدفع لبني المطلب أو لا تدفع, وسبب الخلاف هو الخلاف في فهم قوله صلى الله عليه وسلم ((بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ؛إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام)) لكن هذا في النصرة وإلا فما الفرق بين بني المطلب وبني نوفل وبني عبد شمس؟!!  كلهم أبناء عمومة لبني هاشم, وعلى هذا فالقول الراجح: أن آل البيت وقرابة النبي صلى الله عليه وسلم هم بنو هاشم فقط دون بني المطلب.
قال: (ومواليهم) لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((مولى القوم منهم)) المقصود بمواليهم: الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم.

 

الرابع: قال: (ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علوا, ولا إلى الولد وإن سفل)
لا يجوز دفع الزكاة لعمودي النسب:وعمودا النسب الوالدان وإن علوا, والولدان وإن سفلا, فلا يجوز دفعها للأب ولا للأم ولا للجد ولا للجدة ولا للابن ولا للبنت ولا لبنت الابن ولا ابن الابن لماذا؟
لأن هؤلاء إذا احتاجوا يجب على الإنسان أن ينفق عليهم من حر ماله وليس من الزكاة التي هي أوساخ الناس, فأبوك إذا احتاج يجب أن تنفق عليه من حر مالك ولا تعطيه من أوساخ الناس من الزكاة, وأمك إذا احتاجت تعطيها من حر مالك  ولدك إذا احتاج تعطيه من حر مالك, بنتك إذا احتاجت تعطيها من حر مالك, ولهذا تجد أن الإنسان لو أعطى أباه أو أمه أو ابنه أو بنته من الزكاة تجد أن الأب أو الأم أو الابن أو البنت يجد في نفسه, كيف يعطيني من الزكاة؟!! فلذلك لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة, فهؤلاء عمودا النسب إنما يعطون من حر المال ؛ولأنه لو دفع الزكاة لعمودي النسب لكان في ذلك وقاية لماله ؛لأنه مطلوب منه أصلاً أن ينفق على عمودي النسب, إذا احتاج أبوه يجب عليه أن ينفق عليه من حر ماله, فإذا أعطاه من الزكاة وقى ماله,  وإذا احتاج ابنه أو بنته يجب عليه أن ينفق عليهم من حر ماله فإذا أعطاهم من الزكاة وقى ماله.
طيب الدين؟ هل يجب على الإنسان أن يسدد الدين الواجب في ذمة أبيه أو أمه أو لا يجب؟ لا يجب  سداد الدين, ولهذا تجد أنه لو حكم على شخص بالسجن مثلاً وابنه غني لا يتعرض لابنه وإنما يحبس المدين فقط, فلا يجب على الابن أن يسدد دين أبيه. طيب العكس هل على الأب أن يسدد دين ابنه أو ابنته؟ لا يجب, ولهذا أيضاً لو وجب على الابن دين ما يرجع لأبيه إلا أن يكون متبرعاً. طيب إذا كان لا يجب على الإنسان أن يسدد دين والديه ولا أولاده فهل يجوز أن يدفع الزكاة لهم لسداد ديونهم؟ نعم يجوز ؛لأنه لا يجب عليه سداد هذه الديون أصلاً, بخلاف غير الدين فيجب عليه أن ينفق عليهم من حر ماله وعلى هذا فللإنسان أن يسدد الدين المترتب في ذمة أبيه أو أمه أو ابنه أو ابنته ؛لأنه أصلاً لا يجب عليه أن يسدد الدين عن هؤلاء فجاز أن يسدد الدين من الزكاة, بخلاف النفقة أو بخلاف غير الدين فإنه يجب عليه أن ينفق عليهم من حر ماله وليس من الزكاة, إذن الحاصل أنه لا يجوز دفع الزكاة لعمودي النسب إلا في حالة واحدة وهي: سداد الدين الحال عليهم الذي عجزوا عن سداده.

الخامس: قال: (ولا إلى الزوجين)
أما إعطاء الزوج زوجته من الزكاة فلا يجوز ؛لأنه مطالب بالنفقة فإذا أعطاها من الزكاة فقد وقى ماله, يقول بدل ما أنفق عليها أعطيها من الزكاة فلا تطالبني بالنفقة فيكون قد وقى ماله بإعطائها من الزكاة, وهذا قولاً واحداً.
لكن العكس, هل يجوز للزوجة أن تعطي زوجها الفقير من الزكاة؟ ننظر لعبارة المؤلف يقول (ولا إلى الزوجين) فعلى هذا رأي المؤلف لا يجوز, وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

 

والقول الثاني في المسألة: أنه يجوز ؛لقصة زينب امرأة ابن مسعود فإنها لما أرادت أن تتصدق قال لها ابن مسعود: زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم فقالت: لابد أن أذهب للنبي صلى الله عليه وسلم أسأله فذهبت, فوجدت بلالاً بواباً عنده فقالت: استأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تخبر من نحن, فذهب بلال وقال: هنا امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((من هي؟)) قال: زينب قال صلى الله عليه وسلم ((أي الزيانب)) قال: امرأة ابن مسعود فأذن لها فدخلت عليه وقالت: إن ابن مسعود يزعم كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((صدق ابن مسعود, إن أحق من تصدق عليه زوجك وولدك)) الحديث في الصحيح,  اختلف العلماء هل المقصود بالصدقة هنا صدقة التطوع أم الزكاة الواجبة, لكن عموم الحديث يدل على الجواز, وأيضاً ليس هناك ما يمنع من الجواز ؛لأن المرأة ليست مطالبة بالنفقة على زوجها, فإذا كان زوجها فقيراً ما المانع من أن تعطيه من الزكاة؟ هذا هو القول الراجح: وهو أن المرأة يجوز أن تدفع زكاتها لزوجها الفقير,  بينما الزوج لا يجوز أن يدفع زكاته لزوجته الفقيرة, فبينهما فرق ؛وسبب التفريق أن الزوج مطالب بالنفقة على زوجته فإذا أعطاها من الزكاة كان ذلك وقاية لماله, بينما الزوجة ليست مطالبة بالنفقة على زوجها فإعطاءه من الزكاة لا بأس به.

 

السادس: قال: (ولا من تلزمه مؤونته)
الذي تلزمه نفقته لا يجوز إعطاءه من الزكاة, وعلى هذا فالقريب الذي تجب على الإنسان نفقته لا يجوز إعطاءه من الزكاة وإنما يعطيه من حر ماله لماذا؟ لأنه لو أعطاه من الزكاة فقد وقى بذلك ماله, مثال ذلك الأخ, فإذا كان أخوك تلزمك نفقته فيجب عليك أن تنفق عليه ولا تعطيه من الزكاة إلا في حالة واحدة التي قلناها في الوالدين وهي سداد الدين فقط.
طيب متى تلزم الإنسان النفقة على القريب, يعني متى يجب عليك أن تنفق على أخيك أو على أختك أو على قريبك عموماً؟ إذا كانت وارثاً له, وهذا قد أشار إليه ربنا عز وجل في قوله (وعلى الوارث مثل ذلك) فإذا كنت ترثه لو مات فيجب عليك أن تنفق عليه عند حاجته, وإذا وجب عليك أن تنفق عليه فلا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة إلا لسداد الدين, انتبه لهذه المسألة يكثر السؤال عنها, يقول بعض الناس: هل يجوز أن أعطي زكاتي أخي أو أختي أو عمتي أو خالتي أو قريبي عموماً؟ نقول هل تجب عليك النفقة عليه أم لا؟ فإن قال كيف أعرف هل يجب علي أن أنفق عليه أو لا؟ نقول لو مات هل ترثه؟ إن قال نعم لو مات أنا الذي سأرثه, إذن يجب عليك أن تنفق عليه ولا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة إلا لسداد الدين, لكن لوكان أنه لو مات لم ترثه فيجوز لك أن تعطيه من الزكاة, بل يستحب إذا كان فقيراً ؛لأنها تكون زكاة وصلة رحم
نوضح هذا بمثالين:
المثال الأول: إنسان له أخ, وهذا الأخ لا ولد له يعني لم يتزوج, والأب غير موجود متوفى, وهذا الأخ فقير هل يجوز أن يعطيه من الزكاة؟ لا يجوز. لماذا؟ لأنه يرثه لو مات, فيجب عليه أن ينفق عليه من حر ماله إلا لسداد الدين.
المثال الثاني: هذا الرجل له أخ, وهذا الأخ له أبناء وهو فقير, هل يجوز أن يعطيه من زكاته؟ يجوز ؛لأنه لا يرثه لو مات بل إعطاءه من الزكاة أفضل ؛لأنها زكاة وصلة رحم, وكذلك أخ ليس له أولاد لكن الأب موجود, هل يجوز أن يعطيه من الزكاة؟ يجوز لأنه لا يرثه لو مات ؛لكونه محجوباً بالأب.
فهذه هي القاعدة, القاعدة تريحك:في إعطاء الزكاة للقريب: إذا كان هذا القريب يرثه لو مات لم يجز له إعطاءه من الزكاة  إلا لسداد الدين, أما إذا كان هذا القريب لا يرثه لو مات فيجوز إعطاؤه من الزكاة إذا كان مستحقاً للزكاة.

 

سأل أحد الطلاب: إذا كان هناك أكثر من وارث فهل يجعل كل واحد من الورثة على قدر إرثه؟
قال الشيخ: نعم يجب عليه من النفقة على قدر إرثه 

 

السابع: قال: (ولا إلى الرقيق)
لأنه لا يملك مالاً فإذا أعطاه مالاً انتقل إلى سيده, ونفقة الرقيق على سيده.

 

الثامن: قال: (ولا إلى كافر)
إلا في حالة واحدة وهي: أن يكون من المؤلفة قلوبهم, الكافر لا يجوز أن يعطى من الزكاة إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم كما بينا ذلك فيما سبق, لكن الكافر هل يجوز إعطاءه من صدقة التطوع؟ يجوز بالإجماع

 

قال: (فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم)
صدقة التطوع بابها واسع, تعطى للكافر, وتعطى للرقيق, وتعطى للزوج والزوجة, وتعطى لعمودي النسب...
هل يجوز للإنسان أن يدفع الزكاة إلى السائق وإلى الخادمة وإلى العامل الذي يعمل تحت كفالته؟
نقول يجوز لكن بثلاثة شروط:
الشرط الأول أن يكون مستحقاً للزكاة, كأن يكون فقيراً, أو مسكيناً, أو غارماً, أو نحو ذلك.
الشرط الثاني: أن لا يربط بين الزكاة وبين العمل, فلا يقول أعطيه من الزكاة من أجل أن يحسن من العمل, أو لأجل أن يجتهد في العمل,  فلا يربط بين الزكاة والعمل بأية صورة.
الشرط الثالث: ألا يلحقه منّة, وهذا الشرط مشترط في جميع الحالات لكن أفردناه هنا ؛لأن بعض الناس إذا أعطى عاملاً له بدأ يمتن عليه, أنا عطيتك كذا وهذا جزاي... هذا يبطل أجر الزكاة (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن الأذى)
فإذن يجوز دفع الزكاة إلى السائق و إلى الخادمة وإلى العامل الذي تحت كفالته بهذه الشروط الثلاثة, فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة فلاشك أن إعطاءه من الزكاة أولى من إعطائها للبعيد.

 

قال: (ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية)
لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))
قال: (إلا أن يأخذها الإمام قهرا)
فهنا يقول الفقهاء يكتفى بنية الإمام في هذا حتى ولو لم ينوي الذي أخذت منه قهراً

 

قال: (وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزئه )
لأنه مفرط في ذلك إلا في حالة واحدة قال: (إلا الغني إذا ظنه فقيراً)؛لأن الفقر مما قد يخفى ومما قد يدعيه من ليس متصفاً به, فبعض الناس يدعي أنه فقير والواقع أنه ليس بفقير, وليس هناك شيء واضح يدل على الغنى أو الفقر ؛لأن الإنسان قد يخفي أمواله, كم من إنسان غني يتظاهر للناس بفقره, فلهذا قال الفقهاء أنه إذا دفع الزكاة لغني ظنه فقيراً أجزأه, ومما يدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين الجلدين الذين سألاه قال: ((إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب))
هل يطالب الفقير بالبينة التي تثبت فقره؟ لا يطالب وإنما يقبل قوله إذا لم يعرف بغنى.
فإن قال قائل: إذا لم نطالب الفقراء بالبينة, ترتب على ذلك أنه سيأخذ الزكاة من لا يستحقها ممن يدعي الفقر وهو ليس كذلك 
الجواب: أن هذا صحيح, لكن لو طالبنا الفقراء بالبينة المثبتة لفقرهم لتعذر على كثير من الفقراء إحضار البينة, ولترتب على هذا مفسدة أعظم وهي حرمان الفقير من الزكاة بسبب عدم وجود البينة, وهذا المعنى قرره ابن تيمية - رحمه الله -  وقال: (أن مفسدة إعطاء من لا يستحق أخف من مفسدة حرمان المستحق) إذا أعطينا الإنسان المدعي الفقر من غير بينة ترتب على هذا مفسدة وهي إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها, لكن إذا تشددنا وقلنا لا يعطى الفقير الزكاة إلا إذا أحضر بينة تثبت فقره ترتب على هذا حرمان الفقير المستحق للزكاة, ومفسدة حرمان الفقير المستحق للزكاة أشد من مفسدة إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها.
وعلى هذا فإذا سأل الزكاة إنسان لم يظهر عليه أثر غنى جاز أن يعطى من الزكاة, وهذه المسألة في الحقيقة تريح الإنسان كثيراً ؛لأن بعض الناس إذا أراد أن يدفع الزكاة يقول أنا لا أدري هل هذا مستحق أو لا؟ نقول إذا سألك الزكاة أو قبلها ولم يظهر عليه أثر غنى فتبرأ ذمتك, حتى لو كان غنياً في حقيقة الأمر ؛لأن الفقر قد يدعيه من ليس كذلك, فليس للإنسان إلا الظاهر, لو أنك اجتهدت وقلت فلان يظهر أنه فقير وأعطيته من الزكاة ثم تبين أنه غني, قد برأت ذمتك أمام الله ولا تلزم بدفع الزكاة مرة أخرى, إلا في غير الفقير والمسكين, إذا أعطيت إنسان ادعى أنه مدين, ثم تبين أنه غير مدين أنت مفرط في هذا فلا تبرأ ذمتك, يفترض أنه لما قال أنه مدين طالبته بالبينة قلت: ما الدليل على أنك مدين, يأتي لك بسند يأتي لك بعقد إيجار يأتي لك بشيء, لكن إذا ادعى الفقر فلا يطالب بالبينة, أما إذا ادعى الدين فيطالب بالبينة, إذا كان من المؤلفة قلوبهم لابد أن يثبت ذلك, ابن سبيل لابد أن يثبت ذلك, وهكذا.

وبهذا نكون انتهينا من الكلام عن أحكام الزكاة ونقف عند كتاب الصيام و نفتتح به درسنا القادم إن شاء الله تعالى.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض