الخثلان
الخثلان
باب إخراج الزكاة
16 جمادى الأولى 1438 عدد الزيارات 1137

قال الشيخ حفظه الله:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا

نستأنف هذا الدرس بعد فترة التوقف خلال الاختبارات والإجازة لمنتصف العام ونستأنف على بركة الله هذا الدرس في شرح كتاب العمدة في الفقه للموفق ابن قدامة رحمه الله.

و كنا قد وصلنا إلى باب (إخراج الزكاة) نستمع أولاً لعبارة المصنف رحمه الله

قال المصنف رحمه الله :

باب إخراج الزكاة

 لا يجوز تأخير الزكاة عن وقت وجوبها إذا أمكن إخراجها , فإن فعل فتلف المال لم تسقط عنه الزكاة وإن تلفت قبله سقطت , ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب ولا يجوز قبل ذلك , فإن عجلها إلى غير مستحقها لم يجزئه وإن صار عند الوجوب من أهلها , وإن دفعها إلى مستحقها فمات أو استغنى أو ارتد أجزأت عنه وإن تلف المال لم يرجع على الآخذ . ولا تنقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة إلا أن لا يجد من يأخذها في بلدها

قال : (باب إخراج الزكاة) والزكاة إذا وجبت على المسلم وجب عليه أن يخرجها طيبةً بها نفسه , مخلصاً لله عز وجل فيها غير مانّ على المعطى .

 أما شرط الإخلاص فأدلته كثيرة , إن الله تعالى لا يقبل العبادة التي لا يخلص فيها العبد لله عز وجل , قال الله تعالى عن المنافقين (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) .

أما طيبة بها نفسه فأيضاً يدل لهذا الآية فإن الله ذكر عن المنافقين أنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون ,ولأن الإنفاق مع الكره وعدم طيبة النفس يتسبب في أذية المؤمن، الله تعالى يقول (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى

وأما اشتراط عدم المن فله أدلة كثيرة منها قول الله عز وجل في الآية السابقة (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) ثم ذكر الله تعالى له مثلاً عجيباً بديعاً قال (فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً) (صفوان) الحجر الأملس , أرأيت حجراً أملس عليه تراب ,(فأصابه وابل) أي : المطر الغزير(فتركه صلدا) يعني ناعماً أملس ما عليه شيء , وهكذا أيضاً ثواب الذي يزكي أو يتصدق ويمنّ على المعطى بالزكاة أو الصدقة , إن هذا المنّ يذهب الأجر تماماً كما أن هذا المطر الغزير يذهب التراب الذي على الحجر الأملس عندما ينزل المطر الغزير؛  لأن الإسلام عندما أمر بالزكاة والصدقة أراد بذلك حفظ كرامة الفقير وليس أن يعطيه مالاً ويسقط الكرامة لا حفظ الكرامة للفقر والمسكين أهم من إعطاءه الزكاة أو الصدقة والدليل لهذا قول الله عز وجل (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) هذه الصدقة التي يجرح بها كرامة أخيه المسلم لا خير فيها , قول معروف ومغفرة خير منها قل له كلاماً ليناً أحسن من أنك تعطيه عطية وتمتن عليه بها وتجرح كرامته وتذله بهذه العطية هذا المعنى الدقيق ربما يغفل عنه بعض الناس وربما كثير من الناس , وبعض الناس قد يتصدق أو يزكي مخلصاً لله لكن يأتيه الشيطان حتى يبطل الأجر بالمن قد يكون مباشرة أو غير مباشرة يقول ألم أعطك كذا ألم أفعل كذا ألم أعطك العام الماضي أنا أعطيك زكواتي أعطيك صدقاتي أو يحرجه إذا أعطاه الصدقة أو زكاة يطلب منه طلبات مقابل هذه الزكاة أو الصدقة هذا نوع من المنّ.

 ولهذا لما ذكر الله أصحاب الجنة قال (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منهم جزاء ولا شكورا) حتى الشكر لا يريدونه بل حتى الدعاء كان بعض السلف إذا تصدق على أحد فدعا له الفقير يدعو له بمثله وكانت عائشة رضي الله عنها إذا بعثت صدقةً لفقير مع غلامها تقول انظر إلى ما يدعون به فادع لهم بمثله  فإذا قالوا بارك الله فيكم فقولوا وفيكم بارك . لماذا ؟ حتى يكون الأجر كاملاً . ويقول أحد السلف إذا تصدقت على فقير ورأيت أن سلامك عليه يؤذيه فلا تسلم عليه . انظر إلى هذه الدرجة !!

 فالفقير عندما يعطى لابد من حفظ كرامته ولابد من إعزازه وعدم إذلاله لا تذله بهذه العطية أو هذه الزكاة أو الصدقة . ولهذا بعض الناس يأتيه الشيطان ما أن يتصدق بصدقة أو ينفق نفقة أو يفعل معروفا إلا ويتسلط عليه الشيطان حتى يمتن بهذا المعروف حتى يبطل أجره وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته)) انظر إلى التعبير، حيث قال (فسلطه على هلكته في الحق) أي أنه يتصدق صدقة لا يمتن بها كأنه أهلك هذا المال , انقطعت صلته بهذا المال وهذه الصدقة تماماً , أي أنه لا يمتن على هذا الفقير.

 فهذه من الآداب التي ينبغي مراعاتها عند إخراج الزكاة بل يجب مراعاتها فالمن يبطل الصدقة والرياء يبطل الصدقة يبطل الزكاة يبطل أجرها وثوابها عند الله عز وجل.

وقوله (لا يجوز تأخير الزكاة عن وقت وجوبها)

الأصل في الزكاة أنه يجب إخراجها على الفور ؛ لأن الأصل في الأوامر أنها تقتضي الفورية لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان هناك ضرر في إخراجها أو وجدت مصلحة راجحة في تأخيرها.

 إذا وجد ضرر على المالك في تعجيل إخراجها  فله تأجيل الإخراج كأن يكون مثلاً هناك لصوص مثلاً لو أخرجها سرقوه وآذوه ففي هذه الحال يجوز له تـأخير إخراجها إلى أن يزول الضرر،  أو يكون هناك مصلحة راجحة أو حاجة في تأخير إخراجها.

 مثال ذلك : أن يكون هناك فقير يحل إيجاره بعد أربعة أشهر وتعلم أنك لو أعطيته الزكاة الآن لأنفقها وما بقي شيء لدفع الإيجار فلك أن تؤخرها حتى تسدد بها إيجار منزله فإن بعض الفقراء عنده سوء تدبير في المال لا يحسن تصريف المال ولهذا ينبغي على القائمين على الجمعيات الخيرية أن يلحظوا هذا المعنى , تأتيهم صدقات وزكوات كثيرة في رمضان ينبغي لهم أن يجدولوا هذه الصدقات والزكوات على مدار العام لأنهم إذا أعطوا هؤلاء الفقراء جميع هذه الأموال في رمضان بعد شهرين أو ثلاثة يحتاجون, حوائج الفقراء متجددة على مدار العام, والأحسن أن هذه الزكوات أو الصدقات إذا أتت تجدول للفقراء على شكل مرتب شهري دخل شهري, هذا الفقير مثلاً له أربعة وعشرون ألف ريال نقول له كل شهر ينزل في حسابك ألفان هذا أفضل بالنسبة له وإذا كان له عقد إيجار يسدد عنه عقد الإيجار مباشرة, هذا أحسن من أن يعطى المبلغ كاملاً دفعة واحدة فهذا ينبغي أن تلاحظها الجمعيات الخيرية فتجدول الصدقات والزكوات خلال العام, لأن تأخير الزكاة لحاجة أو مصلحة راجحة يجوز ولا بأس به, بشرط أن تخرج عن ملك المالك أو أن يبرزها المالك , فإما أن تخرج عن ملكه بأن يسلمها للجمعية الخيرية  أو أن يبرزها المالك, يعني أنت عندك زكاة حالة الآن وتعلم أن فلاناً الفقير يحل إيجاره بعد ثلاثة أشهر وإيجاره مثلاً عشرة آلاف عشرة آلاف هذه تعزلها وتبرزها حتى ما بعد ثلاثة أشهر تسدد بها إيجار هذا الفقير هذا لا بأس به .

قال (فإن فعل فتلف المال لم تسقط عنه الزكاة)

 يعني إذ أخر إخراج الزكاة عن وقت الوجوب فتلف المال فيجب عليه إخراج الزكاة ولا تسقط عنه في هذه الحال لأنه وجبت في ذمته,   وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا تلف المال بعد وجوب الزكاة وقبل إخراجها من غير تعدٍ منه ولا تفريط أنه إذا كان معذوراً بالتأخر تسقط عنه الزكاة أما إذا كان غير معذور في التأخر فلا تسقط عنه الزكاة

فإذا كان معذوراً في تأخير إخراج الزكاة بأن انتظر لمصلحة الفقير مثلاً أو نحو ذلك فتسقط عنه الزكاة لأنها أمانة عنده

لكن إن تأخر من غير عذر فهنا يجب عليه أن يخرج الزكاة لأنه مفرط في تأخير إخراج الزكاة

قال (و إن تلفت قبله سقطت)

أي إذا تلف المال قبل وجوب إخراج الزكاة سقطت الزكاة ؛ لأن المال قد تلف قبل إخراج زكاته فلم يتعلق في ذمته شيء

هذا رجل يحول عليه الحول في رمضان , وفي شعبان تلف جميع ماله إذن لا زكاة عليه

قال (ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب) 

يجوز تعجيل الزكاة بقول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة خلافاً للمالكية، فإن المالكية لم يجوّزوا تعجيل الزكاة والقول الراجح هو قول الجمهور أنه يجوز تعجيل الزكاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل زكاة عمه العباس لسنتين هذا نص في المسألة.

ومن المسائل المتفرعة عن هذه المسألة : مسألة زكاة الدخل الشهري الآن أصبح كثير من الناس تأتيهم دخولهم بصفة شهرية إما عن طريق رواتب وظائف أو مكافآت أو راتب تقاعدي أو غير ذلك , معظم الناس دخولهم شهرية , فيقول أنا لا أدري ما الذي صرفت وما الذي ادخرت فكيف أزكي هذا الدخل الشهري ؟

- نقول أولاً إذا كنت لا تدخر شيئاً من هذا الدخل فلا زكاة عليك , فإذا كان هذا الدخل تصرفه كله منتصف الشهر ما عندك شيء فلا زكاة عليك أو عشرين من الشهر ما عندك شيء فلا زكاة عليك أو إلى نهاية الشهر يكفيك راتبك إلى نهاية الشهر ولا تدخر شيئا من دخلك فلا زكاة عليك

- أما إذا كنت تدخر شيئاً من دخلك وبلغ النصاب يجب عليك زكاته , إذن هذا هو محل وجوب الزكاة  

فإن قال كيف أزكي ؟ نقول لهذا طرق :

* الطريقة الأولى : طريقة تقليدية , أن يحسب ما حال عليه الحول فيزكيه , ما حال عليه الحول في الشهر الأول يزكيه وما حال عليه الحول في الشهر الثاني يزكيه وهكذا , ويمكن أن يستعين على ذلك بكشف حساب بنكي

* الطريقة الثانية : أن ينظر إلى أدنى الرصيد على مدار العام فيزكيه , يطلب من البنك كشف حساب بنكي لرصيده لمدة سنة فيتتبع الرصيد فينظر إلى أقل رقم فيزكي هذا الرقم , أقل رقم مثلاً خمسة آلاف فيزكي خمسة آلاف ؛ لأن ما زاد على أقل رقم لم يحل عليه الحول , وإنما حال الحول على أقل رقم , فأقل رقم تجده ثابت في جميع الشهور , لكن ما زاد على أقل رقم في بعض الشهور صرف غير موجود , هذه طريقة أخرى

* الطريقة الثالثة : أن يحدد له وقتاً معينا في السنة , كمنتصف شهر رمضان فيزكي جميع الرصيد عنده سواء حل عليه الحول أو لم يحل عليه الحول , فما حال عليه الحول أمره واضح , وما لم يحل عليه الحول ينوي به تعجيل الزكاة , وبذلك لا يقوم بزكاة ماله إلا مرة واحدة في السنة , كلما أتى منتصف رمضان زكى جميع ماله ناوٍ تعجيل الزكاة فيما لم يحل عليه الحول

و هذه الطريقة أسهل وأضبط وأحوط وهي التي الآن يطبقها معظم الناس لأنها أسهل الطرق , فكلما أتى مثلاً منتصف رمضان تنظر إلى رصيدك كم عندك ؟ عندك مثلاً أربعين ألفاً فتزكيه بغض النظر عما حال عليه الحول أو لم يحل عليه الحول لكن تنوي تعجيل الزكاة فيما لم يحل عليه الحول

فهذه ثلاثة طرق لزكاة الدخل الشهري فلك أن تختار واحدة منها وأسهلها الطريقة الثالثة

قال : (ولا يجوز قبل ذلك)

يعني لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب ؛ لأن النصاب هو سبب الزكاة فلم يجز تقديمها عليه ولا يجوز تقديم الشيء قبل سببه ويجوز بعد سببه وقبل شرط وجوبه , فملك النصاب هو سبب وجوب الزكاة هذه مسألة أصولية , ملك النصاب هو سبب الزكاة فلو أن رجلاً قال أنا سأزكي الأموال التي ستأتيني هذا العام وما عنده الآن شيء لكن قال سأزكي جميع الأموال التي ستأتيني هذا العام فلو قدرناها مثلًا خمسة آلاف نقول لا يصح لا بد أن تملك النصاب فسبب الزكاة هو ملك النصاب , ولكن شرط وجوبه هو تمام الحول , لك بعد تحقق السبب أن تخرج الزكاة قبل شرط الوجوب , يعني قبل حولان الحول وذلك بتعجيل الزكاة.

 قال : (فإن عجلها إلى غير مستحقها لم يجزئه وإن صار عند الوجوب من أهلها)

يعني أن من عجل إخراج الزكاة لكن تبين أنه أعطاها غير مستحق لها لم يجزئه التعجيل , حتى لو تغيرت حال هذا المعطى فأصبح عند وقت وجوب الزكاة من المستحقين , فيقولون إنه لا يجزئه ذلك ؛ لأنه لما عجلها عجلها لغير المستحق , لكن إن كان يظن أن غير المستحق هذا أنه مستحق فعجلها له بناءً على ذلك إنها تجزئه , أما إن عجلها لغير مستحقها  على أمل أنه يكون وقت وجوبها مستحقاً قلا تجزئه , فالعبرة إذن في حاله وقت تسليمها إليه.

قال (و إن دفعها إلى مستحقها فمات أو استغنى أو ارتد أجزأت عنه)

دفع الزكاة لفقير وبعد ساعة مات هذا الفقير تجزئ وتنتقل لورثته، أو دفعها لإنسان فقير ثم بعد ساعة مات له من يرثه فاغتنى فتغيرت حاله في ساعة من فقر إلى غنى هنا تجزئه الزكاة، أو ارتد , أعطاه الزكاة ثم ارتد فتجزئه الزكاة لأنه أعطاها لمستحقها فبرأت ذمته بذلك.

قال: (و إن تلف المال لم يرجع على الآخذ)

يعني تلف المال المزكى بعد إخراجه زكاته معجلة لم يرجع على الآخذ لأنها زكاة دفعت إلى مستحقها , فلم يجز له الرجوع

قال: (ولا تنقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة إلا أن لا يجد من يأخذها في بلدها)

مراد المؤلف بالصدقة هنا الزكاة، فالمؤلف يرى أنه لا يجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر غير بلد المزكي , بشرط أن يكون هذا البلد الآخر يبعد مسافة قصر فلا يجوز هذا , إلا أن لا يجد من يأخذا في بلده  فعلى هذا مثلاً إذا كان مقيماً في الرياض يعطي زكاته لفقراء الرياض ولا يجوز أن ينقلها إلى فقراء مكة على رأي المؤلف , إلا إذا استغنى جميع فقراء الرياض فله أن ينقله إلى فقراء مكة.

 تقييد المؤلف لهذا بمسافة القصر يفهم منه أنه يجوز نقلها لبلد دون مسافة القصر مطلقاً , فلو كان المزكي مقيماً في الرياض وأراد نقلها إلى فقير في الخرج فعلى رأي المؤلف يجوز ؛ لأن الخرج الآن دون مسافة القصر وهذا هو المذهب عند الحنابلة ويستدلون بأن النبي صلى الله عليهسلم   لما بعث معاذاً إلا اليمن قال ((أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) قالوا : فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء فترد على فقراء البلد نفسه.

والقول الثاني في المسألة: أنه يجوز نقل الزكاة إلى مكان آخر إذا وجد في ذلك مصلحة , كأن يكون فقراء البلد الآخر أكثر فقراً أو أكثر حاجة  أو أن يكون له أقارب وأرحام في البلد الآخر فيجوز نقلها , وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب إخراج الزكاة من غير تقييد لها ببلد المزكي وهذا هو القول الراجح.

و أما حديث معاذ ((وأعلمهم أن الله افترض قد عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) فليس بصريح بعدم جواز نقل الزكاة إلى بلد آخر , على أنه قيل أن المقصود بأغنيائهم وفقرائهم أنها ترجع إلى المسلمين يعني أغنياء المسلمين فتؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقراء المسلمين , ثم أيضاً هي واقعة حال ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بأن اليمن فيها فقراء ولا شك أن إخراج الزكاة لفقراء البلد أولى من إخراجها لفقراء آخرين

و على هذا فالقول الراجح أنه يجوز إخراج الزكاة في بلد آخر إذا وجد في ذلك مصلحة راجحة كما مثلنا بأن يكونوا أشد حاجة أو أن يوجد له أقارب أو أرحام أو جيران أو نحو ذلك في البلد الآخر فلا بأس بنقل الزكاة إليها

هذه أبرز الأحكام المتعلقة بهذا الباب.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلى باب مهم وهو (باب من يجوز دفع الزكاة إليه)

نستمع أولاً لعبارة المصنف:

قال المصنف رحمه الله:

باب من يجوز دفع الزكاة إليه

وهم ثمانية: الأول: الفقراء وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعا من كفايتهم بكسب ولا غيره.

الثاني : المساكين وهم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية.

الثالث : العاملون عليها وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيها.

الرابع : المؤلفة قلوبهم، وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم  عن المسلمين أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعها.

الخامس :الرقاب وهم المكاتبون وأعتاق الرقيق.

السادس : الغارمون وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين.

السابع : في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم.

الثامن : ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به وإن كان ذا يسار في بلده.

فهؤلاء هم أهل الزكاة لا يجوز دفعها إلى غيرهم ويجوز دفعها إلى واحد منهم

لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر وقال لقبيصة:((أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها))

هذا الباب من الأبواب المهمة التي ينبغي العناية بها ولأنها تكثر المسائل والأسئلة حول هذه المصارف التي ذكرها المصنف رحمه الله.

من يجوز دفع الزكاة إليهم هذه قد وردت بالنص نص الله تعالى عليها في القرآن الكريم ليس فيها مجال للاجتهاد , قسم الله تعالى الزكاة بنفسه ولم يوكل قسمتها لملك مقرب ولا نبي مرسل فقال عز وجل : (إنما الصدقات) يعني الزكوات (للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) وتكلم المؤلف عن كل صنف من هؤلاء الأصناف الثمانية:

الأول : الفقراء و لثاني : المساكين

و الفقراء والمساكين يجمعهما أنهم من ذوي الحاجة لكن الفقير أشد حاجة من المسكين ؛ ولهذا بدأ الله بهم ومما يدل لذلك قول الله عز وجل قصة الخضر مع موسى (وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فأثبت الله لهم السفينة التي يعملون عليها، ووصفهم مع ذلك بالمساكين فدل ذلك على أن السكين أنه يكون أحسن حالاً من الفقير

فما ضابط الفقير وما ضابط المسكين ؟ 

يقول المؤلف : (الفقراء وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعا من كفايتهم بكسب ولا غيره والمساكين وهم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية)

الفقير : هو المعدم الذي لا يجد شيء أو يجد دون نصف الكفاية

وأما المسكين : هو الذي يجد نصف الكفاية أو أكثرها دون تمام الكفاية هذا أحسن ما قيل في ضابط الفقير والمسكين.

وأوضح هذا بمثال : هذا رجل ما عنده شيء معدم فهذا فقير

و هذا رجل عنده دخل ولكن يكفيه إلى عشرة من الشهر وهذا فقير لأنه يجد دون نصف الكفاية

وهذا  رجل دخله يكفيه إلى منتصف الشهر فهذا مسكين لأنه يجد نصف الكفاية

وهذا رجل يكفيه دخله إلى عشرين من الشهر فهذا مسكين

وهذا رجل دخله يكفيه دخله إلى آخر الشهر فهذا مكفي ليس بفقير ولا مسكين فلا تحل له الزكاة

وهذا رجل دخله يكفيه إلى آخر الشهر ويدخر منه شيئاً فهذا غني في باب الزكاة , وغنى كل شيء بحسبه ولا تحل له الزكاة فهذا المثال يوضح لك المسألة تماماً  إذا أشكل عليك هذا غني أو مسكين فانظر لدخله هل يكفيه إلى آخر الشهر أو لا.

فإن كان ما عنده شيء فقير وإن كان يكفيه إلى قبل منتصف الشهر فقير.

و إن كان يكفيه منتصف الشهر ويكفيه أكثر الشهر ولا يكفيه إلى آخر الشهر مسكين تحل له الزكاة حتى الآن تحل له الزكاة, يكفيه إلى آخر الشهر هذا مكفي ليس فقير ولا مسكين ولا تحل له الزكاة, يدخر شيئا هذا غني يجب عليه أن يزكي إذا بلغ ما يدخره النصاب . هذا أحسن ما قيل في ضابط الفقير والمسكين , اضبط هذا الضابط يريحك كثيراً

الفقر هل هو من الأمور الظاهرة أم من الأمور الخفية ؟

من الأمور الخفية , أحياناً تحد شخصاً يظهر عليه ملابس نظيفة , لباس أنيق لكنه متعفف فقير, ولهذا ذكر الله تعالى هذا الصنف فقال (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) انظر لهذه الأوصاف لهم !!

الفقراء والمساكين على قسمين :

قسم يسأل فإن أعطيته وإلا أعطاه غيرك.

لكن القسم الثاني الذي هو القسم الأهم والذي إعطاؤه أعظم أجراً وثواباً والذي يحتاج إلى فراسة وفطنة هم الفقراء والمساكين المتعففون الذين ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية (يحسبهم الجاهل أغنياء) الجاهل غير الفطن الذي عنده سذاجة جاهل يأخذ الأمور بظاهرها وما عنده فطنة,  إذا رأى هذا المسكين قال هذا ملابسه جيدة ولباسه أنيق ما يدري.

لكن الإنسان الفطن يعرف (تعرفهم بسيماهم) إذا كان عندك فراسة وفطنة تعرفهم كيف تعرفهم ؟ تعرفهم بالنظر إلى دخلهم ونفقاتهم, إنسان ما عنده دخل ونفقاته كثيرة عنده أطفال وعنده أولاد وعنده أسرة ودخله ضعيف أو ما عنده شيء هذا تعرف أنه فقير لكنه متعفف (لا يسألون الناس إلحافاً) تجده لا يسأل أحداً

هذه الشريحة من الفقراء هم الذين ينبغي أن نبحث عنهم وأن نعطيهم من الزكوات ومن الصدقات هؤلاء المتعففون وهم موجودون في كل مجتمع, لكنهم يحتاجون إلى بحث وإلى فطنة وإلى فراسة وهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يكون لديه فطنة ألا يكون عمده سذاجة تجد أحيانا معك في المسجد شخص جار لك أو قريب متعفف لا يظهر عليه أثر الفقر لكنه في الحقيقة فقير أو مسكين فلابد أنك تتأمل في حاله ما دخله هل عنده وظيفة هل عنده عقار يؤجره ما دخله ؟ فلنقل ما عنده دخل أو عنده وظيفة ولكن راتبه ضعيف ونفقاته كثيرة هذا فقير متعفف ينبغي أن نحرص على أن نعطيه من الزكاة لأن غير المتعفف إن لم تعطه أعطاه غيرك لكن المشكلة في هذا المتعفف الفقير هذا الذي لا يسأل لا يتكلم ومع الناس يحسبه الجاهل غنياً من التعفف

سئل الشيخ ((إذا أعطيناهم الزكاة وقلنا هذه زكاة لا يأخذونها من التعفف))

فأجاب: لا يأخذونها لكن أعطهم سراً , صحيح فيه قسم ما يأخذ الزكاة هذا لا تعطيه إذا كان فقيراً بالفعل فسيأخذ الزكاة، لو كنت لو أعطيته وعلم أنها زكاة ما قبل ما يجوز، لأنه حر لو قال ما أقبل الزكاة ما تجبره, لكن الغالب عليه أنه إذا كان محتاجاً فسيقبل لكنه لعزة نفسه ما يسأل إن أعطاه أخذ وإن لم يعطه أحد سكت متعفف.

و مثل هذا الأحسن تعطيه الزكاة بطريقة غير مباشرة مثلا تقول يا فلان كم إيجار المنزل ثم تقول أدفع الإيجار عنك أو تعطيه للمالك الإيجار، يعني ربما تكون أخف على نفسه المقصود أن هذا القسم هو الذي ينبغي البحث عنه وإعطاؤه من الزكوات والصدقات,  السائل أيضاً لا بأس الله تعالى قال (للسائل والمحروم) السائل يعطى أيضاً لكن الأعظم أجرًا أن تعطي هذا الفقير المتعفف.

 القسم الثالث: قال (العاملون عليها وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيها)

العاملون عليها الذين يبعثهم ولي الأمر لقبض الزكوات من أرباب الأموال , ولي الأمر يجب عليه شرعاً أن يبعث سعاة لقبض الزكوات من أرباب الأموال الظاهرة كالمواشي والزروع والثمار, وهذا الأمر عندنا في المملكة العربية السعودية ولله الحمد, الدولة كل سنة تبعث سعاة لقبض الزكوات من أرباب الأموال .

فهؤلاء إذا لم يكن يدفع لهم مرتبات أو مكافآت من بيت مال المسلمين فلابأس بأن يعطوا من الزكاة ؛ لأنهم يعتبرون من العاملين عليها  أما إذا كان ولي الأمر يعطيهم مرتبات ومكافآت من بيت المال , فليس لهم أن يأخذوا من الزكاة إلا بإذن ولي الأمر،  هذا هو الواقع عندنا في المملكة أن الدولة تبعث سعاة لكن تصرف لهم مرتبات وانتدابات ومكافئات فليس لهم أن يأخذوا من الزكاة إلا إذا أذن لهم ولي الأمر بأخذ شيء منها , والمقصود بولي الأمر يعني الإمام أو من ينيبه , وليس المقصود رئيس المجموعة  , رئيس المجموعة قد يكون أيضاً متلاعباً فإذنه غير معتبر , ولكن المقصود ولي الأمر الإمام أو من ينيبه كوزير المالية أو رئيس مصلحة الزكاة والدخل مثلاً , هذا هو الذي يمثل الإمام في هذا , وإلا فإن الأصل أن مرتباتهم ومكافئاتهم أنها كافية .

القسم الرابع : (المؤلفة قلوبهم، وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعها)

- قال (وهم السادة المطاعون) وقوله السادة هي إشارة إلى أنه لابد أن يكون المؤلف سيداً في قومه

فإن كان شخصاً عادياً ليس سيدا في قومه فعلى رأي المؤلف لا يدخل في المؤلفة قلوبهم كأن يكون مثلاً أمير قبيلة , أو سيداً متبوعاً عنده أتباع في عشيرة مثلاً أو نحو ذلك , يعطى من الزكاة إذ كان يرجى بذلك إسلامه أو إذا كان مسلماً يرجى تقوية إيمانه أو فع شره عن المسلمين أو أن يدافع عن المسلمين أو أن يعين المسلمين على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعها

- ذهب بعض العلماء إلى أن المؤلفة قلوبهم إذا كانوا يرجى إسلامهم أو تقوية إيمانهم فلا يشترط فيهم أن يكونوا سادة بل يجوز إعطاؤهم ولو كان شخصاً عادياً , وليس سيداً في قومه ؛ قالوا لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن , إذا كان الفقير والمسكين نعطيه من أجل إحياء بدنه وحفظ صحته فحفظ الدين وإحياء القلب من باب أولى , فهذا نعطيه من أجل أن ننقذه من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام وهذا هو القول الراجح أن المؤلفة قلوبهم إذا كنوا يرجى إسلامهم أو تقوية إسلامهم فلا يشترط فيهم السيادة بل يجوز أن يعطى الشخص أو الفرد الواحد ولم يكن سيداً في قومه.

و أما إذا كان المؤلفة قلوبهم ممن يراد كف شرهم عن المسلمين فهؤلاء لابد أن يكونوا سادة أو يكون له قوة ؛ لأن الشخص الواحد ما يضر المسلمين وإنما يضرهم إذا كان له قوة وكان من السادة.

فإذن نفرق بين ما إذا كان المؤلفة قلوبهم يرجى إسلامه أو تقوية إيمانه وبين ما يرجى دفع شرهم عن المسلمين

إذا كان يرجى كف شرهم عن المسلمين فلابد أن يكون سيداً أو له قوة

أما إذا كان يرجى إسلامه أو تقوية إيمانه فلا يشترط أن يكون سيداً

على هذا من عنده خادم كافر ووجد عنده أمارات تدل على رغبته للإسلام ويؤمل أنه إذا أعطاه من الزكاة أسلم هل يجوز أن نعطيه من الزكاة ؟ نعم نعطيه لأنه يعتبر من المؤلفة قلوبهم

إذا كان المسلمون يخشون من شر دولة من الدول فهل يجوز أن تعطى هذه الدولة من الزكاة من أجل أن تكف شرها عن المسلمين ؟ يجوز بل هم أولى من السائل ؛ لأن هذه دولة بأكملها عندها جيش وعندها قوات فهم أولى بأن يعطوا من الزكاة لكف شرهم عن المسلمين.

فانظر إلى رعاية الشريعة الإسلامية بهذه الجوانب هذا يدل على عظمة هذه الشريعة , وعلى أيضاً مراعاة الشريعة لأحوال  النفوس ؛ لأن المال له أثر في الحب والكره والأموال تشترى بها حتى الذمم فالمال له أثر على النفوس وكما يقال في المثل : (الفلوس تغير النفوس) فله أثر, الإسلام راعى هذه الجوانب , لهذا أعطى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعض المؤلفة قلوبهم , أعطاهم مبالغ كبيرة جداً يعطيهم مئة من الإبل مئة من الإبل كم تساوي اليوم ؟ يعني مليون فصاعداً رجاء أن يسلم وبالفعل أسلموا فكان السيد العربي إذا أسلم أسلمت القبيلة كلها, كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم يعطيهم الأموا حتى يتألفهم على الإسلام فأسلموا , فالأموال لها أثر في الحب والكره , ولا تقول هذا على عقيدة ولو أعطيته مال فلن يسلم هذا غير صحيح , إذا أعطيته مالا تألفت قلبه جذبته لك، المال يغير نفسيته, الفلوس تغير النفوس فهذه الجوانب راعتها الشريعة الإسلامية , راعت هذه الجوانب النفسية هذا يدل على عظمة هذه الشريعة وأنها من عند العزيز الحكيم خالق البشر الذي هو أعلم بأحوال البشر.

القسم الخامس : قال (الرقاب وهم المكاتبون وأعتاق الرقيق)

أي الأرقاء الذين أشتروا أنفسهم من أسيادهم , الرقيق إذا اشترى نفسه من سيده بالتقسيط , يقول الرقيق لسيده أنا أريد أن أشتري نفسي منك , يعطيه مالاً ويقسطه عليه كل شهر تعطيني كذا, هذا الرقيق يسمى مكاتب يجوز إعطاءه من الزكاة (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا)

وهكذا أيضاً يجوز دفع الزكاة في إعتاق الرقيق , والرق الآن قد انقرض , انقرض الرق الآن في العالم كله , أصبح ممنوعاً دولياً في جميع دول العالم , ومجرم دولياً.

القسم السادس : قال (الغارمون وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين)

معنى الغارامين: يعني المدينين الذين عليهم ديون حالة وهم عاجزون عن سدادها , انتبه لهذا الضابط !!

وقولنا في الضابط (عليهم ديون حالة) احترازاً من الديون المؤجلة , من عليه دين مؤجل ليس له أن يأخذ من الزكاة نقول انتظر حتى يحل الدين

والقيد الثاني(عاجزون عن سدادها)إذا كانوا قادرين على سدادها يعني كانت دخولهم دخول أغنياء فليس لهم الأخذ من الزكاة

لكن هذا انسان حل عليه الدين وقال الدائن للمدين إما أن تسدد وإما أرفع فيك شكاية وقد تسجن بسبب ذلك, هذا يجوز أن يأخذ من الزكاة ما يسدد به الدين وبعض الناس يعتقد أن كل مدين تحل له الزكاة , أكثر التجار اليوم مدينون, التجار يستدين من هذا ويعطي هذا ما تخلوا أموره من ديون, ليس إذن كل مدين يكون مستحقاً للزكاة.

وأذكر أن رجلاً أتى إلي وقال إنه يريد من الزكاة فسألته عن دخله فإذا دخله دخل أغنياء حوالي خمسة عشر ألفاً

قلت: ماذا عليك من الديون ؟ قال: حوالي ستين ألفاً , قلت : طيب بإمكانك أن تجدول الدين على راتبك فلماذا تزاحم الفقراء ؟ قال إنه فهم أن المدين يستحق الزكاة مطلقاً ، هذا فهم غير صحيح , إذا كان دخله دخل أغنياء فيجدول الدين على راتبه , هذا الذي عنده خمسة عشر ألفاً نصفه يجدوله على الدين ولا يزاحم الفقراء والمساكين في حقهم , فإذن ليس كل مدين مستحق للزكاة , المدين المستحق هو المدين الذي حل عليه الدين وهو عجز عن سداده

ويلاحظ في الوقت الحاضر التوسع في قبول الزكاة وفي أخذ الزكاة ممن لا يستحقها وهذا لا يحل له , بعض الناس لا يتورع عن أخذ الزكاة , يأخذ الزكاة وهي لا تحل له ولكن يتأول , فإذا لم يكن من أصحاب الزكاة الثمانية فإنها لا تحل له , تكون جمراً عليه يوم القيامة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((من أخذ أموال الناس تكثراً فإنما يأخذ جمراً فليستقل أو ليستكثر)) وأيضاً الذي يأخذ الزكاة وهو غير مستحق لها تكون سبباً لمحق بركة أمواله , وربما تكون سبباً لمصائب تقع عليه في بدنه أو أهله أو ماله أو غير ذلك لأنه قد آذى الفقراء والمساكين وزاحمهم في حقهم وأخذ شيئاً من حقهم وهو غير مستحق لها , فلابد إذن أن يكون الآخذ من الزكاة مستحق لها.

إذن الغارمون لابد أن ينطبق عليهم هذا الضابط : وهم من كان عليهم ديون حالة وهم عاجزون عن سدادها، أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين, وهنا لا يشترط أن يكونوا فقراء حتى لو كانوا أغنياء , فيجوز إعطاؤهم من الزكاة من أجل الإصلاح بين المسلمين تشجيعاً لهم على هذا العمل النبيل.

 فلو حصلت مشكلة بين قبيلتين بسبب أمور دنيوية , فأتى رجل فقال : يا جماعة أنا أتحمل , أنتم مختلفون على هذا المبلغ مثلا نفترض ثلاث مئة ألف ريال , قال أنا مستعد أن أدفع لهذه القبيلة ثلاث مئة ألف ريال وتصلحون فيما بينكم فاصطلحوا بناءً على هذا , فيجوز أن يأخذ هذه الثلاث مئة من الزكاة.

القسم السابع : قال (في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم)

و الكلام عن مصرف في سبيل الله كلام طويل لأنه يتفرع عنه تطبيقات معاصرة كثيرة.

يتفرع عنه مثلاً حكم دفع الزكاة لمكاتب الدعوة إلى الله عز وجل , حكم دفع الزكاة لحلقات تحفظ القرآن الكريم ونحو ذلك المسائل المعاصرة ولهذا نرجئ الكلام عن مصرف في سبيل الله إلى الدرس القادم ونكتفي بهذا القدر والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض