الخثلان
الخثلان
مشهد من مشاهد يوم القيامة
16 ربيع الآخر 1438 عدد الزيارات 915

الخطبة الأولى

الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد  أحمده تعالى وأشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه وأحمده وأشكره حمدا وشكرا كما يحب ويرضى وأحمده وأشكره حمدا وشكرا ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله تعالى بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا

فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين أما بعد :  

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فإنها وصية الله للأولين والآخرين " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب " ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا " ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا "

عباد الله أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما عن عدي بن حاتم – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه فينظر

أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمره فمن لم يجد فبكلمة طيبة " هذا الحديث العظيم حديث جليل النفع عظيم القدر ينبغي لكل مسلم أن يستحضر معناه بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد من البشر إلا سيقف

بين يدي الرب جل وعلا يوم القيامة فيحاسبه على أعماله ويحاسبه على جميع تصرفاته في الدنيا يحاسبه على جميع أعماله خيرها وشرها دقيقها وجليلها سابقها ولا حقها ما علمه العبد وما نسيه منها يحاسبه بدون واسطة

بل يتولى الرب عز وجل ذلك بنفسه فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر أشأم منه أي عن شماله فلا يرى إلا ما قدم أي أن أعماله تكون حاضرة عن يمينه وعن شماله فالحسنات عن يمينه والسيئات عن شماله

لا يغادره في ذلك الموقف شيء منها قال بعض أهل العلم : " إنه ينظر عن يمينه وشماله كحالة الذي دهمه أمر عظيم فهو يتلفت يطلب النجاه ويطلب الغوث وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه وذلك أن النار في ذلك الموقف العظيم تكون حائلة بين الناس وبين الجنة فلا بد من ورودها ولا بد من عبور الصراط لكل أحد

" وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا "

قيل لعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كيف يحاسب الله الخلائق جميعا في ساعة واحدة قال : كما يرزقهم

في ساعة واحدة " فهو جل وعلا لعظمته وكبريائه وقدرته العظيمة كما يخلقهم ويرزقهم في ساعة واحدة

 ويبعثهم في ساعة واحدة فإنه يحاسبهم جميعا في ساعة واحدة فتبارك من له العظمة والمجد والملك العظيم والجلال وهو على كل شيء قدير وفي هذه الحال التي يحاسبهم فيها ليس مع العبد أنصار وأعوان ولا أولاد ولا أموال

بل جاءه فردا كما خلقه أول مره قد أحاطت به أعماله خيرها وشرها عن يمينه وعن شماله

جاء في الصحيحين عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه أي ستره ويستره فيقرره بذنوبه ويقول : أتعرف ذنب كذا

أتعرف ذنب كذا وكذا فيقول : أي ربي فيقول : أعملت كذا وكذا يوم كذا وكذا فيقول : نعم ويقول :

عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا فيقول : نعم حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال الله له :

إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم

على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين "

وجاء في صحيح مسلم عن أنس – رضي الله عنه – قال : " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال : هل تدرون مما أضحك قلنا : الله ورسوله أعلم قال : من مخاطبة العبد ربه يقول : يا ربي ألم تجرني من الظلم

فيقول : بلى فيقول : أي ابن ادم فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني فيقول الله : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقال لأركانه أي لجوارحه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى

بينه وبينها الكلام فيقول لجوارحه بعدا لكنا وسحقا فعنكن كنت أناضل "

فيا أخي المسلم تأمل في دلالاتها هذه الأحاديث ومثل نفسك واقفا بين يدي ربك عز وجل والله يقررك بذنوبك

قال بعض أهل العلم : إن الله تعالى من إكرامه للمؤمن يضع كنفه عليه ويستره حين السؤال والتقرير

حتى لا يفتضح وحتى لا يختزي أمام رؤوس الخلائق لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله ويصيبه خوف شديد وهلع عظيم ويتبين فيه الكرب والشدة فليستحضر المسلم هذا المعنى وليبادر للأعمال الصالحة فإنها والله الكنز العظيم وإنها والله الكنز الحقيقي الذي يغتبط به الإنسان حيا وميتا هذه الأعمال الصالحة سيجدها في ذلك المقام العظيم أحوج ما يكون إليها وسيسر بها ويغتبط وليقلع عن الذنوب والمعاصي فإن الله تعالى سيقرره بها

 في ذلك المقام العظيم

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه

 وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

 أما بعد :

فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة

عباد الله وفي آخر هذا الحديث العظيم يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فاتقوا النار ولو بشق تمره فمن لم يجد فبكلمة طيبة " والمقصود من ذلك تقديم العمل الصالح الذي يكون واقيا لصاحبه من النار وأن العمل الصالح

وإن قل ينفع صاحبه في ذلك المقام ولو بشق تمره أي بنصف تمره يتصدق بها على مسكين ولو بكلمة طيبة

فإن الكلمة الطيبة صدقة ودل هذا الحديث على أن من أعظم المنجيات الإحسان إلى الخلق بالمال وبالأقوال

أما بالمال فأشار إليه بقوله : فاتقوا النار ولو بشق تمره وأما بالأقوال : فأشار إليه بقوله : فمن لم يجد فبكلمة طيبة فالإحسان إلى الخلق من أعظم المنجيات من النار والعبد ينبغي له أن لا يحتقر من المعروف شيئا

ولهذا قال ولو بشق تمره فمن لم يجد فبكلمة طيبة لا يحتقر صدقة يتصدق بها على فقير أو مسكين وإن قلت

ولا يحتقر كلمة طيبة فإنها ربما تكون هي السبب في نجاته في ذلك الموقف

والكلمة الطيبة تشمل النصيحة للخلق بتعليمهم ما يجهلون وإرشادهم إلى مصالحهم وتشمل الكلام المسر للقلوب الشارح للصدور الذي يقارنه البشاشة والبشر وتشمل كذلك ذكر الله عز وجل والثناء عليه

فكل كلام يقرب إلى الله ويحصل به النفع لعباد الله فهو داخل في الكلمة الطيبة

" إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا "

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه :

" إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وأرضى اللهم عن صحابة نبيك أجمعين

وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين

اللهم انصر الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أذل الكفر والكافرين اللهم أذل النفاق والمنافقين اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء اللهم فأشغله في نفسه اللهم اجعل كيده في نحره

اللهم اجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء ورغد العيش واجعلها عونا لنا على طاعتك ومرضاتك

يا حي يا قيوم واجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين

اللهم أعنا على ذكرك وعلى شكرك وعلى طاعتك وعلى حسن عبادتك

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله

ما علمنا منه وما لم نعلم

اللهم ووفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك والعمل بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم

واجعلهم رحمة لرعاياهم اللهم ووفق إمامنا وولي أمرنا ونائبيه لما فيه صلاح البلاد والعباد وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الحق وتعينهم عليه يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام

 

 

اللهم وارحم أخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان اللهم وارحمهم برحمتك يا رحمن وانصرهم بنصرك

 يا قوي يا عزيز يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا إنك رءوف رحيم

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين