الخثلان
الخثلان
النوازل المعاصرة في العبادات 2
10 صفر 1438 عدد الزيارات 4203
التصنيف: فقه العبادات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو المجلس الثاني في هذه الدورة العلمية النوازل والمسائل المستجدة، أو أبرز النوازل والمسائل المسجدة في العبادات.

سنبدأ أولًا بأبرز النوازل في كتاب الطهارة، ثم ننتقل بعد ذلك إلى الصلاة والزكاة ثم الصيام ثم الحج إن شاء الله تعالى.

من أبرز النوازل في كتاب الطهارة: التنظيف الجاف، ما يسمى بالتنظيف الجاف أو التنظيف بالبخار، وذلك أن بعض الملابس وخاصة ملابس الصوف والمشالح وأنواع من الملابس يفسدها غسلها بالماء، وتغسل بالتنظيف الجاف أو ما يسمى بالبخار، هذا أمر معروف عند المغاسل.

فإذا وقعت نجاسة على هذا النوع من اللباس، وحصل التنظيف لها بطريق التنظيف بالبخار والتنظيف الجاف، معلوم أنها لن تغسل بالماء وإنما تنظف بالتنظيف الجاف أو التنظيف بالبخار، هل التنظيف الجاف لها يزيل النجاسة الواقعة عليها أم لا؟

أولًا: لا بد أن نتصور كيفية عمل التنظيف الجاف أو التنظيف بالبخار، يقولون أنه يؤتى بالملابس المراد تنظيفها وتجمع وبعد ذلك يوضع عليها مادة منظفة تسمى بروكلين وهي معروفة عند أصحاب الملابس، وثم هذه المادة تزيل كل ما علق بهذه الملابس من نجاسة أو غيرها فيحصل لها التنظيف التام، وتستخدم إذًا هذه المادة ومواد أخرى مع كيها عن طريق البخار، فيحصل تنظيفها بهذه الطريقة.

فيلاحظ هنا أنها لم تغسل بالماء، ولم تغسل أيضًا ببخار الماء، يعني إلى حد يبلغ تقاطر الماء، وإنما غسلت أو نظفت بهذه المواد المنظفة ومن أبرزها مادة البروكلين، مع بخار الماء ونحو ذلك، لكنه لا يصل بخار الماء إلى حد التقاطر، وبعد ذلك يحصل الكي لها وتكون كأنها قد غسلت بالماء، هذا هو التنظيف الجاف.

فهل هذا التنظيف تزول به النجاسة أو لا تزول؟ يمكن تخريج هذه النازلة على مسألة فقهية عند الفقهاء السابقين وهي: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ أم أن النجاسة تزول بأي مزيل؟ وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء على قولين مشهورين.

القول الأول: أن الماء يتعين لإزالة النجاسة، فلا تزول النجاسة بغير الماء، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة.

القول الثاني: أن النجاسة تزول بأي مزيل، فتزول بالماء وتزول بالشمس وتزول بالريح وتزول بأي مزيل كان، وهذا هو المذهب عند الحنفية، ورواية عن الحنابلة.

أبرز أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بالأدلة التي تدل على أن الماء مطهر لقول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48].

وأيضًا قصة الأعرابي الذي بال في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصب على بوله دلوًا من ماء، قالوا: فهدي النبي صلى الله عليه وسلم في إزالة النجاسة أنه كان يأمر بإزالتها بالماء.

وأما أصحاب القول الثاني الذين قالوا لا تتعين النجاسة بإزالة الماء فقالوا لأنه أنه ليس هناك دليل يدل على تعين الماء لإزالة النجاسة، والنجاسة عين خبيثة طارئة، لأن الأصل في الأشياء الطهارة، فالنجاسة طارئة عليها.

فإذا أزيلت النجاسة بأي مزيل رجع هذا الشيء إلى أصله وهو الطهارة، سواء كانت إزالة النجاسة بالماء أو بالريح أو بالشمس أو بغير ذلك، وقالوا إن إزالة النجاسة من باب اجتناب المحظور وليس من باب فعل المأمور، واجتناب المحظور إذا حصل بأي سبب ثبت به الحكم، ولهذا فإنه لا يشترط لإزالة النجاسة النية، لو أنه نزل المطر من السماء على نجاسة فإنها تزول عند الجميع.

والقول الراجح هو القول الثاني وهو أن النجاسة تزول بأي مزيل، وقد اختاره جمع من المحققين من أهل العلم، وممن اختاره المجد بن تيمية وحفيده أبو العباس بن تيمية، وابن القيم، ومن مشايخنا الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله تعالى جميعًا. وذلك لقوة أدلته.

وأما ما استدل به الجمهور فإن جميع ما استدلوا به يدل على أن الماء مطهر، ومزيل للنجاسة، لكن هذه الأدلة لا تدل على أن غير الماء ليس مطهرًا ولا مزيل للنجاسة، جميع الأدلة التي استدلوا بها، مثلًا {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48].

هذا يدل على أن الماء مطهر، نحن نقول به، نقول الماء مطهر والأفضل ما تزال به النجاسة، لكن أين الدليل الدال على أن غير الماء لا يطهر ولا تزول به النجاسة؟ فعلى هذا يكون القول الراجح هو أن النجاسة تزول بأي مزيل، ولا يتعين الماء لإزالة النجاسة.

وعلى هذا نرجع للنازلة، فإذا كان على هذه الملابس التي تنظف بالتنظيف الجاف أو البخار إذا كان عليها نجاسة وأزيلت هذه النجاسة بالتنظيف الجاف من غير أن تزال بالماء، على القول الراجح أن هذه النجاسة تزول، لأننا رجحنا أن النجاسة تزول بأي مزيل، وأنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة.

وعلى هذا حتى لو كانت هذه الملابس الصوفية أو المشالح أو غيرها عليها نجاسة ونُظفت بالبخار أو بالتنظيف الجاف فإن هذه النجاسة تزول بناء على القول الراجح وهو أن النجاسة تزول بأي مزيل.

هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه النازلة، وقليل منها من حيث التخريج، نازلة أخرى وهي مياه المجاري بعد تنقيتها ومعالجتها، فمياه المجاري في الوقت الحاضر أصبحت تعالج عبر عمليات كيميائية وعن طريق أجهزة متقدمة، وقد ذكر أهل الاختصاص أنها تمر بأربع مراحل، التغسيل والتهوية وقتل الجراثيم والتعقيم، تمر بهذه المراحل الأربعة، التغسيل والتهوية وقتل الجراثيم والتعقيم.

فإذا مرت مياه المجاري بهذه المراحل الأربع فلا يبقى للنجاسة أثر من لون أو طعم أو رائحة، فهل هذه المياه أصبحت طاهرة يجوز التوضؤ بها أم لا؟ هذه المسألة من النوازل لكن يمكن تخريجها على المسألة السابقة التي ذكرناها، هل يتعين الماء لإزالة النجاسة أو أن النجاسة تزول بأي مزيل؟

وذكرنا الخلاف فيها بين جمهور الحنفية ورجحنا قول الحنفية، القول بأنه اختيار جمع من المحققين من أهل العلم، وهو أن النجاسة تزول بأي مزيل، وعلى هذا فنجاسة مياه المجاري تزول بهذه العمليات الكيميائية التي تمر عبر هذه المراحل الأربع، لأنه لا يبقى أي أثر للنجاسة، وعلى ذلك تصبح هذه مياه المجاري من المياه الطاهرة، أو من قسم الطهور.

ويمكن أيضًا أن تخرج هذه النازلة على مسألة أخرى أيضًا وهي طرق إزالة النجاسة، والفقهاء ذكروا طرقًا لإزالة النجاسة، منها المكاثرة مثلًا، والإزاحة ونحو ذلك، فيعني هذه تشبه الطرق التي ذكرها الفقهاء السابقون، لأن النجاسة تزاح عبر هذه العمليات الكيميائية.

وعلى هذا فتكون مياه المجاري بعد تنقيتها ومعالجتها طاهرة، وأنا وعدت بأن أذكر أبرز من له رأي في النازلة، فمن أبرز من ذهب إلى هذا الرأي المجمع الفقهي الإسلامية برابطة العالم الإسلامي، حيث أصدر قرارًا بأن مياه المجاري بعد تنقيتها أو معالجتها ومرورها بهذه المراحل الأربع أنها طاهرة.

نص العبارة: لذا فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة، بحيث تعود إلى خلقتها الأولى، لا يرى فيها تغير بنجاسة من طعم ولا لون ولا رائحة، فيجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث وتحصل الطهارة بها.

إذا هذا أقره المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، وأيضًا أقر هذا هيئة كبار العلماء، هيئة كبار العلماء حقيقة هي سابقة للمجمع، فهيئة كبار العلماء ترى طهارة هذه المياه بعد تنقيتها ومعالجتها.

لكن في قرار الهيئة ورد أنه يستحسن عدم استعمالها في الطبخ والأكل والشرب، يعني يستحسن هذا، لكن لو استخدمت فلا بأس، لكن من باب التقذر، فقالوا أنه يستحسن ألا تستخدم في الطبخ والأكل والشرب، لكن ليس على أنه يحرم ذلك.

لكن من باب الاستحسان والأولوية فقط، وهذا يعني رأي جيد، يمكن تستخدم في غير الأكل والشرب بعد تنقيتها ومعالجتها تستخدم في الأمور الأخرى، في الزراعة، في أي مجال، لكن الأكل والشرب والطبخ ونحوه ينبغي ألا تستخدم على سبيل الاستحسان والأولوية.

ننتقل بعد ذلك إلى نازلة أخرة من النوازل في كتاب الطهارة: مس المصحف عبر شاشات الهاتف المنقول، كما تعرفون الآن مع التقدم التقني أصبح يخزن المصحف في الهاتف الجوال، وأصبح لإمكان مستخدم هذا الجوال أن يقرأ في المصحف الإلكتروني عن طريق الشاشة.

لو افترضنا أنه يريد أن يقرأ القرآن عن طريق هذا الجوال، عن طريق المصحف الإلكتروني في الهاتف الجوال، وأراد أن يقلب صفحات المصحف، هل يجوز له أن يمس شاشة الهاتف المنقول وهو على غير طهارة أم لا؟

قراءة القرآن لا يشترط لها الطهارة، القراءة وليس مس المصحف، قراءة القرآن لا يشترط لها الطهارة من الحدث إلا بالنسبة للجنب على خلاف بين العلماء، هل هذا على سبيل التحريم أو الكراهة؟ لكن لا تجب الطهارة لقراءة القرآن, لأن القرآن هو أشرف الذكر.

والله تعالى يقول: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191].

كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحواله، فلو أردت أن تقرأ القرآن عن ظهر قلب وأنت على غير طهارة فلا بأس، لكن الذي يجب له الطهارة هو مس المصحف، وعلى هذا المذاهب الأربعة، الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنابلة على أنه تجب الطهارة لمس المصحف خلافًا للظاهرية، وبعض أهل العلم لا يعول على خلاف الظاهرية في مثل هذه المسائل.

ولهذا حُكي الإجماع على وجوب الطهارة لمس المصحف، والمصحف الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الوحي يتنزل من الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّم القرآن الصحابة، ونهى عن كتابة القرآن مدة حتى لا يختلط بالسنة ونحو ذلك.

ثم بعد ذلك أذن في الكتابة، فكُتب المصحف في ألواح وفي رقاع وفي قراب النخل ونحو ذلك، لكن كان أكثر الصحابة يعتمدون على الحفظ، واستمر الأمر على هذا في عهد أبي بكر الصديق قم لما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وكثر القتلى من القرَّاء أمر أبو بكر الصديق بأن يجمع المصحف.

جُمعت هذه الرقاع واللواح وجمع المصحف، ثم رقعة الدولة الإسلامية اتسعت أكثر في عهد عمر ثم اتسعت في عهد عثمان أكثر، فحصل الاختلاف في القراءة، فرأى الصحابة رضي الله عنهم أن يكتب المصحف، وكان رأيًا عظيمًا موفقًا مسددًا.

وجمع عثمان الناس على حرف واحد وهو حرف قريش، وهو الحرف الذي نزلت عليه العرضة الأخيرة، لأن جبريل كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام في رمضان، يدرسه القرآن مرة، يعرض عليه القرآن مرة إلا في العام الذي توفي فيه عرض عليه المصحف مرتين.

فالعرضة الأخيرة هي التي اعتمدها الصحابة رضي الله عنهم، فجمع عثمان الناس على هذا الحرف، وأمر بتحريق جميع المصاحف على الحروف الأخرى، الحروف الستة الأخرى، وكان هذا رأيًا عظيمًا، وفق الله تعالى له صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم.

القراءات السبع هل القراءات السبع هي الأحرف السبعة المذكورة في قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف»؟ من يجيب عن هذا السؤال؟ ليست هي، القراءات السبع هي القراءات السبع على الحرف الذي جمع عثمان عليه الناس، فهي على حرف واحد.

أما الأحرف الأخرى فرأى الصحابة تحريق المصاحف التي على الأحرف الأخرى، حُرقت كلها ولم يبقى منها شيء.

فإذًا كُتب المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، كتب على الألواح، ثم تطورت الكتابة شيئًا فشيئًا إلى أن جاء الورق فكُتب على الورق، وكُتب من غير تنقيط، ثم بعد ذلك أتى التنقيط، قيل أن أول من فعل ذلك هو الحجاج بن يوسف، والله أعلم.

ثم تطورت الصناعة الورقية إلى وقتنا هذا كما ترون، أصبحت العناية بطباعة المصحف عناية كبيرة، وأصبح يطبع في أفضل وأحسن أنواع الورق والحبر، ثم تطورت بعد ذلك الصناعة، فأصبح المصحف يكتب إلكترونيًا، أو أنه يصور ورقيًا ويوضع إلكترونيًا.

المصحف الإلكتروني الآن الذي يوجد في الهواتف المنقولة هل يأخذ حكم المصحف الورقي وتجب الطهارة عند مسه أم لا؟ العلماء المعاصرون اختلفوا في هذه المسألة، وأولًا لا بد أن نتصور كيفية عمل هذه المصاحف الإلكترونية كيف تعمل؟ يقول أهل الاختصاص أنها عبارة عن إشارات وذبذبات كهربائية، وأنها تعالج عبر برامج المعالجة حتى تخرج على شكل المصحف.

فأولًا إذا كان الجوال مغلقًا أو غير مفتوح على المصحف الإلكتروني فعند جميع العلماء أنه يجوز مس شاشة الهاتف المنقول، ولا إشكال في هذا.

ثانيًا: إذا فتح المصحف الالكتروني في الهاتف المنقول، فهل يجوز مسه؟ من العلماء المعاصرين من قال أنه يأخذ حكم المصحف الورقي، ويقول أن هذا تطور للصنعة، فإن المصحف الورقي ليس هو المصحف الموجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، الموجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو الألواح وقراب النخل ونحو ذلك.

يقولون هذا تطور للصنعة، فيأخذ الحكم نفسه، وقال أكثر العلماء المعاصرين إنه يجوز مس المصحف من شاشة الهاتف المنقول، واختلفوا في تخريج ذلك، فمنهم من قال أنه لا يأخذ حكم المصحف الورقي، لأن هذا المصحف الالكتروني عبارة عن ذبذبات وإشارات كهربائية، لكنها تعالج عبر برامج المعالجة.

ومنهم من قال أنها تخرج على كتب التفسير، لأن هذا الهاتف الجوال يوجد فيه مصحف وفيه برامج أخرى، فإنه كتاب تفسير، اشتمل على المصحف وعلى غيره، ومنهم من قال: إن الهاتف المنقول له شاشتان، شاشة داخلية وشاشة خارجية.

فلو افترضنا أن المصحف الالكتروني يأخذ حكم المصحف الورقي فيكون مسه من وراء الشاشة مس له من وراء حائل، لأن المس له سيكون عبر الشاشة الخارجية، فهو مس له من وراء حائل.

والقول الراجح: أنه يجوز مس المصحف الالكتروني عبر شاشة الهاتف المنقول، يجوز ذلك، أما التخريج فالتخريج على كتب التفسير ضعيف، لأن جميع العلماء أنه إذا كان الجوال مغلقًا أو لم يفتح المصحف الالكتروني يجوز مسه عند الجميع.

والقول بأن الذبذبات والإشارات الكهربائية تأخذ حكم المصحف أيضًا هذا ضعيف، لكن مع ذلك لو اعتبرنا هذا القول لأن أصحاب هذا القول ينازعون في هذا، يقولون هذا تطور صنعة.

فلو اعتبرنا هذا التخريج صحيحًا وأن هذه الذبذبات والإشارات الكهربائية أنها تأخذ حكم المصحف الورقي بحكم تطور الصنعة فيبقى التخريج الأخير هو الأرجح، والذي لا يرد عليه أي إشكال وهو أن الهاتف المنقول له شاشتان، شاشة داخلية وشاشة خارجية.

وذلك لو فتحت الآن الجوال ستجد لو كسرت الشاشة الخارجية أو فكت ستجد أن من الداخل شاشة داخلية، والمصحف الالكتروني إنما يكون على الشاشة الداخلية، فالذي يمس المصحف يمس الشاشة الخارجية، فكأنه مس المصحف الالكتروني من وراء حائل.

ومس المصحف من وراء حائل لا بأس به، وعلى هذا فيجوز مس المصحف الالكتروني عبر شاشة الهاتف المنقول من غير طهارة، وأرجح التخريجات أنه مس له من وراء حائل، لأن الهاتف المنقول له شاشتان داخلة وخارجية.

فالذي يمس المصحف الالكتروني يمس إنما يمس الشاشة الخارجية، وليس الداخلية، وعلى هذا فيكون قد مس المصحف الالكتروني من وراء حائل، ومس المصحف من وراء حائل من غير طهارة لا بأس بهذا، هذا هو التخريج الصحيح لهذه النازلة.

من كان عنده أسئلة أو استفسارات إن شاء الله في آخر الدورة سنجيب عن جميع أو معظم الأسئلة والاستفسارات بإذن الله، لكن حتى نضمن أننا ننتهي من أكبر قدر من النوازل، فنستمر في العرض ونتيح آخر الدورة إن شاء الله الإجابة عن بعض الأسئلة والاستفسارات.

ننتقل بعد ذلك إلى نازلة أخرى من النوازل في كتاب الطهارة وهي: الرموش الصناعية، واثرها على الطهارة.

الرموش الصناعية يستخدمها بعض النساء وهي عبارة عن شعيرات رقيقة تصنع من بعض المواد البلاستيكية وتلصق على الجفن بواسطة مادة لاصقة، والغرض منها هو طلب الزينة، فتظهر المرأة بأن رموشها حسنة، وتريد المرأة أن تتزين بها.

أولًا: ما حكم وضع هذه الرموش؟ ثانيًا: ما أثرها على الطهارة؟

أما وضع هذه الرموش فاختلف العلماء المعاصرون هل هي من قبيل الوصل المحرم أم لا، والوصل قد جاء ما يدل على أنه من كبائر الذنوب، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها.

أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، إن ابنتي أصابتها الحصبة، وقد انمرق شعر رأسها، يعني تمزق، وإن زوجها يستحثني أن أصلها، أصلها يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلة والموصولة»، هذا في صحيح البخاري.

وهذا مثال لما ذكرت في مقدمة الدورة للتشديد في بعض المسائل، فهذه المرأة تمزق شعر رأسها من المرض، وتريد هذه المرأة أن تزينها لزوجها بوصل شعرها، ومع ذلك ما رخص لها النبي صلى الله عليه وسلم، بل شدد، قال: «لعن الله الواصلة والموصولة»، هذا في صحيح البخاري، لا إشكال في صحته.

الحديث الآخر حديث ابن مسعود: «لعن الله الواصلة والموصولة»، فالوصل من كبائر الذنوب، والوصل يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: أن يوصل الشعر بشعر طبيعي، فهذا محرم بالاتفاق، بل من كبائر الذنوب.

القسم الثاني: أن يوصل الشعر بشيء آخر بعيدًا عن الشعر، لا يماثله ولا يشابهه، كأن يوصل بخيوط ملونة، ونحو ذلك فهذا لا بأس به، ومن ذلك كما تضعه بعض النساء على الشعر عند لفه أو ربطه من خيوط ونحوها، فهذه لا بأس بها لأنها ليست وصلًا، ليس بمعنى الوصل المحرم.

القسم الثالث: أن يوصل الشعر بشيء غير الشعر، لكنه يشبه الشعر، كأن يكون مصنوعًا من البلاستيك ونحوه، بحيث أن الناظر لا يكاد يفرق بينه وبين الشعر، هو قريب من الشعر ويشبهه في الهيئة والشكل، لكنه ليس شعرًا في الحقيقة، هل هذا يأخذ حكم الوصل أم لا؟ وعلى ذلك لبس الباروكة، والرموش الصناعية، ونحو ذلك؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نعرف علة النهي عن الوصل، ما هي علة النهي عن الوصل؟ علة النهي عن الوصل أختُلف فيها، وأرجح الأقوال أنها التزوير والتلبيس والتدليس، بحيث تظهر المرأة أمرًا وهي في الواقع بخلافة.

ويدل لذلك حديث معاوية رضي الله عنه، أنه أتى المدينة فأخذ كبة من شعر، قال يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا هو الزور»، قوله أن هذا هو الزور يعني من التزوير والتلبيس، ومعلومًا الكبة من الشعر يوصل بها، ففيه إشارة إلى العلة وهي الزور والتزوير، يعني التدليس.

نرجع لمسألتنا الآن الوصل بشيء يشبه الشعر، ولكنه ليس شعرًا هل فيه تزوير وتلبيس وتدليس؟ الجواب نعم، ولذلك لا يفرق الناظر بين هذه المرأة التي شعرها طبيعي أو التي شعرها صناعي، ففيه تلبيس وتزوير، وعلى ذلك فيكون الوصل بما يشبه الشعر يكون محرمًا، بناء على هذا التقرير، يكون محرمًا.

وعلى هذا فيكون لبس الباروكة، ومثل ذلك أيضًا الرموش الصناعية، على هذا يكون الرموش الصناعية أن استخدام المرأة لها محرم، لأنه نوع من الوصل المحرم، ومثل ذلك الأظافر الصناعية أيضًا كلها، لأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، فكلها وصل، هذا وصل للشعر وهذا وصل لأظافر والغرض منه التلبيس والتدليس.

وهذه مسائل يعني شددت فيها الشريعة، فلا نخضعها للعقل، لأن هذه ورد فيها النص، الاجتهاد متى يكون؟ يكون الاجتهاد عندما لا يرد النص في المسألة، لكن هذه مسألة منصوص عليها، يعني أنظر إلى حالة هذه المرأة التي زوجت ابنتها، وأصابتها الحصبة وتمزق شعر رأسها، وزوجها يستحث الأم يقول أوصلوا شعرها، هل رخص لها النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لعن الله الواصلة والموصولة».

فهذه مسائل خطيرة، وهنا يعني أذكر بما قلته في مقدمة هذه الدورة أن طالب العلم يشدد فيما شددت فيه الشريعة، ويتسامح فيما جعت الشريعة الأمر فيه سعة، وعلى هذا فالرموش الصناعية، بناء على هذا التأصيل تكون محرمة، لأنها وصل، في معنى الوصل المحرم.

ومن أبرز من قال بالتحريم الرموش الصناعية: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وأيضًا الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله، وأما أثرها على طهارة نحن قلنا بالتحريم، لكن لو أن امرأة استخدمتها وتريد أثرها على الطهارة، وهي تعلم بالتحريم. أو أنها أخذت برأي مثلًا من أفتاها مفتي بالجواز، أو نحو ذلك.

فنقول أثرها على الطهارة هي لا تمنع وصول الماء إلى داخل الأهداب، فإذا وضع عليها الماء، فإن لها فتحات يصل منها الماء إلى رمش العين، فهي من حيث الطهارة لا تمنع من وصول الماء إلى الرمش، فلا تؤثر على الطهارة، ولكنها من حيث الاستخدام، نقول إنها محرمة بناء على القول الراجح..

ننتقل بعد ذلك لأبرز النوازل في كتاب الصلاة، نحن سنأخذ أبرز النوازل، يعني لن نستعرض جميع النوازل، وإنما الأبرز فقط.

فمن أبز النوازل في كتاب الصلاة ما يتعلق بالآذان، الآذان عبر المسجل، أولًا هل يشرع أن يكون الآذان عبر المسجل؟ ثانيًا هل يتابع الآذان عبر المسجل؟

أما كونه هل يشرع فإن الأذان عبر المسجل لا يجوز أن يستعاض به عن الأذان الذي يكون من الشخص مباشرة، لأن الأذان عبادة يفتقر إلى نية، والنية لا يمكن أن تصورها من المسجل، بل لا بد من شخص ينوي الآذان ويؤدي هذه العبادة، وعلى هذا فإنه لا يجوز أن يعتمد على الآذان عبر المسجل، ويكتفى به عمن يقوم بهذا الآذان مباشرة.

وقد رأيت مقطعًا يمكن انتشر ورآه الكثير منكم، انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وضع اللاقط على ساعة مبرمجة على الآذان مثل هذه الساعة، وأنه كلما أتى وقت الآذان يؤذن المؤذن عبر الساعة، ومكبر الصوت يكون مفتوحًا، فلا يحتاج الأمر إلى مؤذن.

أو أن المؤذن فعل هذا لكي يستريح، رأيتم هذا المقطع؟ فعلى هذا نقول أن هذا لا يجوز، يسميه بعضهم بالآذان الإلكتروني، هذا نقول أنه لا يجوز مثل هذا لأن الآذان عبادة يحتاج إلى نية، فلا بد من مؤذن يقوم بهذه العبادة.

وأما بالنسبة لمتابعته، فإن الآذان عندما نقول أنه لا يجوز الاعتماد على الآذان بدلًا من آذان المؤذن، ليس معنى ذلك أنه لا يجوز أن يكون الآذان عبر مسجل، انتبه، فإذا وضع الآذان عبر المسجل للتذكير، كأن يكون في المطار مثلًا أو في مستشفى، أو في دائرة حكومية أو نحو ذلك، من باب التذكير، وليس اعتمادًا عليه، لا بأس به.

فمثلًا في بعض المطارات إذا حان وقت الصلاة وضعوا آذان مسجلًا، في بعض الجهات دوائر العمل الحكومية وغير الحكومية، يضعون آذان مسجلًا من باب تذكير الناس، فهذا لا بأس به، لكن الذي قلنا أنه لا يجوز أن يعتمد عليه بدلًا عن آذان المؤذن، ففي المسجد لا يؤذن مؤذن وإنما يوضع بدلًا منه مسجل، هذا هو الذي لا يجوز، وهذا قد صدر فيه قرار من مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.

فإنه لا يجوز الاعتماد على المسجل في الآذان، بدلًا عن أن يقوم المؤذن بالآذان، صدر فيه قرار من المجمع الفقهي بالرابطة، وعللوا بما ذكرنا، من أن الآذان عبادة تحتاج إلى نية، والنية لا يمكن أن تكون من المسجل، بل لا بد من أن تأتي من شخص، فلا بد من أن يكون الآذان من شخص يؤديه ويقوم به.

متابعة المؤذن عبر المسجل، فلو أنك مثلًا استمعت إلى مؤذن مثلًا في مطار أو في مستشفى أو حتى في عبر وسائل الإعلام، فمثلًا إذاعة القرآن الكريم تضع الآذان مسجلًا لصلاة الظهر والعصر من الرياض، فلو أنك فتحت إذاعة القرآن الكريم مثلًا استمعت لهذا الآذان المسجل، هل يشرع متبعته؟

الجواب: أن الآذان المسجل هو ليس صوتًا حقيقيًا، وإنما هو حكاية صوت، ولهذا فقد يكون صوتًا لإنسان قد مات، أحيانًا يؤتى بصوت بعض القراء المشهورين الذين قد ماتوا من سنوات طويلة، وعلى هذا فلا تشرع متابعة الآذان المسجل.

وقد ذكر بعض فقهاء الحنفية مسألة تشيه هذا، ذكر بعض فقهاء الحنفية المتقدمون مسألة تشبه هذا، قالوا لو عُلِّم الببغاء الآذان فأذن، فإنه لا تشرع متابعته لأنه حكاية صوت، الببغاء أي شيء تعلمه يقلد ويتكلم به، لو أن شخصًا عنده ببغاء وعلمه الآذان فأصبح هذا الببغاء يؤذن، كلما أتى وقت الآذان أذن، يقولون لا تشرع متابعته لأنه حكاية صوت.

هكذا أيضًا الآذان المسجل لا تشرع متابعته، لأنه حكاية صوت، الآذان المنقول على الهواء مباشرة إن كان المتابع له لم يؤدي الصلاة بعد فتشرع متابعته، فلو أنك مثلًا في مكة، وفتحت المذياع، وإذا بالآذان منقول على الهواء مباشرة من مكة المكرمة، فيشرع لك أن تتابعه، لأنك لم تؤدي الصلاة بعد.

أما إذا كنت قد أديت الصلاة بعد، يعني مثلًا صليت هنا في الدمام، ثم فتحت المذياع، فوجدت الآذان منقولًا على الهواء مباشرة من مكة المكرمة، وأنت قد صليت، فهل تشرع متابعته أم لا؟ قولان للمعاصرين، والأرجح أنه لا يشرع متابعته، لأن المتابع يجيب المؤذن.

فعندما يقول المؤذن حي الصلاة يعني هلم وأقبل إلى الصلاة، وتعالى إلى الصلاة، المتابع يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني سأجيب وأسأل الله أن يعطيني الحول والقوة، فيقول المؤذن حي الفلاح، يعني تعالوا هلم وأقبل إلى الفلاح، فيجيبه يقول لا حول وقوة إلا بالله، يعني أنا سأجيب، لكنني أطلب الحول والقوة من الله تعالى.

إذا كنت قد صلين لا معنى لهذه الإجابة، أنت قد صليت، كيف تقول لا حول ولا قوة إلا بالله وأنا سآتي وأصلي، وأنت صليت؟ وعلى هذا فإذا كنت قد صليت فلا تشرع متابعة الاذان المنقول على الهواء مباشرة، هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه النازلة.

من النوازل المتعلقة أيضًا بكتاب الصلاة التسبيح بالمسبحة الحديثة، التسبيح بالمسبحة، الكلام عنه قديم، لكن باعتبار أنه قد وجد في الوقت الحاضر أنواع من المسابح سواء من الحديد أو البلاستيك أو الخرز أو من النوع الرقمي، فهنا يأتي بحث  هذه المسألة بناء على الضابط الذي ذكرناه، وهو أن النازلة إما أن تكون مسألة جديدة أو قديمة لكن طرأ عليها ما يستدعي لإعادة النزر فيها.

الآن قد وجدت المسابح الإلكترونية، وجد خاتم التسبيح الآن موجود، وجد أيضًا يعني عداد التسبيح، وجدت مسابح إلكترونية كثيرة بصور وأشكال متنوعة، فإذا أراد شخص أن يستخدم هذه المسابح، يقول أنا في السيارة، ويصعب علي أو أكون مشغولًا بقيادة السيارة يصعب علي أني أعد بأصابعي، وأريد مثلًا أن أسبح مائة تسبيحة.

نقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، فأريد أن آتي ببعض الأوراد، فيقول أنه يصعب علي أن أسبح بالأصابع، وإلا التسبيح بالأصابع هو الأفضل، تسبيح بأصابع اليد اليمنى هو الأكمل والأفضل، لأنه كان موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن قال أنا الآن عندي عداد إلكتروني، أو عندي مسبحة إلكتروني أو خاتم تسبيح، فهل هذا يجوز أم لا؟

اختلف العلماء المعاصرون في هذا، فمنهم من ذهب إلى أن التسبيح بالمسبحة عمومًا بجميع أنواعها أنه بدعة، ومن أشهر من ذهب إلى هذا من المعاصرين الشيخ الألباني رحمه الله، واستدل أصحاب هذا القول، بما روي عن ابن مسعود أنه مر على قوم قد اجتمعوا يقولون سبحوا مائة، هللوا مائة، كبروا مائة. فقال ابن مسعود لقد ارتكبتم بدعة ظلماء، أو أنكم غلبتم محمدًا وأصحابه علمًا.

القول الثاني: وهو الذي عليه أكثر العلماء المعاصرين وهو أن التسبيح بالمسبحة بجميع أنواعها، سواء أكان عدادًا إلكترونيًا أو مسبحة إلكترونية أو خاتم تسبيح أو غير ذلك، أن هذا جائز ولا بأس به، ومن أبرز من ذهب إلى هذا الرأي، أولًا منهم المتقدمين ابن تيمية رحمه الله، له عبارة في هذا، قال: التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه من الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه. هذا كلام ابن تيمية رحمه الله.

من أبرز من قال بجواز التسبيح بالمسبحة بجميع أنواعها الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وهو القول الراجح أن التسبيح بالمسبحة بجميع أنواعها أنه لا بأس به، لأنه لا يقصد باستخدام هذه المسبحة التعبد، وإنما يقصد بذلك ضبط العدد، فهي وسيلة لضبط العدد، وليست غاية، هي وسيلة فقط، وما الفرق بين ما كان موجودًا في عصر السلف الصالح، من التسبيح بالنوى والتسبيح بالخرز والتسبيح بنحو ذلك، وبين المسابح الحديثة في الوقت الحاضر.

كلها وسائل لضبط التسبيح، فالوسائل لا يقال فيها أنها بدعة، هي وسيلة لضبط العدد، والذي يستخدم هذه المسبحة لا يقصد التعبد لله تعالى باستخدام المسبحة، إنما يريد فقط ضبط العدد، فعندما يستخدم الإنسان العداد الإلكتروني أو المسبحة الإلكترونية، أو خاتم التسبيح لا يقصد أنه يتعبد لله تعالى بهذا الشي.

لكن يريد أن يعد التسبيح، يريد آلة سهلة تعد له التسبيح، فهذا القول بأنه بدعة قول ضعيف، لكني أوردته لأنه قول مطروح في الساحة، وله يعني أنصاره.

فالقول الراجح إذًا أن التسبيح بالمسبحة بجميع أنواعها أنه لا بأس به، لأنها من باب الوسائل، ولأن الغرض منها ليس التعبد، وإنما ضبط التسبيح فقط، أما إذا قصد بها التعبد كما تفعله بعض الفرق المنحرفة، أن يأتي بمسبحة فيها ألف حبة، ويقصد التعبد لله تعالى بها، ولهم طقوس بهذا، فهذا شيء آخر، لا نتكلم عنه.

هذا صحيح هذا من البدع طريقتهم هذه، حتى الأذكار التي يأتون بها يأتون بأذكار منكرة، فهذه لا نقصدها في هذا البحث، لكن الذي نقصده ما عليه عامة المسلمين، هذا رجل في سياراته عنده عداد تسبيح  أو خاتم تسبيح يقول أريد أن أغتنم الوقت وأسبح، أريد مثلًا أنا قررت أن أسبح ألف تسبيحة، أنا سأذهب إلى المكان الفلاني، أريد أن أغتنم وقتي وأسبح ألف تسبيحة ومعه هذا العداد، كل ما قال سبحان الله وبحمده ضغط عليه.

هذا لا بأس به، بل إن هذا مشجع، هذا العداد أو المسبحة الإلكتروني في الحقيقة تشجع الإنسان وتذكره، كل ما رآها قام تذكر وسبح، فهذه لا بأس بها، فمن يفعل ذلك لا يقصد التعبد لله عز وجل باستخدامها، لكنه يريد فقط ضبط التسبيح، فعلى هذا نقول إن القول الراجح هو الذي عليه أكثر العلماء المعاصرين، أنه لا بأس باستخدام المسبحة بجميع أنواعها.

أيضًا بالنوازل المتعلقة بكتاب الصلاة: الإخبار بوقت الكسوف والخسوف، وهذا الإخبار كان موجودًا من قديم الزمان، لكنه في الوقت الحاضر تطور، وذلك أن علم الفلك تطور تطورًا كبيرًا، يعني أرسلت مركبات فضائية الآن إلى المريخ، وهو يبعد عن الأرض ملايين الكيلو مترات.

والمركبة الفضائية التي أرسلت له يعني بقيت ما يقارب وهي تسير ثمانية أشهر، وهي تسير آلاف الكيلو مترات، فعلم الفلك الآن تقدم تقدمًا كبيرًا، فأصبح معرفة أوقات الخسوف والكسوف من البدهيات، لكنه كان موجودًا من قبل، وحتى إنه موجود من عهد الفراعنة، ذاك الحين، ويمكن يعني ذكروا معادلة للكسوف والخسوف.

يقولون إن الكسوف والخسوف يتكرر كل ثمانية عشرة سنة، وكذا شهر وكذا يوم وكذا دقيقة وكذا ثانية، لها معادلة يتكرر، فباستخدام الآلة الحاسبة تستطيع معرفة آلاف الكسوفات والخسوفات لسنوات ماضية وسنوات مقبلة.

لأن الكسوف الخسوف لا يقع مصادفة، ما في شيء في هذا الكون يقع صدفة أبدًا، {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء:12].

لا مكان للمصادفة في هذا الكون كل شيء بتقدير الله عز وجل ويجري  وفق سنن الله سبحانه، فالكسوف والخسوف يجري وفق سنن الله عز وجل في هذا الكون، فمع هذا التقدم الكبير الذي صار في علم الفلك، هل يعتمد على  قول أهل الفلك في أخبارهم بوقت الكسوف والخسوف؟

كان في الزمن السابق كان الفلكيون هم المنجمون، اختلط علم الفلك بالتنجيم، التنجيم ليس علمًا، وكان سمعتهم في المجتمعات الإسلامية سيئة جدًا، لأن التنجيم مذموم، من اقتبس شعبة من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد، فالتنجيم سمعته سيئة.

فمع الأسف اختلط التنجيم بعلم الفلك، فكانت سمعتهم سيئة، فكان العلماء السابقون يحذرون من قول المنجمين، ولا يعتمدون على كلامهم في الكسوف والخسوف، مع أنهم قد يصيبون، فمثلًا في وقت المعتصم عندما أراد أن يفتح عمورية يعني تكلم بعض المنجمين، لكن كان قبل هذا الحدث القصة المشهورة، لكن قبل هذا الحديث ظهر كوكب في الأفق الغربي.

هذا يعني ظهر يشبه الكوكب وليس كوكبًا، وإنما يشبه الكوكب، هو مذنَّب أكتشف بعد مدة طويلة، بعد سبعمائة أو ثمانمائة سنة المغرب وسموه مذنب هالي، الفلكيون مسلمون عرفوا هذا المذنب، لكنهم لم يسموه، وإلى هذا أشار أبو تمام في قصيدته المشهورة، السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد وبين الجد واللعب إلى أن قال: وخوفوا الناس من دهياء مظلمة، إذا بدا الكوكب الغربي ذوا الذنب.

الكوكب الغربي ذو الذنب هو مذنب هالي، كان خرج في داخل الوقت، لكنه لم يسموه، وكانوا محاربين أيضًا، كانت سمعتهم سيئة بسبب اختلاط التنجيم بعلم الفلك، والوقت الحاضر انفصل علم الفلك عن التنجيم انفصالًا تامًا، فليس له به علاقة لا من قريب ولا من بعيد، وأصبح علم الفلك علمًا له تخصصاته، وفيه يعني أقسامه العلمية، وفيه ماجستير ودكتوراه، وأصبح علمًا من العلوم.

فلآن نعود لإخبار الفلكيين في وقت الكسوف والخسوف، نقول: إن أخبارهم قطعًا ليس من علم الغيب، وإنما هو إخبار عن سنن الله عز وجل في هذا الكون،  لو قلت لك مثلًا إن الشمس هذا اليوم سوف تغرب في الساعة مثلًا الرابعة، ومثلًا خمسة وخمسين دقيقة، هل هذا من علم الغيب؟ هذا ليس من الغيب، لو قلت لك بعد شهر ستغرب الشمس الساعة كذا، هذا ليس من علم الغيب، وإنما هذا إخبار عن سنن الله عز وجل في هذا الكون.

فالله تعالى أجرى سننه بأن الشمس تعرب في هذا الوقت في وقت كذا، في هذا اليوم تغرب في وقت كذا، هكذا أيضًا بالنسبة للكسوف والخسوف، فهو إخبار بما أجراه الله تعالى من السنن في هذا الكون، وهو قطعًا ليس من علم الغيب، لكن هل يخبر الناس به أم لا؟

اختلف العلماء المعصرين في ذلك، فمنهم من قال إن الأحسن ألا يخبروا حتى يكون له وقع في النفوس، فإنه إذا أتى الكسوف والخسوف فجأة يكون له وقع في النفوس، وتفزع الناس إلى الصلاة، بخلاف ما إذا أخبروا من قبل، ومنهم من ذهب إلى أنه لا بأس بإخبارهم بذلك حتى يستعدوا، لأنهم لو لم يخبروا لم يستعدوا.

والذي يظهر لي هو قول وسط في هذه المسألة، فإن كان وقت الكسوف والخسوف في وقت ليس وقت غفلة مثل هذا الوقت مثلًا، فالأولى عدم إخبارهم حتى يكون له وقع في نفوس الناس وحتى يفزع الناس إلى الصلاة، ويخافون، وأما إذا كان في وقت غفلة، كـأن يكون في آخر الليل مثلًا الساعة الثانية ليلًا أو الثالثة ليلًا، فالأولى إخبارهم بذلك.

لأنهم لو لم يخبروا لترتب على ذلك، أنهم لم يصلوا صلاة الخسوف، فالغالب أنهم لن يصلوا، يعني لن يستيقظ أحد الساعة الثانية أو الثالثة، لأنه لا يدري بأنه هناك صلاة خسوف، فالذي يظهر والله أعلم هو القول بالتفصيل في هذه المسألة.

فنكتفي بهذا القدر وبعد العصر نبدأ إن شاء الله بأبرز النوازل في كتاب الزكاة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.