الخثلان
الخثلان
التوبة والاستغفار
5 ذو الحجة 1437 عدد الزيارات 1312

الخطبة الأولى :

الحمدلله عظم حلمه فستر ، وبسط يده بالعطاء فأكثر،  سبحانه وبحمده أطاعه الطائعون فشكر ، وتاب إليه المذنبون فغفر، أحمده تعالى وأشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله الله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد :

فاتقوا الله أيها المسلمون ، اتقوا الله حق التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).

عباد الله:

 الكمال في البشر محال ، والتقصير من لوازم البشر، خلق الله البشر وهم ليسوا كالملائكة الذين (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). ولو أراد الله تعالى لجعل البشر كالملائكة لكن الله عز وجل خلق البشر على هذه الصفة ، يقع منهم الخطأ والتقصير ويستغفرون ربا غفورا رحيما  فيغفر لهم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم ). والله تعالى يدعو عباده إلى جنته وإلى مغفرته (واللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) ، ( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى). ويقول الله تعالى في الحديث القدسي : (يا عبادي إنكم تخطؤون في الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم). سبحانك ربنا جل شأنك تباركت وتعاليت أنت غفار الذنوب وستار العيوب ، تبسط يدك بالليل ليتوب مسيء النهار ، وتبسط يدك بالنهار ليتوب مسيء الليل ، وتنادي عبادك ولك الحمد (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وتنادي عبادك كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر: (من يستغفرني فأغفر له من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه) . طوبى لمن عرف أن له ربا رحيما غفورا كريما يقبل توبة التائبين ويقبل عثرات العاثرين إذا لجؤوا إليه مخلصين صادقين  (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) .التوابون المستغفرون قوم من صفوة عباد الله تعالى ، رسخت في مقام الإحسان أقدامهم، فهم بين مراقبة ربهم وشهود أعمالهم (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ).

عباد الله:

 إذا كثر الإستغفار في الأمة ، وصدر عن قلوب بربها مطمئنة ، دفع الله عنها ضروبا من النقم وصرف عنها صنوفا من البلايا والمحن (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). قد جاء عن أحد السلف وروي مرفوعا: "أن الله تعالى أنزل أمانين ، فرُفع أحدهما وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَنتَ فِيهِمْ) وبقي الأمان الآخر". (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات  فرُفع هذا الأمان، لكن بقي للأمة الأمان الثاني: (ومَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). فالإستغفار أمان من حلول العقوبات والعذاب على الناس بل وعلى الفرد ، فإن من يكثر من الإستغفار يكون هذا أمانا له من حلول العقوبات به. وبالإستغفار تتنزل الرحمات (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). والإستغفار جالب للخصب والبركة وكثرة النسل والنماء. يقول نوح عليه السلام:(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا) (وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا). كل هذه من فوائد الإستغفار (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) ثم انظر إلى ثمارته ونتائجه:(يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا) (وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا). ويقول هود عليه الصلاة والسلام لقومه (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ). والمستغفرون يمتعهم ربهم متاعا حسنا، من سعة الرزق، وبسط الأمن ،ومد العافية، ورغد العيش ،والقناعة بالموجود، وعدم الحزن على المفقود. بالإستغفار يبلغ كل ذي منزل منزلته وينال كل ذي فضل فضله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) . إنه ارتباط صحيح وقاعدة مطردة وسنة من سنن الله تعالى بين الصلاح والحمد والبركة والإستغفار: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

إن ما يورثه الإستغفار والتوبة من طهارة القلب ونقاء الضمير وصلاح العمل وطمأنينة النفس يزيد في القوة واعتدال الصحة وطيب النفس واستدرار الخيرات وتنزل البركات. إن المصائب والمحن سببها الذنوب والمعاصي (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ). وبالإستغفار تُمحى الذنوب والمعاصي التي هي سبب للمعاصي والبلايا. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الإستغفار وكان يقول:( والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ). وهو رسول الله الذي قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ويقول الصحابة: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة ( رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم) . وبعد أن فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام من مهام الرسالة أمره ربه أن يتوجه إليه تائبا مستغفرا (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُوَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) أي: فهذه علامة على دنو أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). والمصلون إذا فرغوا من صلاتهم بادروا بالإستغفار. وحجاج بيت الله الحرام بعد الإفاضة من عرفات والمشعر الحرام مأمورون بالإستغفار (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وبعد الفراغ من الوضوء وهو عبادة تتحادر مع قطر مائها الخطايا يتوجه المتوضئ إلى ربه بالتوحيد والتوبة، ويشرع للمتوضئ بعد الفراغ من الوضوء أن يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) . وأما المستغفرون بالأسحار فناهيك بهم ثم ناهيك ، صلوا ما كتب لهم من الليل ثم شرعوا يستغفرون:( كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَوَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). قال الحسن : مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي من الليل ثم يقول لمولاه نافع: يانافع هل جاء السحر؟ فإذا قال نعم أقبل على الدعاء والإستغفار حتى يصبح،لأجل أن يدخل في هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). فالسَحَر وقت غفلات الغافلين ، لكن أرباب العزائم يتعرضون فيه للنفحات الربانية والمنح الإلهية ويستغفرون ربهم عز وجل. المستغفرون بالأسحار نجاتهم في مناجاتهم وصلتهم في صلاتهم.

أٌقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمدلله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة.

عباد الله:

 للإستغفار صيغ متعددة من أبرزها أن يقول : أستغفر الله العظيم ، جاء في صحيح مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال :كان رسول الله صلى الله عليه إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام. قيل للأوزاعي كيف الإستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله أستغفر الله. والأكمل أن يُقرن الإستغفار مع التوبة فتقول: أستغفر الله وأتوب إليه.  ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثِر من قول :سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ، يمتثل أمر ربه (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ).

ومنها ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : "كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة : ( رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور "). فيقول: ربي اغفر لي وتب علي ،هذه من صيغ الإستغفار.

ومنها أن يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :(من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، غفر له وإن كان قد فر من الزحف) .

ومن صيغ الإستغفار: سيد الإستغفار. والذي قد جاء في حديث شداد بن أوس  في صحيح البخاري : ( سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي دخل الجنة، ومن قالها حين يمسي موقنا بها  فمات قبل أن يصبح دخل الجنة). ولهذا فهذا الذكر من أذكار الصباح والمساء التي ينبغي أن يحافظ عليه المسلم في كل صباح ومساء وهو سيد الإستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرما صنعت، أبوء -أي أعترف- بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

ومنها أن يسأل الله تعالى المغفرة فيقول : اللهم اغفر لي . ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك الله اغفر لي) . وهذا الذكر ينبغي أن يقوله المسلم في كل صلاة يصليها من فرض أو نفل بعدما يسبح في الركوع: سبحان ربي العظيم ،  وعندما يفرغ من هذا التسبيح يختمه بأن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي . وهكذا في السجود بعدما يسبح ويقول: سبحان ربي الأعلى يختم ذلك التسبيح بأن يقول : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. فهذا مما قد وردت به السنة ويغفل عنه بعض الناس.

عباد الله:

 ينبغي للمسلم أن يكثر من الإستغفار فإن الإستغفار شأنه عظيم ، الإستغفار به تُمحى الذنوب والمعاصي والتي هي سبب المصائب وسبب البلايا للإنسان. والإستغفار أمان من حلول العقوبات على الإنسان، فينبغي للمسلم أن يكثر من الإستغفار وأن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يٌعد له في المجلس الواحد أنه كان يستغفر الله تعالى أكثر من مئة مرة. فينبغي لك أخي المسلم أن تجعل الإستغفار على لسانك وأن تُكثر من استغفار الله تعالى في كل حين.

اللهم إنا نستغفرك من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك ، نستغفر الله ونتوب إليه نستغفر الله ونتوب إليه ، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا.