الخثلان
الخثلان
الرحم التي تجب صلتها وضابطها
21 شوال 1437 عدد الزيارات 4849

عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ) [رواه البخاري: 5984، ومسلم: 2556]. يعني: قاطع رحم. متفق عليه.

الرحم التي تجب صلتها اختلف العلماء في ضابطها، الرحم التي يجب صلتها وتحرم قطيعتها اختلف العلماء في ضابطها على عدة أقوال، فقال بعضهم: "إن جميع الأقارب تجب صلتهم، وقالوا إن الأقارب يسمون أرحامًا في الشرع وفي اللغة"، ولكن هذا محل نظر، إذ أن هذا القول يلزم منه أنه يجب صلة جميع بني آدم؛ لأن جميع بني آدم يعتبرون أقارب إلى أن تصل إلى آدم، يعني يعتبرون كلهم إذا أخذت الأقارب من الأقارب، الأقربين ثم من يليهم إلى من يليهم إلى أن تصل إلى آدم، هذا القول غير منضبط.

القول الثاني: "أن الرحم التي تجب صلتها هم الرحم من ذوي الميراث"، واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سأله رجل من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: (أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ) [رواه مسلم: 6665]، وهذا محل الشاهد ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ)، ولكن هذا الاستدلال محل نظر، إذ أن هذا الحديث يدل على مشروعية الصلة الأقرب فالأقرب وليس فيه تحديد لمن تجب صلته، ثم إن هذا القول المخصص بذوي الميراث يلزم منه عدم وجوب صلة العمات والخالات، إذًا هذا القول أيضًا ضعيف.

القول الثالث: "أن ضابط الرحم التي تجب صلتها هم الأرحام اللذين يلتقي بهم الإنسان في الجد ثالث"، نقول أفضل الأب الثالث حتى لا يحدث لبس أو الجد الثاني، قالوا: لأن قرابة -صلى الله عليه وسلم- هم بنو هاشم، وهاشم هو الأب الثالث، محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم، ولما جاء -صلى الله عليه وسلم- قرابته مثلًا من بني عبد مناف أو من هم أعلى إنما حصرهم في بني هاشم، وهذا قول الشيخ محمد بن العثيمين -رحمه الله-، ولكنه يرد على هذا القول إشكال وهو أنه يضبط الأقارب من جهة الأب لكنه لا يضبطهم من جهة الأم، فالخالة يجب صلتها باتفاق والعمة، يعني فالخالات والأخوال من ذوي الأرحام الواجب صلتهم، هذا الضابط غير جامع ثم أيضًا  كون بني هاشم من قرابة -صلى الله عليه وسلم- هل هذا صريح في وجوب الصلة للأرحام إلى الأب الثالث؟ ليس هذا يدل دلالة ظاهرة وصريحة.

القول الرابع: "أن الأرحام اللذين تجب صلتهم هم ذوو الرحم المحرم" أي: من كان بين الإنسان وبينهم محرمية كالآباء والأمهات والأجداد والجدات والأخوال والخالات والأعمام والعمات والأولاد وإن نزلوا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية والمالكية وقول بعض الحنابلة، واستدل أصحاب هذا القول بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلاَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) [رواه البخاري: 5109]، وهذا الحديث في الصحيحين، ووجه الدلالة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها؛ لأن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم، ولكن هل يجوز الجمع بين بنتي العم وبنتي الخال؟ يجوز مع أن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم غالبًا، فلو كانت تجب صلة بنات العمة لما جاز الجمع بين بنتي العم ولا بين بنتي الخال ولا بين بنتي الخالة، وهذا القول -والله أعلم- هو القول الأقرب لهذه المسألة، هذا هو الأقرب لهذا الحديث وما جاء في معناه وأظهر ما ورد في هذه المسألة، يعني: هذه المسألة مواضع بحثية في كتب أهل العلم شحيحة، وهذه من فوائد دراساتها للبلوغ، يعني: أظهر ما ورد في هذه المسألة هو هذا الحديث وما جاء في معناه، فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الجمع بين المرأة وخالتها والمرأة وعمتها؛ لأن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم، قوله: هل يجوز الجمع بين بنات العم وبنات الخال وبنات الخالة مع أن ذلك يفضي إلى قطيعة؟ دليل على عدم وجوب الصلة في هذه الحال، ويختص ذلك إذًا بذوي الرحم المحرم التي بين الإنسان وبينهم محرمية، فينحصر في الآباء والأمهات والأبناء والبنات والأجداد والجدات والأخوال والخالات والأعمام والعمات، هؤلاء تجب صلتهم وتحرم قطيعتهم، وقطيعتهم من كبائر الذنوب، أما ما عاداهم من الأقارب فتستحب، ليس معنى ذلك أنها ما تشرع، فتستحب مثلًا صلة بني العم وبنات العم وبني الخال وبنات الخالة، يستحب لكن لو قال قائل إذًا هل هو الواجب الذي ورد فيه هذا الوعيد الشديد حيث لو قطعتهم لترتب هذا الوعيد من اللعنة من هذه الكبائر من الذنوب، لا يدخل الجنة قاطع وما جاء في معناه؟ أريد أن تضع ضابطًا، فتقول: هذا هو الضابط، معنى ذلك لو كان للإنسان عم ولم يصله فهو قاطع وآثم بل فاسق بهذا العمل، لكن لو كان ابن العم ما يأثم لكن الأفضل أن يصله، يعني هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة، هذا خلاصة كلامهم فيها الرضاع؟ لا تجب صلتهم  كل من بينك وبينهم رضاع لا تجب، حتى أمك من الرضاع لا تجب، لكن المروءة تقتضي ذلك المروءة تقتضي هذا، أما من حيث الرحم هو خاص بالأرحام الأقارب فقط فهذا هو الضابط في هذه المسألة والله -تعالى أعلم-، وبذلك أيضًا يزول الإشكال فبعض الناس يقول كيف أصل رحمي، رحمي كثير؟، ومما يدل على رجحان هذا القول أن لو لم نقل به لكان هناك مثلًا بنات العم وبنات الخال وبنات الخالة، وهن أجانب عن الإنسان فكيف يصلهم، الصلة يعني صعبة هنا سواء بالزيارة أو بالمكالمة هن أجانب عنه أجنبيات عنه فكيف يحرم على الإنسان القطيعة وتجب الصلة وهن أجنبيات عنه؟ بخلاف مثلًا العمة والخالة والجدة هن ليس أجنبيات عنه وتباح الخلوة بهن بخلاف بنات العم وبنات الخالة وبنات الخال، هذا هو الأقرب في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-، أعمام الأب تجب صلتهم؟ نعم، أعمام الأب وأخوال الأب؛ لأنهم هم أعمامك في الحقيقة مثل عمات الأب وعمات الخال وعمات الأم فهو على هذا الضابط الرحم الـمَحْرَم.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض