الخثلان
الخثلان
باب الترهيب من مساوئ الأخلاق: حديث: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)
6 شوال 1437 عدد الزيارات 6276

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) أخرجه]البخاري:5143، مسلم:2563[.

بيان ألفاظ الحديث:

قوله: (إياكم والظن) الظن، المراد به: التهمة، قال القرطبي: "المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها" كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه النهي عن التجسس، فإنه في هذا الحديث قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا, ولا تجسسوا)، وذلك لأن، وأيضا في الآية الكريمة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا}[الحجرات:12] فعطف التجسس، عطف النهي عن التجسس على النهي عن الظن؛ لأن الشخص يقع عليه خاطر التهمة، فيريد أن يتحقق, فيتجسس، لكن في هذا الحديث أو في تكملة الحديث قال: (فلا تحسسوا, ولا تجسسوا)في نفس الحديث في الصحيحين، (لا تحسسوا, ولا تجسسوا), ما الفرق بين التحسس والتجسس؟ من يبين لنا فرق, الفرق بين التحسس والتجسس؟ قال بعض العلماء: إن التحسس يكون في الخير لقول الله –تعالى- عن يعقوب: {فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ}[يوسف:87] يعني التمسوا وابحثوا، والتجسس يكون في الشر، و لكن يشكل عليه هذا الحديث؛ لأن في هذا الحديث النهي عن التحسس ، والذي يظهر أن هذا من إطلاقات التحسس، التحسس قد يطلق و يراد به الخير، وقد يطلق ويراد به معنى آخر، وأصح ما قيل في هذا أن التحسس هو استماع حديث الإنسان من حيث لا يعلم، التحسس بالحاء المهملة استماع حديث الإنسان من حيث لا يعلم، وأما التجسس بالجيم المعجمة فهو البحث عن عورات الإنسان البحث عن عورات الإنسان، فالتجسس هو البحث عن العورات، والتحسس الاستماع إلى حديث إنسان وهو لا يعلم، وإن كان التحسس أيضا قد يطلق على معنى آخر وهو التماس الخير، البحث والتماس ما فيه خير ومنه قول يعقوب لبنيه {فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ}[يوسف:87] أي: اذهبوا وتحسسوا والتمسوا وابحثوا عن يوسف، وقد يراد بالتحسس ما ذكرنا استماع حديث الإنسان وهو لا يعلم، والتجسس هو البحث والتفتيش عن عورات الإنسان، هذا أصح ما قيل في الفرق بينهما.

قوله: (فإن الظن أكذب الحديث) أكذب الحديث, المراد بالظن، نعم, ظاهر هذا الحديث العموم ظاهر هذا الحديث العموم وأنه يجب الحذر من عموم الظن، ولكن الآية الكريمة بينت أن الحذر ليس من جميع الظن، وإنما من بعضه، لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}[الحجرات:12] فالآية بمفهومها تدل على أن بعض الظن ليس بإثم، فالظن الذي ليس بإثم هو: الذي يكون عليه أدلة وقرائن تؤيده, فهذا ليس بإثم، وأما الظن الذي هو إثم: فالظن الذي لا يستند إلى دليل ولا إلى قرينة وإنما بالحدث والتخمين وإنما يستند إلى الحدث والتخمين، فهذا هو المنهي عنه وهذا الذي إثم.

أبرز فوائد وأحكام الحديث:

أولا: في هذا الحديث التحذير من سوء الظن بالمسلم الذي لم يبن على دليل ولا قرائن صحيحة، لقوله: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) وأن هذا الظن الذي لا يبنى على أدلة وقرائن يأثم به الإنسان لقوله الله –تعالى-: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}[الحجرات:12].

ثانيا: النهي عن سوء الظن، إنما ورد به الشرع؛ لأن سوء الظن يترتب عليه مفاسد عظيمة من التعدي على حق المسلم, وإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، كما أنه يجر معه غالبا معاصي كثيرة كالتجسس والتحسس فإنه من ثمرات سوء الظن، ولهذا جاء النهي عن التجسس في الآية وفي الحديث مقرونا بالنهي عن سوء الظن، وقد يجر سوء الظن إلى الغيبة وإلى السخرية وإلى احتقار أخيك المسلم.

ثالثا: جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- سوء الظن أكذب الحديث فهو أشد من الكذب؛ لأن الكذب مستقبح في أصله، بخلاف سوء الظن فإن صاحبه يزعم أنه مستند إلى شيء والواقع بخلافه، ثم إن الاغترار بالظن أكثر من الاغترار بالكذب, وذلك لخفاء الظن بخلاف الكذب، يعني الكذب أمره واضح لكن سوء الظن ليس واضحا وضوح الكذب.

رابعا: المراد بالظن المأمور باجتنابه المسلم: الظن السيئ غير المستند إلى دليل ولا قرينة, ويركن إليه الإنسان ويحققه ويقرره في نفسه، أما ما كان مجرد حديث نفس وخاطر يعرض ولا يستقر أو يدفعه الإنسان فمعفو عنه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) متفق عليه]البخاري:5269، مسلم:127[, إذاً ما كان مجرد حديث نفس يعرض ثم يذهب ولا يستقر, أو حديث نفس يعرض ثم يدفعه، هذا لا يؤاخذ به الإنسان، إنما سوء الظن الذي يؤاخذ به الذي يحققه ويستقر لديه, هذا هو المنهي عنه، وهو الذي يكون إثما؛ لأنه في الغالب يصدر عنه أمور محرمة، من الغيبة, من السخرية, من احتقار المسلم, من التجسس, من التحسس ونحو ذلك.

خامسا: الفرق بين سوء الظن والفراسة: أن الفراسة ما توسمته فيمن تفرست فيه بدليل يظهر لك أو علامة أو قرينة، ولا تنطق به إن كان سوءً، ولا تظهره ولا تحكم به عليه، أما سوء الظن فهو ما ظننته في أخيك المسلم من سوء من غير دليل ولا قرينة, إذاً مجرد سوء الظن من غير دليل هذا هو المنهي عنه وهذا هو الإثم، لكن بعض الناس يعطيهم الله فراسة يعرفون بها الناس يميزون بين هذا وهذا بأدلة تظهر له, إما من خلال منطقه أو حديثه أو حركاته أو نحو ذلك، ولذلك " قيل لرجل لما رأى إنسانا يتحدث: ماذا يقول؟ قال: والله ما فهمت منه شيئا غير أن له صولة ليست بصولة مبطل", المحق: يظهر ذلك على لسانه وعلى صفحات وجهه وعلى يعني حركاته وعلى تصرفاته، يستطيع أهل الفراسة أن يميزوا بأدلة وقرائن ليس فقط بدون أدلة ولا قرائن، هذه هي الفراسة ويعني لا يعطاها أي أحد، وإنما تكون لبعض الناس، ثم أيضا حتى لو ظهرت له هذه الفراسة, لا يحكم بها ولا يعمل بها, إذا كانت سوءاً لا يحكم بها ولا يعمل بها ولا يرتب عليها أي شيء، لكنها قد تظهر لبعض الناس فيستطيعون بالفراسة أن يفرقوا بين هذا وهذا، بين المحق من المبطل.

سادسا: ينبغي للمسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، قال عمر بن الخطاب - -رضي الله عنه- -: "لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك إلا خيرا وأنت تجد لها في الخير محملا"، يعني إذا تكلم عليك أحد بكلام, يحتمل أن يكون مقصده حسناً أو يكون غير حسن, احمله على المحمل الحسن، وهكذا لو تصرف معك احمله على المحمل الحسن ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض