الخثلان
الخثلان
الإسراء والمعراج
24 شعبان 1437 عدد الزيارات 824

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور نحمده تعالى ونشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه نحمده تعالى ونشكره حمدا وشكرا عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته نحمده تعالى ونشكره حمد الشاكرين الذاكرين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله تعالى بشيرا ونذيرا وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلي يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون اتقوا الله حق التقوى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}]آل عمران:102[{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}]النساء:131[{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}]الطلاق:3:2 [{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}]الطلاق:4[ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}]الطلاق:5[

عباد الله، الحديث في هذه الخطبة عن حدث من أحداث السيرة العظيمة والتي وقع في مثل هذا الشهر قبيل هجرة المصطفي -صلي الله عليه وسلم- وهذا الحدث قد نوه الله تعالى بشأنه في القرآن الكريم، وارتبط كذلك بفرضية أحب عبادة إلي الله -عز وجل- إنه الإسراء والمعراج، الإسراء من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى والمعراج من الأرض إلي السماء، نوه الله تعالى بشأن هذا الحدث الكبير والعظيم فقال سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}]الإسراء:1[ وقال -عز وجل-: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى *عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى *مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى *أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى *وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى *عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى *إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى *مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى *لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}]النجم18:1[ نعم لقد رأى نبينا -صلي الله عليه وسلم- في هذه الرحلة العجيبة العظيمة، رأى من آيات ربه الكبرى. وملخص هذه القصة التي اشار إليها ربنا -عز وجل- في موضعين من كتابه الكريم، في سورة الإسراء وفي سورة النجم، ملخص هذه القصة أن النبي -صلي الله عليه وسلم- كان نائما في الحجر في الكعبة إذ اتاه آتٍ فأخذه وشق ما بين ثغرة نحره إلي أسفل بطنه ثم استخرج قلبه فملأه حكمة وإيمانا، وهذا أمر فوق طاقة البشر لكنه من عند العزيز الحكيم، ملأه حكمة وإيمانا تهيئة لما سيقوم به، ثم أوتى بدابة دون البغل وفوق الحمار يقال لها البراق يضع خطوته عند منتهى طرفه، فركبه نبينا -صلى الله عليه وسلم- بصحبة جبريل الأمين -عليه السلام- حتى وصل إلي بيت المقدس فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماما، كل الأنبياء والمرسلين اجتمعوا في بيت المقدس، والظاهر أنهم اجتمعوا بأرواحهم يصلون خلفه ليتبين بذلك فضل رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وشرفه، ثم بعد ذلك بعدما أسري به من المسجد الحرام إلي المسجد الاقصى عرج به من الأرض إلي السماء، فوصل إلي السماء الدنيا فاستفتح استفتح جبريل فقيل: من، قال: جبريل، قيل: من معك، قال: محمد، قيل: وقد أرسل  إليه، قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح له فوجد فيها أبانا آدم، فقال جبريل: يا محمد هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه فرد عليه السلام، وقال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، وإذا علي يمين آدم أرواح السعداء، وعلى يساره أرواح الأشقياء من ذريته، إذا نظر إلي اليمين سر وضحك وإذا نظر إلي الشمال بكى، ثم عرج به إلي السماء الثانية فوجد فيها يحيي وعيسي -عليهما الصلاة والسلام- فسلم عليهما فردا عليه السلام، وقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم عرج به إلي السماء الثالثة، فوجد فيها يوسف -عليه السلام- فسلم عليه فرد عليه السلام قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم عرج به إلي السماء الرابعة فوجد فيها إدريس -عليه السلام- فسلم عليه وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم عرج به إلي السماء الخامسة فوجد فيها هارون سلم عليه فرد عليه السلام قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم عرج به إلي السماء السادسة فوجد موسي فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزه بكي موسي قيل ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي فكان بكاء موسي -عليه الصلاة السلام- حزنا علي ما فات أمته من الفضائل لا حسداً لإمة محمد -صلي الله عليه وسلم- وحاشاه أن يكون منه ذلك، ثم عرج به إلي السماء السابعة فوجد فيها إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام- فقال جبريل هذا أبوك إبراهيم، فإن محمدا -صلى الله عليه وسلم- من ذرية إبراهيم، ولهذا قال له هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه فرد عليه السلام فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، وهذا يدل على أن إبراهيم هو أفضل الأنبياء بعد محمد -عليه الصلاة والسلام- كونه كان في السماء السابعة، وإنما طاف جبريل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- على هؤلاء الأنبياء تكريما له وإظهاراً لشرفه وفضله، وكان إبراهيم الخليل مسندا ظهره إلي البيت المعمور في السماء السابعة الذي يدخله كل يوم كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون لله -عز وجل- ثم يخرجون ولا يعودون إليه إلا يوم القيامة، فسبحان الله العظيم! ما أعظم خلق الله سبحانه ثم رفع بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فوق السماء السابعة حتى وصل إلي مكان عظيم علِّي وصل إلي سدرة المنتهي  فغشيها من أمر الله من البهاء والحسن ما غشيها، حتى لا يستطيع أحد أن يصفها من حسنها، كان -عليه الصلاة والسلام- شديد الحياء لربه عظيم الأدب {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}]النجم:17[ ما جعل يتلفت وينظر إلي هذه المناظر العجيبة البديعة التي هي فوق تخيل البشر لكنه -عليه الصلاة والسلام- كان مؤدباً غاية الأدب {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}]النجم:17[ ثم بعد ذلك وصل إلي هذا المكان الذي هو أعلي مكان وصله بشر، حتي سمع صوت صرير الأقلام بكتابة القدر، ثم كلمه ربه -عز وجل- مباشرة من غير واسطة، وسأل أبو ذر النبي -صلي الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: (نورا أنى أراه)]مسلم:461[ فالإنسان بتكوينه البشري لا يتحمل رؤية الله العظيم الذي {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ}]الشورى:5[ {وَالأرض جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}]الزمر:67[ {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}]الزمر:67[ كيف يتحمل الإنسان بتكوينه البشري الضعيف رؤية الرب جل جلاله، ولهذا لما طلب موسي من الله -عز وجل-{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ}]الأعراف:143[ لكن الله –عزو جل- يمكن المؤمنين يوم القيامة من رؤيته في الجنة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }]القيامة23:22[ كلمه الله تعالى مباشرة من غير واسطة وفرض عليه وعلى أمته الصلاة، وهذا يدل أيها الأخوة على أهمية هذه العبادة وكيف أنها فرضت على هذا النحو، فإن بقية الفرائض من الزكاة ومن الصيام ومن الحج وساائر الواجبات تفرض من الله على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بواسطة جبريل ولكنه هذه العبادة أراد الله -عز وجل- أن يُري العباد محبته لهذه العبادة وعظيم شأنها، ففرضها الله تعالي على محمد -صلي الله عليه وسلم- وعلى أمته فرضها عليه مباشرة من غير واسطة، وكان أول ما فرضها خمسين صلاة في اليوم والليلة، تصوروا أيها الأخوة خمسين صلاة في أربع وعشرين ساعة، كم تأخذ من وقتنا لو أنها لم تخفف كم تأخذ من وقت الإنسان لو أنها لم تخفف لربما كان يصلي كل نصف ساعة كل نصف ساعة صلاة مفروضة، ولكن الله -عز وجل- من رحمته أن قيض موسي ابن عمران -عليه الصلاة والسلام- فسأل نبينا محمدا -صلي الله عليه وسلم- ما فرض ربك على أمتك؟ قال: خمسين صلاة في اليوم والليلة. قال: موسي إني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلي ربك فاسأله التخفيف، فرجع إلي الله فحط عنه عشرا، فأصبحت أربعين، فلما رجع قال له موسي: ما فرض الله على أمتك؟ قال أربعين، قال: ارجع إلي ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق هذا، فحط عنه عشرا، فأصبحت ثلاثين، فقابل موسي قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: ثلاثين، قال: أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع فحط عنه عشرا فأصبحت عشرين، ثم أيضا لقيه موسي قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: عشرين، قال: أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلي ربك فاسأله التخفيف، فحط عنه عشراً فأصبحت عشر صلوات، ثم رجع إلي موسي، قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: عشرا، قال أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فحط عنه خمساً فأصبحت خمس صلوات، ثم قابل موسي أيضاً فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قال خمس صلوات، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال نبينا محمد -صلي الله عليه وسلم-: إني قد استحييت من ربي، فنادى منادٍ أن أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، هي خمس بالفعل خمسون في الميزان، فكان التخفيف تخفيفا للفعل فقط، وأما الأجر والثواب فلم يخفف، فهذه الصلوات الخمس التي نصليها أجرها أجر خمسين صلاة ثم بعد ذلك يأتي التضعيف، الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، فهذا يدل على أهمية هذه العبادة وعلى عظيم عناية الله تعالى بها وعلى محبة الله -عز وجل- لهذا النوع من التعبد، ولهذا لما سأل ابن مسعود النبي -صلي الله عليه وسلم- ما أحب العمل إلي الله؟ قال: (الصلاة على وقتها)]البخاري: 596 - مسلم:264[ هي أحب الأعمال إلي الله -عز وجل- ولهذا كان القول الصحيح أن من تركها بالكلية، لا يركع لله ركعة ولا جمعة ولا جماعة فقد خرج عن دائرة الإسلام، ولم يعد مسلما كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) ]مسلم: 256[ وقال (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ]ابن ماجة: 1079 – الترمذي: 2830، وقال الألباني: صحيح[وفي هذه الليلة العظيمة أدخل نبينا محمد -صلي الله عليه وسلم- الجنة فإذا فيها قباب اللؤلؤ وإذا ترابها مسك، ثم بعد ذلك بعدما انتهت رحلته في السماء رجع بصحبة جبريل إلي الأرض، وأتي مكة بغلس وصلي فيها صلاة الفجر، فلما أصبح أخبر قريشاً بما رأى، فكان في هذا امتحان لهم وزيادة في الطغيان والتكذيب، وقالوا: كيف تزعم يا محمد أنك أتيت بيت المقدس ورجعت في ليلة ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهرا شهر في الذهاب وشهر في الإياب؟ فصف لنا بيت المقدس إن كنت صادقا، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يصفه لهم حيث جلاه الله له، فجعل ينظر إليه وينعته لهم نعتا دقيقاً، فبهتوا وقالوا أما الوصف فقد أصاب، وجاء الناس إلى أبي بكر قالوا إن صاحبك يقول كذا وكذا، قال لإن كان قد قال فقد صدق، قالوا وتصدقه أنه ذهب إلي بيت المقدس ونحن نضرب أكباد الإبل إليها شهراً؟! قال إني والله لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، ولهذا سمي بالصديق -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- هذا هو اليقين هذا هو اليقين الصادق الذي رفع بأبي بكر -رضي الله عنه- درجات، فمن هنا نأخذ القاعدة العظيمة وهي أن المدار على ثبوت الخبر عن النبي -صلي الله عليه وسلم- فإذا ثبت آمنا به وصدقناه بدون اعتراض أو شك او استغراب لأنه نبي صادق {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}]النجم4:3[  والله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

عباد الله لقد أسري بنبينا محمد -صلي الله عليه وسلم- بروحه وجسده إلي بيت المقدس، ثم عرج به من الأرض إلي السماء، ثم عاد إلي الأرض، كل هذا في ليلة واحدة فسبحان الله العظيم، كيف قطع هذه المسافات الشاسعة العظيمة التي لا يعلم قدرها إلا الله تعالي، إذا كان قبل مدة أعلن وصول مسبار فضائي إلي كوكب المريخ، المريخ الذي نشاهده ونراه، وهو من كواكب المجموعة الشمسية في المجرة التي نعيش فيها في هذا الكون الذي فيه بلايين المجرات، ومع ذلك مكث هذا المسبار الفضائي حتى يصل هذا الكوكب القريب الذي نراه وسير هذا المسبار ليس بالمئات بل بآلاف الكيلومترات في الساعة، ومع ذلك مكث هذا المسبار الفضائي عشرة أشهر وهو يسير من الأرض حتى وصل إلي المريخ، فسبحان الله العظيم! كيف أسري بنبينا محمد -صلي الله عليه وسلم- وكيف عرج به من الأرض إلى السماء وبأي سرعة كان ذلك، إن هذا كله فوق تصور البشر وفوق قدرة البشر، وهذا مما يزيد المسلم إيماناً ويقيناً {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}]يس:82[ وأنبه هنا أيضا إلى أن السموات أجرام محسوسة، كما دلت لها النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة نقول هذا لأن بعض المسلمين ربما تأثر بمقولة بعض الغربيين الذين يقولون إن السموات المقصود بها الفضاء والعلو وليست أجراما محسوسة، وهذا قول باطل وكون السماء أجراما محسوسة لا يمكن أن يصل إليها العقل البشري مهما بلغ من التقدم والرقي وإنما تعرف عن طريق الوحي، الله تعالى يقول: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا}]النبأ:12[ ويقول: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا}]الانبياء:32[ ويقول: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ}]ق:6[ ويقول: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}]الانبياء:104[ فالبناء والرفع والسقف والطي يدل دلالة ظاهرة على أنها أجرام محسوسة، وفي قصة المعراج يستفتح جبريل ومعه نبينا محمد -صلي الله عليه وسلم- عند كل سماء ويستأذن وتفتح كل سماء، وكل سماء لها أبواب ولها حراس من ملائكة الله -عز وجل- وهذا يدل دلالة ظاهرة على أنها أجرام محسوسة، لكن العقل البشري المحدود لا يمكن أن يصل إلى هذه الحقيقة بعقله بفكره وبمعلوماته، إنما تعرف عن طريق الوحي.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة.

عباد الله، على الرغم من ثبوت الإسراء والمعراج وشهرة ذلك في الكتاب والسنة، إلا أن تحديد وقت وقوعه بالسنة والشهر واليوم مما اختلف فيه أهل العلم ونقلته الأخبار والسير اختلافا كثيرا، وأما تحديده بالسابع والعشرين من شهر رجب، فإن ذلك لم يثبت بسند صحيح، أقول وما كان هذا الاختلاف على الرغم من شهرة هذه الواقعة إلا لما استقام بين الصحابة والسلف الصالح -رضوان الله عليهم- من أن معرفة وقت حدوث هذه الوقائع لا يترتب عليه أمر ديني، إذ أن المقصود هو الاعتبار والاقتداء والتأسي، وهذا أمر غير مرتبط بزمن، فالمناسبات في تاريخ الإسلام كثيرة، فكلها أحداث انتصارات عظام يفرح بها كل مؤمن وينشرح لها صدر كل مسلم من البعثة والهجرة والفتح والغزوات الفاصلة في تاريخ الإسلام، ولم يكن ولم يكن السلف الصالح من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين والتابعين لهم بإحسان والقرون المفضلة من هذه الأمة لم يكونوا يتخذون من هذه المناسبات الإسلامية عيداً يتحرونه ويتقربون فيه إلى الله -عز وجل- بطقوس وأفعال لم يكن هذا موجودا في صدر الإسلام، فقد وقفت القرون المفضلة المشهود لها بالخيرية عند هذا الحد فلم تكن تعمل إلى إحياء ذكرى الحوادث الإسلامية لا في السنة الهجرية ولا المولد النبوي ولا ليلة الإسراء والمعراج ولا ليلة النصف من شعبان ولا غير ذلك من المناسبات، لم تتخذ منها أعياداً تخصها بالتجمع أو بعبادات من غير دليل  ولا مستند، ولا شك أن الخير فيما ذهبوا إليه وأن الصواب فيما وقفوا عنده، وقد شهد لهم النبي -صلي الله عليه وسلم- بالخيرية فقال: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ]البخاري: 2508 - مسلم: 6638[ وقال: (من يعش منكم فسيري اختلافا كبيرا عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضو عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ]أبو داود: 4609 – أحمد: 17184، وقال الأرنائوط: حديث صحيح ورجاله ثقات[وحينئذ فالاحتفال برأس السنة الهجرية أو بالمولد النبوي أو بليلة الإسراء والمعراج أو بغيرها من المناسبات الإسلامية كل هذا من البدع المحدثة، فقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (من أحدث في أمرنا هذا ما هو ليس منه فهو رد) ]مسلم: 4589[ وهذه البلاد ولله الحمد من سماتها صفاء العقيدة وبعدها عن مظاهر البدع والشركيات، لكننا نقول هذا وننبه عليه لأن العالم قد انفتح بعضه على بعض وأصبح كالقرية الصغيرة وربما تأثر بعض الناس بما يرونه ينقل عبر الفضائيات وغيرها من الاحتفالات الموجودة في بعض الدول الإسلامية في مثل هذه المناسبات، يحتفلون بها احتفالا بتقاليد وطقوس فارغة يشابهون بها اليهود والنصارى وهذا فهمهم لهذه الأحداث، وإلا تجد أنهم بعيدون على التمسك بسنة النبي -صلي الله عليه وسلم- تجد أن منهم من هو مقصر في الصلوات وفي الإتيان ببعض الواجبات فضلا عن بعض السنن، لكن عندما تأتي مثل هذه المناسبات ينشطون فيها، فنقول إن مثل هذه الاحتفالات من البدع المحدثة، والمسلمون ليس لهم سوى عيدان في السنة عيد الفطر وعيد الأضحى فمن اتخذ عيدا ثالثا غير هذين العيدين فقد أحدث في دين الله -عز وجل- وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ]مسلم: 4590[ وقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما هو ليس منه فهو رد)]مسلم: 4589[ والبدعة أحب للشيطان من الكبيرة لأن صاحب البدعة يزين له سوء عمله فيراه حسنا ويرى أن ما عليه فهو صواب وأن ما عليه غيره خطأ، وبذلك فإن توبته ليست قريبة، بخلاف صاحب الكبيرة فإنه يرى أنه مخطئ ويرى أنه عاصٍ لله فتوبته مرجوة وقريبة. فاتقوا الله -عز وجل- واحرصوا على صفاء العقيدة وعلى البعد عن هذه البدع وهذه الخرافات، وينبغي أن يتواصى أهل هذه البلاد التي من الله عليها بهذه المنة العظيمة وهي صفاء العقيدة أن يتواصوا على المحافظة على هذه النعمة، وهي صفاء العقيدة وبعد هذه البلاد عن مظاهر الشركيات والبدع والخرافات، فلله تعالي الحمد والمنة.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بذلك فقد قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}]الأحزاب:56[ اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين للهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أذل الكفر والكافرين اللهم أذل النفاق والمنافقين اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء اللهم فأشغله في نفسه اللهم اجعل كيده في نحره اللهم اجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز اللهم أدم علينا نعمة الأمن والاستقرار والوحدة والرخاء ورغد العيش واجعلها عونا لنا على طاعتك ومرضاتك واجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك اللهم اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والاكرام اللهم اجعل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عزيزا ظاهرا في هذه البلاد وفي سائر بلاد المسلمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والاكرام اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى اللهم وفق امامنا وولي امرنا ونائبيه اللهم وفقهم لما فيه خير للإسلام والمسلمين اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة التي تعينهم على الحق وتدلهم عليه وتذكرهم اذا نسوا وتعينهم اذا ذكروا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والاكرام اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم اللهم ارحم إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان اللهم ارحم إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان يا نصير المستضعفين ويا مجير المستجيرين اللهم ارحمهم برحمتك يا رحمن وانصرهم بنصرك يا قوي يا عزيز يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.