الخثلان
الخثلان
عظم شأن الأمانة وخطورة خيانتها
21 جمادى الأولى 1437 عدد الزيارات 853

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد:

فإن الأمانة مسؤولية عظيمة تحملها الإنسان بعد أن أشفقت منها السموات والأرض والجبال كما قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [سورة الأحزاب، الآية: 72] والمراد بالأمانة في الآية: جميع التكاليف الشرعية في قول عامة المفسرين، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر أقوالاً عن السلف في معنى الأمانة الواردة في الآية: "وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله" (تفسير ابن كثير [3/641])، وقد انقسم الناس بعد هذا التحمل إلى ثلاثة أقسام ذكرهم الله عز وجل في الآية التي بعدها بقوله: {لِّيُعَذِّبَ اللَّـهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّـهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [سورة الأحزاب، الآية: 73]، فذكر الله تعالى أقسامًا ثلاثة للناس: 

القسم الأول: المنافقون والمنافقات الذين التزموا بهذه الأمانة ظاهراً وضيعوها باطناً.
القسم الثاني: المشركون والمشركات الذين ضيعوا هذه الأمانة ظاهرًا وباطناً.
القسم الثالث: المؤمنون والمؤمنات الذين حفظوا الأمانة ظاهرًا وباطناً،

فالقسمان الأولان معذبان، والقسم الثالث مرحوم.

والأمانة بهذا المعنى شاملة لكل ما استحفظ عليه العبد من حقوق سواء كانت لله أو لخلقه، وخيانتها من صفات أهل الكفر والنفاق، ويتأكد حفظ الأمانة في حق من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعليه أن يتقي الله تعالى ويقوم بعمله بكل إخلاص وأمانة، ولخيانة الأمانة في هذا المجال صور متعددة، ومنها: أن من الناس من لا ينضبط في عمله فهو كثير التأخر، كثير التغيب، حتى أثناء تواجده في عمله يقوم به ببطء وتثاقل، وهذا نوع من الإخلال بالأمانة، وتجد هذا الشخص لو بخس من مرتبه ولو بمبلغ يسير لأقام الدنيا وألقى باللائمة على المسؤول، وتجد من الناس من يبخس الناس في البيع والشراء ونحوهما إما بغش أو تدليس أو غيره لكنه لا يرضى أن يفعل به ذلك، وهؤلاء يصدق عليهم قول الله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [سورة المطففين، الآيات: 1-3] فهم يريدون حقهم كاملاً، لكنهم يبخسون الحق المطلوب منهم، والمطلوب من المسلم أن يكون تعامله مع الآخرين بمثل ما يحب أن يتعامل الناس به معه، وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن يلتزم به المسلم في تعاملاته مع الآخرين، وقد اختصر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في كلمة جامعة فقال: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه» (صحيح البخاري [13]) والله الموفق.