الخثلان
الخثلان
منهج التعامل مع أخطاء الدعاة
21 جمادى الأولى 1437 عدد الزيارات 691

 قد يقع من بعض الناس إساءة ظن ببعض العلماء أو بعض الدعاة نتيجة لتصرف ما صدر من ذلك العالم أو الداعية -وقد يكون ذلك العالم أو الداعية مصيباً في تصرفه أو على الأقل حسن القصد فيه- وهذا النهج غير سديد خاصة إذا وصل الحد إلى أن يتهم في قصده ونيته؟! وقد يجر سوء الظن هذا إلى معاص كثيرة منها: الغيبة والوقوع في عرض ذلك العالم أوالداعية، وربما جر إلى السخرية والاستهزاء وغيرها، والذي ينبغي لمن لاحظ على أخيه شيئًا أن ينصحه في السر وربما يتبين له عند نصحه أن ماتوهمه خطأ ليس بخطأ أصلاً، وربما يكون خطأ بالفعل، وبالمناصحة يحصل التصحيح والتقويم. 

وهنا أسوق لك قصة حصلت بين عالمين، تتضمن حسن المعاتبة، وبيان ما ينبغي أن يكون عليه المسلم تجاه أخيه المسلم من حسن الظن به، والتماس الأعذار لزلاته. وقد ساق هذه القصة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى في (لفتاوى السعدية ص 71-73) وحاصلها: أنّ أحد العلماء كتب لعالم آخر كتاباً ينتقده فيه انتقاداً شديداً في بعض المسائل ويذكر أنّه قد أخطأ فيها، بل أنّه قدح في قصده ونيته، وادعى أنّه يدين الله ببغضه! بناء على ما توهم من خطئه. فأجاب المكتوب له: "يا أخي إنّك إذ تركت ما يجب عليك من المودة الدينية، وسلكت ما يحرم عليك من اتهام أخيك بالقصد السيء -على فرض أنه أخطأ- وتجنبت الدعوة إلى الله بالحكمة في مثل هذه الأمور فإني أخبرك -قبل الشروع في جوابي لك، عما انتقدتني عليه- بأنّي لا أترك ما يجب عليّ من الإقامة على مودتك، والاستمرار على محبتك المبنية على ما أعرفه من دينك، انتصاراً لنفسي، بل أزيد على ذلك إقامة العذر لك في قدحك في أخيك، بأن الدافع لك على ذلك قصد حسن، لكن لم يصحبه علم يصححه، ولا معرفة تبين مرتبته، ولا ورع صحيح يوقف العبد عند حده الذي أوجبه الشارع عليه. فلحسن قصدك عفوت لك عما كان منك لي من الاتهام بالقصد السيء، فهب أن الصواب معك يقيناً، فهل خطأ الإنسان عنوان على سوء قصده؟! لو كان الأمر كذلك للزم رمي جميع علماء الأمة بالقصود السيئة! لأنه لا يسلم من الخطأ أحد، إلا من رحم الله. وهل هذا الذي تجرأت عليه إلا مخالف لما أجمع عليه المسلمون من أنه لا يحل رمي المسلم بالقصد السيء إذا أخطأ، والله تعالى قد عفا عن خطأ المؤمنين في الأقوال والأفعال وجميع الأحوال. ثم أقول: هب أنه جاز للإنسان القدح في إرادة من دلت القرائن والعلامات على قصده السيء، أفيحل -فيمن عندك من الأدلة الكثيرة على حسن قصده وبعده عن إرادة السوء- أن تتوهم فيه شيئاً مما رميته به؟! والله تعالى قد أمر المؤمنين أن يظنوا بإخوانهم خيراً إذا قيل فيهم خلاف ما يقتضيه الإيمان، فقال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً} [سورة النور، الآية: 12]. واعلم أنّ هذه المقدمة ليس الغرض منها مقابلتك بما قلت، فإني كما أشرت لك قد عفوت عن حقي -إن كان لي حق- ولكن الغرض النصيحة، وبيان موقع هذا الاتهام من العقل والدين والمروءة الإنسانية..." ثم شرع في الجواب عما انتقده به. فهلا كان هذا الأدب وهذا الخلق الرفيع شعاراً لطلاب العلم والدعاة إلى الله تعالى!