الخثلان
الخثلان
حقوق ذوي الإحتياجات الخاصة
9 جمادى الآخرة 1441 عدد الزيارات 174

الخطبة الأولى

الحمد لله خلق الإنسان وعلمه البيان، والحمد لله الذي تفرد بالخلق والتدبير، وتصريفه بالحكمة البالغة وبديع التقدير، لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، وهو اللطيف الخبير، أحمده سبحانه توالت علينا نعماؤه، وترادفت علينا آلاؤه، فنِعمَ المولى ربنا، ونِعَمَ النصير.

وأشهد أن لا الله وحده لا شريك له تنزه عن التشبيه، وتقدس عن النظير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، والسراج صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102].

﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾[النساء:131].

عباد الله:

خاطب الله تعالى الإنسان بأكرم ما فيه، خاطبه بإنسانيته التي يتميز بها عن سائر المخلوقات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾[الانفطار:6-8].

خلق الله الإنسان فكرَّمه ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾[التين:4]، فالناس مكرَّمون في أصل خلقتهم الإنسانية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾[الإسراء:70].

ولا تفاضل بين الناس عند الله إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13].

والناس مبتلون بما أعطاهم الله ومنح، وبما أخذ منهم وسلب، مُبتلون بكمال الخلق، وتمام الصحة، وسلامة الجسد، كما أنهم مبتلون بضد ذلك من النقص والإعاقات، كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[الأنبياء:35] ومن أجل هذا فالإنسان موضع العناية والرعاية والتكريم، مهما كانت ظروفه، ومهما اُبْتُلِيَ بها من نقصٍ وإعاقات.

عباد الله:

إن اهتمام الأمة بأفرادها جميعًا، بكل فئاتهم وتنوع أحوالهم وابتلاءاتهم دليلٌ على صدق إيمانها، كما هو دليلٌ على تحضُّرها ورُقيها، ناهيكم إذا كان لها عنايةٌ خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة.

عباد الله:

إخواننا وأخواتنا وأبناؤنا وبناتنا ذوو الاحتياجات الخاصة، وهم ممن ابتلوا بقصور أو خلل مستديم حركيٍّ أو حسيٍّ أو عقلي، مثل المشلول والأعمى والأصم والأبكم والمجنون والمصاب بمرض التوحد، أو بمتلازمة داون ونحو ذلك، هؤلاء جزءٌ من نسيجنا الاجتماعي، وعناصر فعالةٌ في المجتمع، حقهم أن توفَّر لهم البيئة المناسبة والظروف الملائمة؛ لمنحهم الفرص من أجل البناء والعطاء، وتوظيف القدرات واستثمارها.

وثمَّة رسائل نوجهها لذوي الاحتياجات الخاصة، ولمن كان حولهم وللمجتمع:

فيا من أُصِبت بإصابةٍ جعلتك من ذوي الاحتياجات الخاصة، عليك أن تؤمن بأن هذا من القضاء والقدر، الذي هو أحد أركان الإيمان الستة، هذا الإيمان يجعل هذا الإنسان يعيش في رضًا واطمئنان وبمعنوياتٍ عالية، عليك أن تتأقلم مع ظروفك وواقعك الذي قُدِّر لك، فهذا هو قدرك في الحياة، «وَمَا أَصَابَك لَمْ يَكُن لِيُخْطِئَك، وَمَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُن لِيُصِيبَك».

ثم إنك إذا صبرت واحتسبت الأجر كان ثوابك عند الله جزيلًا، وأجرك عظيمًا، بل قد يصل هذا الأجر والثواب إلى التعويض بالجنة، نعم إلى التعويض بالجنة.

فمثلًا: من كان من ذوي الاحتياجات الخاصة الأعمى، يقول النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في شأنه: «إِنَّ الله قَال: إِذَا ابْتَلَيْت عَبْدِي بِفَقْدِ حَبِيبَتَيْهِ» أي بفقد عينيه «فَصَبَر عَوَضتُه مِنْهُمَا الْجَنَّة» أخرجه البخاري في صحيحه، ونِعَمَ العِوَض، وَنِعْمَ الثَّمَن أن يُعَوَّض عَنْ ذلك الجنة، لكن بشرط أن يصبر ويحتسب.

وقد ورد في شأن المصاب بالصرع: ما جاء في الصحيحين عن عطاء بن أبي رباح قال: "قال لي ابن عباس: ألا أُريك امرأةً من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالت: يا رسول الله، إني أُصرع، وإني أتكشف، فادعُ الله لي، فقال لها النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِي وَلَكِ الْجَنَّة، وَإِنْ شِئْتِ دَعُوْت الله أَنْ يَعَافِيَكِ» فقالت: أصبر يا رسول الله، ولكن إني أتكشف، فادعُ الله لي ألا أتكشف، فدعا لها ألا تتكشف".

فانظروا إلى عظيم الجزاء «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِي وَلَكِ الْجَنَّة».

فيا أخي الكريم من ذوي الاحتياجات الخاصة:

عِشْ حياتك سعيدًا مطمئنًا، بعيدًا عن التسخط والتشكي، فإن التسخط لا يفيد، بل يضرك، ومع مرور الوقت ربما يسبب لك مشاكل نفسية، واجعل هذا الحديث العظيم مبدأً لك ومنهجًا في حياتك؛ يقول النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُم إِلَى مَنْ فُضِّل عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْق، فَلِيَنْظُر إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْه مِمَّن فُضِّل هُوَ عَلَيْه».

ويقول: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُم، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُم، فَهُوَ أَجْدَر أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَة الله عَلَيْكُم» فلا تقارن نفسك بمن هو أعلى منك، بل قارن نفسك بمن هو أسفل منك وأشد إعاقة.

وقد خلَّد تاريخنا الإسلامي أسماء أناسٍ من ذوي الاحتياجات الخاصة تميزوا في العلم أو في خدمة المجتمع:

- ومنهم الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم، الذي أنزل الله في شأنه قرآنًا يتلى في سورة ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2)﴾[عبس:1] وقد استخلفه النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على المدينة أكثر من مرة، وجعله مؤذِّنًا له.

- ومنهم التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح، الذي انتهت إليه فتوى أهل مكة، وكان يُنَادى في موسم الحج (لا يفتي الناس إلا عطاء)، وكان أسود أعور مشلولًا أفطس.

- ومنهم محمد بن عيسى الترمذي، صاحب السنن، من أشهر علماء الحديث، وكان كفيف البصر.

- ومنهم التابعي الجليل سليمان بن مهران، الملقب بالأعمش؛ وذلك لإصابته بالعمش، وهو ضعف في البصر مع سيلان الدمع، وكان عالمـًا حافظًا، وصفه الذهبي بأنه شيخ المقرئين والمحدثين.

- ومنهم قالون، أحد أشهر أئمة القراءات، وأحد الرواة عن نافع، كان أصم لا يسمع.

- ومنهم ابن الأثير المحدِّث صاحب كتاب [جامع الأصول]، أصيب بمرضٍ في أطرافه وكان يقول: (لو لم أُصِب بهذه العاهة لما ألفت هذا الكتاب) ويقع في أحد عشر مجلدًّا.

وفي وقتنا الحاضر منهم:

- شيخ المشايخ علامة عصره الشيخ محمد بن إبراهيم الذي انتهت إليه الفتوى في هذه البلاد، وكان كفيفًا.

- والشيخ عبد العزيز بن باز وكان كفيفًا.

رحمة الله تعالى على الجميع، وغيرهم كثير ممن كانت الإعاقة سببًا لنبوغهم وتميزهم، فلا تجعل الإعاقة سببًا للقعود، والتنصل من المسؤولية، والإسهام في مجالات الحياة.

ورسالةٌ أوجهها لأسرة الشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة:

بأن عليهم مسؤوليةً كبيرةً في العناية بهم، ورعايتهم، وإعانتهم على تحمل المسؤولية، والاعتماد بعد الله على أنفسهم، وليستحضر القائمون على ذوي الاحتياجات الخاصة بأنه كلما كانت الإعاقة أشد كان الأجر أعظم، وربما تكون رعاية هذا الإنسان والقيام بشؤونه بابًا من أبواب الجنة، وربما يكون وجوده في البيت سببًا لسَوْق أبوابًا من الرزق إلى رب البيت من حيث لا يحتسب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُون إِلَّا بِضُعَفَائِكُم».

وثمة رسالة أوجهها للمجتمع:

في احترام هذه الشريحة من المجتمع، وفي إكرامها، وعدم السخرية منهم، أو انتقاصهم، أو احتقارهم، وقد أنزل الله في ذلك قرآنًا يتلى، وسورة من سور القرآن سميت باسم ذلك الموقف، وهو أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان منشغلًا بدعوة بعض صناديد قريش، وكان يطمع في إسلامهم؛ لأنه إذا أسلموا تبعهم أناسٌ كثير، فأتاه رجلٌ أعمى، أتاه عبد الله بن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله، فكأن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رأى أنه أتاه في وقتٍ ليس مناسبًا، فعبس في وجهه ليس احتقارًا له، لكن كأنه رأى أنه أتاه في وقتٍ غير مناسب؛ لأنه كان منشغلًا بدعوة أولئك الصناديد.

فأنزل الله -عَزَّ وَجَل- في ذلك قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11)﴾[عبس:1-11].

سبحان الله! هذا الرجل الأعمى عبس النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في وجهه، وهو لا يرى عبوسه لكونه أعمى، ومع ذلك عاتب الله نبيه على هذا العبوس.

ويؤخذ من هذا أنه لا يجوز انتقاص هذه الشريحة من المجتمع من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولا السخرية منها، ولا احتقارها بأية صورةٍ من الصور.

ومع احترام هذه الشريحة من المجتمع وإكرامهم ينبغي العناية الخاصة بهم، وتوفير البيئة الملائمة لتعليمهم وعملهم وتنقلاتهم، وتقديم كل المساعدات المعينة لهم على التكيف مع البيئة الاجتماعية.

وينبغي ألا يتوقف هذا الأمر على حدود مبادراتٍ شخصيةٍ من بعض الأفاضل، وإنما يهب جميع المجتمع، وجميع قطاعات الدولة القطاع العام، والقطاع الخاص؛ لتحقيق أقصى درجات الرعاية الاجتماعية لهذه الشريحة من المجتمع، وأن يوجد أنظمةٌ وبرامجٌ وخططٌ لتحقيق ذلك.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة.

عباد الله:

إن الأصل أن تُعامَل هذه الشريحة من المجتمع كبقية أفراد المجتمع فيما لهم من حقوقٍ وما عليهم من واجبات، إلا في الواجبات التي لا يستطيعون القيام بها، أو يلحقهم معها الحرج؛ ولهذا لما أمر الله تعالى المؤمنين بالقتال مع نبيه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فهمت هذه الشريحة أن هذا الأمر يشملها، فأنزل الله -عَزَّ وَجَل- قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾[النور:61]، فرخص الله تعالى لهذه الفئة في البقاء وعدم الذهاب للقتال مع نبيه؛ لكونهم معذورين إما بالعمى أو بالعرج أو المرض ونحو ذلك.

ومن التوجيهات في الاحتفاء بهذه الشريحة من المجتمع ودمجها ومشاركتها:

ما جاء في قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾[النور:61]

وقد كان بعض المؤمنين يتحرجون من الأكل مع الأعمى؛ لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع الأعرج؛ لأنه لا يتمكن من الجلوس كغيره، ولا مع المريض؛ لأنه لا يستوفي الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلَّا يظلموهم، وكان ذلك الوقت وقت شدةٍ وفقر، فأنزل الله -عَزَّ وَجَل- هذه الآية: أنه لا حرج في الأكل مع هذه الشريحة من المجتمع.

وثمة اعتبارٌ آخر ذكره بعض العلماء: وهو أن بعض أصحاب الاحتياجات الخاصة مرهفُو الشعور، دقيقُو التحسس، فربما خشي الواحد منهم أن يكون وجوده مع الأسوياء مكدرًا أو مؤذيًا لهم، فيتحرج من مخالطتهم والأكل معهم، فجاءت الآية لتنفي ذلك.

وربما ساء خُلُق بعض الناس فنفر من الأكل مع هذه الشريحة تكبُّرًا وتعززًا، فجاءت الآية لترفع كل هذه الاحتمالات، ولتدمج هذه الشريحة مع بقية الشرائح؛ ليعيشوا جميعًا في بيئةٍ متآخية.

ومما يؤكد حرص الشريعة الإسلامية على دمج هذه الفئة مع المجتمع:

ما جاء في صحيح مسلمٍ وغيره عن أبي هريرة -رَضِيَ الله عَنْهُ- قال: "أتى النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله، إني رجلٌ أعمى وليس لي قائد يلائمني يقودني إلى المسجد فهل تجد لي رخصةً أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «هَلْ تَسْمَع حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الْفَلَاح؟» قال: نعم، قال: «فَأَجِب»".

ومن الحِكَم التي قيلت في كون النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يُرَخِّص له، مع العذر الذي ذكره: أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أراد أن يندمج هذا الأعمى مع المجتمع بصلاته في المسجد خمس مرات، وبالتقائه مع إخوانه المؤمنين ومع الجيران، ولو أنه رخص له في الصلاة في بيته لربما انعزل عن المجتمع، ومع مرور الوقت يعتاد على هذه العزلة، خاصةً وأن بيته قريبٌ من المسجد، ويسمع نداء الصلاة، فليس عليه كبير مشقةٍ في مجيئه للمسجد، وهذا يدل على أنه ينبغي للمجتمع الحرص على دمج هذه الشريحة ببقية أفراد المجتمع وعدم انعزالهم.

ومن الأمور التي ينبغي مراعاتها:

أن يُعَامَل أفراد هذه الشريحة كبقية أفراد المجتمع، فلا يُنظر لهم بشفقةٍ زائدة مصحوبةٍ بتنقص، فإن هذا يجرح كرامتهم.

أحد المعاقين أتى لصلاة الجمعة، وبعد الصلاة أتى إليه رجلٌ ووضع في جيبه عشرة ريالات، هذا الرجل أراد الإحسان لهذا المعاق، لكنه في الواقع أساء إليه وجرح كرامته؛ لأنه أولًا افترض أن كل معاقٍ فقير، وهذا غير صحيح، فقد يكون هذا المعاق أغنى ممن يريد التصدق عليه، ثم هو يشعر بنظرة تنقصٍ وشفقةٍ تجرح من كرامة هذا المعاق نظر إليه بهذه النظرة؛ ولهذا تصدق عليه بهذه الصدقة الناتجة عن نظرة التنقص والشفقة؛ ولهذا تأثر هذا المعاق بهذا الموقف تأثرًا كبيرًا، هذا يريد الإحسان إليه، لكنه في الواقع أساء إليه إساءةً كبيرة.

فينبغي مراعاة مشاعر هذه الشريحة من المجتمع وأن تدمج في المجتمع، وأن يُنظر لها باحترامٍ وتوقيرٍ كما يُنظَر لبقية أفراد المجتمع.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن صحابته أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

اللهم هيئ لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه السنة، وتُقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، وقَرِّب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر، وتذكره إذا نسي، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوفٌ رحيم.

ربنا إننا آمنَّا، فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.