الخثلان
الخثلان
( من صلى الصبح فهو في ذمة الله )
25 ذو الحجة 1440 عدد الزيارات 37

 

 

 

خطبة بعنوان:

 "من صلى الصبح فهو في ذمة الله"

 

 

 

لفضيلة الشيخ الدكتور

سعـــــد بن تركــــــي الخثـــــــــــلان

 

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي فرض الصلوات على عباده رحمةً بهم وإحساناً، وجعلها أعظم صلةٍ بينه وبين عباده، فأنعم بقرب مولانا، ورتَّب على إقامتها سعادةً وبرًّا وإحساناً، وتوعَّد من أضاعها بأن يلقى غيّاً وشقاءً وهواناً، أحمده تعالى وأشكره حمداً وشكراً عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}([1])

عباد الله:

عبادةٌ هي أحب الأعمال إلى الله عز وجل، وهي عمود دين الإسلام، وهي الصلة بين العبد وربّه، إنها الصلاة، الركن الثاني من أركان الإسلام، الصلاة التي من حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع، الصلاة التي من أضاعها فقد قطع الصلة بينه وبين ربّه عز وجل.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". ويقول: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه مسلم.

عباد الله:

لقد فرض الله تعالى الصلاة على هذه الأمة خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، وخففها بعد أن كانت خمسين صلاةٍ في اليوم والليلة، خففها ربنا عز وجل على هذه الأمة تفضلاً منه وإحساناً إلى خمس صلواتٍ في الفعل، ولكنها لم تخفف في الأجر والثواب، فأجرها أجر خمسين صلاة.

عباد الله:

ولما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ العمل أحب إلى الله تعالى قال: "الصلاة على وقتها"، فهذه العبادة هي أحب العمل إلى الله، وهي أحب العبادات إلى الله عز وجلّ؛ ولهذا فرضها الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مباشرةً من غير واسطة، بينما بقية الفرائض وبقية شرائع الإسلام تفرض من الله على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، ثم إن الله فرضها بعدما عُرج بنبيه حتى جاوز السبع الطباق، ووصل إلى سدرة المنتهى، وكلمه الرب عز وجل مباشرةً، وفرض عليه وعلى أمته هذه العبادة، وهذا كله يدل على عظيم العناية بهذه العبادة، وأنها لها المنزلة العليا في دين الإسلام؛ ولهذا فهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين.

عباد الله:

وإن من آكد هذه الصلوات الخمس صلاة يكثر التساهل بها، والغفلة عنها، والنوم عنها، ألا وهي صلاة الفجر، وإذا أردت البرهان فانظر إلى واقع الأحياء، وانظر كم يسكنها من الناس، وكم يصلي منهم صلاة الفجر في المسجد.

إنه والله واقع مؤسف، واقع مؤسف ترى الرجل ينام عن صلاة الفجر، ولا يشهدها مع جماعة المسلمين في المسجد، أصبحت الصلاة آخر اهتماماته، تجده يعمل ويكدح طيلة النهار، ثم يسهر إلى وقت متأخرٍ من الليل، ثم ينام من غير أن يحُدِّث نفسه بالقيام لصلاة الفجر، بل تجد أنه يقدّم نزهته ويقدم فسحته، وذهابه مع أصحابه وأصدقائه، أما الصلاة فيجعلها آخر اهتماماته؛ ولهذا تجد أنه يتخلف عن صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد؛ لأنه ليس لديه الاهتمام الكافي لأن يؤدي هذه العبادة كما أمر الله عز وجل.

 ألا فليُعلم بأن التخلف عن صلاة الفجر أنه من شعائر المنافقين، الذي يتخلف عن صلاة الفجر دائماً عليه أن يرجع نفسه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن من أبرز علامات أهل النفاق التخلف عن صلاة الفجر فقال: "أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً".

صلاة الفجر اختبار عظيم لإيمان الإنسان، فمن حافظ عليها فهذه أمارةٌ على صدق إيمانه، وصحة إسلامه، ومن لم يحافظ عليها فقد يكون ذلك أمارة على ضعف إيمان ذلك الشخص، بل ربما يكون ذلك أمارة على النفاق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

صلاة الفجر لما ذكر الله تعالى الصلوات الخمس أفردها الله تعالى بالذكر فقال: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}([2])

{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أي: لزوالها {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} أي شدة ظلمته.

وهذا يشمل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم خصّ الله تعالى صلاة الفجر بالذكر فقال: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "وقرآن الفجر هو: صلاة الفجر، وسمى الله تعالى صلاة الفجر بقُرآن الفجر؛ لمشروعية تطويل القراءة فيها أكثر من غيرها، {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} أي تشهده الملائكة، ملائكة الليل وملائكة النهار كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح، وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون".

صلاة الفجر يقول النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها: "من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله تعالى من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيءٍ يُدركه ثم يكبّه على وجهه في جهنم" أخرجه مسلم في صحيحه.

ومعنى هذا الحديث: أن من صلى صلاة الفجر كما أمره الله إن كان رجلاً فمع الجماعة في المسجد، وإن كانت امرأة ففي وقته فإنه يكون في ذمة الله.

من صلى الصبح فهو في ذمة الله أي في أمانه وعهده، وخُصّ صلاة الفجر بذلك من بين الصلوات الخمس؛ لما فيها من الكُلفة والمشقة، فأداؤها كما أمر الله دليل على قوة الإيمان والإخلاص.

 

وهذا وعدٌ أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بأن من حافظ على صلاة الفجر أنه يكون طيلة يومه في ذمة الله عز وجل، يكون في حفظ الله تعالى وعهده وضمانه، ثم قال: "فلا يطلبنكم الله تعالى من ذمته بشيء" فيه تحذير من التعرض لمن صلى الفجر كما أمره الله، فإن التعرض لهذا المصلي لصلاة الفجر، التعرض له بالأذى تعرضٌ لإنسانٍ صادقٍ مع الله، ومن تعرض للمؤمنين الصادقين بالأذى عاقبه الله تعالى حتى يكبه على وجهه في جهنم، "فلا يطلبنكم الله تعالى من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيءٍ يُدركه حتى يكبّه على وجهه في جهنم".

فانظروا أيها الإخوة لهذا الفضل العظيم لصلاة الفجر، فإنك إذا صليت صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد تكون طيلة يومك في ذمة الله عز وجل وحفظه وعهده وأمانه، وهذا الفضل يُحرم منه من تفوته صلاة الفجر.

لماذا خُصت صلاة الفجر من بين سائر الصلوات؟

لأنه لن يُحافظ عليها كلَّ يومٍ ويصليها مع الجماعة في المسجد إلا رجلٌ صادقٌ مع الله، فهذا الإنسان الصادق مع الله موعودٌ بأن يكون طيلةَ يومه في حفظ الله وفي عهده وأمانه.

صلاة الفجر هي عنوان الإيمان، فمن حافظ عليها فإنه سيُحافظ على بقية الصلوات، إذا أردت أن تختبر مستوى إيمانك فانظر إلى حالك مع صلاة الفجر كيف يكون؟

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبو إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

d

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمدلله الذي وعد المحافظين على الصلاة أجراً عظيماً، وأعد لهم الجنات ونعيماً مقيماً، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله صحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فإن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله:

ومع هذا الفضل العظيم لصلاة الفجر إلا أننا نجد كثرة التخلف عن صلاة الفجر، فما هي الأسباب؟، ما هي أسباب التخلف عن صلاة الفجر؟

أكبر هذه الأسباب بل إنه هو السبب الذي ترجع إليه بقية الأسباب هو: قلة الاهتمام بالصلاة، فإن من اهتم بشيءٍ سعى للإتيان به، ولكن عندما يكون الاهتمام ضعيفاً فسيجد الإنسان ثقلاً، وسيجد تكاسلاً، وسيجد صعوبةً في المحافظة على صلاة الفجر.

 فنقول لمن يجد من نفسه الكسل عن صلاة الفجر: ارفع مستوى الاهتمام بصلاة الفجر، إذا رفعت مستوى الاهتمام فستجد من الوسائل ما يعينك على أداء الصلاة مع الجماعة في المسجد، وإذا حافظت على صلاة الفجر في المسجد فإنك ستُحافظ على بقية الصلوات من باب أولى.

نعم نجد أن الإنسان في أمور دنياه إذا رفع مستوى الاهتمام بشيءٍ فإنه يأتي في الوقت المحدد، بل يأتي قبل الوقت المحدد؛ استعداداً له.

 أرأيت الطالب الذي عنده اختبار، هل تجد أنه يتأخر عن الاختبار احتجاجاً بثقل النوم، أو بالكسل، أو بغير ذلك مما يتذرّع به بعض الذي يتخلفون عن صلاة الفجر؟

أبداً نجد أن هذا الطالب يأتي للاختبار قبل الموعد، ويستعد له حتى لو لم ينم طيلة الليل، أو لو لم ينم إلا ساعة فإنه يجد نفسه مدفوعاً لحضور الاختبار في الوقت المحدد؛ لأن مستوى الاهتمام كان كبيراً؛ ولذلك لن يتأخر عن ذلك الموعد.

 وهكذا أيضاً من كان عنده موعدٌ في المطار موعد رحلة في المطار، ولنفترض أن هذا الموعد في وقت صلاة الفجر، هل تجد أن هذا الإنسان يتأخر عن ذلك الموعد احتجاجاً بأن نومه ثقيل؟ أو بصعوبة ذلك أو نحو ذلك من الأعذار التي يعتذر بها بعض الذين يتخلفون عن صلاة الفجر؟

الجواب: لا، نجد أن هذا الشخص يحضر للمطار قبل موعد الرحلة بوقتٍ كافٍ، ويستعد ويهتم لذلك، بل ربما تجد أنه من أول النهار وهو يهتم ويستعد لتلك الرحلة.

 فالمسألة هي مسألة اهتمام، فإذا ارتفع مستوى الاهتمام بصلاة الفجر فإن الإنسان سيجد من الوسائل ما يعينه على أن يؤدي هذه العبادة العظيمة مع الجماعة في المسجد.

ثم ليُقَدِّر هذا المتخلف عن صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد أنه مات في ذلك اليوم، كيف يقابل ربه وقد أخلَّ بعبادة من أعظم العبادات، وقد قصر في واجبٍ أوجبه الله تعالى عليه، والإنسان الأجل قد غُيّب عنه لا يدري متى يبغته الأجل، فكل واحد منا معرض لأن يأتيه ملك الموت في أية لحظة، فكيف لو أتى هذا الإنسان وهو لم يصل صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد؟ كيف سيلقى ربه عز وجل؟!

ثم إننا في هذا الزمان ولله الحمد قد تيسّرت وسائل التنبيه، فبإمكان الإنسان أن يضع منبهاً، إما ساعةً، وإما الهاتف الجوال، أو غير ذلك من المنبهات، وإذا كان نومه ثقيلاً فيضع أكثر من منبه، وربما يستعين ببعض أهله لإيقاظه لصلاة الفجر، المهم أن يوجد لديه الاهتمام بأن يصلى صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد، فإذا وجد لديه ذلك الاهتمام فإن عنده من الوسائل ما يعينه على أن يؤدي الصلاة مع الجماعة في المسجد.

تجد أن بعض الناس منتظم في عمله في الدوام، لا يتأخر عن العمل، يذهب للعمل قبل الموعد المحدد؛ حتى لا يفوته التوقيع أو البصمة، لكن بالنسبة لصلاة الفجر نجد أنه يتخلف عنها؛ لأنه قد اهتم بأمر دُنياه قد اهتم بعمله، ولكن اهتمامه بالصلاة كان ضعيفاً.

فعلى من كان عنده هذا التقصير عليه أن يتدارك ما تبقى من عمره، وأن يتوب إلى الله تعالى عز وجل من التقصير في هذه العبادة، وأن يرفع مستوى الاهتمام بها، فإن الصلاة هي عمود الدين، ومن حافظ على صلاة الفجر فسيحافظ على بقية الصلوات، ومن حافظ على الصلوات فقد حفظ دينه ومن ضيع الصلوات فهو لما سواها أضيع.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}([3])

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن تابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، اللهم واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، يؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، وتُرفع فيه السنة، وتُقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، اللهم ووفقه وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة التي تعينهم إذا ذكروا وتذكرهم إذا نسوا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك ممن الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

d

 

 


([1]) سورة الأحزاب آية (70-71)

([2]) سورة الإسراء آية 78

([3]) سورة الأحزاب آية (56)