الخثلان
الخثلان
فضائل عشر ذي الحجة
3 ذو الحجة 1440 عدد الزيارات 172

الخطبة الأولى:

الحمد لله مشرف الأيام بعضها على بعض، وموقظ القلوب الغافلة بالتذكير والوعد، مشرف الأيام والشهور، ومضاعف الثواب لمن أطاعه والأجور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ما من خيرٍ إلا دل أمته عليه، وما من شرٍّ إلا حذرها منه، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102].

عباد الله:

جعل الله حياة الإنسان ميدانًا للعبادة، وجعل الجزاء في الدار الآخرة على ما عَمِلَ في هذه الدنيا، ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾[النبأ:40]، وعبادة المسلم ربه لا تنقطع إلا بالموت ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[الحجر:99].

وقد اختص الله تعالى من أيام دهرنا مواسم تضاعف فيها الحسنات، وتُرفع فيها الدرجات، وتُكفَّر فيها الخطايا والسيئات، وأخلف الله على هذه الأمة عن قصر أعمارها ببركةٍ في عملها، وبوجود مواسم تضاعف فيها الأجور، وإذا كان المسلم مطلوبًا منه العمل الصالح في كل وقت، إلا أنه يتأكد في هذه المواسم، أرأيت تجار الدنيا إذا أتت مواسمهم اجتهدوا فيها، وضاعفوا من الجهد بُغْيَة أن ينالوا أكبر قدرٍ من الأرباح، فهكذا التجار مع الله -عَزَّ وَجَل- بالأعمال الصالحة لهم مواسم ينبغي أن يضاعفوا فيها من جهودهم بُغْيَة مزيد أكبر قدرٍ من الأجور والحسنات، فهنيئًا لمن اغتنم مواسم الخير في الطاعات، وتعرض لنفحات الرب -عَزَّ وَجَل-.

يقول أنس -رَضِيَ الله عَنْهُ-: "اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحاتٍ يصيب بها من يشاء من عباده".

ومن رحمة الله تعالى بعباده: أن يوالي مواسم الخيرات عليهم على مدار الأيام والشهور، فما إن انقضى موسم شهر رمضان، إلا وأقبل موسمٌ عظيم، أقبل عشر ذي الحجة، هذا الموسم الذي فيه تُضَاعف الحسنات. هذه الأيام المباركة التي ما من أيامٍ العمل فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، والتي أقسم الله بها، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾[الفجر:1-2].

والمراد بـ(الليالي العشر) في قول جماهير المفسرين: أنها عشر ذي الحجة.

قال الحافظ بن كثير -رَحِمَهُ الله- في تفسيره: الصحيح في المراد بـ(الليالي العشر) أنها عشر ذي الحجة.

والله العظيم لا يقسم إلا بالعظيم من مخلوقاته، وهذا يدل على عظمة هذه العشر، وعلى عظيم منزلتها، وعظيم شرفها، فهي أفضل أيام السنة على الإطلاق.

سُئِل الإمام ابن تيمية -رَحِمَهُ الله- عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل؟ فقال: (أيام -أي نهار- عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، وليال العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة).

قال ابن القيم معلقًا على ذلك: (وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيًا كافيًا، فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة، وفيها يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية، وأما ليالي العشر الأواخر من رمضان ففيها ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر).

ومما يدل على فضل هذه العشر المباركة: ما جاء في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس -رَضِيَ الله عَنْهُما-: "أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَا مِنْ أَيّامٍ العَمَل فِيهَا أَحَبُّ إلَى الله مِنْ هَذِه الأيّام الْعَشْر» قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولَا الْجِهَادُ فِي سَبِيل الله إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِع مِنْ ذَلِكَ بِشَيء»" وهذا يدل على أن العمل الصالح في هذه العشر لا يعدله شيء إلا في حالةٍ واحدة، في حالة رجلٍ خرج مجاهدًا في سبيل الله وأنفق جميع أمواله في سبيل الله وقُتِل، فهذه هي التي تفضل على العمل الصالح في هذه العشر، وما عدا ذلك فإن العمل الصالح في هذه العشر لا يعدله شيء.

قال الحافظ ابن حجر -رَحِمَهُ الله-: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة هو اجتماع أمهات العبادة فيها، وهي الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتَّى ذلك في غيرها).

عباد الله:

وفي الحديث السابق أطلق النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: «مَا مِنْ أَيّامٍ العَمَل فِيهَا أَحَبُّ إلَى الله» وهذا يشمل كل عملٍ صالح، فالأجور على الأعمال الصالحة في هذه العشر مضاعفة، فينبغي للمسلم أن يجتهد فيها بالأعمال الصالحة بكل ما هو عملٌ صالح من الصلاة، ومن الصدقات، ومن صيام النافلة، ومن الذكر، وتلاوة القرآن، وغير ذلك.

عباد الله:

جاء في صحيح مسلم عن أم سلمة -رَضِيَ الله عَنْها- أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إِذَا دَخَلَت هَذِهِ الْعَشْر وَأَرَادَ أَحَدكم أَنْ يَضَحِّي فَلَا يَأْخُذ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا» وهذا الحديث حديثٌ صحيح أخرجه مسلمٌ في صحيحه نهى فيه النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن أن يأخذ المضحي من شعره ومن أظفاره شيئًا حتى تُذبَح أضحيته.

والمراد بالمضحي: الذي يدفع ثمن الأضحية، الذي يدفع الدراهم لشراء الأضحية، فلا يشمل ذلك الوكيل، أو النائب الذي أوكِلَ إليه الذبح، ولا يشمل ذلك من ضُحِّي عنه، وإنما الحكم خاصٌّ بالمضحي الذي يدفع الثمن، فهذا يُمسِك فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا. وهذا هو الذي يُفتِي به عامة أهل العلم، كبار أهل العلم في هذه البلاد، ولكن في السنوات الأخيرة أصبحت تُنقَل مقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي تثير خلافًا، وتثير أقوالًا إما شاذةً أو مرجوحة في هذه المسألة وفي غيرها، فلا تلتفوا لما يُذْكَر في تلك المقاطع، وكونوا على ما عليه كبار أهل العلم في هذه البلاد، والذي يعتمدون على الدليل الصحيح من سنة النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.

 

 

عباد الله:

والحكمة من كون من أراد الأضحية أنه يُمسك عن الأخذ من شعره ومن أظفاره.

قال ابن القيم -رَحِمَهُ الله-: (الحكمة هي توفير الشعر والظفر ليأخذه مع الأضحية، فيكون ذلك من تمام الأضحية، ومن كمال التعبد بها).

عباد الله:

ومع دخول هذه العشر يبدأ التكبير المطلق: التكبير المطلق يبدأ بدخول عشر ذي الحجة، ويستمر إلى غروب شمس آخر أيام التشريق.

وأما التكبير المقيد: الذي يكون أدبار الصلوات، فهذا يبدأ لغير الحاج من بعد فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.

فرحم الله من أحيا هذه السنة بقوله وفعله، التكبير المطلق يمكن إحياؤه في المساجد بين الأذان والإقامة، وفي مجتمعات الناس في الأسواق والمجالس ونحو ذلك.

فينبغي الحرص على إحياء هذه السنة التي لم يحرص عليها كثيرٌ من الناس، كان الناس قديمًا إذا دخلت عشر ذي الحجة، إذا دخل الإنسان المسجد عرف أن العشر قد دخلت بتكبير الناس، فكان الناس يرفعون أصواتهم في التكبير في المساجد، وفي الطرقات، وفي الأسواق، ونحو ذلك، أما في وقتنا الحاضر، فتدخل العشر وقلَّ أن تجد مكبِّرًا، فرحم الله من أحيا هذه السنة بقوله وفعله.

عباد الله:

ومن أراد أن يضحي فإن الأضحية الاشتراك فيها يكون في الإبل والبقر إلى سبعة أشخاص، وأما الغنم فليس فيها اشتراك، وعلى هذا، فلا بد أن يكون مالك الأضحية واحدًا بالنسبة للغنم.

والاشتراك في الأضحية على قسمين:

- اشتراكٌ في الملك.

- واشتراكٌ في الثواب.

أما الاشتراك في المِلك: فهذا يكون في الإبل والبقر إلى سبعة أشخاص، وأما الغنم فلا يصح الاشتراك فيها.

وأما الاشتراك في الثواب: بأن يملك الإنسان أضحية ويُشرك فيها معه غيره في الثواب، فهذا لا بأس به ولا حَدَّ له، فللإنسان أن يشرك معه في أضحيته من شاء من الأحياء والأموات.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة.

عباد الله:

وإن مما يُشرع في آخر هذه العشر المباركة الأضحية، وهي سنة أبينا إبراهيم -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- فقد أُمِرَ بذبح ابنه الذي بُشِّر به على كبَر سنه، قال: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55)﴾[الحجر:54-55].

ولما كبر هذا الابن وترعرع، وبلغ أحسن سنٍّ يتعلق فيها الوالد بولده اُبْتُلِيَ بذبح ابنه ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا (103)﴾[الصافات:101-103]؛ أي استسلم وانقاد لأمر الله -عَزَّ وَجَل- ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾[الصافات:103]؛ أي صرعه على وجهه، وذلك أن إسماعيل قال: يا أبت أخشى أن تنظر إلى وجهي فترحمني، فتُلَّني للجبين، فصرعه على وجهه، وتَلَّه للجبين ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه.

فلما أهوى بالسكين مستسلمًا لأمر الله -عَزَّ وَجَل- هو وهذا الابن البار الصالح ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106)﴾[الصافات:104-106].

وأي بلاءٍ أن يؤمر الإنسان بذبح ابنه، وليس أي ابن، وإما ابنٌ أتاه على الكِبَر، وبعدما وصل أحسن سنٍّ يتعلق فيها الوالد بولده وكان ابنًا صالحًا بارًّا، فأُمِر أن يذبحه، فاستسلم لأمر الله -عَزَّ وَجَل-، فلما أهوى بالسكين ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا (105)﴾[الصافات:104-105]، فالتفت فإذا بكبشٍ عظيمٍ أبيض من كبش الجنة، فذبحه إبراهيم فداءً عن ابنه إسماعيل، فكانت سنةً من بعده.

فانظروا كيف نجح إبراهيم الخليل -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- في هذا الابتلاء العظيم، وانظروا كيف أن إبراهيم أُمِرَ بذبح ابنه فامتثل أمر ربه، فالعجب ممن يؤمر بذبح شاةٍ يذبحها هديًا أو أضحية، ومع ذلك تجد أنه يبخل! وأعجب من ذلك، أن هذا الذي يبخل بذبح الأضحية تجده ينفق أموالًا كثيرة في السفر للنزهة، وفي الكماليات، وفي غير ذلك، وعندما تأتي الأضحية يستخسر أن يبذل شيئًا النفقة فيه مخلوفة، والأجر فيه عظيم.

فاحرصوا –رحمكم الله- على الأضحية، فإنها سنةٌ مؤكدةٌ جدًّا، وإن بذل الدراهم في الأضاحي أفضل من الصدقة بها، فضحوا عن أنفسكم وأهليكم، والأولاد والوالدين ليحصل لكم الأجر العظيم.

وإن بعض الناس يحرم نفسه، ويتحجَّر فضل ربه، فيضحي عن أقاربه الأموات، ويدع نفسه وأهل وذريته، وهذا جهلٌ كبير، فإن الأصل في الأضحية أنها تكون للحيي لا للميت، لكن لا بأس أن يُشرِك الحي بعض أقاربه الأحياء والأموات، أو أن الميت إذا أوصى بأضحية، فتُنفَّذ أضحيته.

عباد الله:

والأضحية لا تكون إلا في بهيمة الأنعام، وهي الإبل، والبقر، والغنم، والأفضل من كل جنسٍ أسمنه، وأكثره لحمًا، وأكمله خلقة.

جاء في صحيح البخاري عن أنسٍ -رَضِيَ الله عَنْهُ-: "أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يضحي بكبشين أقرنين أملحين".

والأملح: ما خالط بياضه سواد.

 

 

ولا تجزئ الأضحية إلا بشرطين:

- الشرط الأول: أن تبلغ السن معتبر شرعًا، وهي في الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتان، وفي الماعز سنة، وفي الضأن ستة أشهر.

- الشرط الثاني: أن تكون سليمةً من العيوب التي تمنع الإجزاء، ومن أبرزها ما جاء في حديث البراء -رَضِيَ الله عَنْهُ- أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُها، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَجْفًاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي».

عباد الله:

ومن كان يُحسن الذبح فالأفضل أن يتولى الذبح بنفسه؛ لأجل أن يتحقق المقصود من الأضحية، فإن المقصود من الأضحية ليس هو اللحم، وإنما ما يحصل للذابح من تعظيم الله -عَزَّ وَجَل- والتقوى كما قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾[الحج:37].

ويُستحب أن يأكل من أضحيته، وأن يتصدق منها كما قال الله تعالى عن الهدي وهو يشمل الأضحية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾[الحج:28]، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾[الحج:36].

والسنة أن الإنسان يذبح الأضحية إن تيسر، فإن لم يتيسر فيحضر الذبح، فإن لم يتيسر هذا ولا ذاك، فيوكل من يذبحها عنه.

وأما نقل الأضاحي إلى الخارج: فإن هذا لا يحقق المقصود من الأضحية ففيه مخالفةٌ لإقامة هذه الشعيرة، وقد وردت الأدلة لإقامة هذه الشعيرة أن يقيمها الإنسان في بلده، وأن يقيمها ويُظْهِرُهَا في بيته، كون الإنسان يدفع دراهم لجمعيةٍ خيريةٍ تذبح أضحيته في الخارج ويبقى في بيته بدون أضحية، فهذا مخالفٌ للسنة، السنة أن يتولى الذبح، وأن يحيي هذه الشعيرة، وأن يأكل من أضحيته، وأن يتصدق منها.

نقول هذا؛ لأن بعض الناس يكتفي بإعطاء جمعية خيرية قيمة الأضحية، وتُذبَح عنه في الخارج، ويقول: إن الناس في الخارج أحوج إليها منهم في الداخل، وهو قد نظر للأضحية نظرةً غير صحيحة، نظر إليها على أن المقصود منها اللحم، وهذه نظرةٌ خاطئة، الله -عَزَّ وَجَل- يقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾[الحج:37]

ومن أراد مساعدة الفقراء والمساكين في الداخل أو في الخارج، فليتصدق عليهم، أما بالنسبة للأضحية فهي شعيرة، فينبغي أن يقيمها الإنسان في بيته، وأن يأكل منها ويتصدق، اللهم إلا إذا كان عنده أضاحي كثيرة، وأقام الشعيرة في البيت، ثم أراد بعد ذلك أن ينقل جزءًا منها، فهنا لا بأس أن يبقى بدون إقامة هذه الشعيرة، وينقل الأضحية للخارج فإن هذا فيه مخالفةٌ للسنة.

عباد الله:

وإن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وينبغي لمن لم يحج أن يبادر إلى الحج ويوجد في المجتمع أناسٌ قادرون على الحج، ولم يحجوا البيت بعد، وهؤلاء على خطأٍ عظيم، فإنه لو فجأ الإنسان الموت وهو لم يحج حج الفريضة، وهو قادرٌ على الحج، فبأي شيءٍ يلقى ربه وقد فرط في ركنٍ من أركان الإسلام، وفي فريضة من فرائض الدين، فعلى من كان قادرًا على الحج أن يبادر للحج، وألا يتأخر ويسوف، فإنه لا يضمن أن يعيش عمرًا طويلًا، وربما يكون الأجل قريبًا وهو لا يشعر، فينبغي المبادرة إلى أداء هذه الفريضة، وأداء هذا الركن العظيم.

اللهم سلم الحجاج والمعتمرين، اللهم وفقهم لأداء هذا النسك، اللهم وفقهم لأدائه بكل يسرٍ وسهولة، اللهم تقبل منا ومنهم يا حي يا قيوم، يا الجلال والإكرام.

 اللهم من أراد بحجاج بيتك الحرام سوءًا اللهم فأشغله في نفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميرًا عليه يا قوي يا عزيز، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، ووفقه وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[الحشر:10].

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.