الخثلان
الخثلان
اعتداءات الحوثيين
13 شوال 1440 عدد الزيارات 188

الخطبة الأولى:

الحمد لله مُعِز المؤمنين، ومُذل الكافرين، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، له الحكم والأمر لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، وإليه تصير الأمور، وأشهد أن لا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعةِ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:-

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾[الأحزاب:70-71].

عباد الله:

يقول النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: "«اَفْتَرَقَت الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَة، وَافْتَرَقَت النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِين فِرْقَة، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَة كُلهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَة» قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُول الله؟ قَاَل: «مَنْ كَانَت عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»" وفي رواية قال: «هِيَ الْجَمَاعَة».

هذا خبرٌ من الصادق المصدوق -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن افتراق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كل فرقةٍ منها تَدَّعِي أنها على الحق، وقد بيَّن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن هذه الفرق كلها في النار ما عدا فرقةٍ واحدة هي الفرقةُ الناجية، ووصفها بأنها ما كانت على ما عليه رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وصحابته -رَضِيَ الله عَنْهُم-؛ أي أن هديها موافقٌ لهدي النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولهدي صحابته -رَضِيَ الله تعالى عَنْهُم وأرضاهم-.

وهذا الخبر من النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن افتراق هذه الأمة يستدعي من المسلم أن يكون حَذِرًا أشد الحذر من أن تزل به القدم، فيكون مع هذه الفرق المنحرفة التي أخبر النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عنها، وأن يحرص غاية الحرص على التأسِّي بالنبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وبصحابته -رَضِيَ الله عَنْهُم-، وأن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم حتى يكون من تلك الفرقة الناجية.

عباد الله:

وإن استبانة سبيل المجرمين، وفضح خطط المفسدين منهجٌ مقررٌ في كتاب الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾[الأنعام:55].

قال عمر بن الخطاب -رَضِيَ الله عَنْهُ-: "إِنَّمَا تُنْقَض عُرَى الْإِسْلَام عُرْوَةً عُرْوَة إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يَعْرِف الْجَاهِلِيَّة". وهذا من كمال علم عُمَر، فإذا لم يعرف الإنسان الجاهلية وحكمها: وهي كل ما خالف ما جاء به النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولم يعرف الإنسان سبيل المجرمين، ولم تستبن له فإنه بذلك يقع في انحرافٍ، وربما سلك طريقًا يظن أنها سبيل المؤمنين، وهي سبيل أولئك المنحرفين كما وقع في هذه الأمة في أمورٍ كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل.

عباد الله:

ومن أعظم الفِرَق المنحرفة ضررًا بالإسلام والمسلمين على مر التاريخ الإسلامي الفرق الباطنية:

والتي أسسها طوائف من اليهود والفرس، تظاهروا بالإسلام حتى إذا تمكنوا أحدثوا فيه البدع، وكانت هذه الفِرَق ولا زالت تهدم في الإسلام، وتصد عن دين الله -عَزَّ وَجَل-، الفِرَقُ الباطنية لها تاريخٌ أسود مظلم مع أمة الإسلام، فالعداء مُسْتَحكِم، والبغض والحقد غائر، بل لا تكاد تمر حقبةٌ من حِقَب تاريخ أمتنا إلا ولهؤلاء طعناتٌ، وغدراتٌ، وثوراتٌ، وخيانات.

هذه الفرق الباطنية كان لها الضرر العظيم على الإسلام والمسلمين، واقرؤوا التاريخ إن شئتم تجدوا العجب العجاب من خبثهم، وعظيم مكرهم، وتَمَالُئِهِم مع أعداء الإسلام على أهل السنة.

ونكتفي بذكر موقف واحد من مواقف هذه الفرق الخبيثة، ومن ذلك: ما فعلته القرامطة التي كفَّرها أهل العلم ما فعلوه بالحجاج في القرن الرابع الهجري في سنة ثلاثمئة وسبع عشرة للهجرة حيث دخلوا مكة يوم التروية، واستباحوا الحجاج، وقتلوهم، ورموا بهم في بئر زمزم، أتى قائدهم القرمطي واستباح حجاج بيت الله الحرام، وانتهب أموالهم، وقتل في رحاب مكة، وفي شعابها، وفي المسجد الحرام، وفي جوف الكعبة خلقًا كثيرًا، وجلس قائدهم والرجال تُصْرَع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام، في الشهر الحرام في يوم التروية، وكان الناس والحجاج يفرون منه، ويتعلقون بأستار الكعبة، فلا يُجْدِي ذلك عنهم شيئًا، بل كان هو ومَنْ معه يطوفون بالناس، ويقتلونهم، ويلحقونهم، ويتتبعونهم، ليس لسبب إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد.

ثم أخذ هذه الجثث ورماها في بئر زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة، ونَزْع كسوتها عنها، ثم أمر رجلًا بأن يصعد إلى ميزان الكعبة فيقتلعه، فسقط على رأسه فمات، فانكفَّ الخبيث عن الميزان.

ثم أمر بقلع الحجر الأسود، فجاء رجلٌ فضربه بمثقَّلٍ في يده وقلعه، وأخذوه معهم إلى منطقة هجر وهي الأحساء حاليًا، وبقي الحجر الأسود عندهم ما يقارب ثِنْتَين وَعِشْرين عامًا بقي الحجر الأسود هناك، وتبعه أمير مكة ومعه جيش مكة، ولكن هذا الخبيث كان عنده قوة ضاربة، وعددٌ كبير، فهزم أمير مكة ومن معه، إلى أن قيَّض الله تعالى أن يُستعاد الحجر الأسود بعد ثِنتين وعشرين عامًا.

وَفِعْلَتهم الخبيثة الشنيعة وما فعلوا بالمسلمين وبالحجاج مذكورةٌ في كتب السير، وكتب التأريخ الإسلامي. فهذه صورةٌ من صور ما فعلته هذه الفرقة، وهذه الفرق الباطنية الخبيثة التي أضرت بالإسلام والمسلمين كثيرًا.

عباد الله:

ومن هذه الفرق المنحرفة الحوثيون: الذين أصلهم من فرقة الجارودية في اليمن، وهم معتنقون لمذهب الرافضة الاثني عشرية، ومن المشهور المستفيض أنهم يتلقون دعمًا ومساندةً من الصفويين في إيران الذين يعملون على نشر المذهب الرافضي في بلدان أهل السنة.

ومذهب الاثني عشرية: يقوم على الشرك بالله، وذلك بالغلو في أئمتهم الاثني عشر، فهم يدعونهم، ويستغيثون بهم، ويحجون إلى قبورهم، ويطعنون في معظم الصحابة، ويسبونهم؛ يسبون أبا بكر الصديق، ويسبُّون عُمَر بن الخطاب، ويسبُّون بل ويقذفون أم المؤمنين عائشة -رَضِيَ الله تعالى عَنْهُم وأرضاهم-، فخلافنا معهم ليس خلافًا في الفروع، وإنما خلافٌ في أصول دين الإسلام.

فإلى جنودنا البواسل: اصبروا وصابروا ورابطوا في قتال هؤلاء، وفي رد عدوانهم، وأنتم على خيرٍ وأنتم تخوضون هذا القتال في سبيل الله -عَزَّ وَجَل- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[آل عمران:200].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:-

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة.

عباد الله:

إن الاعتداء الإرهابي الذي قامت به عصابات الحوثيين من استهداف مطار أبها، وما تَبِعَ ذلك من هجماتٍ متكررة على هذه البلاد وأهلها إن ذلك جريمةٌ نكراء تضاف للسجل الإجرامي لهذه العصابات.

وزاد من شناعة هذه الجريمة استهدافها لمنشآتٍ مدنية، ومواطنين ومقيمين مدنيين بينهم نساءٌ وأطفال مما يؤكد همجية هذه العصابات، فهذه العصابات لا يردعها دينٌ، ولا مبادئٌ، ولا قيمٌ، ولا ضميرٌ إنساني، وإن هذا الاعتداء لن يزيد أبناء هذا البلد إلا تمسكًا، ووحدةً، والتفافًا على قيادة رشيدة.

اللهم أحفظنا واحفظ بلادنا من عدوان المعتدين، وكيد الكائدين.

اللهم أحفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.

اللهم رد كيد هؤلاء الحوثيين ومن يناصرهم، اللهم رد كيدهم في نحورهم، واجعل بأسهم بينهم، وشتت شملهم.

اللهم انصر جنودنا المرابطين على الحدود، اللهم سدد رأيهم ورميهم، وأَدِم علينا نعمة الأمن والأمان والإيمان، والاستقرار والرخاء، ورغد العيش، واجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين.

اللهم أعنا على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك.

اللهم وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

اللهم وانصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يُعز فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وتُرفَع فيه السنة، وتُقْمَع فيه البدعة، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ووفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، ووفقه وولي عهده وإخوانه وأعوانه لما فيه صلاح البلاد والعباد، ولما فيه عزُّ الإسلام والمسلمين.

اللهم اغفر لنا، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه، وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.