الخثلان
الخثلان
شهر رمضان شهر الجود والاحسان
14 رمضان 1440 عدد الزيارات 286

 

 الخطبة الأولى:

الحمد لله يجزي المتصدقين، ويخلف على المنفقين، ويحب المحسنين، ولا يضيع أجر المؤمنين، أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، فبلغ رسالة ربه ونصح أمته، وصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد -:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102].

عباد الله:

ها هو قد مضى بشهر رمضان أكثر من الثلث، وبقي ما يقارب الثلثين أو أقل، وما بقي لعله خيرٌ مما مضى، فإنما بقي فيه العشر الأواخر التي فيها ليلة القدر، فاجتهدوا –رحمكم الله-، اجتهدوا فيما تبقى من أيام الشهر ولياليه في طاعة ربكم، فإنها أيام معدودات سرعان ما تنقضي وتطوى صحائفها بما عمل الإنسان فيها.

عباد الله:

شهر رمضان هو شهر الجود، وهو شهر البذل والإنفاق والإحسان، وقد كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أجود الناس، وكان جوده يتضاعف في رمضان، فكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، فينبغي أن نقتدي برسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأن يتضاعف منا الجود والبذل والإحسان في سبل الخير، وأن نُكثِر من الصدقة بعد إخراج الزكاة، فإن الصدقة دليلٌ على صدق إيمان المتصدق ، وبعده عن الرياء.

يقول النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الصَّدَقَة بُرْهَان» رواه مسلم. ومعنى «بُرْهَان» أي أن الصدقة دليلٌ على صدق إيمان فاعلها، فإن المنافق لا يتصدق، ثُمِّ إن المال محبوبٌ للنفوس، فإذا بذله الإنسان دل ذلك على صدق إيمانه؛ لأن الإنسان لا يبذل ما يحب إلا لما هو أحب إليه، ثم إن الصدقة سببٌ لدعوة الملائكة للمتصدق بأن يُخلف الله عليه.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رَضِيَ الله عَنْهُ- أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِح الْعِبَاد فِيهِ إِلَّا وَيَنْزِل مَلَكَان مِنَ السَّمَاءِ يَقُول أَحَدَهُمَا: اللَّهُم أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُول الْآخَر: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

وقد كان بعض الصالحين يحرص على ألا يمر عليه إلا وقد تصدق فيه لله بصدقة رجاءً ينال دعوة الملك له بالخلف.

 كان مرثد بن عبد الله اليزني وهو من التابعين كان لا يمر به يومٌ إلا وقد تصدق فيه بشيء رجاء دعوة الملك بالخلف، ورغبةً في الثواب، وأن يكون في ظل صدقته، وذات يومٍ لم يجد شيئًا في بيته إلا بصلًا، فحمله على رأسه، فرآه أحد الناس، وقال له: إن الله لم يوجب عليك هذا، قال: أما والله، إني لم أجد في بيتي شيئًا أتصدق به غيره، وإني أردت ألا يمر عليَّ يومٌ إلا تصدقت فيه بصدقة، إنه حدثني رجل من أصحاب النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إِنَّ الْمُؤْمِن يَكُون فِي ظِل صَدَقَتِهِ يَوْم الْقِيَامَة».

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رَضِيَ الله عَنْهُ- أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «بَيْنَا رَجُلٍ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَة: اسْقِ حَدِيقَة فُلَان بن فُلَان، فَتَنَحَّى ذَلِك السَّحَاب، فَأَفْرَغَ مَاءَه فِي حَرَّةٍ».

والحرة: هي الأرض الصلبة.

«فَإِذَا شَرْجَةٌ» أي وادٍ من الأودية «فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاج قَد اسْتَوْعَبَت ذَلِكَ المَاء كُله، فَتَتَبَّع الْمَاء فَإِذَا رَجُل فِي حَدِيقَتِه يُحَوِّل المَاء بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْد الله مَا اسْمك؟ قَالَ: فُلَان –فَإِذَا هُوَ الاسْم الذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَة– قَالَ: لِم تَسْأَلْنِي عَنْ اسْمِي؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْت صَوْتًا فِي السَّحَاب الْذِي هَذَا مَاؤُه يَقُول: اسْقِ حَدِيقَة فُلَان، وَذُكِر اسْمُك، فَمَا تَصْنَع فِيهَا؟ قَالَ: أَمَا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أنْظُر إِلَى مَا يَخْرج مِنْهَا، فَأَتَصَدَّق بِثُلِثِه، وَآكل أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرد فِيهَا ثُلُثًا».

فانظروا كيف كانت الصدقة بثلث هذه الأرض سببًا لهذه الكرامة.

وكان صحابة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سباقون إلى الخير، وما كان أعظم أجرًا وثوابًا، كانوا أكثر حرصًا عليه، وكانوا يحرصون على الصدقة والبذل والإنفاق في سبيل الله، ولهم في هذا قصصٌ كثيرة ومشهورة.

هذا أبو طلحة -رَضِيَ الله عَنْهُ- كان من أكثر الأنصار مالًا من نخلٍ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يدخلها، ويشرب من ماءٍ فيها طيب، فلما نزل قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران:92] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران:92] وإن أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقةٌ لله، أرجو برها، وظفرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِح، ذَلِكَ مَالٌ رَابِح، وَقَدْ سَمِعت مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِين» فقسمها أبو طلحة بين أقاربه، وبني عمه.

وذكر بعض أهل التراجم: أن الناس أصابهم قحطٌ في خلافة أبي بكر الصديق، ثم قدمت المدينة عيرٌ لعثمان بن عفان، قدمت هذه العير من الشام، فلما جاءت فإذا هي موسوقة برًّا، وزيتًا، وزبيبًا، فأناخت بباب عثمان، فجاء تجار المدينة وقالوا لعثمان: بعنا من هذا الذي وصل إليك، فقال عثمان: "كم تربحونني على شرائي؟" قالوا: نربحك الدرهم بدرهمين، قال: "أعطيت أكثر"، قالوا: إذن نربحك أربعة؟ قال: "أعطيت أكثر"، قالوا: نربحك خمسة؟ قال: "أُعطيت أكثر"، قالوا: ما في المدينة تجار غيرنا، وما سبقنا أحدٌ إليك، فمن الذي أعطاك أكثر ممن أعطينا؟ قال: "الله -عَزَّ وَجَل-، فإنه أعطاني بكل درهمٍ عشرة، فهل عندكم زيادة؟" قالوا: لا، قال: "فإني أُشهِد الله أني جعلت ما حملت هذه العير صدقة لله تعالى على الفقراء، والمساكين".

 

 

 

 

عباد الله:

وإن الصدقة شأنها عظيم، وأثرها كبير:

الصدقة من أسباب دفع البلاء عن الإنسان:

قال الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ الله-: (للصدقة تأثيرٌ عجيبٌ في دفع أنواع البلاء، ولو كانت الصدقة من فاجرٍ أو ظالمٍ، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمرٌ معلومٌ للناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض مقرون به لأنهم جربوه.

عباد الله:

 وللصدقة آدابٌ:

أعظمها الإخلاص لله تعالى: فلا يريد المتصدق بصدقته رياءً ولا سمعة، ولا جزاءً ولا شكورًا من البشر، وكلما كان الإخلاص أكثر كان الأجر أعظم.

وقد ذكر النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّ سبعة أصنافٍ يظلهم الله تعالى تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: رجلًا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. هذا الرجل تصدق بصدقة وقد تكون بمبلغ يسير، لكن اقترن بها إخلاصٌ عظيم، فأخفى المتصدق هذه الصدقة إخفاءً بحيث لو قُدِّر أن اليد الشمال تبصر لما استطاعت أن ترى ما تتصدق به اليد اليمين، فلا يريد بالصدقة رياءً ولا سمعةً، إنما يريد وجه الله، ولا يريد من الفقير شكرًا، ولا حتى يطلب منه دعاءً، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾[الإنسان:9].

 كانت أم المؤمنين عائشة -رَضِيَ الله عَنْها- إذا بعثت صدقةً لفقيرٍ مع غلامها تقول له: "انظر إلى ما يدعون به فادعُ لهم بمثله، فإذا قالوا: بارك الله فيكم، فقل: وفيكم وبارك" وهذا من فقهها -رَضِيَ الله عَنْها-؛ لأنها تريد أجر الصدقة كاملًا.

ومن آداب الصدقة حفظ كرامة الفقير أو المسكين: وعدم جرح كرامته بكلماتٍ مؤذية، أو بمنةٍ في الإعطاء، فإن المنَّ يُبطِل أجر الصدقة تمامًا.

 كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى[البقرة:264].

ثم ضرب الله تعالى مثلًا لمن يتصدق ويلحق بصدقته المن والأذى، وأنهم كالمرائين، وقال: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾[البقرة:264].

والصفوان: حجرٌ أملس.

و(الوابل): المطر الغزير، أرأيت حجرًا أملس عليه تراب ونزل عليه مطرٌ غزير هل يبقى شيءٌ من هذا التراب؟ هكذا من يتصدق ويجرح كرامة الفقير بالأذى أو المنة، فإن أجره يبطل تمامًا ويذهب كما يذهب التراب على هذا الحج الأملس عندما ينزل عليه المطر، بل إن الصدقة التي لا تحفظ معها كرامة الفقير لا خير فيها، وخيرٌ منها ألا يتصدق هذا الإنسان، وإنما يعتذر للفقير بكلامٍ طيب.

كما قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾[البقرة:263].

 وبعض الناس قد يتصدق بصدقةٍ مخلصًا فيها لله من غير أن يمتن على الفقير وقت البذل، لكنه يمتن عليه بها فيما بعد، وهذه المنة تبطل أجر الصدقة ولو كانت لاحقة.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة:262].

فتأمل قول الله: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾[البقرة:262] و(ثم) كما قال أهل اللغة للتراخي، فالمنة التي تلحق بالصدقة ولو كانت بعد زمن تبطل أجر الصدقة وتُذهبه.

 وقد استنبط بعض أهل العلم من قول النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا حَسَدَ»؛ أي لا غبطة «إِلَّا فِي اثْنَتَيْن» وذكر «رَجُلًا أَتَاهُ الله مَالًا فَسَلَّطَه عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَق»؛ أي على إنفاقه في سبل الخير، قالوا: إن قوله -عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام-: «عَلَى هَلَكَتِهِ» إشارةٌ إلى أنه بإنفاقه قد انقطعت صلته به، فلم يُلحِق هذا البذل منًّا ولا أذى، كأنه أهلك هذا المال وأذهبه تمامًا.

ومن آداب الصدقة: المبادرة بها وعدم التأخير والتسويف:

جاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رَضِيَ الله عَنْهُ-: أن رجلًا جاء للنبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: «أَنْ تَصَدَّق وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيح تَخْشَى الْفَقْر، وَتَأْمَل الْغِنَى، وَلَا تُمْهِل حَتَّى إِذَا بَلَغَت الرُّوح الْحلْقُوم قُلْت لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَان».

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)﴾[المنافقون:10-11].

الصدقة أجرها عظيم، وثوابها جزيل، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة:261].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

d

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

@ الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة.

عباد الله:

على المسلم أن يتفقد الأموال التي عنده فيخرج ما وجب فيه الزكاة، يُخرجها طيبةً بها نفسه، فإن الزكاة هي الثالث من أركان الإسلام، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وبعد الصلاة، وقد توعد الله -عَزَّ وَجَل- من كنز مالًا ولم يخرج زكاته.

فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)﴾[التوبة:34-35].

وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رَضِيَ الله عَنْهُ- أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَا مِنْ صَاحِب ذَهَبٍ وَلَا فِضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صُفِّحَت لَهُ صَفَائِح مِنْ نَار، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّم، فَيُكْوَى بِهَا جَبِينُهُ وَجَنْبُهُ وظَهْرُه، كُلَّمَا بَردَت أُعِيدَت لَه فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَاره خَمْسِين أَلْف سَنَة حَتَّى يُقْضَى بَيْن الْعِبَاد، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّة، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».

فالذي يمنع الزكاة يُعَذَّب في الموقف، في موقف الناس على عرصات القيامة في يومٍ عظيمٍ طويلٍ يشيب من أهواله الولدان، يوم طوله خمسون ألف سنة، يُعذَّب مانع الزكاة، ويؤتى بماله الذي بخل به، ويُحمى عليه في نار جهنم، ثم يُكوى بهذا المال جبينه وجنبه وظهره، وكلما بردت أعيدت عليه، وكلما بردت أُعيدت عليه، ويقال: هذا كنزك الذي كنت تكنزه في الدنيا، وهذا وعيدٌ شديد في حق من منع الزكاة، فاتقوا الله أيها المسلمون، واحرصوا على تفقد أموالكم، وأخرجوا زكوات أموالكم، واسألوا أهل العلم عما يُشكل عليكم من مسائلها وأحكامها.

عباد الله:

T الأصناف التي تجب فيها الزكاة أربعة:

Œ الخارج من الأرض من الحبوب والثمار.

 والسائمة من بهيمة الأنعام.

Ž والنقدان وهما الذهب والفضة، وفي حكمهما الأوراق النقدية في وقتنا الحاضر.

 وعروض التجارة.

Ë وتفاصيل أحكامها مذكورة في كتب الفقه.

Û ومما يكثر السؤال عنه من مسائل الزكاة، زكاة الدخل الشهري:

وذلك أن كثيرًا من الناس تأتيهم رواتب شهرية ويصرفون منها، وربما لا يدري الإنسان ما الذي ادّخر فحال عليه الحول، وما الذي لم يحل عليه الحول؟

Ë أولًا: من كان لا يدخر من مرتبه شيئًا هذا لا زكاة عليه.

Ë أما من كان يدخر من مرتبه شيئًا وقد بلغ النصاب، فوجب عليه أن يزكيه عند تمام الحول.

وزكاة الراتب الشهري لها عدة طرق، منها:

أن يطلب كشف حسابٍ بنكي وينظر إلى أقل رصيد في السنة مثلًا.

ومنها وهي الطريقة الأسهل أن يجعل له تاريخًا محددًا في السنة كمنتصف رمضان يزكي فيه جميع الرصيد سواءٌ ما حال عليه الحول، أو ما لم يحل عليه الحول ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يحل عليه الحول، وناويًا أن يكون القدر الزائد على الزكاة إن كان صدقةً، وبذلك لا ينظر لزكاة رصيده إلا مرةً واحدة في السنة، كلما أتى هذا الموعد زكَّى جميع الرصيد ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يحل عليه الحول. وهذه الطريقة أسهل، المهم أنه لا بد أن يزكي دخله الشهري ما دام يدخر منه، ويختار الطريقة التي يراها مناسبة.

Û ومما يكثر السؤال عنه: زكاة الأراضي: وقد أصبحت الأراضي في وقتنا الحاضر أصبحت وعاءً استثماريًّا ويفضله بعض الناس على بقاء الأموال رصيدًا في البنك؛ لأن بقاء النقد رصيدًا في البنك ربما يَرِد عليه التضخم، وأما الأرض فإنها تحفظ المال لصاحبها، فأصبحت وعاءً زكويًّا، وأصبحت وعاءً استثماريَّا كبيرًا؛ ولذلك فلا بد من التنبه لزكاتها.

وزكاة الأرض مرتبطةٌ بنية المالك، وعلى هذا، فالذي عنده أرضٌ ينوي أن يبني عليها مسكنًا، أو ينوي أن يبني عليها عقارًا لتأجيره، أو أنه مترددٌ في النية، أو أن نيته غير واضحة، فهذا لا زكاة عليه، أما من كان عنده أرضٌ وقد جزم بنية بيعها في الحال أو في المستقبل ففيها الزكاة؛ لأنها من عروض التجارة.

Û ومما يكثر السؤال عنه زكاة الأسهم: وهذه تختلف باختلاف حال المساهم.

فإذا كان المساهم مستثمرًا لا يضارب؛ أي لا يبيع ولا يشتري في الأسهم، وإنما اشترى هذه الأسهم وتركها، أو اكتتب فيها وتركها، أو مُنِحَت له وتركها يريد الاستفادة من ريعها ومن أرباحها فهذه تكفي زكوات الشركات.

وعندنا في المملكة العربية السعودية جميع الشركات المساهمة ملزمةٌ بدفع الزكوات إلى مصلحة الزكاة والدخل، فإذا كان المساهم مستثمرًا وليس متاجرًا، فتكفي زكوات الشركات، والمال لا يُزكى مرتين.

وأما إذا كان المساهم مضاربًا يبيع ويشتري فيها، ويتاجر فيها فهذه عروض تجارة، لا بد أن يزكيها، وذلك بأن ينظر إلى القيمة السوقية للمحفظة عند تمام الحول، ويُخرِج ربع عشر قيمتها.

Û ومما يكثر السؤال عنه من مسائل الزكاة زكاة الدَّين: فإذا كان لك دينٌ على إنسان فإذا كان هذا المدين مليئًا باذلًا متى ما طلبت منه سداد الدين سدد، فهو قادر.

مليءٌ: أي قادر.

وباذلٌ: أي غير مماطل، فتجب عليك زكاة هذا الدَّين كل عام.

أما إذا كان المدين معسرًا، أو أنه مماطل فلا زكاة في هذا الدين.

وأما بالنسبة للدين الذي على الإنسان فإذا كان هذا الدين حالًّا فإنه يُخصَم مما يقابله من المال الذي على الإنسان.

« فمثلًا: لو أن عندك مئة ألف ريال، وعليك دينٌ حالٌّ يطالبك الدائن به مقداره عشرون ألفًا، فإنك تزكي ثمانين ألفًا؛ أي تطرح هذه العشرين من المئة ألف؛ لأن هذه العشرين في الحقيقة ليست لك، وإنما هي مستحقةٌ لهذا الدائن الذي يطالبك بها. وأما الديون المؤجلة فلا أثر لها.

عباد الله:

ومن أخرج زكاته لمصلحة الزكاة والدخل كأن يكون عنده محل تجاريٌّ أو مؤسسة ونحو ذلك، فإنه يخصمها من زكاة ماله، والأموال التي تذهب إلى مصلحة الزكاة والدخل تصب في حساب الضمان الاجتماعي مباشرةً، وعلى ذلك فلا يجوز أن يأخذ من الضمان الاجتماعي إلا من كان مستحقًّا للزكاة؛ لأن المورد الرئيس فيه هو زكوات الشركات وإن كان يدعم من الدولة أيدها الله، لكن المورد الرئيس لهذا الحساب حساب الضمان الاجتماعي هو زكوات الشركات، وعلى ذلك فليس للإنسان أن يأخذ من الضمان إلا إذا كان مستحقًّا للزكاة.

وعلى المسلم أن يتحرى في أن يعطي الزكاة لمستحقيها، والمستحقون لها هم الأصناف الثمانية المذكورون في قول الله -عَزَّ وَجَل-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[التوبة:60].

وأوضح هذه الأقسام في وقتنا الحاضر الفقراء والمساكين وهم ذوو الحاجة، إلا أن الفقير أشد حاجةً من المسكين، وكذلك أيضًا الغارمين.

ومعنى الغارمين: أي المدينين الذين عليهم ديونٌ حلَّت عليهم وهم عاجزون عن سدادها، فيعطون من الزكاة بقدر ما يسددون به هذه الديون.

واحرصوا –رحمكم الله- احرصوا على أن تتفقدوا أموالكم، وأن تخرجوا الزكاة فيما وجبت فيه الزكاة، وإذا أشكل عليكم شيءٌ من مسائل وأحكام الزكاة، فاسألوا أهل العلم عما يُشكل عليكم، فإن بعض الناس يفتي نفسه بنفسه، ولا يريد أن يسأل خشية أن يُفتى بوجوب الزكاة عليه، فيشق عليه إخراجها، وهذا لا يبرئ ذمته، بل لا بد أن يكون الإنسان واضحًا، وأن يتفقد أمواله، وأن يسأل أهل العلم عما يُشكِل عليه من مسائلها وأحكامها.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك، يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يُعز فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وقرب منه البطانة الصالحة التي تدله على الحق وتعينه عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم بارك لنا فيما تبقى من أيام شهر رمضان، اللهم بارك لنا فيما تبقى من شهر رمضان، اللهم أعنا على إتمام صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، واجعلنا ممن تغفر لهم في هذا الشهر، واجعلنا من عتقائك من النار، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً من كل شر.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.