الخثلان
الخثلان
(أفضل ما تعوذ به المتعوذون)
9 شعبان 1440 عدد الزيارات 83

أفضل ما تعوذ به المتعوذون

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيرا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70،71].

 عباد الله: الحديث في هذه الخطبة عن أفضل ما تعوذ به المتعوذون، عن سورتين من كتاب ربنا، ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلهما، سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، هاتان السورتان العظيمتان قد تضمنت الإستعاذة بالله من جميع الشرور، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: (تضمنت هاتان السورتان الإستعاذة من الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد، وأعمه استعاذة بحيث لم يبقَ شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما)، أما سورة الفلق فتضمنت الإستعاذة من أربعة أمور: من شر المخلوقات التي لها شر عموماً، ومن شر الغاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر الحاسد إذا حسد، افتتحت هاتان السورتان بـ(قل)، والأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ التي عينها الله للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليتعوذ بها، فإجابتها مرجوة، إذ ليس هذا المقول مشتملاً على شيء يكلف به، أو يعمل به حتى يكون المراد قل لهم أن يفعلوا كذا، وهذا يدل على أهمية المحافظة على هذه الألفاظ الواردة في هاتين السورتين، ﴿قُلْ أَعُوذُأعوذ: أي ألتجئ وأعتصم برب الفلق، والفلق: هو الصبح، ورب الفلق: هو الله -عز وجل-، فهو خالق الصبح وأسباب ظهوره، وقول الله -تعالى-: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ أي: من شر جميع المخلوقات، وقد دخل في ذلك الإستعاذة من كل شر في أي مخلوق قام به الشر؛ من حيوان أو غيره إنسي كان أو جنياً أو هامة أو دابة أو ريحاً أو صاعقة أو أي نوع من أنواع البلاء، ثم بعد الإستعاذة من شرور المخلوقات عموماً، عطف على ذلك ثلاثة أنواع من الشرور:

الشر الأول: ذكره الله -تعالى- بقوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق: 3]، والغاسق: هو الليل، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-، إذا وقب: أي إذا أقبل ودخل بظلامه،  فالوقوب معناه الدخول، والأمر بالإستعاذة من الليل إذا أقبل ودخل لأنه تكثر فيه الشرور، ومن ذلك ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جابر المتفق على صحته، حيث يقول: "إذا كان جنح الظلام أو أمسيتم فكفوا صبيانكم، فإن الشيطان ينتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقا، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم"، وفي هذا الحديث دليل على أن إغلاق الباب مع ذكر اسم الله أنه يمنع دخول الشياطين إلى ذلك المكان، وكذلك تغطية الطعام والشراب مع ذكر اسم الله يمنع وصول الشياطين إليه، أخرج مسلم في صحيحه عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ترسلوا فواشيكم -أي مواشيكم- وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء -وهو الوقت الذي بين صلاتي المغرب والعشاء- فإن الشياطين تنبعث حتى تذهب فحمة العشاء"، وفي صحيح مسلم عن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "غطوا الإناء وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو بسقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء"، هذه بعض الشرور التي تكون في الليل، وحينئذ فلا غرو أن نغمر بالإستعاذة بالله من شره، ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق: 3]، ثم أمر الله -تعالى- بالإستعاذة من نوع آخر من الشرور، وهو نوع خبيث يحدث ضرراً عظيماً للإنسان وهو السحر، وما يفعله السحرة، ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ[الفلق: 4]، والنفاثات: قيل هن النساء السواحر، ورجح ابن القيم وغيره من كثير من المفسرين أن المراد بالنفاثات: الأرواح والأنفس النفاثات، وهذا يعم الرجال والنساء، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة، فلهذا ذكرت النفاثات بلفظ التأنيث دون التذكير، والنفث: هو النفخ مع تحريك اللسان، وقوله: (في العقد): أي السواحر، يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر، قال ابن القيم -رحمه الله-: (والنفث: فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخاً معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفَسٌ ممازج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك، وقد تساعده الروح الشيطانية على أذى المسحور، فيقع فيه السحر بإذن الله -تعالى- الكوني القدري للأمر الشرعي)، وقد دلت الآية على تأثير السحر وأن له حقيقة، فانظروا -رحمكم الله- كيف تضمنت الآية الكريمة الإستعاذة بالله -تعالى- من هذا الشر العظيم بأبلغ وأوجز عبارة، ثم أمر الله -تعالى- بالإستعاذة به من شر عظيم من نوع آخر، وهو شر الحاسد إذا حسد، ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5]، وشر الحاسد على المحسود عظيم، فكما أنه يؤذي ذلك الحاسد يؤذي المحسود قد يؤذيه بيده ولسانه؛ فإنه قد يؤذيه كذلك بنفسه وعينه، فإن العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، قال بعض المفسرين: وإنما قيدت الإستعاذة من شر الحاسد إذا حسد، لأن الإنسان قد يكون في طبعه الحسد لكنه غافل لاهٍ عن المحسود، فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعث نار الحسد من قلبه فيحصل أذى الحاسد للمحسود عند صدور الحسد بالفعل، ولهذا قال: ﴿إِذَا حَسَدَ، ويدخل في الحاسد العائن، فإن العائن حاسد خاص، وهو من أضر ما يكون من الحاسد، فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنا، ولهذا جاءت الإستعاذة من الحاسد؛ فإذا استعاذ من شر الحسد دخل فيه العين، وهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته.

 عباد الله: والأمر بالإستعاذة من شر الحاسد إذا حسد لأن ضرر الحاسد على المحسود عظيمٌ، خاصة فيما يتعلق بعين الحاسد، فإن النصوص قد دلت على تأثيرها في المحسود بإذن الله -عز وجل-، والتجارب عند الخاصة والعامة شاهدةٌ بذلك، فكم من نعمة سُلبت بسبب العين! وكم من إنسان معافى عاد مريضاً طريح الفراش قد احتار الأطباء في أمره! فحوصاتهم وتحاليلهم تثبت أنه ليس به مرض! لكنه طريحٌ على فراشه يعاني من المرض، وما ذاك إلا لأن علته متعلقة بالروح لا البدن!، بل إن العين ربما تسببت بإذن الله -عز وجل- في هلاك المحسود، فانظروا -رحمكم الله- كيف تضمنت هذه الآية الإستعاذة من كل ما قد يلحق المحسود من حاسده من شر، بهذا اللفظ الموجز البليغ، فهذه بعض المعاني التي تضمنتها هذه السورة العظيمة، وأما سورة الناس فقد أفردت الإستعاذة فيها من شر عظيم هو الذي يؤز الناس إلى المعاصي أزَّا، وهو الشيطان الرجيم، الوسواس الخناس، والمستعاذ به هو الله -عز وجل-، هو رب الناس وملك الناس وإله الناس، فذكر الله -عز وجل- في هذه الآيات الثلاث: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ[الناس:1،2،3]، ذكر ثلاث صفات وهي: الربوبية والملك والألوهية، قال ابن القيم -رحمه الله-: تأمل هذه الجلالة وهذه العظمة التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام، وأحسن سياق، رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان، وتضمنت جميع معاني أسماء الله الحسنى، فإن (رب الناس) الرب هو القادر الخالق البارئ المصور الحي القيوم العليم السميع البصير إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. (ملك الناس) الملك هو الآمر الناهي المعز المذل إلى غير ذلك من المعاني العائدة إلى العظمة والجلال. (إله الناس) الإله هو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل في هذا الإسم جميع الأسماء الحسنى. فانظروا -رحمكم الله- كيف تضمنت هذه الأسماء الثلاثة في هذه الآيات الثلاث التي لا تتجاوز كتابتها في المصحف سطراً واحداً، ومع ذلك تضمنت جميع معاني أسماء الله الحسنى، فكان المستعيذ بها جديراً بأن يُعاذ وبأن يُحفظ وبأن يُمنع من الوسواس الخناس، وبألا يُسلَّط عليه، فسبحان من أنزل هذا الكتاب! وأودع فيه من الأسرار والعجائب ما لا يحيط به إلا علام الغيوب.

اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعِ إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله: وبعد أن ذكر الله -عز وجل- أوصافه الثلاثة التي ترجع إليها جميع الأسماء الحسنى، رب الناس، ملك الناس، إله الناس، ذكر المستعاذ منه وهو شر عظيم، هو سبب الذنوب والمعاصي، وهو سبب إضلال الناس، إنه الشيطان الرجيم، وسماه الله -تعالى- الوسواس من الوسوسة، وهي الإلقاء الخفي في النفس، فالشيطان هو الذي يزين للإنسان المعاصي، والشيطان هو الذي يثبط الإنسان عن الطاعات، لكن ليس له سبيل على ابن آدم إلا بهذا الطريق الخبيث الماكر، سلاحه ووسيلته هو هذا الطريق وهو الوسوسة، فالشيطان لا يجبر الإنسان على المعصية، لا يكبله بالحديد ويوقعه في المعصية، لكنه عن طريق الوسوسة يزين المعصية له تزييناً عظيماً، ويرغبه فيها، ويثبطه عن الطاعات حتى تكون ثقيلة عليه، ولذلك إذا دخل الشيطان مع أهل النار، إذا كان مع أهل النار في النار؛ فإنه يخطب فيهم، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم [ابراهيم: 22]، فكيد الشيطان إذاً إنما هو في الوسوسة، إنما يدعو الشيطان؛ يدعو الإنسان للمعصية، ويكرر عليه ذلك ويزينها له حتى يقع فيها، ويثبطه عن الطاعات، ويكرر عليه ذلك حتى تثقل عليه، ثم وصف الله الشيطان بوصف آخر، فقال: (الخنَّاس)، قال المفسرون: معنى الخناس: الذي إذا ذكر العبد ربه انخنس، أي كفَّ وانقبض. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سهى وغفل وسوس، فإذا ذكر الله انخنس)، وقال بعضهم: (الشيطان رأسه كرأس الحية، وهو واضع رأسه على ثمرة القلب، يمنِّيه ويحدِّثه، فإذا ذكر العبد ربه انخنس، وإذا لم يذكره عاد ووضع رأسه يوسوس إليه ويمنِّيه)، وتأمل كيف وصفه الله -عز وجل- بالخنَّاس، وهذا على صيغة فعَّال، فأتى بصيغة من صيغ المبالغة، ولم يقل الخانس، وإنما الخنَّاس، وذلك إيذاناً بشدة هروبه ورجوعه، وعظيم نفرة الشيطان وهروبه عند ذكر الله -عز وجل-، فذكر الله يقمع الشيطان ويطرده، وهذا من رحمة الله -تعالى- بعباده، وهذا من لطف الله -عز وجل- بعباده؛ أن جعل ذكره يطرد الشيطان ويقمعه، لأن الشيطان يتسلط على الإنسان بغير اختياره، فجعل الله -تعالى- للعباد أمراً هيناً يطردون به الشيطان ويقمعونه، وهو ذكر الله -عز وجل-، ولهذا فإن من يكثر من ذكر الله -سبحانه- لا يستطيع الشيطان أن يتسلط عليه بتزيين المعاصي، أو بتثبيطه عن الطاعات، وإنما يتسلط الشيطان على الغافل اللاهي عن ذكر الله -عز وجل-، إذا هجمت عليك الوساوس فقل: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ستجد أن جميع الوساوس تنقشع عنك مباشرة، تزول عنك تلقائياً، لأن هذا الشيطان ينخنس ويهرب وينقبض، وكلما عاد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ [المؤمنون: 97،98]، ستجد أن الوساوس وأن هذه الهواجيس التي هجمت عليك أنها تزول مباشرة وتنقشع تلقائياً، وهذا من رحمة الله -تعالى- بعباده، ثم إن الله -عز وجل- قال في وصف هذا الوسواس الخناس؛ قال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: 5]، فهذه صفة ثالثة وهو أنه يوسوس في صدور الناس، فإن الله -عز وجل- قد جعل للشيطان نفوذاً إلى قلب العبد وصدره، وهو يدخل إلى جوف الإنسان ويجري منه مجرى الدم، ثم قال -سبحانه-: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: 6]، قال ابن القيم -رحمه الله-: الصواب في معنى الآية أن قول الله (من الجنة والناس) بيان للذي يوسوس وأنهم نوعان؛ إنس وجن، فكما أن شيطان الجن يوسوس فكذلك أيضاً للإنس شياطين يوسوسون لابن آدم، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ [الأنعام: 112]، ولكن إلقاء الإنسي وسوسته إنما يكون بواسطة الأذن، وأما شيطان الجن فلا يحتاج لتلك الواسطة، لأنه ينفذ إلى جوف ابن آدم ويجري منه مجرى الدم.

فتأملوا -رحمكم الله- كيف دلت هاتان السورتان العظيمتان على وجازة ألفاظهما؛ على هذه المعاني العظيمة، وما لم نذكره من المعاني أكثر بكثير مما ذكرناه، وتأملوا كيف أن هاتين السورتين قد تضمنتا الإستعاذة بالله من جميع الشرور التي في الدنيا والتي قد تعرض لابن آدم، فسبحان الله! كيف أن الله -تعالى- جمع جميع الشرور التي قد تعرض للإنسان في الدنيا جمعها في هاتين السورتين، فالمستعيذ بالله -تعالى- في هاتين السورتين يكون قد استعاذ بالله من جميع الشرور التي في الدنيا، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هاتين السورتين: "إنهما أفضل ما تعوذ به المتعوذون". أخرج النسائي بسند صحيح عن عقبة بن عامر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لن تقرأ شيئاً أبلغ عند الله من: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ"، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقراءة هاتين السورتين مع سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عقب كل صلاة، وتكرار قرائتهما بعد صلاتي الفجر والمغرب ثلاث مرات، وكان -عليه الصلاة والسلام- إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثلاث مرات ثم يمسح بهما رأسه ووجهه وما استطاع من جسده، وهذه سنة ينبغي أن يحرص عليها المسلم، قبل أن تنام إقرأ هذه السور الثلاث، الإخلاص والفلق والناس، وتنفث بعد كل آية، ثم تمسح وجهك ورأسك وما استطعت من جسدك، كان -عليه الصلاة والسلام- يفعل ذلك بنفسه، ولما مرض في آخر حياته كانت عائشة -رضي الله عنها- تفعل ذلك معه، ثم إنه -عليه الصلاة والسلام- كان يسترقي بهاتين السورتين لما سُحر، فإنه قد سحره اليهود، فأنزل الله -عز وجل- هاتين السورتين، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بهما، وكلما قرأ آية انحلت عقدة من السحر، وكان السحر في مشط ومشاطة، في بئر، فأتى جبريل النبي -عليه الصلاة والسلام- فاستخرج ذلك السحر، فإذا به إحدى عشرة عقدة، وأنزل الله -تعالى- هاتين السورتين، فجعل يقرأ هاتين السورتين، وهاتان السورتان مكونتان من إحدى عشرة آية، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، فلما ختم بسورة الناس انحلت هذه العقد الإحدى عشرة عقدة، وشُفي النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك السحر، وذلك السحر متعلق ببدنه وليس له تعلق بأمور الرسالة والتبليغ، ولكنه بشر -عليه الصلاة والسلام- يصيبه ما يصيب البشر، فشفاه الله -عز وجل- بهاتين السورتين العظيمتين، إن هاتين السورتين العظيمتين لمن قرأهما بصدق دبر كل صلاة؛ حصنٌ عظيم للمسلم يتحصن به من جميع الشرور، يتحصن به من السحر، يتحصن من العين، يتحصن من الشياطين، يتحصن من جميع الشرور التي في الدنيا، فليحرص المسلم ليحرص على أن يقرأ هذه السور الثلاث دبر كل صلاة، وأن يكررها بعد الفجر وبعد المغرب ثلاث مرات، وكذلك أيضاً قبل النوم يقرأها ثلاث مرات مع النفث والمسح على ما استطاع من جسده، فإنه إذا فعل ذلك بصدق ويقين فإن هذا من أعظم ما يتحصن به الإنسان من الشرور التي في الدنيا.

 ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 65]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يارب العالمين.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمراً رشدا يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وتُرفع فيه السنة وتقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر وتذكره إذا نسي، وتعينه على ما فيه صلاح البلاد والعباد ، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *