الخثلان
الخثلان
الدرس التاسع
27 رجب 1440 عدد الزيارات 333

كتاب الأدب من صحيح البخاري

الدرس التاسع

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، هذا هو الدرس التاسع في شرح كتاب الأدب من صحيح البخاري، هذا اليوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، وكنا قد وصلنا إلى (باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه):

 

  • باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه

 

[حدثنا محمد بن يوسف أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة فقال رجل من الأنصار والله ما أراد محمد بهذا وجه الله فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فتمعر وجهه وقال رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر] نعم باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه، لما ذكر المصنف -رحمه الله- الأحاديث الدالة على تحريم النميمة، وأنها من الكبائر، وأن النميمة هي نقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد بينهما، وأيضاً ذكر الحديث في ذي الوجهين، وأنه من شرار الناس يوم القيامة، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، أراد المصنف -رحمه الله- بهذا الباب أن يبين ما يستثنى من ذلك، فساق بسنده حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قسمة، وهذه قيل أنها كانت في حنين، فقال رجل من الأنصار، يقال أنه من المنافقين، والله ما أراد محمد بهذا وجه الله، وهذه كلمة قبيحة وشديدة في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال ابن مسعود: فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته -بمقولة ذلك الرجل-، فتمعر وجهه، يعني تغير من الغضب، فقال: "رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر"، أراد المصنف أن يبين أن نقل الكلام بقصد النصيحة وتحري الصدق أنه لا يدخل في النميمة، ولذلك لم ينكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على ابن مسعود نقله لهذا الكلام، قال ابن بطال -رحمه الله- في شرحه على الصحيح؛ قال: (فيه من الفقه أنه يجوز للرجل أن يخبر أهل الفضل من إخوانه بما يقال فيهم مما لا يليق بهم، ليعرفهم بذلك بمن يؤذيهم من الناس وينتقصهم، وأن هذا ليس من باب النميمة)، فلو وجدت أحداً يتحدث في رجل من أهل الفضل وأهل الصلاح، يتكلم فيه بكلام سيء، فأردت أن تخبر هذا الرجل الفاضل بما يقال فيه، فهذا لا بأس به، لأن هذا فيه مصلحة حتى يعرف من يؤذيه ومن يتحدث فيه، وليس ذلك من النميمة، وإنما النميمة هي نقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد، أما هذا النقل فهو بقصد النصيحة، إذا تكلم فيه بكلام بغير حق مما لا يليق به، ولذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينكر على ابن مسعود، ولم يقل له لماذا تنقل هذا الكلام، فإذا اقتضت المصلحة نقل الكلام جاز ذلك، ولهذا ذكر الله -تعالى- على سبيل الثناء: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ[القصص: 20]، فهذا رجل كان مع آل فرعون في القصر، وسمعهم يتشاورون ويأتمرون بقتل موسى، وكان هذا الرجل فيه خير، فأتى يسعى من أقصى المدينة، وأفشى هذا السر لموسى، مع أنه سر من الأسرار لكن المصلحة اقتضت افشاؤه، دل هذا على أن إفشاء الأسرار إذا ترتب عليه المصلحة جاز ذلك، وهكذا نقل الأخبار إذا ترتب عليه مصلحة جاز ذلك، وهذه الكلمة (والله ما أراد محمد بهذا وجه الله) هذه التشكيك في النوايا تقال في حق الأنبياء وفي حق أهل الصلاح والدعاة وأهل العلم والفضل من قديم، فنجد أن في قصص بعض الأنبياء التي ذكرها الله -تعالى- في كتابه قالوا: ماهذا إلا رجلٌ يريد أن يتفضل عليكم ﴿مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ[المؤمنون: 24]، فشككوا في نيته، يعني أراد بهذه الدعوة أن يتفضل عليكم وأن يكون خيركم وأن يكون أحسنكم، فالتشكيك في النوايا هذا من قديم، ولهذا نجد أن كل نبي يبعثه الله يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، وقوله: (فتمعر وجه النبي -صلى الله عليه وسلم-)، قال ابن الملقن في شرحه أيضاً على البخاري، واسم شرحه: التوضيح في شرح الجامع الصحيح، قال: فيه -يعني في هذا الحديث- أن أهل الفضل والخير قد يعز عليهم ما يقال فيهم، ويكبر عليهم، فإن ذلك جبلَّة في البشر فطرهم الله عليها، إلا أن أهل الفضل يتلقون ذلك بالصبر الجميل اقتداءً بمن تقدمهم من المؤمنين، ألا ترى أنه -عليه الصلاة والسلام- اقتدى في ذلك بصبر موسى، لما تمعر وجهه قال: "رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر"، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- تأثر بهذه الكلمة، مع أنه نبي وأفضل الأنبياء والرسل وسيد البشر، ومع ذلك تأثر بهذه الكلمة، أن يقال أن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، لأنه بشر، فكون الإنسان يتأثر بكلمة نقلت إليه هذا من الأمر التي فطر البشر عليها، ولا يلام على ذلك، لا يلام على ذلك لأنه بشر يرد عليه ما يرد على البشر، ولا يقال لا تأبه بهذا الكلام وكيف تهتم به! نقول النبي -عليه الصلاة والسلام- تمعر وجهه!، لما نقل له ابن مسعود هذه المقولة تمعر؛ يعني تغير وجهه من شدة الغضب، فهذا أمر قد فطر الناس عليه، كون الإنسان يتأثر من الكلام هذا من الأمور التي فُطر البشر عليها، ولا يلام الإنسان على ذلك ولا يعاتب عليه، ولا يقال له هذا مجرد كلام كيف تغضب وكيف كذا، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- تمعر وجهه، ثم إنه -عليه الصلاة والسلام- لما تمعر وجهه تلقى ذلك بالصبر، والإقتداء بمن قبله من الأنبياء، واقتدى بموسى في صبره على أذى بني إسرائيل، فإن بني إسرائيل آذوا موسى أذية كبيرة، كما قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا[الأحزاب: 69]، وهذه الأذية قد جاء بيانها في حديث أبي هريرة في الصحيحين، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن موسى كان حييًّا ستيراً، لا يرى من جلده شيء، وكان بنو إسرائيل إذا اغتسلوا يغتسلون عراة، ما كانوا يستترون، موسى كان يستتر، فقال بعضهم إن موسى ما يستتر إلا من عيب في جلده، إما برص أو أدرة، ولذلك في بعض الروايات قالوا موسى آدر، والأدرة هي انتفاخ في الخصية، يعني أن خصيته منتفخة، أو عنده آفة، وهذه لاشك أنها أذية شديدة، يعني موسى يستتر ولا يتعرى كما يتعرون عند الإغتسال، يفترض أنهم يحمدوه على هذا ويشكروه، لكنهم آذوه، قالوا إنه ما استتر إلا أنه آدر يعني أن خصيته متضخمة، أو عنده برص أو عنده آفة، فأراد الله أن يبرِّئه، فخلى ذات مرة يغتسل ووضع ثوبه على حجر واغتسل، فانطلق الحجر بثوبه، ربما أنه كانت الرياح شديدة أو كذا، المهم أن الحجر انطلق بثوبه، فأخذ موسى عصاه يتبع الحجر، وجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً، أحسن ما خلق الله وليس به ما يذكر بعضهم من أنه آدر أو أنه أبرص أو أنه كذا، رأوه أحسن ما خلق الله، فبرَّأه الله مما يقولون، وهذا معنى قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ﴾ يعني في قولهم أنه آدر أو أن به آفة، فبرأه الله مما قالوا، يعني بأن الله قدر أن الحجر يذهب بثوبه فيراه ملأ من بني إسرائيل على أحسن خلقة، فلما رأوه كذلك برأه الله مما يقولون من أن عنده شيء يخفيه، فأخذ موسى ثوبه ولبسه، وطفق بالحجر ضرباً، يقول -عليه الصلاة والسلام-: "فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه"، والقصة في الصحيحين، هذا معنى قول الله -تعالى-: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾، يعني أن الله -تعالى- قدَّر أن الحجر يذهب بالثوب، فيراه بنو إسرائيل أحسن ما خلق الله، ليس به أي شيء، ولاشك أن هذه أذية شديدة لموسى، يعني هذه أذية أن يقال أنه يستتر لأجل أنه آدر، أو أنه أبرص أو أنه كذا، لكنه موسى -عليه الصلاة والسلام- صبر وبرأه الله مما قالوا، قدَّر الله أن هذا يحصل حتى رأوه وليس به آفة ولا أي عيب، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقتدي بموسى في صبره في ذلك، وينبغي لنا جميعاً أن نقتدي بالأنبياء والرسل، قد جعلهم الله -تعالى- قدوة للبشر، فإذا أوذي الإنسان خاصة فيما يتعلق بأمور الدين فعليه أن يصبر، وأن يقتدي بهؤلاء الأنبياء والرسل الذين أوذوا أذية شديدة، يعني انظر ما حصل لموسى من هذه الأذية، ونبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- يقول هذا الرجل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله!، وأيضاً اتهموا الأنبياء والرسل حتى في عقولهم قالوا إنهم وصفوهم بالجنون، ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ[الذاريات: 52،53]، لكنهم صبروا -عليهم الصلاة والسلام- فكانت العاقبة لهم، بعض الناس عنده تحسس وجزع، اليوم أحد الأخوة يقول إنني أحياناً أسمع كلمة مؤذية فلا يأتيني النوم طيلة الليل، هذا من قلة الصبر، الإنسان ما يلام كما ذكرنا قبل قليل ما يلام على تأثره، النبي -عليه الصلاة والسلام- تمعر وجهه، لكن ينبغي أن يصبر وأن يقتدي بالأنبياء والرسل، وألا يجزع، وبعض الناس أيضاً إذا أوذي تجد أنه ينتكس ويترك طريق الإستقامة، والله -تعالى- يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[الحج:11]، ودعوى الإيمان كلٌّ يدعي الإيمان، لكن الله -تعالى- يبتلي الإنسان هل هو صادق أم لا، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[العنكبوت:2،3]، فلابد من الإبتلاء والتمحيص، والمطلوب من المسلم هو الصبر والإقتداء بالأنبياء والرسل الذين أُوذوا فصبروا فكانت العاقبة الحميدة لهم -عليهم الصلاة والسلام-.

* * *

 

  • باب ما يكره من التمادح

 

[حدثنا محمد بن صباح حدثنا إسماعيل بن زكرياء حدثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبي موسى قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل]

[حدثنا آدم حدثنا شعبة عن خالد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويحك قطعت عنق صاحبك يقوله مرارا إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا قال وهيب عن خالد ويلك] نعم باب ما يكره من التمادح، التمادح تفاعل من المدح، أي المبالغ فيه، والتمادح يقتضي مدح كل واحد من الشخصين للآخر، والمقصود بالمدح المذموم هو المبالغة في المدح والإطراء في وجه الإنسان، لما يترتب على ذلك من المفاسد التي سيأتي بيانها، ثم ساق المصنف -رحمه الله- حديث أبي موسى قال: سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة، ومعنى يطريه: من الإطراء، والإطراء هو المبالغة في المدح، فقال: "أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل"، يعني بذلك: أي أوقعتم الرجل في الإعجاب بنفسه الموجب لهلاك دينه، لأن المبالغة في الإطراء توجب إعجاب الإنسان بنفسه، وإذا أُعجب الإنسان بنفسه فإنه يظن يعني أنه كذلك، فلا يجتهد في العمل، يظن أنه بتلك المنزلة وربما ضيع العمل والإزدياد في الخير إتكالاً على ما وُصف به، فيترتب على ذلك مفسدة أن هذا الإنسان الممدوح أنه يقع في العجب، وهذا معنى: "أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل"، لكن وردت نصوص أخرى كما سيورد المصنف، أنه -عليه الصلاة والسلام- أثنى على عدد من الصحابة، أثنى عليهم في حضرتهم ومدحهم، ومن هنا جمع العلماء بين هذه النصوص قالوا إن الضابط ألا يكون المدح فيه مبالغة ومجازفة، ويؤمن على الممدوح الإعجاب والفتنة، فهذا لا بأس به، إذا كان المدح ليس فيه مجازفة ولا مبالغة ويؤمن على الممدوح من الإعجاب والفتنة لا بأس به، أما إذا كان المدح فيه مبالغة ومجازفة وإطراءٌ زائد فهذا لا يجوز، أو أن الممدوح يُخشى عليه من العجب، فأيضاً هذا لا يجوز، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الآخر: "أحثوا في وجوه المداحين التراب".

ثم ساق المصنف بسنده عن أبي بكرة أن رجلاً ذُكر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فأثنى عليه رجل خيراً، يعني في حضرته، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ويحك قطعت عنق صاحبك" يقوله مرارا، وهذا كما قلنا المقصود يعني أنك أوقعته في أن يعجب بنفسه، وهذا يوجب هلاك دينه، "إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى كذا وكذا"، يعني إن كان لابد أن يمدح فليأتِ بالمدح بهذه الصيغة، فيقول أحسب كذا وكذا، يعني أظن كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، والله حسيبه، والله هو الذي سيحاسبه، لأننا نتعامل مع الظاهر مما يظهر لنا، ولا يزكي على الله أحداً، فأرشد -عليه الصلاة والسلام- إلى أن من أراد أن يمدح شخصاً في حضرته؛ أنه ينبغي أن يقول أحسبه كذا وكذا، أحسب أن فلاناً كذا وكذا، أحسب أن فلاناً من أهل الخير، أحسب أن فلاناً من أهل الصلاح، أحسب أن فلاناً من أهل التقوى ونحو ذلك، وكما ذكرنا أن المدح في حضرة الإنسان أنه يترتب عليه مفسدة العجب، والعجب هذا يترتب عليه أن هذا الممدوح إذا أُعجب بنفسه حصل منه التقصير، لأنه يظن أنه كما قيل فلا يجتهد في العمل، فيتسبب ذلك في مفسدة بالنسبة للممدوح، فهو الآن يريد بهذا المدح أن يحسن إليه لكنه في حقيقة الأمر يضره، لكن يستثنى من ذلك المدح بالضابطين الذين ذكرت:

الضابط الأول: ألا يكون في المدح مبالغة أو مجازفة.

الضابط الثاني: أن يؤمن على الممدوح العجب والفتنة.

فإذا تحقق هذان الضابطان هنا لا بأس، وهذا ما سيبينه المصنف -رحمه الله- في الباب التالي.

* * *

 

  • باب من أثنى على أخيه بما يعلم

 

[وقال سعد ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام] [حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر في الإزار ما ذكر قال أبو بكر يا رسول الله إن إزاري يسقط من أحد شقيه قال إنك لست منهم] نعم أراد المصنف -رحمه الله- أن يبين بهذا الباب أن النهي عن المدح يجوز منه بعض الأحوال، وذلك فيما إذا مدح أخاه بما يعلم من غير مبالغة، ويؤمن على الممدوح من العجب والفتنة، فهذا لا بأس به إذا تحقق هذان الضابطان، والدليل لهذا ما ذكره المصنف من هذه الأحاديث:

أولاً؛ قال سعد: ما سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، عبد الله بن سلام كان يهوديًّا فأسلم، وبشره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وهذا ثناء عظيم عليه، أيضاً أثنى على أبي بكر، لما قال -عليه الصلاة والسلام-: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده؟ قال: "إنك لست منهم"، فهذا ثناء عليه في حضرته، وأثنى على عمر بن الخطاب، فقال: "إيهٍ يا ابن الخطاب ما رآك الشيطان في فج إلا سلك فجاً غير فجك"، وهذا ثناء عظيم عليه، وأثنى على عثمان بن عفان، فقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"، وأثنى على علي بن أبي طالب، فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"، وأثنى على خالد بن الوليد، سماه سيف الله المسلول، وأثنى على أبي عبيدة وسماه أمين الأمة، وأثنى على عدد كثير من أصحابه، فالثناء والمدح إذا مدح الإنسان غيره بما يعلم من غير مبالغة، وأُمِن على الممدوح العجب والفتنة لا بأس به، فإذاً الضابط الأول أن يثني عليه بما فيه، فلا يأتي بوصف كاذب ليس فيه ويمدحه به، فإن هذا لا يجوز، لأنه بذلك يغر هذا الإنسان بأنه كذا وكذا والواقع بخلافه، ثانياً يكون ذلك من غير مبالغة، ومن غير مجازفة، وأيضاً أن يؤمن على الممودح الفتنة، بأن يرى حال هذا الشخص فإذا كان إنساناً مثلاً كبيراً في العلم والفضل ويؤمن عليه من العجب، مثل هذا لا يؤثر عليه المدح تأثيراً كبيراً بحيث يخشى عليه من العجب، أما لو كان مثلاً إنساناً صغيراً أو إنساناً يخشى من واقع شخصيته أنه لو مدح في وجهه يخشى عليه من العجب؛ فهنا ينبغي ألا يمدح في وجهه، لأن هذا الثناء والمدح في وجهه يضر به ضرراً عظيماً يوقعه في العجب، وإذا وقع في العجب وقع في التقصير ولم يجتهد في العمل، وهذه من أسباب إنتكاسة بعض الناس، أن بعض الناس يثنى عليه ويبالغ في مدحه في حضرته، فيبدأ في التقصير شيئاً فشيئاً إلى أن ينتكس نسأل الله العافية، والذي تسبب عليه في الإنتكاسة هو هذا الإطراء الزائد، ولذلك ينبغي يعني خاصة في أوساط الشباب أن يلتزموا بهذا الأدب، فإذا كان شاب صغير فيأتي أُناس ويمدحونه مدحاً مبالغاً فيه في حضرته؛ يخشى عليه من العجب، فإذا وقع في العجب وقع في التقصير ولم يجتهد في العمل إلى أن يتسبب ذلك في انتكاسته، فينبغي أن تضبط أمورهم، ومن رأيناه يبالغ في المدح لإنسان يخشى عليه من العجب ينبغي أن يُنصح وأن تذكر له هذه الأحاديث، "قطعت عنق صاحبك" "واحثوا في وجوه المداحين التراب" ونحو ذلك، فإن هذا يضر بهذا الممدوح ضرراً عظيماً، لكن من كما يقال تجاوز القنطرة ما يخشى عليه من العجب، وإنسان كبير في العلم والفضل، وأيضاً المدح من غير مبالغة، وأيضاً يمدحه بما فيه، هذا لا بأس به، هذا قد يكون أيضاً نعتبره من ضروب التشجيع لهذا الإنسان على عمله الحسن الذي يقوم به، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أثنى على عدد كثير من الصحابة كما ذكرنا، وما لم نذكر أيضاً كثير، هذا هو الجمع بين الأحاديث التي وردت في النهي عن المدح، والأحاديث التي وردت بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- مدح عدداً من أصحابه.

* * *

 

  • باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ

[باب قول الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل: 90]. وقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم﴾ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر] قال المصنف -رحمه الله تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ [النحل: 90]. وهذه الآية آية عظيمة، وقال ابن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: (ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية) سنده صحيح، قال: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم﴾ البغي معناه: مجاوزة القصد ومجاوزة العدل إلى الجور، والبغي قال: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم﴾ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، البغي عقوبته في الغالب أنها معجلة في الدنيا، كما قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي بكرة: "ما من ذنب أجدر من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم"، هو حديث صحيح، فهاتان المعصيتان البغي وقطيعة الرحم عقوبتهما في الغالب معجلة في الدنيا، ولذلك نجد هذا في الواقع، انظر إلى حال الذين يبغون على الناس ويظلمونهم ويتعدون عليهم، في الغالب يعاقبون في الدنيا، سبحان الله وأسرع ما تأتي العقوبة، الذي يتسلط على الناس ويؤذيهم، يؤذيهم بألقاب منفرة وبقذف وبزور وبكلام سيء، هذا هو البغي، تجد أنه في الغالب -سبحان الله- ما يُمهل، يعاقب، ولهذا قال -عز وجل-: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم[يونس: 23]، وأن هذا الذي بُغي عليه ينصره الله، ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ[الحج: 60]، ثم ساق المصنف -رحمه الله- هذه القصة ليبين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بُغي عليه لكنه عفا عمَّن بغى عليه، نستمع لهذه القصة:

[حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت مكث النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي  قالت عائشة فقال لي ذات يوم يا عائشة إن الله أفتاني في أمر استفتيته فيه أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رجلي والآخر عند رأسي فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي ما بال الرجل قال مطبوب يعني مسحورا قال ومن طبه قال لبيد بن أعصم قال وفيم قال في جف طلعة ذكر في مشط ومشاطة تحت رعوفة في بئر ذروان فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذه البئر التي أريتها كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين وكأن ماءها نقاعة الحناء فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فأخرج قالت عائشة فقلت يا رسول الله فهلا تعني تنشرت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا قالت ولبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف ليهود] نعم هذه القصة في سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد سُحر النبي -عليه الصلاة والسلام-، سحره اليهود، سحره لبيد بن الأعصم، فمكث يخيَّل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهم، وأنه يفعل الشيء ولا يفعله، وهذا السحر متعلق بالجسم دون الدين، ودون الرسالة، فليس لهذا السحر علاقة بأمور الرسالة، لكنه متعلق بجسد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا قد يرد على الأنبياء، بل إن الأنبياء وقع لهم ما هو أعظم من ذلك، فإن بعض الأنبياء قُتل، ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ[البقرة: 61]، ويحيى ابن زكريا قُتل، ولا شك أن القتل أعظم من السحر، ونبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- أيضاً قد سمَّه اليهود، فالأنبياء بشر يرد عليهم ما يرد على البشر، فمنهم من يُقتل ومنهم من يُسمّ، ومنهم من يُسحر، لكن السحر في غير أمور الرسالة، ليس له علاقة بأمور الرسالة والدين، فسحره هذا اليهودي، قالت عائشة: فقال لي ذات يوم: "يا عائشة إن الله أفتاني في أمر استفتيته فيه، أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رجلي والآخر عند رأسي"، يعني في المنام، "فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما بال الرجل؟"،يعني هذه رؤيا رآها النبي -عليه الصلاة والسلام-،قال: مطبوب، ومعنى مطبوب: يعني مسحورا، والسحر عند العرب يسمى طب، من باب التفاؤل، والعرب تسمي الشيء بعكسه تفاؤلاً، فيسمون السحر طبًّا، ويسمون اللديغ ماذا؟ سليماً، قال: ومن طبه؟، يعني من سحره؟، قال: لبيد بن أعصم، هما الآن يتحاوران في الرؤيا، والنبي -عليه الصلاة والسلام-ينظر إليهما، قال: وفيم؟، يعني فيم سحره؟ قال: في جف طلعة ذكر، يعني وهو الذي يكون فيه لقاح النخل، في مشط ومشاطة، وهو ما يخرج من الشعر بالمشط، يعني انظر إلى خبثه كيف استطاع أن يحصل على شعر من شعر النبي عليه الصلاة والسلام-، لأن الساحر إذا أراد أن يسحر فأنه لابد أن يأخذ شيئاً من أجزاء من يسحره، وخاصة الشعر والأظافر، هذه أكثر ما يكون السحر بها، فأخذها ووضعها في مشط ومشاطة تحت رعوفة، الرعوفة: هي حجر يكون في البئر، يقعد عليه الرجل ليأخذ الماء من البئر، كانوا قديماً يستقون من الآبار، البئر هذه يوضع لها مثل السلم أو الدرج فينزل عليها الإنسان، ويكون هناك حجر في البئر فيستقي ثم يصعد مرة أخرى، هذه الحجر التي في البئر يقال لها رعوفة، في بئر ذروان، وهي بئر في المدينة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هذه البئر فقال: هذه البئر التي أريتها -يعني في المنام-، كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، يعني أنها قبيحة وفاحشة المنظر، وكأن ماءها نقاعة الحناء، يعني اختار هذا اليهودي هذه البئر قبيحة المنظر الشنيعة لأجل أن يخفي سحره، يعني انظر إلى المكر والخبث والحسد والإستكبار، اليهود يعرفون النبي -صلى الله عليه وسلم- كما يعرفون أبنائهم، فانظر كيف أنه يتجرأ يسحر النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو يعلم بأنه نبي مرسل من عند الله، ما أعظم جرأتهم على الله، وما أحلم الله -عز وجل-، فأمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني بهذا السحر فأُخرج، قالت عائشة: فقلت يا رسول الله فهلا تنشرت، والنشرة هي حل السحر بالسحر، أو حل السحر بالتعوذ والأدوية المباحة، لكن المقصود هنا في كلام عائشة يعني حل السحر بالسحر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما الله فقد شفاني" وذلك بأن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما أنزل الله عليه المعوذتين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، لما استخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- السحر فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقود فيها إحدى عشرة عقدة، يعني سحر النبي -عليه الصلاة والسلام- بإحدى عشرة عقدة، السحر في الغالب يكون بعقد، ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ[الفلق: 4]، فأتى جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالمعوذتين، أنزل الله المعوذتين، وجعل يقرأ على النبي -عليه الصلاة والسلام-، وعدد آيات المعوذتين كم آية؟ إحدى عشرة، سورة الفلق خمس، وسورة الناس ست، المجموع إحدى عشرة آية، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، فلما قرأ السورتين جميعاً إحدى عشرة آية انحلت إحدى عشرة آية، فشفي النبي -صلى الله عليه وسلم- تماماً، وأبطل الله أثر السحر، قال: "أما الله فقد شفاني -يعني بهذا- وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا" أي: إذا اخذت بالنشرة، النشرة معناها حل السحر، واختلف فيها العلماء في حكمها، قال ابن القيم: إن النشرة التي هي حل السحر عن المسحور إنها تقع على نوعين، النوع الأول: حل السحر بسحر مثله. والنوع الثاني: بالرقية والتعوذات والأدوية المباحة.

أما التي بالرقية والتعوذات والأدوية المباحة فهذه جائزة بالإجماع، وأما حل السحر بسحر مثله فقد اختلف في حكمه العلماء، أكثر العلماء على أنه لا يجوز، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سئل عن النشرة قال: "هي من عمل الشيطان" أخرجه أحمد بسند جيد، لكن عند الحنابلة أنه يجوز حل السحر بالسحر للضرورة، قال البهوتي في الروض المربع قال: (ويجوز الحل بسحر للضرورة)، وعن الحسن قال: (لا يحل السحر إلا ساحر)، قال قتادة: (قلت لابن المسيب رجل به طب -يعني سحر- أيجوز له أن يأتي بالنشرة؟ قال: لا بأس إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلمَ ينهى عنه؟، أو قال: أما ما ينفع فلمْ ينهى عنه)، وجاء في رواية مهنا عن الإمام أحمد في الرجل المسحور يأتي للساحر فيطلق عنه السحر؛ قال مهنا: (أتيت أحمد وقلت له: الرجل تأتيه المسحورة فيطلق عنها السحر؟ قال الإمام أحمد: لا بأس، قلت أحدِّث عنك بهذا؟ قال: نعم)، ولكن النشرة وهي حل السحر بالسحر؛ لا يمكن حل السحر بالسحر إلا إذا وقع الساحر أو وقع المنشتر هذا الذي يحل السحر بالسحر في الشرك والكفر بالله، ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى عدم جوازها، قال صاحب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد قال: (إن كلام ابن المسيب الذي قال إنما يريدون به الإصلاح وأما ما ينفع فلم ينهى عنه، قال: يحمل كلام ابن المسيب على نوع من النشرة لا يُعلم هل هو نوع من السحر أم لا، فأما أن يكون ابن المسيب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يُظن به ذلك حاشاه منه، ويدل لذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح، فأي إصلاح في السحر! السحر كله فساد وكفر)، فأئمة الدعوة وكثير من أهل العلم يرون أن النشرة أنها محرمة إذا كانت في حل السحر بالسحر، وهذا هو الأقرب والله أعلم، أن النشرة محرمة إذا كانت حل السحر بسحر مثله، أما إذا كانت بأدوية أو تعوذات أو رقية فلا بأس بها، لكن يبقى قول الحنابلة بأنه يجوز عند الضرورة قول له اعتباره عند أهل العلم، لكن الأقرب والله أعلم هو أن النشرة محرمة، ويكفينا قول النبي -عليه الصلاة والسلام- لما سئل عن النشرة قال: "هي من عمل الشيطان"، ولأن فتح هذا الباب يفتح على الناس أبواباً عظيمة من الشر، وأذكر أن رجلاً اتصل علي وقال إن أحد العلماء لما أفتى بجواز النشرة، ذهبت عائلة إلى ساحر فقال الساحر لامرأة إن التي سحرتك هي زوجة أخيك، ثم حصل بينهم قطيعة، واتصلت بي هذه المرأة زوجته وهي تبكي بحرقة وألم، وتلقي باللائمة على هذا الشيخ الذي أفتى بجواز النشرة، فقلت إن هذا الساحر هو يستخدم الشياطين، والشياطين تريد إيقاع الشحناء بين الناس، فكيف يصدَّق هذا الساحر المجرم في هذه المقولة!، وهذه المرأة تقول إنها لا تعرف السحر ولا يخطر على بالها أصلاً ولم تتعاطَ السحر يوماً، لكن هذا سبب مشكلة كبيرة بين أفراد هذه العائلة، فهذا يفتح على الناس أبواباً عظيمة من الشر، ولذلك فالصواب هو تحريم النشرة إذا كانت بسحر، أما إذا كانت برقية أو أدوية أو تعوذات لا بأس بذلك، لكن أن يذهب الإنسان إلى ساحر ليحل عنه السحر بسحر؛ فالقول الراجح أن هذا لا يجوز، لأنه سيقع في الكفر وربما أمر هذا الشخص بأن يقع في الكفر وفي الشرك والإستعانة بالشياطين، وربما حصل أنه يوقع الشحناء بينه وبين بعض بعض أقاربه وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا فالأقرب والله أعلم كما قال صاحب تيسير العزيز الحميد: أن النشرة أنها محرمة، ويكفينا قول النبي -عليه الصلاة والسلام- أنها من عمل الشيطان.  

* * *

 

  • باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر

 

[باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر وقوله -تعالى-: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]] [حدثنا بشر بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا]

[حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام]

 

  • باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾

 

[حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا]

نعم، قال: باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر ومن شر حاسد إذا حسد، أراد المصنف بهذه الترجمة أن يبين أن النهي عن التحاسد ليس مقصوراً على وقوعه بين اثنين، بل إن الحسد مذموم ومنهي عنه ولو وقع من جانب واحد، والحسد هو تمنى زوال نعمة الله -تعالى- على الغير، هذا هو الحسد، وقال الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: إن الحسد هو كراهة نعمة الله على الغير، ولو لم يتمنى زوالها، مجرد الكراهية هذه حسد، التعريف الثاني أعم من التعريف الأول، التعريف الأول إنما هو في التمني فقط، الثاني لا في الكراهة مطلقاً حتى لو لم يتمنى زوالها، فيدخل في ذلك الحسد، وقال الحسن: ما خلا جسد من حسد، ولكن المؤمن يخفيه واللئيم يبديه، يعني إذا وقع في النفس من غير أن يترتب عليه تصرف أو كلام أو نحو ذلك، لا يؤاخذ به الإنسان، لكن إذا ترتب عليه شيء فإن ذلك يؤاخذ به، والمطلوب من المسلم أن يسعى لسلامة صدره لإخوانه المسلمين، وألا يكره نعمة أنعم الله -تعالى- بها على أخيه المسلم، قال بعض أهل العلم: إن الإنسان إذا رأى نعمة على أخيه فدعا الله -عز وجل- إن هذا من مواطن إجابة الدعاء، واستدل بقول الله -تعالى- عن زكريا لما سأل مريم: ﴿أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 37،38]، واستجاب الله دعوته، وهب له يحيى، لكن لاحظ الآية ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾ لما رأى هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على مريم أنها ترزق بغير حساب، تأتيها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، فرأى هذه النعمة دعا الله -تعالى-، فقيل أنك إذا رأيت نعمة على أخيك فينبغي أن تسأل الله -عز وجل- من فضله، هذا من مواطن الإجابة، ثم ساق المصنف بسنده حديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"، هذا كما قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: 12]، والمراد بالظن: ما يقع في القلب من غير دليل، فهذا ينبغي أن يجتنبه المسلم وأن يدفعه، فأحياناً تقع خواطر في نفس الإنسان ليس عليها أدلة، وليس عليها قرائن، وليس عليها براهين، كأن يقع في نفسه بأن هذا الرجل يفعل الفاحشة، أو أن هذا الرجل يفعل كذا وكذا، لكن ما عنده دليل، مجرد أنه وقع في نفسه، هذا ظن، وهذا الظن كثيراً ما يكذب، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"، فمن وقع في نفسه هذا الظن لا يحقق يبتعد، ما دام ما عنده دليل يعرض عنه، وهذا هو المطلوب عندما يقع الظن في نفس المسلم، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: "ولا تحسسوا ولا تجسسوا"، يعني لما ذكر أن الظن أكذب الحديث نهى عن التجسس والتحسس، لأن الإنسان إذا وقع في نفسه هذا الظن فإنه يحرص على أن يحقق هذا الظن فيتجسس، يعني وقع في نفسه أن فلان يفعل كذا، يتجسس عليه حتى يتأكد هو فعلاً يفعل كذا أو لا، فهذا هو وجه ذكر التجسس بعد النهي عن الظن، وهنا ذكر كلمتين: تجسسوا وتحسسوا، قيل أنهما بمعنى واحد، قال بعض أهل العلم: أنهما بمعنى واحد فيكون هذا من باب التأكيد، والتحسس قد جاء في قول يعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ[يوسف: 87]، وقيل أن التجسس بالجيم: هو البحث عن عورات الناس، والتحسس: استماع حديث الناس، وقيل إن التجسس هو البحث عن بواطن الأمور، والتحسس إنما يدرك بحاسة العين والأذن، ورجح هذا القرطبي، وقيل إن التجسس لا يكون إلا في الشر، والتحسس يكون في الخير والشر، لكن هذا محل نظر، فمعناهما قريب، والصواب أن بينهما فرقاً، وأن التجسس هو البحث عن العورات، والتحسس هو البحث بطريق الإستماع أو العين، يعني ما يدرك بحاسة العين أو الأذن، أما التجسس فهو البحث عن عورة الإنسان الذي يتجسس عليه، وكلاهما منهي عنه، كلاهما مهي عنه التجسس والتحسس، إلا إذا تعيَّن التجسس طريقاً لإنقاذ نفس من هلكة، يعني إذا ترتب عليه مصلحة شرعية فهنا لا بأس به.

قال: "ولا تحاسدوا" فنهى عن الحسد، كما ذكرنا أن الحسد هو كراهة نعمة الله -تعالى- على الغير، والحسد وصف الله -تعالى- به شرار الخلق، وصف به إبليس، فإن إبليس لما كرَّم الله أبانا آدم، كرَّمه بالعلم وكرَّمه أيضاً بأن أمر الملائكة أن تسجد له، حسده إبليس ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا[الإسراء: 61]، ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ[الأعراف: 12]،  يعني كيف أسجد له وأنا أفضل منه، هذا هو الحسد، فلعنه الله وطرده، وذكر الله -تعالى- الحسد عن اليهود، حسدوا العرب على أن يبعث فيهم هذا النبي، ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم[البقرة: 109]، ولا يمكن أن يجتمع صدق الإيمان والتقوى مع الحسد، فالإنسان صاحب التقوى والورع وقوة التدين يكون سليم الصدر، ويبتعد عن الحسد لإخوانه المسلمين، وأكثر ما يقع الحسد بين الأقران، وأرباب الصنعة الواحدة، الأقران الذين هم في سن واحدة، أو ربما الأكبر من الأصغر، لكن نادراً ما يكون الأصغر من الأكبر، أو أصحاب الصنعة الواحدة، فتجد مثلاً الفلاحين يحسد بعضهم بعضاً، الخبازين بعضهم بعضاً، الحمالين بعضهم بعضاً، أيضاً طلبة العلم فيما بينهم، يعني أصحاب الصنعة الواحدة يقع الحسد بينهم، فنهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الحسد، يعني عن تعاطي أسبابه، أن المسلم يجاهد نفسه على سلامة صدره لإخوانه المسلمين. قال: "ولا تباغضوا" هذا نهي عن كل ما أدى إلى إيقاع البغضاء بين المسلمين، أي أمر يؤدي لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين فالشريعة الإسلامية تنهى عنه، ولهذا نهي عن البيع على بيع أخيه، وعن الشراء على شراء أخيه، وعن الخطبة على خطبة أخيه، وعن السوم على سوم أخيه، كل هذا نهي لأجل أنه يوقع البغضاء، نهي عن بيع الغرر لأنه يؤدي إلى الخصومة، والخصومة تؤدي إلى البغضاء، فكل ما يؤدي للعداوة والبغضاء والشحناء فالشريعة الإسلامية تمنع منه. "ولا تدابروا" التدابر معناه: أن يجعل الإنسان دبره بتجاه أخيه المسلم، والمقصود بذلك لا تهاجروا، فالمقصود بالتدابر: التهاجر، بأن يهجر الإنسان أخاه ويقاطعه، فهذا محرم إلا في ثلاثة أيام كما في الحديث التالي. قال: "وكونوا عباد الله إخوانا"، ثم ساق حديث أنس: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"، لا يجوز الهجران والقطيعة أكثر من ثلاثة أيام، فمن فعل ذلك فإنه يقع في الإثم، لكن في حدود ثلاثة أيام فأقل، لا بأس، وهذا من باب مراعاة أحوال النفوس، لأن الإنسان قد يجد شيئاً على أخيه المسلم، يغضب عليه، يهجره، الهجر لك إلى ثلاثة أيام، لكن ما زاد على ثلاثة أيام فإنه لا يجوز، "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".

ثم في الباب الذي بعده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ [الحجرات: 12]، تكلمنا عنها، ثم ساق بسنده عن أبي هريرة: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا"، كل هذه الكلمات تكلمنا عنها إلا قوله: "ولا تناجشوا"، ولا تناجشوا: من النجش، والنجش: هو أن يزيد في السلعة من لا يريد شرائها، السلعة تسام ويحرج عليها، فيأتي إنسان ويزيد في السوم وهو لا يريد الشراء، إنما يريد رفع قيمة السلعة لأجل أن ينفع صاحب السلعة، هذا هو النجش المحرم، طيب إذا كان الذي ينجش هو صاحب السلعة أو السمسار؟ يعني بعض الناس يحرِّج على السلعة ثم إذا تغافل الحاضرين زاد من نفسه، يقول مثلاً عشرة آلاف عشرة آلاف إذا تغافل الحاضرين قال عشرة آلاف وخمسمائة، ما أحد أصلاً سام بعشرة آلاف وخمسمائة!، فيأتي إنسان ما يدري فيسومها بأحد عشر ألفاً، هذا أبلغ من نجش الأجنبي، هذا محرم، إذاً النجش بجميع صوره محرم ولا يجوز، طيب ذكرنا نحن قلنا أن الهجر لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان الهجر فيه مصلحة دينية، فإذا كان فيه مصلحة دينية بأن يكون هذا الإنسان مكبًّا على معصية، وإذا هُجر فإنه سيترك هذه المعصية، أو يكون مقصراً في واجب وإذا هُجر فإنه سيأتي بهذا الواجب، والدليل لذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هجر الثلاثة الذين خلِّفوا خمسين ليلة، وأمر الصحابة بهجرهم، إذاً الأصل أنه لا يجوز لمسلم أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام، إلا إذا ترتب على الهجر مصلحة دينية، وذلك بأن يعني هذا الإنسان تريد منه أن ينكف عن هذه المعصية أو أن يقوم بالواجب، إنسان مثلاً مقصر في الصلاة فهجرته، ويغلب على ظنك أنك إذا هجرته أنه سيحافظ على الصلاة، هنا لا بأس بهجره أكثر من ثلاثة أيام، لكن أحياناً بعض من يقع في المنكر إذا هجرته يفرح بالهجر، يسلم منك، كل مرة تنكر عليه كل مرة تنصحه، إذا هجرته يفرح، هنا لا تهجره، لا تهجره أكثر من ثلاثة أيام، الهجر الذي يجوز أكثر من ثلاثة أيام إذا غلب على الظن أنه يترتب عليه مصلحة دينية، يعني مثلاً قريب لك أو صديق أو نحو ذلك، نصحته أن يكف عن هذا المنكر ما انتصح، فيغلب على ظنك أنك لو هجرته لنفع معه، هنا يجوز أن تهجره ولو أكثر من ثلاثة أيام، ولذلك لما هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- الثلاثة الذين خُلفوا نفع معهم الهجر، وتابوا التوبة العظيمة التي ذكرها الله -تعالى- في القرآن، ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا[التوبة: 118]، فتسبب ذلك في هذه التوبة العظيمة، إذاً الأصل الهجر لا يجوز أن يزيد عن ثلاثة أيام، إلا إذا كان في الهجر مصلحة دينية، وغلب على الظن تحققها فيجوز، وإلا الأصل أنه لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام.

 

* * *

ونكتفي بهذا القدر، ونقف عند قول المصنف: (باب ما يجوز من الظن)، وسيتوقف الدرس إن شاء الله، هذا هو آخر درس، سيتوقف الدرس فترة الإختبارات والإجازة الصيفية، وسيتأنف الدرس إن شاء الله -تعالى- في أول ثلاثاء من حين إستئناف الدراسة، يعني الرابع من شهر محرم من عام ألف وأربعمائة وإحدى وأربعين من الهجرة، يستأنف الدرس إن شاء الله -تعالى- أول يوم ثلاثاء من بداية الدراسة الفصل الدراسي القادم إن شاء الله -تعالى-، ونكتفي بهذا القدر، وبين الأذان والإقامة نجيب عما تيسر من الأسئلة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *