الخثلان
الخثلان
باب (الإقرار)
27 رجب 1440 عدد الزيارات 280

شرح متن التسهيل / كتاب الإقرار

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل، ونكمل أولاً ما توقفنا عنده من كتاب الشهادات ثم كتاب الإقرار.

قال المصنف -رحمه الله-: [وإِنَّما يَشْهَدُ بعلمِهِ برؤيةٍ في الأَفعالِ أو سماعٍ مِنَ المَشْهُودِ عليهِ]، هذه طرق الشهادة، الشاهد إنما يشهد بعلمه أو يشهد باستفاضة، أما بعلمه يعني لابد أن تكون الشهادة على ما يعلمه يقيناً، فلا يجوز أن يشهد على ما لا يعلم، ولا أن يشهد زوراً، فشهادة الزور من كبائر الذنوب، كما جاء في حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: (كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ألا أنبؤكم باكبر الكبائر؟"، قالها ثلاثاً، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين"، وكان متكئاً فجلس وقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت). هنا اعتبر النبي -عليه الصلاة والسلام- شهادة الزور من أكبر كبائر الذنوب، فشهادة الزور أن يشهد كذباً وزوراً، وأيضاً أن يشهد بما لا يعلم، فكونه يشهد بما لا يعلم هذا يدخل في شهادة الزور، فلا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما يعلم وهو يقيناً، وقد جاء في حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم-  قال لرجل:"ترى الشمس؟" قال: نعم، قال: "على مثلها فاشهد أو دع"، وهذا الحديث رواه الحاكم وهو ضعيف من جهة الإسناد لكن معناه صحيح، فلا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بأمر متيقن كالشمس، وهنا ذكر المؤلف كيف يكون علم الشاهد، قال: [بعلمِهِ برؤيةٍ] [أو سماعٍ] فأفادنا المصنف -رحمه الله- بأن علم الشاهد بالمشهود به يحصل بأحد هذين الأمرين: الأمر الأول: رؤية المشهود به، وهذا إنما يكون في الأفعال، مثل مثلاً السرقة والإتلاف والقتل ونحو ذلك. الأمر الثاني قال: [أو سماعٍ] السماع من المشهود عليه، كأن يسمعه بأنه يقر بأن لفلان ديناً عليه، فيشهد على ما سمع. [أو باسْتِفَاضَةٍ] يعني يشهد باستفاضة، يشهد من جهة الإستفاضة، ومعنى استفاضة: يعني انتشار الخبر وشيوعه، وهذا أكثر ما يكون في إثبات النسب، قال الموفق ابن قدامة -رحمه الله-: (أجمعوا على صحة الشهادة في الإستفاضة على النسب -بأن يشهد بأن فلان هو ابن فلان- واختلفوا فيما سواه)، أو مثلاً يقول أنَّا ما زلنا نسمع من سنوات طويلة بأن هذا الملك لآل فلان، إذا لم يكن هناك بينة على أن هذا الملك مثلاً لأحد، ما وُجد لا شهود ولا أوراق، فيأتي بشاهد ويقول ما زلت من سنين طويلة وأنا أسمع بأن هذا الملك أو هذه المزرعة لآل فلان، فهذه شهادة على الإستفاضة، فهي من طرق الشهادة، الشهادة إذاً تكون بما يعلمه برؤية أو بسماع أو باستفاضة، لكن المصنف قيد الإستفاضة بقيد قال: [فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلمُهُ غَالِبَاً إلاَّ بهَا، كالنَّسَبِ ونحوِهِ] فالشهادة على الإستفاضة لا تقبل إلا فيما يتعذر علمه بدون الإستفاضة كالنسب مثلاً، وكما مثلنا في الملك إذا تعذر إثباته بالشهادة ونحو ذلك. قال: [إلاَّ فِي حَدٍّ وَقِصَاصٍ] يعني فلا تقبل فيه شهادة الإستفاضة، وذلك لأن الحدود تُدرء بالشبهات، ولأن الحدود أيضاً يطلب فيها الوصف الدقيق، وكذلك القصاص، ويحتاط فيها فلا تقبل فيها الشهادة بالإستفاضة، قال المصنف -رحمه الله-: [وَمَنْ تابَ قُبِلَتْ منهُ حينئذٍ] أي: من رُدت شهادته بسبب فسقه أو بسبب قذفه، ثم تاب، قُبلت منه الشهادة لأن ردها إنما كان لمانع وقد زال، ولا يبقى الإنسان يعير بذنبه إلى أن يموت، من تاب تاب الله عليه، إنسان مثلاً كان فاسقا وشهد وردت شهادته، ثم استقامت أحواله وتاب إلى الله -عز وجل-، فتقبل شهادته حينئذ.

قال: [وتُقبلُ الشَّهادَةُ على الشّهادةِ، فِي حَقِّ آدميٍّ] انتقل المؤلف للكلام عن حكم الشهادة على الشهادة، الشهادة على الشهادة معناها: إخبار الشاهد عن سماعه شهادة غيره، فيقول أشهد بأن فلاناً يقول كذا وكذا مثلاً، أو نفس الشاهد يقول اشهد بأني أشهد بأن لفلان كذا، والشهادة على الشهادة يُحتاج إليها في بعض الأحوال، كأن يكون الحق لا يثبت إلا بشهادة شاهدين، وهذان الشاهدان كبيران في السن ويخشى الإنسان الذي يشهدان له أن يموتا، فيقول إذا ماتا هذان الشاهدان سيضيع حقي، فيأتي بشاهدين لكل منهما يشهدان على شهادتهما، وأيضاً قد يكون الشاهد في مكان بعيد ولا يمكن حضوره للقاضي، فيأتي بمن يشهد على شهادته، أو أن الشاهد يخاف، بعض الناس عنده خوف وعنده رهاب، أو أن الخصم يهدده إن شهد، فيرسل من يشهد على شهادته، فالحاجة قد تدعو إلى الشهادة على الشهادة، ويشترط لقبول الشهادة على الشهادة شروط:

الشرط الأول: أشار إليه المصنف بقوله: [فِي حَقِّ آدميٍّ]، أن تكون الشهادة على الشهادة في الأموال، وفي حقوق الآدميين عموماً، دون حقوق الله -تعالى-، فلا تقبل فيها الشهادة على الشهادة، لأن حقوق الله مبناها على المسامحة، والشهادة على الشهادة فيها شبهة لتطرق الخطأ والسهو والكذب ونحو ذلك، إذاً الشرط الأول أن تكون الشهادة على الشهادة في حق آدمي، فلا تكون في حق الله -تعالى-.

الشرط الثاني قال: [إن تَعَذَّرَ السَّمَاعُ مِنَ الأصلِ] أي أنه لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا إذا تعذر سماع شهود الأصل، إما بسبب موتهم أو مرضهم أو غيبتهم غيبة بعيدة أو نحو ذلك، أما إذا أمكن القاضي أن يسمع شهود الأصل، فلا يجوز العدول إلى شهود الفرع مع وجود شهود الأصل.

الشرط الثالث: لم يذكره المؤلف نضيفه: دوام عدالة الأصل والفرع إلى حين صدور الحكم، فلو طرأ فسق على شهود الأصل أو الفرع لم تقبل.

الشرط الرابع: ثبوت عدالة الجميع؛ شهود الأصل والفرع، يعني أن تثبت عدالتهم وأن تدوم أيضاً إلى حين صدور الحكم.

إذاً الشرط الأول: في حق آدمي. الثاني: أن يتعذر سماع شهود الأصل. الثالث: ثبوت عدالة الجميع. والرابع: دوام عدالة الأصل والفرع إلى حين صدور الحكم.

قال: [وَأَقَلُّهُ فَرْعَانِ] يعني أقل عدد في الشهادة على الشهادة فرعان عن الأصل، سواء شهد كل واحد على واحد، أو شهد على كل واحد منهما. [ذَكَرَانِ] فلا مدخل للنساء في شهادة الفرع، وقال بعض أهل العلم: إن للنساء مدخلاً في شهادة الفرع كما لهن في شهادة الأصل، فيشهد رجل وامرأتان على رجلين، وهذا هو القول الراجح، فلو كان مثلاً هذا الشاهد كبير في السن، فأُتي له برجل وامرأتين وشهدوا عليه؛ صح ذلك، يعني شهدا على شهادته. قال: [استَرعَاهُمَا الأصلُ] يعني ليس لشاهد الفرع أن يشهد إلا إذا استرعاه شاهد الأصل، ومعنى الإسترعاء: أن يقول المتكلم لمن يكلمه أرعني سمعك، يعني اسمع مني، ومراد المصنف أن شاهد الأصل يطلب من شاهد الفرع أن يحفظ شهادته وأن يؤديها، فيقول اشهد أني أشهد بكذا وكذا، وعلى هذا لو سمع شخص شخصاً يقول أشهد بأن لفلان كذا، ولم يسترعه؛ لم تقبل شهادته، وقال بعض أهل العلم: أنها تقبل، فلا يشترط أن يسترعيه، بل إذا سمع شخصاً يقول أشهد بأن لفلان كذا؛ جاز أن يشهد بما سمع ولو لم يسترعه، وهذا هو القول الراجح. قال: [أو سَمِعَاهُ يشهدُ بِهِ عِندَ حَاكِمٍ] يعني إذا سمع الفرع الأصل يشهد عند الحاكم، لما قال المؤلف: إن شهادة الفرع لابد من أن يسترعيهما الأصل يقول: [أو سَمِعَاهُ يشهدُ بِهِ عِندَ حَاكِمٍ]، فيجوز أن يشهد على شهادته، ونحن رجحنا أنها تقبل شهادة الفرع مطلقاً بدون هذا كله، بدون هذه القيود التي ذكرها المؤلف. [أو يَعْزِيهِ إلَى سَبَبٍ] هذه الحالة الثالثة لقبول الشهادة على الشهادة، أن يسمع الفرع الأصل يعزو شهادته إلى سبب، بيعٍ ونحوه، فيقول الفرع أشهد بأن فلاناً يشهد بأن لفلان على زيد مثلاً عشرة آلاف ريال، ثمن سيارة مثلاً، فالمؤلف ذكر أن شهادة الفرع إنما تقبل في هذه الحالات الثلاث: الحالة الأولى: أن يسترعيه الأصل. الحالة الثانية: أن يسمعه يشهد به عند حاكم. الحالة الثالثة: أن يعزيه إلى سبب. وعلى القول الراجح لا تتقيد شهادة الفرع بهذه القيود، بل متى ما سمع الفرع الأصل يشهد؛ جاز له أن يشهد على شهادته مطلقاً، لأنه لا دليل على هذه القيود التي ذكرها المصنف، ليس عليها دليل، فالصواب أنها تجوز شهادة الفرع على الأصل مطلقاً.

قال: [ومَنْ رَجَعَ بَعدَ الحُكمِ غَرِمَ بقسْطِهِ] يعني من رجع من الشهود على المال بعد حكم القاضي؛ لم ينقض الحكم، ويغرم الشاهد إذا رجع بدل المال الذي شهد به، فإن رجع الشاهدان كلاهما غرما جميع المال، وإن رجع واحد غرم نصف المال، وهذا معنى قول المؤلف: [بقسْطِهِ]، وقوله: [بَعدَ الحُكمِ] يفهم منه أنه لو رجع الشاهد قبل الحكم فلا يغرم، لكن إذا علم القاضي أنه يشهد زوراً فإنه يعزره. قال: [وقَبْلَ الحدِّ والقِصَاصِ يُسْقِطُهُمَا] يعني إن رجع الشهود وقد شهدا على حد أو قصاص؛ فرجوعهما يسقط الحد والقصاص، لأن رجوعهما شبهة، وقد جاء في صحيح البخاري معلقاً عن الشعبي: أن رجلين شهدا على رجل أنه سرق، عند علي -رضي الله عنه-، شهدا عند علي على رجل بأنه قد سرق، فأمر علي بقطع يده، فقطعت يده، ثم في اليوم الثاني جاءآ برجل آخر وقالا قد أخطأنا في الأول، وهذا هو السارق، فأبطل علي شهادتهما عن الثاني، وغرمهما دية الأول، وقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما). فهذه قصة وقعت في عهد علي -رضي الله عنه-، طبعاً القضاء في العصور الماضية كان مزدهراً، كان يقبض على الجاني ويحكم عليه وينفذ في ساعة واحدة، فهنا قبض على رجل وشهد عليه اثنان بأنه سرق، صدر الحكم ونُفذ، قطعت يده، في اليوم الثاني أتيا برجل آخر قالا لا الأول أخطأنا عليه، هنا أبطل علي شهادتهما عن الثاني، لأنهما لا يوثق في شهادتهما، وغرمهما دية الأول، كم دية الأول؟ نصف الدية، يعني خمسون من الإبل، وقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما). فإذاً إذا رجع الشاهد قبل الحد والقصاص أسقطهما مع أيضاً إذا تسبب ذلك في إتلاف ونحوه؛ فإنهما يغرمان.

* * *

 ثم قال المصنف -رحمه الله-: [كتابُ الإِقرارِ]

يجعل كثير من فقهاء الحنابلة الإقرار آخر أبواب الفقه، مع أن له علاقة بالمعاملات، يعني أكثر ما يُحتاج إليه في أبواب المعاملات، فما وجه ختمهم لكتبهم بالإقرار؟

تفاؤلاً بأن يختم للمؤلف بالإقرار بالتوحيد، إذاً هذا هو وجه ختم بعض الفقهاء لكتبهم بالإقرار؛ تفاؤلاً بأن يختم للمؤلف بالإقرار بالتوحيد، قد قال -عليه الصلاة والسلام-: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".

بعض الفقهاء يختم كتابه بالعتق، ما وجه ذلك؟

تفاؤلاً بأن يعتقه الله من النار.

قال المصنف -رحمه الله-: [كتابُ الإِقرارِ] الإقرار: مصدر أقرَّ بالشيء، يقِرُّ، إقراراً، إذا اعترف به، فالإقرار معناه: الإعتراف، الإعتراف في اللغة معناه: الإعتراف.

وشرعاً: اعتراف الإنسان بما عليه للغير من الحقوق.

والإقرار هو سيد الأدلة، لأنه لا يمكن للعاقل الرشيد أن يقر على نفسه إلا بما حصل منه، أيهما أقوى الإقرار أو شهادة الشهود؟ الإقرار، فالإقرار هو سيد الأدلة، وعند الفقهاء قاعدة: لا عذر لمن أقر، إذا أقر باختياره وطوعه، كان عاقلاً رشيداً فيؤاخذ بإقراره، ولا عذر له.

ابتدأ المؤلف في الكلام عن شروط صحة الإقرار، ذكر شروط صحة الإقرار قال: [يَصِحُّ مِنْ مُكلّفٍ رَشيدٍ مُخْتَارٍ] الشرط الأول إذاً أن يكون المقر مكلفاً، فغير المكلف لا يصح إقراره، كالصغير والمجنون، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ"، ولأنه إقرار ممن لا يصح تصرفه، فلم يصح كفعله، لكن سيذكر المؤلف إستثناءً من ذلك في إقرار الصبي بعد قليل.

الشرط الثاني قال: [رَشيدٍ] أي أن يكون المقر رشيداً، وذلك بأن يحسن التصرف في المال، فلا يصح الإقرار من السفيه المحجور عليه، لأنه محجور عليه لحظِّه؛ فلم يقبل إقراره، ولان قبول إقراره يعني إسقاط الحجر عليه.

الشرط الثالث قال المصنف: [مُخْتَارٍ] أن يكون المقر مختاراً، فلا يصح الإقرار من مكره، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

قال المصنف -رحمه الله-: [لأَهْلٍ غَيرِ مُكذِّبٍ] أي أن يكون الإقرار، -إن شئت جعلته شرطاً رابعاً-: أن يكون الإقرار لأهل غير مكذب، أي أن يكون المقر له أهلاً لاستحقاق المقر به، حتى يصادف الإقرار محله، فلو أقر مثلاً لبهيمة أو لميت لم يصح إقراره، فلابد أن يكون إقراره لمن يصح إقراره له، لكن لو أقر لوقف كمسجد مثلاً أو وقفاً من الأوقاف صح إقراره له، وقوله: [غَيرِ مُكذِّبٍ] أي أنه يشترط ألا يكذب المقر له المُقِّر، فإن كذبه لم يصح الإقرار، فإن قال أنا أقر بأن لفلان عندي عشرة آلاف ريال، وفلان حاضر قال يكذب ما أطلبه عشرة آلاف، فهذا الإقرار لا يصح، وقال بعض أهل العلم: أن المقر به يأخذه ولي الأمر ويحفظه حتى يظهر مالكه، لأنه لما أقر به خرج عن ملكه، ولم يدخل في ملك المقر له، وكل منهما ينكر أن هذا المال ماله، فيكون كالمال الضائع، ويأخذه ولي الأمر عنده ويحفظه، وهذا هو الأقرب والله أعلم. قال: [وَيَصِحُّ مِنَ العبدِ والصّبيِّ المَأذُونِ لَهُمَا في قَدْرِ ما أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ] أي يصح إقرار العبد في قدر ما أذن له فيه من التجارة، وهكذا الصبي أيضاً يصح إقراره فيما أذن له فيه من التجارة، وهذا هو الذي أشرت إليه قبل قليل، وقلت إن الصبي سيرد عليه إستثناء، قال: [ومِنَ المُكْرهِ بِغَيرِ ما أُكْرِهَ عليهِ] يعني يصح الإقرار من المكره لكن إذا أقر المكره بغير ما أُكره عليه، كأن يكره على أن يقر لزيد فيقر لمحمد، فيصح إقراره لمحمد لأنه أكره على إقرار زيد ولم يكره على الإقرار لمحمد، ومن المكره بغير ما أكره عليه، فيكون هذا كأنه استثناء من قوله: [مُخْتَارٍ]. [ومِنَ السَّفِيهِ بِحدٍّ أَو قِصَاصٍ أَو طلاقٍ] أي هذا أيضاً كالإستثناء من قول المصنف: [رَشيدٍ]، أي يصح الإقرار من السفيه لكن في غير الأمور المالية، بحد أو قصاص أو طلاق زوجته ونحو ذلك، لأنه إنما حجر عليه في المال فقط. قال: [وبالمالِ وَيُتْبَعَانِ بِهِ بَعْدَ الرِّقِّ وَالحَجْرِ] يعني يصح إقرار العبد غير المأذون له بالمال، لكن لا يقبل في الحال، وإنما يتبع به بعد العتق وزوال الرق، وهكذا أيضاً المحجور عليه لفلس -السفيه-، يصح إقراره بالمال لكن لا يلزمه في حال الحجر عليه، وإنما يتبع به بعد فك الحجر، يُتبع به بعد فك الحجر، ويؤاخذ بإقراره لكن بعد فك الحجر يؤاخذ به. [ومِنَ المرِيضِ المخُوفِ بِغَيرِ مَالٍ] يعني يصح الإقرار من المريض مرضاً مخوفاً، وهو المرض المتصل بالموت، الذي يموت به الإنسان عادةً، مثل مرض السرطان إذا انتشر، عافانا الله وإياكم، هذا يعتبر من الأمراض المخوفة، فيصح من المريض مرضاً مخوفاً، لكن بغير مال، إذا أقر بغير مال، كأن يقر مثلاً بنسب أو نحوه، لأنه لا تهمة عليه في ذلك، إنما التهمة في المال. قال: [وَبِه لِغَيرِ وَارِثٍ] يعني يصح إقرار المريض مرضاً مخوفاً بالمال، لكن لغير وارث، بأن يقر بأن لفلان كذا ولفلان كذا، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ولكن إقراره إنما يكون إقراره لغير وارث إنما يكون في حدود الثلث، أما ما زاد على الثلث فإنه ممنوع من التصرف فيه، وقال بعض أهل العلم: إنه يصح إقراره لغير وارث مطلقاً وإن زاد على الثلث، وهذا هو القول الراجح، فقد يكون الإنسان في مرض موته يبدأ يستذكر بأن لفلان عليه دين ولفلان دين ولفلان دين؛ فتتراكم هذه الديون وتكون أكثر من الثلث، فيقبل إقراره حينئذ، القول الراجح أنه يقبل إقراره حينئذ. قال: [وَامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مثلِهَا] يعني يصح إقرار المريض لامرأته -المريض مرضاً مخوفاً- لامرأته بالمهر، لأنه إقرار بمال عُرف سببه وهو عقد الزوجية، ولم تحصل البراءة منه، ولكن قيد المصنف ذلك بأن يكون الإقرار بمهر المثل، أما إذا زاد على مهر المثل فلا يُقبل إقراره حينئذ.

قال: [ومن أقَرَّ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ بحيثُ يُمكِنُهُ الكلامُ، ثُمَّ قَال: زُيُوفاً، أو صِغَاراً، أو مؤجلةً لَزِمَتْهُ جِيَاداً وَافِيَةً حَالَّةً] هذا إنسان أقر بدراهم، قال فلان يطلبني دراهم، ثم إنه سكت سكوتاً يمكنه أن يتكلم فيه، وبعد سكوته وصمته أتى بهذه الأوصاف، قال: إن هذه الدراهم زيوفاً؛ يعني معيبة ورديئة، أو قال صغاراً، أو قال أنها مؤجلة، فلا تقبل منه هذه التقييدات، وإنما يلزمه دراهم جياداً وافية حالة، وذلك لأن الإقرار حصل منه فينصرف إلى الجيد الوافي الحال، ولأن هذا التقييد إنما حصل بعد سكوته، فكأن هذا التقييد رجوعٌ عن بعض ما أقر به فلم يقبل، [ولو قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةٌ، لَمْ يُقْبَلْ] قال لزيد: عليَّ دراهم، ثم فسر هذه الدراهم بأنها وديعة لم يقبل إقراره هذا، لأن حرف (عليَّ) للإيجاب، وهذا يقتضي أنه واجب في ذمته، فتفسيره بالوديعة تفسير غير صحيح. [وَلَو قَالَ: عِندي، قُبِلَ] لو قال له عندي ألف ريال مثلاً، قُبل، إذا فسره بوديعة، وذلك لأن الوديعة تكون عنده، فإذا قال عندي لفلان كذا وفسره بوديعة يُقبل، أما لو قال: عليَّ لفلان وديعة؛ لم يقبل هذا التفسير منه. قال: [وَلاَ يَلزَمُ الوَرَثَةَ وَفَاءُ دَينٍ] هذه مسألة يكثر السؤال عنها، هذا إنسان مات وعليه ديون، هل يجب على ورثته أن يسددوا عنه دينه؟ ما يجب، الله -تعالى- يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [فاطر: 18]، والورثة لا يلزمهم قضاء دينه وهو حي، فلا يلزمهم قضاء دينه وهو ميت، لكنه يستحب لهم ذلك، لأن هذا من الوفاء لمورثهم، ومن عظيم الإحسان إليه، لكنه لا يجب، [إلاَّ أن يُخَلِّفَ تَرِكَةً فَيَتَعَلَّقُ بهَا] إذا خلَّف المورث تركة فهنا يجب أن تسدد الديون من هذه التركة، لقول الله -عز وجل- لما ذكر قسمة المواريث: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: 12]، وقد أجمع العلماء على أن الدين مقدم على الوصية وعلى الميراث، فإذا خلَّف تركة فيجب سداد الدين أولاً، ثم الوصية ثانياً، ثم الباقي يقسم على الورثة إن بقي شيء، فإذاً أول ما يقدم الدين، يسدد الدين من التركة، ثم تنفذ الوصية، ثم بقية المال يقسم على الورثة، ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: 12]، يعني لا تقسم التركة إلا من بعد الوصية ومن بعد الدين، لكن الدين مقدم على الوصية بالإجماع، طيب؛ إذا كان الدين مقدم على الوصية بالإجماع لماذا قدم الله -تعالى- الوصية على الدين في الذكر؟!

من باب الإهتمام بشأنها، ولأنه يغلب على بعض الورثة التساهل أو ربما كثير من الورثة يغلب عليهم التساهل في تنفيذ الوصية، فقدمت من باب الإهتمام بشأنها، ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: 12]، فإذاً المقدم أولاً الدين ثم الوصية ثم التركة، إذاً هل يجب على الورثة أن يسددوا الديون عن مورثهم؟ نقول: إن خلَّف تركة يجب، أما إن لم يخلِّف تركة فلا يجب وإنما يستحب.

قال: [وبِإقرَارِهِمْ يَثبُتُ] يعني إذا أقر الورثة بدين على مورثهم؛ ثبت الدين ولزمهم قضاؤه، لأن الإقرار هو سيد الأدلة، وهو أبلغ من شهادة الشهود. قال: [وبإِقْرَارِ بَعْضٍ يَثْبُتُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ] لو أن الورثة اختلفوا، مثلاً الورثة اثنان ابنان، أحدهما أقر بالدين، والثاني ما أقر، يقول المصنف: [وبإِقْرَارِ بَعْضٍ يَثْبُتُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ] الدين مثلاً عشرة آلاف، أحدهما أقر والثاني ما أقر؛ فالذي أقر يدفع النصف، هذا معنى كلامه، يدفع خمسة آلاف ريال، فبإقرار بعض يثبت بقدر حصته. [فإِنْ شَهِدَ وهوَ عَدْلٌ ثَبَتَ] يعني إن شهد الوارث لرب الدين والشاهد عدل ثبت، يعني ثبت ذلك، ثبت الدين لكن يلزمه اليمين، لأنه يقضى بشاهد ويمين، فإذا شهد وهو عدل وحلف الدائن ثبت، أو شهد شاهدان وهما عدلان ثبت هذا الدين. [وَلَو خَلَّفَ ابناً ومَائةً، فادَّعى رَجُلٌ مائةً فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ ادَّعى آخَرُ مائةً وَصَدَّقَهُ، فإن كانَ في مَجْلِسٍ فالمائةُ بَينَهُمَا] هذه مسألة مفترضة، خلَّف رجل ابناً ومائة، ادعى رجل أنه يطلب هذا المورث مائة، فصدقه الابن، ثم ادعى آخر في نفس المجلس أنه يطلبه مائة، فصدقه، فتكون هذه المائة بينهما، لكل واحد منهما خمسين، وذلك لتساويهما، لأنهما في مجلس واحد، طيب؛ إذا كانا في مجلسين قال: [أَو فِي مَجْلِسَينِ فَلِلأَوَّلِ] يعني خلَّف ابناً ومائة، فادعى أحد الناس أنه يطلب المورث مائة فصدقه في مجلس، ثم في مجلس آخر ادعى رجل آخر أنه يطلبه مائة؛ فالمائة للأول وليست للثاني، لأن الابن أقر بها للأول، ولا يُقبل إقراره للثاني، لأنه رجوع عن الإقرار بالأول. [وإن ادَّعَيَاهَا] هذه مسألة مفترضة أخرى قريبة منها: [وإن ادَّعَيَاهَا وَدِيعةً فِي مَجْلِسَينِ فَصَدَّقَهُمَا فَلِلأَوَّلِ، وَيَغْرَمُهَا لِلثَّانِي] يعني إذا ادعى الرجلان في مجلسين، أن المائة وديعة عند الميت، فصدقهما الابن وأقر بها لكل منهما، فإنها تكون للأول ويغرمهما الابن للثاني، لأنه بإقراره له ظهر أن المائة للثاني، وقد حال بينه وبينها بإقراره للأول، فلزمه أن يغرمها للثاني، وقوله: (في مجلسين) يُفهم منه أنه لو كان في مجلس واحد فهي بينهما بالسوية، هذه مسائل مفترضة، يعني يذكرها بعض الفقهاء من باب تمرين الذهن، وحتى إذا وقعت يكون طالب العلم مستحضراً لها.

ثم انتقل المؤلف عن بعض مسائل الإستثناء، قال: [وإِنّما يُسْتَثْنَى دُونَ النِّصفِ] أولاً لا يصح الإستثناء المستغرق، ومعنى الإستثناء المستغرق: إستثناء الكل، كأن يقول: لفلان عليَّ مائة إلا مائة، هذا لا يصح، بالإجماع، لأنه عبث ويعتبر تناقضاً، أما الإستثناء دون النصف فالمؤلف يقول أنه يصح أن يكون الإستثناء أقل من النصف، كأن يقول: له عليَّ مائة إلا عشرة أو إلا عشرين أو إلا ثلاثين، وأما استثناء النصف فمحل خلاف، فمنهم من قال إنه لا يصح إستثناء النصف، فلا يصح أن يقول له: عليَّ مائة إلا خمسين، وقال بعضهم أنه يصح استثناء النصف، وهذا هو القول الراجح، وهو أيضاً ظاهر مذهب الحنابلة، فيصح إستثناء النصف، أما استثناء الأكثر: كأن يقول له عليَّ مائة إلا ثمانين، أو مائة إلا تسعين، فقيل أنه لا يصح، وهو المذهب عند الحنابلة، قالوا لأنه لم يرد في لغة العرب، وذهب جمهور العلماء إلى أنه يصح استثناء الأكثر، لقول الله -تعالى- عن ابليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82،83]، استثنى مَنْ الآن؟ المخلصين، وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: 42]، فاستثنى الغاوين، فاستثنى كل واحد منهما من الآخر، وأيًّا كان الأكثر حصل المقصود، هذه وجهة الجمهور، وهذا هو القول الراجح، أنه يصح استثناء الأكثر، إذاً يصح استثناء أقل من النصف، ويصح استثناء النصف، ويصح استثناء الأكثر، الذي لا يصح فقط هو استثناء الكل، واشترط المصنف لصحة الإستثناء الإتصال، قال: [إن اتَّصَلَ عُرْفاً] يعني أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه، فلا يسكت المتحدث زمناً يمكنه الكلام فيه، واستدلوا لاشتراط الإتصال قول الله -تعالى-في قصة أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ [ص: 44]، أفتى الله أيوب، لأن أيوب كانت إمرأته تخدمه، تركه الناس كلهم، الناس كلهم تركوه، وهذا حال كثير من الناس إنما يتعاملوا مع الإنسان بالمصلحة، فلما مرض أيوب وابتلي البلاء العظيم تركه الناس، ما بقي معه في الدنيا إلا زوجته، وذات مرة لم تجد شيئاً، كانت كل يوم تذهب تكتسب له لأجل أن تطعمه، ذات يوم لم تجد شيئاً، فقصت من شعر رأسها وباعته، فغضب أيوب وحلف إن شفاه الله -تعالى- أن يجلدها مائة جلدة، فأفتاه الله -تعالى- بأن يأخذ ضغثاً، وهو شمراخ النخل فيه مائة، ويضربها به مرة واحدة، ووجه الدلالة: أنه لو كان لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه؛ لأفتاه الله بأن يقول إن شاء الله، أنه لما حلف يقول إن شاء الله وبالتالي لا يحنث، وهذا كما ترون استدلال قوي، طيب؛ لماذا لم يأمر الله بأن يكفر كفارة يمين؟ لم تكن مشروعة عند أيوب كانت شريعتها فيما بعد، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يشترط إتصال المستثنى بالمستثنى منه، لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم فتح مكة: "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، لا يُعضد شوكها، ولا يختلى خلاها، ولا ينفَّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد" وقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لصاغتنا وقبورنا! قال -عليه الصلاة والسلام-: "إلا الإذخر"، وجه الدلالة: أن الإذخر استثناه من الخلا "ولا يختلى خلاها"، وفصل بينه وبينه كلام كثير ومع ذلك صحَّ هذا الإستثناء، هذه وجهة القائلين بأنه لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، والقول الراجح والله أعلم أنه لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه بشرط أن يكون الكلام واحداً وفي مجلس واحد، بشرط أن يكون الكلام واحداً وفي مجلس واحد، أما إذا كان الكلام في أكثر من مجلس فلا يصح الإستثناء حينئذ، أو أن الكلام اختلف موضوعه لم يصح الإستثناء، هذا القول قول وسط بين القولين، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين وهو الأقرب، إذاً أنه يصح فصل المستثنى عن المستثنى منه لكن بشرط أن يكون الكلام واحداً وفي مجلس واحد، هذه المسألة ترد أحياناً عندما يحلف الإنسان، ثم يقول أنا أريد أن استثني أريد أن أقول إن شاء الله، نقول إذا كنت لا زلت في المجلس ولم يتغير موضوع الحديث، ما زلت تتكلم، هنا لا بأس أن تقول إن شاء الله وينفعك الإستثناء، لكن إذا خرجت من المجلس لا ينفع، أو أنك في المجلس لكن تغير موضوع الحديث إلى موضوع آخر، هنا لا ينفع الإسثناء، هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

قال: [وَلا يَصِحُّ مِنْ غَيرِ الجِنْسِ] هذا أيضاً شرط آخر لصحة الإستثناء، أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فإن كان من غير جنسه لم يصح، فلو قال له: عليَّ ألف ريال إلا ثوباً؛ لم يصح، وقال بعض أهل العلم: أنه يصح الإستثناء من غير الجنس، وقالوا أن هذا قد ورد مثله في القرآن، ومن ذلك قول الله -تعالى-: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا [مريم: 62]، والسلام ليس من جنس اللغو، ولقول الله -تعالى-: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ [النساء: 29]، التجارة ليست من أكل المال بالباطل، وهذا هو الأقرب، أنه يصح الإستثناء من غير الجنس، لا مانع يمنع من هذا. قال: [والدَّرَاهِمُ: ثَلاثَةٌ] يعني لو قال لفلان عليَّ دراهم وسكت، فتكون الدراهم ثلاثة، لأنها أقل الجمع، أقل الجمع ثلاثة. قال: [والمُجْمَلُ: يُفَسِّرُهُ بالمُحْتَمِلِ] يعني إذا أقر بأمر مجمل فيُطلب منه تفسيره، فإذا فسره بما يحتمله صحَّ، أما إذا فسَّره بما لا يحتمله؛ لم يصح، فلو قال لفلان عليَّ شيء أو لفلان عليَّ كذا، ثم فسره مثلاً بعشرة آلاف ريال، صحَّ ذلك لأنه يحتمل، لكن لو فسره بشيء لا يحتمله الكلام فإنه لا يُقبل، لا يُقبل تفسيره. ثم قال المصنف: [واللَّهُ سُبْحَانَهُ أعلَمُ بِالصَّوَابِ] ختم المؤلف هذا المتن برد العلم بالصواب إلى الله -عز وجل- الذي أحاط بكل شيء علما، [وَإِلَيهِ المَرْجِعُ والمَآبُ] أي إلى الله -تعالى- المرجع بعد الموت والمآب كما قال -سبحانه-: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا [يونس: 4]. [وَصَلَّى اللَّهُ على مَولانَا وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ] وصلى الله على مولانا: المولى يطلق على القريب ويطلق عدة اطلاقات، والسيِّد يطلق على الشريف وعلى الفاضل وغير ذلك، له عدة إطلاقات، لكن هذين الوصفين لم يرد في صيغة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا داخل الصلاة ولا خارجها، ولذلك فالأفضل الإقتصار على ما ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وعن الصحابة، من غير هذه الأوصاف، أن يقول: اللهم صلِّ وسلم على رسولك محمد أو على عبدك محمد، أو في الصلاة يقول: اللهم صلِّ على محمد، أما كلمة مولانا وسيدنا هذه لا ينكر على من قالها، لكن الكلام الآن في المفاضلة، الأفضل والمفضول؛ الأفضل أنه يسعنا ما وسع الصحابة، الصحابة ما كانوا يستخدمون لفظ سيدنا، بل لما قالوا سيدنا قال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان"، فالأفضل ألا يطلق هذا اللفظ سيدنا أو مولانا، ولو أطلقه الإنسان فلا ينكر عليه، هو -عليه الصلاة والسلام- هو سيد ولد آدم، وسيد الأنبياء والمرسلين، وهو مولى المؤمنين، لكن الكلام في الأفضل، الأفضل أنه يسعنا ما وسع الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وبذلك ننتهي من شرح متن التسهيل في الفقه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

* * *