الخثلان
الخثلان
من الفائدة 291
27 رجب 1440 عدد الزيارات 179

لطائف الفوائد / من الفائدة 291

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا.

هذا هو الدرس الرابع والعشرين في هذا العام الهجري، يوم الأثنين الخامس والعشرين من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، ونبتدئ أولاً بالتعليق على لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (291) أثر تعويذ الصغار بالأوراد الشرعية:

 

فائدة: أثر تعويذ الصغار بالأوراد الشرعية

تعويذ الأولاد -خاصة الصغار- بالأوراد الشرعية له أثر عظيم في دفع الشرور عنهم بإذن الله -تعالى-، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة".

نعم، الأذكار حصن حصين للمسلم يتحصن بها من الشرور والآفات، فإن الأنسان يعتريه ما يعتريه من الشرور، ومن ذلك العين التي قد تصيب الإنسان فتؤثر عليه تأثيراً كبيراً، ومن ذلك أيضاً السحر، ومن ذلك أيضاً أذى الشياطين، وغير ذلك من الشرور، فالأذكار من رحمة الله -عز وجل- أنه جعل الأذكار حصناً يتحصن بها المسلم من هذه الشرور وغيرها، ولذلك فالمسلم الذي يتحصن بهذه الأذكار فإنه بإذن الله -تعالى- يكون بعيداً عن هذه الشرور، ولهذا كثيراً ما نسمع عن قصص لأناس لم يستطع السحرة أن يسحروهم، وأن بعض السحرة يقول لا أستطيع أن أسحر فلاناً لأنه متحصن بالأذكار، ويتأكد من هذه الأذكار أذكار الصباح والمساء وما قبل النوم، أذكار الصباح تبتدئ من بداية الصبح؛ يعني من طلوع الفجر، فإما أن يأتي بها بعد طلوع الفجر قبل الصلاة أو يأتي بها بعد صلاة الفجر، وأذكار المساء الأفضل أن تكون بعد صلاة العصر حتى يحقق امتثال الأمر في قول الله -تعالى-: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ[ق: 39]، قبل طلوع الشمس يدخل فيه أذكار الصباح، وقبل الغروب يدخل فيه أذكار المساء، ﴿أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 11]، البكرة يدخل فيه أذكار الصباح، والعشي يدخل فيه أذكار المساء، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ[غافر: 55]، العشي يدخل فيه أذكار المساء، والإبكار يدخل فيه أذكار الصباح، فهذه الأذكار ينبغي أن يحافظ عليها المسلم، كل يوم في الصباح والمساء، ومن ذلك آية الكرسي، وسورة الإخلاص، والمعوذتين، وقيل التعويذات التي وردت فيها السنة، وأحسن كتاب في الأذكار؛ كتاب شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- (تحفة الأخيار)، تحفة الأخيار وقد شرط على نفسه ألا يذكر إلا حديثاً ثابتاً إما بسند صحيح أو حسن، فيمكن للإنسان إذا كان لا يحفظ هذه الأذكار أن يقرأها من الكتاب ثم بعد ذلك مع مرور الوقت سوف يحفظها، فهذه الأذكار إذاً هي حصن حصين للمسلم، والله -تعالى- من رحمته جعلها حصناً، وأيضاً من رحمته -سبحانه- أنه جعل للإنسان ملائكة تحفظه بالليل والنهار بأمر الله -سبحانه-، كما الله -تعالى-: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: 11]، يعني مع كل إنسان معقبات من الملائكة بين يديه ومن خلفه، (يحفظونه من أمر الله) يعني يحفظونه بأمر الله، فهم ملائكة يتعاقبون عليه، حرس في الليل وحرس في النهار، يحفظونه بأمر الله من الشرور، حتى إذا جاء القدر خلُّوا بينهم وبينه، هم يحفظونه من أمر الله إلى أن يأتى القدر الذي قد كتبه الله عليه فيخلون بينهم وبينه، وكذلك أيضاً ينبغي أن يحصن المسلم أولاده الصغار بالأذكار، فمن ذلك ما جاء في هذا الحديث؛ حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعوذ الحسن والحسين) وهما ابنا ابنته، (ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق" -يعوذ بهما ابنيه اسماعيل واسحاق- "أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة")، فيقول مثلاً للابن: أعيذك بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، وللبنت: أعيذك بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، وإذا أراد أن يعوذ الجميع يقول: أعوِّذ أو أعيذ أولادي بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، كذلك أيضاً: أعوِّذ أولادي بكلمات الله التامة من شر ما خلق، هذه من التعويذات النافعة العظيمة التي تحصن الأولاد بإذن الله -تعالى- من الشرور، وهذا خاص بالأولاد الصغار، وأما الكبار فيُعلَّمون ويرشدون لكي يعوذوا أنفسهم، لكن لو أتى بلفظ عام لتعويذ يشمل الصغار والكبار فلا بأس، كأن يقول: أُعيذ أولادي أو أُعوِّذ أولادي بكلمات الله التامة من شر ما خلق، هذا نوع من التعاويذ للصغار، ومن أذكار الصباح والمساء الثابتة: (اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي) فقوله: (وأهلي) هذا نوع من التعويذ للأهل، نوع من التعويذ للأهل، (اللهم إني أسألك العافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وأمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفني وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)، هذا من أذكار الصباح والمساء وفيه نوع من التعويذ للأهل قوله: (وأهلي)، وإذا عوذ أولاده بأية تعويذة بنحو ذلك فلا بأس، يعني هذه هي التعويذات المنصوص عليها، لكنه لو أتى بتعويذة أخرى قال مثلاً: أعيذ أولادي مثلاً من السحر أو من العين أو بأية تعويذة؛ الأمر في هذا واسع، لأن هذا قد ورد له أصل في السنة، وهو تعويذ النبي -صلى الله عليه وسلم- الحسن والحسين.

* * *

فائدة: معنى حديث (الإثم ما حاك في نفسك..)

عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس". وهذا لمن شرح الله صدره للإسلام، لا لكل أحد، بدليل أن أهل الفجور لا يحيك الفجور في صدورهم، ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا[فاطر: 8].

نعم، هذا الحديث أخرجه مسلم بهذا اللفظ: "الإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس"، وأخرجه أبي داوود وأحمد بلفظ: (عن النواس أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "جئت تسأل عن البر والإثم" أُخبر -عليه الصلاة والسلام- عن طريق الوحي، قال: نعم -النواس بن سمعان-، قال: "استفتِ قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك"، والمسائل التي ترد على قسمين:

القسم الأول: مسائل ورد فيها النص، فيجب على المسلم الإمتثال والإنقياد للحكم الشرعي فيها، ولا عبرة لما يقع في القلب من رفض أو كراهية أو نحو ذلك، لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[الأحزاب: 36].

القسم الثاني: مسائل لم يرد فيها شيء من الشرع، ولا عن الصحابة والتابعين، واختلفت فيها الفتوى، ..[انقطع الصوت].. لمن شرح الله صدره للإسلام، لا لكل أحد، بدليل أن أهل الفجور لا يحيك الفجور في صدورهم، ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا[فاطر: 8]، أهل الفسق والفجور يفعلون المعصية ولا تحيك في نفوسهم، لكن هذا لمن كان قوي الإيمان وشرح الله صدره للإسلام، فإنه يستفتِ قلبه ويرجع لقلبه، فالبر والحلال تطمئن إليه النفس ويطمئن إليه القلب، وأما الإثم فإن المؤمن بقلبه لا يرتاح إليه، ويتردد في الصدر، وإن أفتاه الناس وأفتوه، وذلك مثل بعض النوازل والقضايا المعاصرة التي يختلف فيها العلماء المعاصرون، فهنا المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام يستفتِ قلبه، فإن اطمأن لفتوى هذا المفتي أخذ بها وإن لم يطمئن إليها احتاط لذلك،  وقوله -عليه الصلاة والسلام- هنا: "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" قوله: "وكرهت أن يطلع عليه الناس" لأن النفس بطبعها تحب إطلاع الناس على الخير، وتكره إطلاع الناس على الشر، فإذا كره الإنسان أن يطلع الناس على بعض أفعاله؛ هذه قرينة على أن هذا الشيء من الإثم، لأنه لو كان من البر لما كره أن يطلع عليه الناس، إذاً هذا الحديث ينبغي أن يُفهم على وجهه الصحيح، لأن بعض الناس يقع في المعصية ويقول استفتِ قلبك!، نقول ليست هذه لكل أحد، فإن بعض الناس يتجرأ على المعاصي ويتبلد عنده الإحساس، ولذلك لا يجد أي نكارة في قلبه لهذه المعصية!، فهنا لا يقال له استفتِ قلبك، لأنه لو استفتى قلبه؛ قلبه يدعوه للإقدام على هذه المعصية، وإنما هذا خاص بأهل التقوى والإيمان ومن شرح الله صدره للإسلام، وليس عاماً لكل أحد.

* * *

فائدة: من فوائد قصة مغاضبة علي لفاطمة

عن سهل بن سعد قال: (ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت فاطمة، فلم يجد عليًّا في البيت، فقال: "أين ابن عمك؟" فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فجاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه، فأصابه تراب، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسحه عنه، وهو يقول: "قم أبا تراب، قم أبا تراب").

ومن فوائد هذه القصة: أنه ينبغي لأقارب الزوجين عدم التدخل في شؤونهما البسيطة وفي حل خلافاتهما، إذ إن ذلك من شأنه تأجيج الخلاف، والشيطان بالمرصاد، ولاحظ هنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علم بخلاف بين علي وفاطمة، ولم يسألهما عنه، بل تجاهل الأمر، وهذا من حكمته -عليه الصلاة والسلام-.

ومن فوائد القصة السابقة: الممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنيته، إذا كان ذلك لا يغضبه ولا يكرهه، بل يؤنسه، وفيه: جواز التكنية بغير الولد.

نعم، هذه القصة وقعت بين فاطمة بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجها علي بن أبي طالب، قال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت ابنته فاطمة، فلم يجد عليًّا، فقال: "أين ابن عمك؟"، وهو -عليه الصلاة والسلام- عظيم الفراسة، لما دخل أحس بأنه قد جرى بين فاطمة وعلي شيء، ففهم ما جرى بينهما، فأتى بهذه العبارة، لم يقل زوجك! أو أين علي؟! إنما قال: "أين ابن عمك؟"، أراد بذلك استعطافها بذكر القرابة النسبية بينهما، فقالت: (كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج)، يعني حصل بينه وبين زوجته ما يحصل بين الزوجين من الخلافات البسيطة، فجاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعني جاء عليًّا وهو مضطجع في المسجد قد سقط رداؤه عن شقه، فأصابه تراب، هنا ما سأله النبي -عليه الصلاة والسلام- عن شيء، ما سأل فاطمة ولا سأل عليًّا، ما قال لفاطمة مالذي حصل بينك وبينه ومالسبب ولماذا، ثم ذهب لعلي ما سأله عن شيء، وإنما قام يمسح التراب عنه ويقول: "قم أبا تراب، قم أبا تراب". فهذه القصة فيها فوائد عظيمة منها: أنه ينبغي لأقارب الزوجين عدم التدخل في شؤونهما البسيطة وفي حل خلافاتهما، فينبغي ترك الزوجين يحلان خلافاتهما بأنفسهما، إذ إن التدخل من شأنه تأجيج الخلاف، ومن شأنه إيغار الصدور، والشيطان بالمرصاد، والشيطان يسعى للتفريق بين الزوجين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، كما جاء في صحيح مسلم: (أن الشيطان ينصب عرشه على البحر، ثم يرسل سراياه، فيأتي أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا، فيقول ما فعلت شيئاً، ويأتي الثاني ويقول فعلت كذا وكذا، فيقول ما فعلت شيئاً، إلى أن يأتي أحدهم فيقول ما تركت فلاناً حتى فرقت بينه وبين زوجته، فيدنيه ويلتزمه ويقول أنت أنت! أنت أنت!). فالشيطان يسعى للتفريق بين الزوجين، وذلك لأنه يترتب على التفريق بين الزوجين مفاسد عظيمة، يترتب عليه هدم أسرة بنيت على الإسلام، وتشتيت شملها، ولذلك ينبغي لأقارب الزوجين عدم التدخل في شؤونهما الخاصة، هنا النبي -عليه الصلاة والسلام- دخل على فاطمة وعلم بأن بينها وبين زوجها خلافاً، ولم يسألها عن الخلاف ولا عن السبب ولا عن كيفيته، سكت، ذهب لعلي لم يسأله عن شيء، وإنما تلطف معه غاية التلطف، وجعل يمسح التراب عنه ويقول: "قم أبا تراب قم أبا تراب"، وكثير من حالات الطلاق سببها تدخل أقارب الزوجين، فتدخل أقارب الزوجين هو معول هدم الأسرة، ولذلك ينبغي للزوجين أنفسهما ألا يسمحا لغيرهما بالتدخل في شؤونهما الخاصة، وإنما يحلان مشاكلهما بأنفسهما، ليس هناك حياة زوجية تصفو وتخلو من الخلاف، حتى بيت النبوة، بيت النبي -عليه الصلاة والسلام- حصل فيه ما حصل إلى درجة أن زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- أغضبنه مرة، فأقسم بالله العظيم ألا يدخل عليهن شهراً كاملاً، وذهب إلى مشربة له يؤتى له فيها بالطعام والشراب، حتى مضى شهر كامل، ثم دخل على أزواجه وخيَّرهن ﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب: 28،29]، فاخترن كلهن الله ورسوله والدار الآخرة، فإذا كان هذا حصل في بيت النبوة أطهر بيت، الزوج فيه الزوج المثالي، والزوجات المثاليات أمهات المؤمنين، ومع ذلك حصل ما حصل من هذه المشاكل، إلى هذه الدرجة أنه -عليه الصلاة والسلام- يحلف بالله العظيم أنه ما يدخل عليهن شهراً كاملاً وينفذ ذلك، فكيف بغيره!، فلابد من حصول الخلافات الزوجية، فليست العبرة بحصول الخلافات لكن العبرة كيفية التعامل مع هذه الخلافات، فأهم شيء هو احتواء هذه الخلافات بين الزوجين، فلا يسمح لأحد لطرف خارجي للتدخل فيها، كائناً من كان، إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، بأن وقع ظلم عظيم على الزوجة مثلاً، واحتاجت واضطرت لتدخل أهلها، أو أن الزوج لاحظ على زوجته أمراً كبيراً ولم يجدي معها أي علاج، فاحتاج إلى طلب التدخل، فهنا لا بأس، الله -تعالى- لما ذكر النشوز ذكر أربع مراحل لعلاجه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ[النساء: 34]، المرحلة الأولى من مراحل العلاج: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، قد ينفع هذا مع بعض النساء، المرحلة الثانية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، لاحظ (كلمة في المضاجع) هجر في المضجع وليس في البيت، هجر خاص بين الزوج وزوجته، لا يعلم به حتى الأولاد، وهذا قد ينفع أيضاً مع بعض النساء، يشق عليها الهجر في المضجع، فإن لم ينفع ينتقل للمرحلة الثالثة: ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ يعني ضرباً غير مبرح، حتى إن بعض الفقهاء يمثل له بمثل عود السواك، لأن الغرض منه توجيه رسالة لهذه الناشز بتقصيرها في حق الزوج، وليس المقصود منه التشفي ولا الإنتقام، المرحلة الرابعة: هي التدخل الخارجي، من أي طرف من أقارب الزوجين ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا[النساء: 35]، فهذه أربع مراحل لعلاج النشوز، فإن لم تجدي هذه المراحل كلها، وأصبح استمرار عقد الزوجية عنتاً ومشقة ولا تتحقق معه مصالح النكاح، فالله -تعالى- يقول: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ[النساء: 130]، ربما أن هذا الزوج ما تنفع معه هذه الزوجة وينفع معه زوجة أخرى، وهذه الزوجة ربما ما ينفع معها هذا الرجل وينفع معها رجل آخر، فإذاً لا يكون التدخل خارجي إلا عند الضرورة، بعد استنفاذ جميع مراحل العلاج.

من فوائد هذه القصة أيضاً: أن أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طبع عليه من الغضب، وكما ذكرنا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يقع بينه وبين بعض زوجاته شيء من هذا، وكان ربما هجر بعض نسائه.

وأيضاً من فوائد هذه القصة: أنه عند حصول المغاضبة بين الزوجين فينبغي للزوج أن يخرج من البيت، وألا يستمر في المغاضبة واللجاج، لأن هذا الإستمرار قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، قد يؤدي إلى أن يتكلم بكلام غير مناسب، أو أنه يتكلم بكلمة الطلاق أو الظهار أو نحو ذلك، ولهذا فإن علي -رضي الله عنه- لما حصلت هذه المغاضبة خرج من البيت، وهذا علاج يلجأ له بعض الناس، خاصة شديد الغضب، شديد الغضب الأحسن له عندما تبدأ الخلافات بينه وبين زوجته أن يخرج من المنزل حتى يهدأ غضبه.

أيضاً من فوائد هذه القصة: جواز التكنية بأكثر من كنية، فإن علي له أكثر من كنية، هو أبو الحسن وهنا كناه النبي -عليه الصلاة والسلام- بأبي تراب.

وأيضاً من فوائد هذه القصة: جواز دخول والد الزوجة على ابنته بدون إذن زوجها، فإنه -عليه الصلاة والسلام- دخل على فاطمة ولم يستأذن من علي وهو صاحب البيت، فدل ذلك على الجواز.

أيضاً من فوائد هذه القصة: إباحة النوم في المسجد، فإن علي نام في المسجد، أتاه النبي -عليه الصلاة والسلام- ومسح التراب عنه، وقال: "قم أبا تراب".

أيضاً: الممازحة للغاضب، هنا لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- مازح عليًّا وقال: "قم أبا تراب"، فمن كان غضبان يمكن أن يأتي الإنسان بكلمة فيها مؤانسة وممازحة ولطف؛ حتى يذهب عنه الغضب، بشرط أن يكون ذلك الأسلوب مما لا يكرهه، فالمزاح إذا خلى من الكذب فيه نوع من الأنس، ولذلك تجد أن الإنسان الذي يمازح الآخرين؛ بشرط ألا يكون ذلك المزاح فيه كذب وألا يكثر منه، تجد أنه يكون محبوباً إلى الناس، لأنه يكون متبسطاً معهم مؤانساً لهم بخلاف الإنسان المنقبض، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يمازح أصحابه لكنه كان لا يقول إلا حقا، فهنا مازح عليًّا لما رآه مغضباً، مازحه وجعل يمسح التراب عن جسده ويقول: "قم أبا تراب قم أبا تراب"، هذا فيه نوع من الممازحة، فممازحة القريب أو ممازحة الصديق لا بأس بها، بل فيها نوع من التبسط معه والأنس، بشرط ألا يقع الإنسان في الكذب.

ومن فوائد هذه القصة: جواز التكنية بغير الولد، فإنه -عليه الصلاة والسلام- كنى عليًّا بأبي تراب، وهو أبو الحسن.

* * *

فائدة: ماء زمزم لما شرب له

صنف الحافظ بن حجر -رحمه الله- رسالة عن حديث: "ماء زمزم لما شرب له"، وجاء فيها (ص:192): (وقد اشتهر عن الشافعي أنه شرب ماء زمزم لإصابة الرمي؛ فكان يصيب من كل عشرة تسعة، وشربه أبو عبدالله الحاكم لحسن التصنيف؛ فصار أحسن أهل عصره تصنيفا، ولا يحصى كم شربه من الأئمة لأمور نالوها)، قال الحافظ بن حجر: (وأنا شربته مرة، وسألت الله حينئذ في بداية طلب الحديث أن يرزقني حالة الذهبي في حفظ الحديث، ثم حججت بعد مدة تقرب من عشرين سنة، وأنا أجد من نفسي المزيد على تلك الرتبة)، وعن الحميدي قال: كنا عند سفيان بن عيينة، فحدث بحديث "ماء زمزم لما شرب له"، فقام رجل من المجلس ثم عاد، وقال: يا أبا محمد أليس هذا الحديث صحيحاً؟ قال: بلى، قال: فإني شربت دلواً من زمزم على أن تحدثني مائة حديث، فقال له سفيان: اقعد، فحدثه بمائة حديث.

نعم "ماء زمزم لما شرب له"، هذا الحديث في سنده مقال، لكن جمع طرقه وشواهده الحافظ بن حجر في رسالة سماها: ماء زمزم لما شرب له، ثم خرج إلى أن هذا الحديث بمجموع طرقه وشواهده أنه ثابت، وكما في قصة هنا سفيان بن عيينة أنه كان لما سأله هذا الرجل: أليس هذا الحديث صحيحاً؟ قال: بلى، صححه أيضاً سفيان بن عيينه، وهو له مقامه وقدره في هذا الباب، فمعنى هذا الحديث "ماء زمزم لما شرب له" أي: أن الإنسان إذا شربه بيقين لأي أمر فإنه يتحقق له بإذن الله -عز وجل-، إذا شربه بيقين لأي شيء من أمور الدنيا أو الآخرة، فإنه يتحقق له بإذن الله، لكن لابد من هذا الشرط أن يشربه بيقين، أما الذي يشربه مجرباً هذا لا يستفيد، كان ابن عباس -رضي الله عنهما- إذا شرب زمزم يقول: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء)، والإمام الشافعي شرب ماء زمزم لإصابة الرمي؛ فكان يصيب من كل عشرة تسعة، يعني لا يكاد يخطئ الرمي، وشربه أبو عبدالله الحاكم لحسن التصنيف؛ فكان أحسن أهل عصره تصنيفا، ولا يحصى كم شربه من الأئمة لأمور نالوها، وشربه ناس أصيبوا بأمراض مستعصية فشفاهم الله -عز وجل-، وقد غُسل صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- قبيل المعراج بماء زمزم، كما جاء في صحيح البخاري: عن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فُرج سقفي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري -يعني فتح صدري- ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمةً وإيماناً فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء" هذا قبيل المعراج، وجاء في بعض الروايات أن هذا كان في حجر الكعبة، فأتى جبريل وشق صدر النبي -عليه الصلاة والسلام-، وغسل قلب النبي -عليه الصلاة والسلام- بماء زمزم أولاً، وأتى بطست ممتلىء حكمة وإيمان وأفرغها في صدره، ثم أغلق صدره، بقدرة العزيز الحكيم، ثم عرج به إلى السماء، الشاهد قوله: "فغسله بماء زمزم". الحافظ بن حجر يقول: (وأنا شربته مرة، وسألت الله حينئذ في بداية طلب الحديث أن يرزقني حالة الذهبي في حفظ الحديث)، الذهبي من الحفاظ، قال: (ثم حججت بعد مدة تقرب من عشرين سنة، وأنا أجد من نفسي المزيد على تلك الرتبة)، يعني حصل له ما أراد، وعن الحميدي قال: (كنا عند سفيان بن عيينة، فحدث بحديث "ماء زمزم لما شرب له"، فقام رجل من المجلس ثم عاد، وقال: أليس هذا الحديث صحيحاً؟ قال سفيان: بلى، قال: فإني شربت دلواً من زمزم على أن تحدثني مائة حديث، فقال سفيان: اقعد، فحدثه بمائة حديث)، وذُكر في هذا قصص عجيبة عن أُناس شربوا ماء زمزم لأمور وتحققت لهم، هذا الماء ماء عظيم مبارك، كما قال -عليه الصلاة والسلام- عن زمزم: "أنها مباركة، إنها طعام طعم" [رواه مسلم]، وزاد الطيالسي: "وشفاء سقم"، هذه البئر لما عطش اسماعيل وهو رضيع، وجعلت أمه تبحث عن ماء، فوجدت أن أقرب جبل هو الصفا ثم لم تجد أحداً يغيثها، ثم انطلقت إلى المروة ثم إلى الصفا ثم إلى المروة سبع مرات، بعدما انتهت من الشوط السابع سمعت صوتاً فقالت: صهٍ، اغث إن كان عندك غواث، فإذا بالملك قد بحث بجناحه فنبع هذا الماء، فجعلت تقول: زم زم، قال -عليه الصلاة والسلام-: "رحم الله أم اسماعيل لو لم تقل ذلك لكان زمزم ماء معيناً" يعني جارية، ماء جارياً على الأرض، وسبحان الله بقي هذا الماء المبارك منذ ذلك الحين إلى وقتنا الحاضر، أكثر من أربعة آلاف سنة، والناس يشربون منه ويتضلعون، ومعنى التضلع: يعني الإكثار من شربه حتى يمتلئ ويرتوي منه، فإنه يسن التضلع من ماء زمزم، يعني لا تشربه لأجل العطش، لا، اشربه أيضاً حتى وأنت غير عطشان، اشربه حتى تمتلئ أضلاعك وترتوي منه، فمن أكثر من أربعة آلاف سنة والناس تشرب منه وتتضلع منه، وفي وقتنا الحاضر تسحب المكائن منه كميات كبيرة جداً، ومع ذلك لم ينضب هذا الماء، بينما نجد غير هذه البئر نضبت، عيون كثيرة كانت جارية على ظهر الأرض قد نضبت وجفت، أما هذا الماء فهو آية من آيات الله -عز وجل-، هذه الخلائق كلها تشرب منه، من أكثر من أربعة آلاف سنة ولم ينضب هذا الماء!، ولم يتغير!، فهو ماء مبارك، فينبغي للمسلم أن يتضلع منه، ويتأكد هذا بعد طواف الإفاضة، فإنه -عليه الصلاة والسلام- بعد طواف الإفاضة في حجة الوداع؛ ذهب إلى بئر زمزم وشرب منه، ويشرب منه أيضاً في أي وقت، اختلف العلماء هل تبقى بركته إذا نُقل من مكة؟ والأقرب أن بركته باقية حتى ولو نُقل من مكة، قد جاء في حديث عائشة أنهم كانوا ينقلون ماء زمزم إلى المدينة، وابن القيم -رحمه الله- في الطب النبوي يقول: أنه أصابتني أسقام وأدواء فكنت آخذ ماء زمزم فأقرأ عليه سورة الفاتحة، ثم أشربه فيشفيني الله -تعالى-، وكنت أذكر ذلك لغيري ممن ابتلي بأمراض، فيفعلون ذلك فيشفيهم الله -تعالى-، هذا إن شاء الله سيأتينا في فائدة في هذا الكتاب، كلام ابن القيم سيأتينا في فائدة مستقلة في هذا الكتاب،  فإذا اجتمع ماء زمزم مع الرقية الشرعية خاصة في سورة الفاتحة، فإن ذلك من أعظم ما تحصل به الرقية، إذاً هذا الماء ماءٌ عظيم مبارك ينبغي للمسلم أن يتضلع منه، وإذا شربه فيدعو عند الشرب، يدعو عنده بما أحب، كما كان ابن عباس يدعو: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء)، ويدعو الله -تعالى- بما يريد، فإذا شرب ماء زمزم ودعا الله -تعالى- بأي أمر يريد، وكان ذلك بيقين، فإن ذلك من أسباب تحققه "ماء زمزم لما شرب له".

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد، ونقف عند الفائدة (295)، وسيكون هذا الدرس آخر درس إن شاء الله -تعالى-، ثم يتوقف مراعاة لظروف الأخوة الطلاب المرتبطين باختبارات، حتى تتهيأ لهم الفرصة للمذاكرة، وأيضاً سيتوقف بعد الإختبارات فترة الإجازة الصيفية كالمعتاد، ويستأنف الدرس إن شاء الله -تعالى- أول يوم إثنين من بداية الدراسة، يعني في الثالث من شهر محرم من عام ألف وأربعمائة وإحدى وأربعين للهجرة إن شاء الله -تعالى-، كالمعتاد، هذا الدرس له ثمان وعشرون سنة، وطريقتنا لم تتغير، نبدأ من أول أسبوع من الدراسة إلى الأسبوع الذي يسبق الإختبارات، إلى أن يبقى على الإختبارات أسبوع أو أسبوعين، والطريقة هي نفسها لم تتغير، وإن شاء الله العام القادم يكون هو العام التاسع والعشرون لهذا الدرس بإذن الله -عز وجل-، نسأل الله -تعالى- أن يجعل فيه الخير والبركة.

 

* * *