الخثلان
الخثلان
من الفائدة 286
21 رجب 1440 عدد الزيارات 176

لطائف الفوائد / من الفائدة 286

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا.

هذا هو الدرس الثالث والعشرون في هذا العام الهجري، يوم الأثنين الثامن عشر من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، والأسبوع القادم إن شاء الله سيكون هو آخر أسبوع وبعده نتوقف بإذن الله، هذا هو الأسبوع قبل الأخير إن شاء الله -تعالى-، والأسبوع القادم ننتهي إن شاء الله من شرح كتاب أو متن التسهيل بإذن الله -عز وجل-، نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (286) (من توافق عمر أبي بكر وعمر مع عمر النبي -صلى الله عليه وسلم-):

 

فائدة: من توافق عمر أبي بكر وعمر مع عمر النبي -صلى الله عليه وسلم-

عن أنس -رضي الله عنه- قال: (قُبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين).

 نعم، هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه، عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قُبض وعمره ثلاث وستون، وكذلك أيضاً أبو بكر الصديق قُبض وعمره ثلاث وستين، وعمر بن الخطاب وعمره ثلاث وستين، وهذا التوافق توافقٌ عجيب؛ أن يتوافق عمر النبي -عليه الصلاة والسلام- وعمر أبي بكر وعمر عمر، في نفس السنين ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر هما أفضل الصحابة، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيراً ما يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر" "خرجت أنا وأبو بكر وعمر"، ودُفن أبو بكر وعمر بجوار النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا التوافق توافق عجيب، وأيضاً هذا التوافق هو بين الستين والسبعين، الذي هو غالب عمر هذه الأمة، كما قال -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث أبي هريرة: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك" [رواه الترمذي وابن ماجه بسند صحيح]، فهذا هو متوسط أعمار هذه الأمة، ما بين الستين إلى السبعين عاما، بينما كانت الأمم السابقة؛ كانت أعمارها طويلة، فنوح لبث في قومه في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاما، وأيضاً هود قيل أنه بقي سبعمائة سنة، أعمار الأمم السابقة كانت طويلة، ولذلك لما أري النبي -صلى الله عليه وسلم- أعمار الأمم السابقة كأنه تقاصر أعمار أمته، فعوضه الله -تعالى- وعوض أمته بليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، يعملون فيها أعمالاً قليلة وينالون أجوراً عظيمة، إذاً متوسط أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، والسبعون هي معترك المنايا، وقد جاء هذا في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين"، وهذا رواه الحكيم الترمذي وفي سنده مقال، لكن حسنه بعض أهل العلم، "معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين"، وقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي هريرة السابق: "وأقلهم من يجوز ذلك" يعني قليل من يتجاوز السبعين، وهذا يدل على أن أكثر من يموت قبل ذلك، وهذا هو الواقع، هذا الواقع أن أكثر ما يكون الموت في سن الشباب، وخذ مقارنة وقارن في أي عصر ومصر؛ بين عدد الشباب وكبار السن، وانظر إلى نسبة من يموت، خذها بالنسبة والتناسب، فتجد أن الشباب يموتون أكثر، فمن يموت من الشباب أكثر ممن يموت من كبار السن، ولذلك ذكر ابن عبد البر في اقتضاء العلم العمل: (أن رجلاً من الحكماء كتب إلى أخٍ له شاب، أما بعد فإني رأيت أكثر من يموت الشباب، وآية ذلك أن الشيوخ قليل). وابن الجوزي أيضاً في صيد الخاطر قال: (أقل من يموت الأشياخ وأكثر من يموت الشبان، وقد أنشدوا يعمَّر واحدٌ فيغر قوماً، وينسى من يموت من الشباب)، فلا زال العلماء والحكماء يذكرون هذا المعنى، وهو أن من يموت من الشباب أكثر ممن يموت من كبار السن، فأنت خذ عدد الشباب وعدد كبار السن وانظر إلى النسبة؛ تجد أن نسبة من يموت من الشباب أكثر، وهذا يستدعي من المسلم الحذر، وأنه قد لا يصل أصلاً إلى سن الستين أو السبعين، قد يموت قبل ذلك، وإذا وصل إلى سن الستين فقد أعذره الله -تعالى-، كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعذر الله إلى إمرئ أخَّر أجله حتى بلَّغه ستين سنة"، ومعنى أعذر: يعني بلغ غاية الإعذار، لم يبقى له أي عذر، إذا عُمَّر حتى بلغ ستين سنة بلغ غاية الإعذار، وإنما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الستين لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع وترقب المنية، ولذلك يقول الحكماء: إن الإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم إذا بلغ الستين يشرع في النقص والهرم.

إذا بلغ الفتى ستين عاماً  *  فقد ذهب المسرة والفتاء

ولذلك تجد أن في جميع دول العالم؛ في جميع دول العالم أن العامل إذا بلغ ستين سنة يحال للتقاعد، القضايا التي يتفق عليها عقلاء بني آدم لا تكون إلا حقاً، فإنه من حين أن يبلغ الستين يبدأ بعد ذلك في النقص، فهو في ازدياد في ازدياد إلى أن يبلغ الستين، فإذا بلغ الستين بعد ذلك يبدأ في النقص، إذاً الإنسان لا يدري عن أجله، وأكثر من يموت في سن الشباب، فعليه أن يستعد للموت وما بعده، وإذا قدِّر له أن يعيش إلى الستين فقد أعذره الله -تعالى- غاية الإعذار، وإذا وصل إلى السبعين فهذه معترك المنايا، وإذا تجاوز السبعين فهذا من القليل، من القليل الذين يتجاوزون السبعين، ويعيشون وتمد أعمارهم بعد السبعين.

  

* * *

فائدة: من أسباب نيل محبة الله -تعالى-

المحبة في الله وما يتبعها من الزيارة والتواصل؛ من أسباب نيل محبة الله -تعالى-، ويدل لذلك ما جاء في صحيح مسلم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ -أي: هل بينك وبينه مصالح دنيوية-، قال: لا، غير أني أحببته في الله -عز وجل-، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".

نعم، هذه القصة قصة عظيمة، أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن رجلاً زار أخاً له في قرية، فأرصد الله -يعني: أقعد الله- ملكا يرقبه في الطريق، قال: على مدرجته -يعني في طريقه- ملكاً، فجاءه هذا الملك في صورة آدمي، وقال له: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ -يعني: هل بينك وبينه مصالح دنيوية-، قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه. وهذا يدل على أن المحبة في الله -عز وجل- من أسباب نيل محبة الله -تعالى-، فالمحبة في الله من أوثق عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهذه من الأعمال القلبية التي ينال المسلم بها درجات علية، فعلى المسلم أن يحب أهل الخير والإستقامة والصلاح، ويبغض أهل الكفر، ويبغض كذلك أهل الفساد والفسوق، يبغضهم في الله -تعالى- ولله، ومن كان فيه خيرٌ وشر؛ فيحبه بما فيه من الخير ويبغض ما كان فيه من الشر، أما إذا رأيت إنسان يحب أهل الشر والفساد والنفاق، ويبغض أهل الخير والصلاح والإستقامة، هذا دليل على نقص إيمانه، من علامة قوة الإيمان والصدق مع الله؛ أن الإنسان يحب أهل الخير والصلاح، ويبغض أهل الشر والفساد، فإذا عكس الإنسان القضية، بعض الناس يعكس القضية، تجد أنه يكره المتدينين، يكره الخير والصلاح، ويحب أهل الفسق والشر، هذا دليل على نقص إيمانه، وأن عنده خللاً، فعلى المسلم أن يعزز جانب الحب في الله والبغض في الله -تعالى-، فإنه من أوثق عرى الإيمان، الحب في الله -تعالى-؛ أن تحب المرء لا تحبه إلا لله، هذا من أسباب نيل حلاوة الإيمان، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان.." وذكر منها "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله"، أيضاً المحبة في الله -تعالى- من أسباب أن يكون الإنسان تحت ظل العرش يوم القيامة، وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- سبعةً يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: "رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"، وأيضاً جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" [رواه مسلم]، مالمقصود بظل الله؟ مر معنا في دروس سابقة مالمقصود!؟ لا يتوهم أحد أن المقصود أنه ظل الله -عز وجل-، قطعاً، الله -تعالى- فوق خلقه، لا يمكن أن يكون ظل الله -تعالى-، لكن المقصود إما أن يكون ظل العرش، أو ظل يخلقه الله، وجاء في بعض الروايات أنه ظل العرش، فالمحبة في الله من أسباب أن يكون الإنسان تحت ظل العرش، وجاء في حديث معاذ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسم- قال: "قال الله: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور"، هذا رواه الترمذي وأحمد بلفظ (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال؛ هو من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، "المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"، هذا حديث معاذ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قال الله: المتحابون بجلالي لهم منابر من نور"، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: "يغبطهم النبيون والشهداء"، وهذا فضل عظيم، يعني كونهم يصلون إلى هذه المرتبة أنهم لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء، فهذا يدل على عظيم شأن هذه المسألة، وأنهم يكونون تحت ظل العرش، وأن ذلك من أسباب نيل محبة الله لهم، هذه المقامات تدل على عظمة هذا العمل الصالح، وعظيم فضله، وعلو منزلته، وهو الحب في الله -عز وجل-، وهو عمل قلبي، فعلى المسلم أن يسعى إلى تحقيقه، أن يحرص على أن تكون محبته في الله ولله، وأن يحرص على الزيارة في الله -عز وجل-، يزور أخاً له في الله -تعالى- محبة لله -عز وجل-، كما زار هذا الرجل أخاً له في هذه القرية، فهذا من أوثق عرى الإيمان، أيضاً من فوائد هذه القصة: فضل زيارة الصالحين، وأن هذه الزيارة إذا كانت من باب المحبة في الله -عز وجل-؛ فإنها تكون من أسباب نيل محبة الله -سبحانه-، أيضاً من فوائد هذه القصة: ذكرها بعض أهل العلم أن الآدميين قد يرون الملائكة، لكنها حالات نادرة، الأصل أن الملائكة لا يُرون، لكن في حالات نادرة قد يرى بعض الآدميين الملائكة، كما في هذه القصة، فإن هذا الرجل أتاه ملك في صورة آدمي، وتحاور معه هذه المحاورة التي ذكرها لنا النبي -صلى الله عليه وسلم-، أيضاً في قصة جبريل لما أتى على صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد، فأسند ركبتيه إلى ركبتي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووضع يديه على فخذيه، وسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة أسئلة، فأتى على صورة آدمي، فهذا ليس ممتنع عقلاً ولا شرعاً، لكنها حالات نادرة، الأصل أن بني آدمي لا يرون الملائكة، لكن حالات نادرة قد يري الله -تعالى- بعض الآدميين الملائكة، كما أن الأصل الإنس لا يرون الجن، ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ[الأعراف: 27]، لكن في حالات نادرة قد يرى الإنسي الجني، قد يراه بصورة آدمي، قد يراه على صورة حيوان، لكنها حالات نادرة، خلاف الأصل.

* * *

فائدة: من فضائل الدعاء

عن أبي سعيد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذاً نكثر، قال: "الله أكثر".

نعم، هذا الحديث حديث عظيم، أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح، وقد بوب عليه النووي في كتابه (الأذكار)؛ قال: باب الدليل على أن دعاء المسلم يجاب بمطلوبه أو بغيره، باب الدليل على أن دعاء المسلم يجاب بمطلوبه أو بغيره، وقال الحافظ بن عبد البر: فيه دليل على أنه لابد من الإجابة على إحدى هذه الأوجه الثلاثة، وهي: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قال: فعلى هذا يكون تأويل قول الله -تعالى-: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ[الأنعام: 41]، ويكون قوله -تعالى-: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186]، على ظاهره وعمومه، ويتأوَّل بحديث أبي سعيد هذا. وقال الحافظ ابن حجر: (كل داعٍ يستجاب له لكن تتنوع الإجابة)، يعني كلام قيم هذا للحافظ ابن حجر، (كل داع يستجاب له لكن تتنوع الإجابة، فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بعوضه)، إذاً كل دعوة تستجاب، لكن قد تستجاب وتقع بعين ما دعا به الإنسان، وقد يعوض عن هذا الدعوة إما بأن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن تدخر له في الآخرة، وعلى هذا فما يطرحه بعض العامة يقول: ندعوا ولا يستجاب لنا! هذا غير صحيح، نقول إذا دعوت استجيب لك، لكن قد يستجاب لك بعين ما دعوت به أو يستجاب لك بعوضه، إما بأن يصرف عنك من السوء مثله، أو تدخر لك في الآخرة، ولهذا لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، قالوا: يا رسول الله إذاً نكثر!، يعني نكثر من الدعاء ما دام أن كل دعوة مستجابة؛ إذاً نكثر من الدعاء، قال: "الله أكثر"، أكثر عطاءً وإجابة -جل وعلا-، وعلى هذا نقول إن إجابة الدعاء أعم من قضاء الحاجة، قد تدعو الله -تعالى- بأن يقضي حاجة لك، لكن الله -تعالى- يستجيب دعائك إما بقضاء الحاجة نفسها، وإما بعوضها، بأن يصرف عنك من السوء مثلها، أو تدخر لك في الآخرة، وهذا يستدعي من المسلم أن يلح على الله في الدعاء، وأن يكثر من الدعاء أيضاً، لأنه إذا كانت كل دعوة مستجابة فهذا خيرٌ عظيم، لكن حسب ما تقتضيه حكمة الله، قد لا تستجاب الدعوة بعينها لكن تستجاب بالعوض، بأن يصرف عنك من السوء مثلها أو تدخر لك في الآخرة، والله -تعالى- يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[البقرة: 186]، أجيب دعوة الداع، إذا دعا بأي دعوة يستجيبها الله، لكن قد يستجيبها بعينها أو بعوضها، حسب ما تقتضيه حكمة الله، فإما بعينها بأن تقضى حاجة الداعي، أو بعوضها يدفع عنه من الشر مثلها، أو تدخر له في الآخرة، فهذا الحديث العظيم إذا فهمه المسلم فإنه يتشجع على أن يكثر من الدعاء، وأن يلح على الله في الدعاء، لأنه ما دام أن كل دعوة مستجابة فهذا خيرٌ عظيم، وعلى الداعي أن يستحضر هذا المعنى، وهو أن إجابة الدعاء أعم من قضاء الحاجة، وأن إجابة الدعاء قد تكون بقضاء الحاجة بعينها أو بعوضها، بأن يدفع عنه من السوء مثلها أو تدخر له في الآخرة، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- هنا اشترط لذلك شرطاً وهو: أن تكون هذه الدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، أما إذا كان فيها إثم أو قطيعة رحم فإنها لا تستجاب، لكن إذا دعا المسلم بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم؛ فإنها تستجاب إما بعينها أو بعوضها.

 

* * *

فائدة: عندما يذبح الموت

عن أبي سعيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت".

نعم، هذا الحديث حديث عظيم، أخرجه البخاري ومسلم، يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه أن يجاء بالموت يوم القيامة، وذلك بعدما يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وبعدما يخرج من كتب الله له أن يخرج من النار ويدخل الجنة، لأن من مات على التوحيد لا يخلد في النار، فإذا خرج جميع من كتب الله لهم الخروج من النار، واستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، فيؤتى بالموت على هيئة كبش أملح، ويوقف في مكان بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، يعني يتشوفون له وينظرون إليه، ويقولون: نعم هذا هو الموت، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا هو الموت، فيؤمر به فيذبح في مكان بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وهذه هي نهاية البشر، فريق في الجنة وفريق في السعير، هذه نهاية الرحلة البشرية، خُلق الإنسان من عدم، خلق من نطفة أمشاج، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ[الإنسان: 2]، وأقام الله عليه الحجة، أرسل الرسل وأنزل الكتب، وجعل هذه الدنيا دار عمل، ثم بعد ذلك يموت الإنسان وينتقل إلى دار الجزاء والحساب، ثم يكون مستقر البشرية فريق في الجنة وفريق في السعير، فيكون فريق يسعدون السعادة الأبدية في الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[الزخرف: 71]، أو بالشقاوة الأبدية في نار تلظى، نسأل الله السلامة والعافية.

جاء في زيادة عند الترمذي: "فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة"، يعني عندما يذبح الموت ويقال: "يا أهل الجنة خلود فلا موت"، لو أن أحداً مات فرحاً مات أهل الجنة، "ولو أن أحداً مات حزناً لمات أهل النار". قال القرطبي -رحمه الله- في كتابه (التذكرة) قال: (الموت معنى من المعاني، لا ينقلب جوهراً، وإنما يخلق الله كبشاً يسميه الموت، ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا هو الموت، ويكون ذبحه دليلاً على الخلود في الدارين)، ولكن هذا محل نظر، والمعتزلة ومن يعمل العقل أنكروا هذا الحديث، لكن الحديث ثابت ومحفوظ في الصحيحين، ولكن هذا ناشئ بسبب تقديم العقل على النقل، وأما أهل السنة فيرون أن هذا الحديث حديث صحيح، وأن الله قادر على أن يخلق من المعاني أجساماً محسوسة، فلا مانع من أن ينشئ الله من الأعراض أجساداً، ويجعلها مادة، وهذا له نظائر، يعني من ذلك مثلاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أن سورة البقرة وآل عمران تجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان"، هذا في صحيح مسلم، كأنهما غمامتان، وهما سورتان، والله قادر على أن يجعل المعاني أجساداً، أن يخلق من المعاني أجساماً محسوسة، المهم هو صحة الحديث، إذا صح الحديث فلا نعرض على العقل، وإنما نؤمن به كما ورد، والله على كل شيء قدير، وأكثر ضلال بني آدم نشأ بسبب تقديم العقل على النقل، كما قر ذلك ابن تيمية وابن القيم -رحمهم الله-، بل إن ابن القيم يسمي هذا الطاغوت الأكبر، تقديم الرأي على النقل، الله على كل شيء قدير، الله خلق كل شيء من عدم، لا يعجزه شيء، المهم أن الحديث يصح من جهة الإسناد، إذا صح الحديث من جهة الإسناد فيجب أن نؤمن به، كذلك أعمال الإنسان توضع في ميزان حسي له كفتان، كيف تتحول هذه الأعمال إلى أشياء محسوسة!، الله على كل شيء قدير، كيف توزن هذه الأعمال!، فنقول الله على كل شيء قدير، ما دام أن الذي أخبرنا بذلك هو نبينا -صلى الله عليه وسلم- فهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فإنكار المعتزلة لاشك أنه منكر، وأيضاً تأول القرطبي ومن وافقه من أهل العلم أيضاً لا يسلَّم، بل نقول الحديث على ظاهره، وأن الله يخلق من المعاني أجساماً محسوسة، والله -تعالى- على كل شيء قدير.

* * *

فائدة: فضل إظهار النعمة من غير سرف

من أنعم الله -تعالى- عليه نعمة، فينبغي أن يظهر أثرها عليه من سرف ولا خيلاء، وينبغي ألا يتكتم عليها، ويدل لذلك حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه".

نعم، من أنعم الله عليه نعمة فينبغي أن يظهر أثر النعمة عليه، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[الضحى: 11]، من غير أن يصل إلى حد الإسراف أو التبذير أو الخيلاء، فينبغي أن يظهر أثر النعمة، وألا يتكتم عليها، لأن إظهار النعمة على هذا الوجه مما يحبه الله، كما في حديث عمران هذا عند أحمد بسند صحيح، وجاء في رواية أخرى عند أحمد عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين، وعليه مطرف من خز، يعني ثوب في طرفه علمان من خز، يعني هو ثوب فيه حرير لكن حرير يسير يعفى عنه، إذا كان الحرير يسير يعفى عنه، يعني فكأنه يقول: عليه ثوب من أجود وأحسن أنواع الثياب، ثم قال عمران بن حصين: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه"، فالله -تعالى- يحب أن يرى أثر النعمة على الإنسان، وجاء في رواية أخرى عند أحمد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً وعليه ثيابٌ رثة، وهيئة غير حسنة، فقال: "ما عندك من المال؟"، فذكر أن عنده خيراً من إبل وغنم ومال كثير، قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله جميل يحب الجمال، وإن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه"، فالتجمل في الملبس أو في المركب أو في الهيئة؛ هذا من الجمال الذي يحبه الله، ولهذا لما قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أرأيت الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؟ قال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس"، فالتجمل في اللباس والتجمل في الهيئة وفي المركب وفي المسكن هذا ليس من الكبر، بل هذا من الجمال الذي يحبه الله، الكبر عمل قلبي، هو بطر الحق وغمط الناس، رد الحق وعدم قبوله ممن جاء به، واحتقار الناس وازدرائهم، وقد يكون الكبر من الفقير، والتواضع من الغني، يعني ليس هناك ارتباط بين الفقر والغنى، والمقصود أن إذا أنعم الله على إنسان؛ فينبغي أن يظهر أثر النعمة عليه، يعني أغنى الله هذا الإنسان فينبغي أن لا يلبس ملابس رثة، ويركب مركوباً لا يناسب حاله، ويسكن سكناً لا يناسب حاله، هذا ليس من التواضع، إنما ينبغي أن يظهر أثر النعمة عليه، التواضع متعلق بالقلب، بأن لا يحتقر الناس وألا يزدريهم، وأن يقبل الحق ممن جاء به، أما التجمل المتعلق بالهيئة هذا من الجمال الذي يحبه الله، فالذي ينعم الله عليه بالأموال الكثيرة، ويلبس ملابس رثة، فتصرفه هذا تصرف غير صحيح، ما دام أن الله أنعم عليك؛ ينبغي أن يظهر أثر النعمة عليك في ملبسك في مركبك في مسكنك في جميع أمور حياتك، لكن من غير إسراف ولا خيلاء، يجتنب الإسراف والتبذير، ويجتنب الكبر والعجب والخيلاء، لكن ينبغي أن يظهر أثر النعمة عليه، يوجد من الناس من ينعم الله عليه بأموال كثيرة، لكن من يرى حالهم يظن أنهم فقراء!، عندهم تقشف شديد، ملابس رثة، مراكب غير جيدة، مساكن كذلك، أين أثر نعمة الله عليك؟! الله -تعالى- أنعم عليك بهذه الأموال ينبغي أن يرى أثر هذه النعمة عليك، فالله -تعالى- يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه، وهذا من الفقه الدقيق، ولذلك يقول الله -تعالى-: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[الضحى: 11]، يعني ينبغي أن يتحدث الإنسان بنعم الله -عز وجل- من باب الشكر لله -تعالى-، وليس من باب العجب والفخر، ولذلك تكرر في القرآن: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، تذكر النعم وتعدادها وشكر الله عليها وظهور أثرها على الإنسان؛ هذه من أبواب الشكر، أما ما يرى من بعض الناس من التكتم الشديد، يعني بعض الناس ينعم الله عليه بنعم كثيرة لكن عنده تكتم شديد، فلا يرى عليه أي أثر لهذه النعمة، هذا المنهج منهج غير صحيح، بل ينبغي للإنسان إذا أنعم الله عليه أن يرى أثر نعمة الله عليه، فإن الله يحب ذلك، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه.

* * *

ونكتفي بهذا القدر في لطائف الفوائد، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *