الخثلان
الخثلان
من الفائدة (281)
13 رجب 1440 عدد الزيارات 231

لطائف الفوائد / من الفائدة 281

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا.

هذا هو الدرس الثاني والعشرين في هذا العام الهجري، في يوم الأثنين الحادي عشر من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، ونبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (281) الصحابة وقافون عند كتاب الله تعالى:

 

فائدة: الصحابة وقافون عند كتاب الله

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فدخل على عمر بن الخطاب، فقال: هي يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله -تعالى- قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين، قال: فو الله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله).

نعم، هذه القصة أخرجها البخاري في صحيحه، قدم عيينة بن حصن بن حذيفة الفيزاري، وكان يسمى بالأحمق المطاع، كان سيداً في قومه، والعادة أن السيد لا يكون أحمق، لكن أحياناً يكون أحمق قد يكون توارثها عن أبيه أو نحو ذلك، فيكون أحمق ويكون أيضاً مطاعاً، فكان يقال له الأحمق المطاع، وكان معدوداً في الجاهلية بالشجاعة وبالجفاء والجهل أيضاً، ثم أسلم وشهد حنيناً مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع المؤلفة قلوبهم، وهو الذي قال فيه العباس ابن مرداس بيته المشهور:

أتجعل نهبي ونهب العبيد  *  دون عيينة والأقرع

المقصود بعيينة هذا هو عيينة بن حصن الفيزاري، دون عيينة والأقرع، دخل على عمر بن الخطاب، ومعه ابن أخيه الحر بن قيس، والحر بن قيس كان من القراء الذين يدنيهم عمر، كان هؤلاء القراء عباداً زهاداً قراءً، وكان كفيفاً، فكان من القراء الذين يدنيهم عمر، فدخل الحر بن قيس مع عمه عيينة بن حصن على عمر بن الخطاب، فقال عيينة: (هي يا ابن الخطاب)، وفي رواية: هيه، وفي رواية: إيه، وهي كلمة تقال عند طلب الإستزادة من شيء، ولهذا قال يعقوب بن السكيت: (تقول لمن استزدته من عمل أو حديث إيه)، العمة الآن يقولون إيه، فهي فصيحة، إيه، وهيه، وهي، يا ابن الخطاب، وهذا من جفائه، وإلا هو أمير المؤمنين، كان ينبغي أن يقول يا أمير المؤمنين أو يا أبا فلان، لكن يأتي بها هكذا يا ابن الخطاب، فهذا دليل على جفائه وجهله، (فو الله ما تعطينا الجزل) يعني ما تعطينا الكثير، (ولا تحكم بيننا بالعدل)، وهذه كلمة شديدة، (فغضب عمر، حتى هم أن يوقع به)، كيف يقول له هذا الكلام السيء الشديد، فقام ابن أخ عيينة الحر بن قيس، وقال: (يا أمير المؤمنين)، لاحظ الفرق بين أسلوبه وأسلوب عمه، عمه يقول يا ابن الخطاب، وهو يقول يا أمير المؤمنين، انظر أثر العلم على الإنسان، كيف يهذب من طباعه ومن أخلاقه، قال: (يا أمير المؤمنين إن الله -تعالى- قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ[الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين)، فما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وعفا عنه وأعرض عنه، وكان الصحابة ومنهم عمر كانوا وقافين عند كتاب الله -عز وجل-، وكانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعاً، وهذه الآية آية عظيمة، وهي أصل في الأخلاق، وفي التعامل مع الآخرين، فذكر الله -تعالى- فيها ثلاثة أمور:

الأمر الأول: خذ العفو، والمقصود بالعفو هنا: أي ما عفا وصفا لك من أخلاق الناس، وسمحت به طباعه، من غير كلفة، وهو ما يعبر عنه بعض الناس في الوقت الحاضر بلغة العصر؛ يعني تقبل الناس على ما هم عليه، تقبل الناس على ما هم عليه، لا تضع معايير صارمة للناس، إن توفرت فيهم هذه المعايير وإلا ما قبلت منهم، فبعض الناس يضع معايير صارمة لمن يريد أن يتعامل معه، لابد أن يكون كذا وكذا وكذا..، فإن لم تتحقق فيه هذه المعايير؛ بقي هو وإياه في نزاع وفي مشاكل وفي خصام، وقد يكون هذا الشخص قد يكون قريباً، قد يكون أباً، قد يكون أمًّا، قد يكون ابناَ، قد يكون بنتاً، قد يكون أخاً، قد يكون صديقاً، فهنا إذا وضعت هذه المعايير التي تشتمل على ما يجب وما يستحب أن تتحقق فيه، يبقى الإنسان في نزاع، فالبشر معرضون للنقص، فخذ ما صفى وسهل لك من أخلاقهم، تقبلهم على ما هم عليه كما خلقهم الله، هذا إنسان يعني فيه بعض الصفات السيئة، غض النظر عنها، وتقبله على ما هو عليه، تصفو العلاقة بينك وبينه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن الزوجة: "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر" [رواه مسلم]، لا يفرك: يعني لا يبغض ولا يكره، يعني لا تنظر للجوانب السلبية، انظر للجوانب الإيجابية، وهذه قاعدة عظيمة في الأخلاق، خذ ما عفا وصفا لك من أخلاق الناس، خذ العفو، تقبل الناس على ما هم عليه، قد يكون مثلاً والدك أو والدتك فيه بعض الصعوبة في أخلاقه، تقبله على ما هو عليه، وتعامل معه على هذا الأساس، ولا تطلب منه أكثر من ذلك، قد يكون الأب أيضاً يرى أن في أبنائه أو في بناته مثلاً بعض الأمور السلبية التي لا تعجبه، هنا يوجههم ويرشدهم لكن يتقبلهم على ما هم عليه، لا يبقى هو وإياهم في خصام وفي منازعة وفي شقاق، وهكذا أيضاً بين الزوجين فيغض الطرف عن الأمور السلبية ويركز على الجوانب الإيجابية، وبذلك تصفو العلاقة وتدوم، أما إذا وضع الإنسان معايير صارمة فيمن يريد أن يتعامل معه؛ قد لا تتوفر هذه المعايير، ولهذا يقول الشاعر:

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذا  *  ضمئت وأي الناس تصفو مشاربه!

فهذه قاعدة عظيمة في الأخلاق، تقبل الناس كما خلقهم الله على ما هم عليه بعيوبهم وبمثالبهم، ولا تطلب منهم ما لم تسمح به طباعهم، خذ العفو، هذا معنى خذ العفو.

الأمر الثاني: وأمر بالعرف، يعني كونك تأخذ بالعفو ليس معنى هذا أنك تترك الأمر بالمعروف، أؤمر بالمعروف وأرشد وادع إلى الله -تعالى-.

الأمر الثالث: توجيهٌ بشأن التعامل مع بعض الشخصيات الصعبة، وهم الذين سماهم الله -تعالى- بالجاهلين، هذه الشخصيات الصعبة لابد أن توجد في المجتمع، ويواجهها كل واحد منا، كيف يتعامل معها! شخص صعب، وكما يقال: ما يعجبه العجب، فهذا الله -تعالى- يقول: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، أعرض عنه، لا تبقى أنت واياه في جدل وفي خصومة وفي مشاكل، وتبقى ترد عليه ويرد عليك، فهذا ليس هذا التعامل الصحيح معهم، هذه الطبقة من المجتمع أعرض عنه، ارفع بمستوى أخلاقك عن هذه الطبقة من المجتمع، إنسان مثلاً تكلم عليك بكلام سيء، وهو معروف إنه إنسان وقح في أخلاقه سيء، لا ترد عليه، أعرض عنه، انسحب وأعرض عنه، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.

وهذا أيضاً في وسائل التواصل الإجتماعي، إنسان كتب لك كتابات سيئة، الأحسن أنك لا تدخل معه في نقاش، يمكن أن تحظره وهذا هو معنى الإعراض عنه، إذا حظرته يعني أعرضت عنه، وهناك مرتبة أخرى أعلى من الإعراض عن الجاهلين، ذكرها الله -تعالى- في سورة فصلت، وهي: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: 34]، دفع السيئة بالحسنة، لكن هذه الخصلة صعبة على كثير من النفوس، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ يعني دفع السيئة بالحسنة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ لأنها تحتاج إلى صبر عظيم ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 35]، يعني لا يتصف بهذه الصفة إلا من كان ذا نصيب وافر من الأخلاق الكريمة الحسنة، فإذاً هذه الطبقة طبقة الجاهلين والشخصيات الصعبة في المجتمع؛ إما أن تعرض عنهم وهذا يستطيعه كل أحد، وإما أن تدفع السيئة بالحسنة وهذا هو الأكمل، لكن هذه المرتبة العليا لا يستطيعها كل أحد، لأنها تحتاج إلى صبر عظيم، فإن لم يتحقق دفع السيئة بالحسنة، فلا أقل من أن تعرض عن الجاهلين وعن هذه الطبقة يعني غير المحترمة، أو الطبقة الصعبة في المجتمع، وهذا يتأكد على وجه الخصوص في حق طالب العلم، لا تجادل هذا الأحمق، هذا الإنسان الصعب لا تجادله، لا تدخل معه في خصومة، لا تدخل معه في مناقشة، وكما يقال في الحكمة: (لا تجادل الأحمق فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما)، الناس إذا رأوك تتجادل أنت واياه ما يدرون أيكما الأحمق!، قد يخطئ الناس في التفريق بينكما، فطالب العلم يرفع نفسه عن مستوى هذه الشخصيات الصعبة أو الجاهلة التي تريد أن تجره إلى هذا المستنقع المتدني، فإما أن يعرض عن هذا الجاهل وهذه مرتبة، وإما -وهي مرتبة أعلى- أن يدفع السيئة بالحسنة، لكنه بكل حال لا يدخل معه في خصومة، ولا يدخل معهم في نقاش، ولا يدخل معهم في جدل، بل يعرض عنهم، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: 55]، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63]، فنجد أن الله -تعالى- أوصى بهذا في أكثر من موضع في كتابه الكريم.  

* * *

فائدة: فضل فراسة المؤمن

من كان عنده فراسة يستطيع معرفة الصادق من الكاذب، بمجرد مقابلته وسماع كلامه، ورؤية تعابير وجهه، ولهذا قال عبدالله بن سلام: (لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به؛ أن قال: "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام").

نعم، من كان عنده فراسة يستطيع أن يميز الصادق من الكاذب بمجرد رؤيته وسماع كلامه، الصادق تجد أنه ثابت في كلامه، تجد أنه غير متررد، تجد أنه واثق من نفسه، بينما الكاذب تجده على العكس من ذلك، ولذلك أصبحوا الآن يعني هناك ما يسمونه باكتشاف الكذب، أشخاص متخصصون في اكتشاف الكذب ينظرون إلى تعابير الوجه، فيميزون يقولون هذا وجه صادق أو وجه كاذب، يدرسونها هكذا لكنها معروفة من قديم وهي تسمى بالفراسة، يعني أن الإنسان يتفرس في الصادق من الكاذب، ولهذا ذُكر أن رجلاً وجد اثنين يختصمان فسئل عنهما قال: والله ما فهمت شيئاً، لكن هذا الرجل كلامه ليس بكلام كذاب وأشار إلى أحدهما، كلامه كلام إنسان صادق، فهذه الفراسة يستطيع الإنسان أن يعرف بها الصادق من الكاذب، وهذه الفراسة أيضاً ذكرها الله -تعالى- في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ[البقرة: 273]، فسمى الله -تعالى- الذي لا يعرف الفقير المتعفف جاهلاً، يفترض أن يكون عند الإنسان فراسة يستطيع أن يعرف الفقير المتعفف، لا ينظر إلى مثلاً أنه يلبس ملابس حسنة وأنه لا يسأل الناس شيئاً، يظنه غنياً وهو في حقيقته فقير متعفف، بل ينظر إلى دخله وإلى نفقاته ونحو ذلك، فيعرف أنه فقير متعفف، فيعطيه مساعدة إما من زكاة أو صدقة أو نحو ذلك، فالذي ليس عنده فراسة في هذا وصفه الله -تعالى- بأنه جاهل، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ فينبغي أن يكون المسلم فطناً عنده فراسة يستطيع أن يميز بها الصادق من الكاذب، الصادق عنده ثبات في القلب وعنده شجاعة وليس عنده تردد، بخلاف الكاذب، هذه القصة عبدالله بن سلام كان يهودياً، وكان يكنى بأبي يوسف، وكان اسمه الحصين بن سلام، لما أسلم سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- عبدالله، فأصبح اسمه عبدالله بن سلام، لما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة انجفل الناس إليه، قال: (فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب)، مجرد أنه رأى وجه النبي -عليه الصلاة والسلام- قال هذا الوجه ليس بوجه كذاب، يعني عرفه بفراسته، وكان أول شيء تكلم به؛ أن قال: "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام"، ثم إن عبدالله بن سلام أراد أن يختبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأله ثلاثة أسئلة، كما جاء في صحيح البخاري وغيره، فقال إن أجاب عن هذه الأسئلة الثلاثة فهو نبي وسوف أُسلم:

السؤال الأول سأله قال: ما أول أشراط الساعة؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أول أشراط الساعة -يعني الكبرى- نارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب"، فوافق هذا ما عند عبدالله بن سلام في التوراة.

السؤال الثاني: قال: ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "زيادة كبد الحوت"، فوافق هذا أيضاً ما عند عبدالله بن سلام في التوراة.

السؤال الثالث: قال: من أي شيء ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أخواله؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا غشي الرجل المرأة فسبقها -أو قال فسبق ماؤه- كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها"، فقام عبدالله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فأسلم، ثم قال عبدالله بن سلام: (يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، لا تخبرهم أني أسلمت، واسألهم عني قبل)، فلما أتى اليهود قال لهم: "ما تقولون في ابن سلام؟" قالوا: هو أعلمنا وابن أعلمنا وخيرنا وابن خيرنا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أرأيتم إن أسلم!" قالوا: أعاذه الله من أن يسلم، فنادى النبي -صلى الله عليه وسلم- عبدالله بن سلام، فدخل وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ماذا كان موقف اليهود؟ قالوا: هو شرنا وابن شرنا!، وقالوا عنه قولاً سيئاً ووقعوا فيه، فقال: يا رسول الله أما قلت لك إنهم قومٌ بهت!، لا يريدون الحق، يعرفون النبي -عليه الصلاة والسلام- كما يعرفون أبنائهم، ولما أسلم عبدالله بن سلام سأله أحد الصحابة قال: هل كنت تعرف النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نبي مثل ما تعرف ابنك؟ قال: نعم وأكثر، يعرفون الحق لكن مالذي منعهم من قبول الحق؟ الإستكبار والحسد والجحود، هذه الأمور هي التي صدت كثيراً من الناس عن اتباع الحق، هنا ذكر عبدالله بن سلام -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان أول ما تكلم به أن قال: " أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام"، فذكر هذه الأمور الثلاثة وأنها من أسباب دخول الجنة:

الأمر الأول: إفشاء السلام، وهنا تأمل قوله "أفشوا السلام"، لم يقل "ألقوا" بل قال: "أفشوا"، وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي الإكثار من إلقاء السلام على وجه لا يكون منفراً، فإذا لقيت أخاك المسلم سلم عليه، كلما لقيت أخاك المسلم سلم عليه، إذا حال بينك وبينه شيء سلم عليه، فإفشاء السلام فيه إشارة إلى أنه ينبغي الإكثار من السلام، وأن يكون فاشياً كثيراً.

الأمر الثاني: "وأطعموا الطعام"، إطعام الطعام خاصة إطعام الفقراء والمساكين والمحتاجين، سواء أكان بطعام -يعني عيني- من البر والتمر ونحوه، أو بقيمته، بأن يعطى مثلاً نقداً يشتري به طعاماً، فهو يشمل الأمرين هذا وهذا، والمعنى يعني تصدقوا، تصدقوا على الفقراء والمساكين والمحتاجين.

"وصلوا والناس نيام" يعني قيام الليل، قيام الليل من أسباب دخول الجنة، خاصة قيام الليل والناس نيام، يعني صلاة التهجد، ناشئة الليل، وأفضل ما يكون في الثلث الأخير من الليل حين ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: (هل من داع فأستجيب له، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له) وذلك كل ليلة، فقيام الليل من أسباب دخول الجنة، ولهذا قال: "وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام" يعني هذه الأمور الثلاثة هي من أسباب دخول الجنة، إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وقيام الليل، هذه من أسباب دخول الجنة.

* * *

فائدة: من فضائل الأعمال

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة".

هذا الحديث أخرجه الترمذي وأحمد وهو صحيح بمجموع طرقه، وذكر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاث خصال من الأعمال الفاضلة، ودعا على من لم يغتنمها، فقال: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ علي"، إذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فحق على كل مسلم ومسلمة أن يصلِّ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا قال: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ علي"، الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- من فضائل الأعمال، لكن هل هي واجبة في خارج الصلاة؟ ليست واجبة، هي مستحبة استحباباً مؤكداً، لكن هذا الذي ذُكر عنده النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يصلِّ عليه يعني هذا محروم، محروم من الخير العظيم الوارد في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، يكفي في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من صلى علي صلاة واحدة .." أكمل الحديث؟ "صلى الله عليه بها عشرا"، يعني إذا قلت: اللهم صلِّ وسلم على رسولك محمد صلى الله عليك عشر مرات، ما معنى صلاة الله -تعالى- على العبد؟ مرَّ معنا في دروس سابقة، ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، إذا قلت اللهم صلٍّ وسلم على رسولك محمد، أثنى الله عليك في الملأ الأعلى عشر مرات، هل هناك شيء أفضل من هذا!، هذا يدل على فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وفضل الإكثار منها، ولهذا أُبيّ بن كعب كان له وقت يدعو فيه، فأراد أن يستبدل هذا الوقت المخصص للدعاء بالصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال: يا رسول الله كم أجعل لك؟ أجعل لك الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: الثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ يعني أحول هذا الوقت كله للصلاة والسلام عليك، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذاً يغفر ذنبك وتكفى همك"، فدل هذا على أن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- من أسباب مغفرة الذنوب، ومن أسباب زوال الهموم والغموم، ولهذا ينبغي للمسلم أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذُكر في ترجمة الإمام الشافعي أنه كان يصلي ويسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليوم والليلة عشرة آلاف مرة!، فخصص لك وقتاً كما كان أُبيّ يفعل، مثلاً بعد صلاة الفجر، أو في أي وقت، قل هذا الوقت مخصص للصلاة والسلام على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأفضل صيغة أن تجمع بين الصلاة والتسليم، تقول: (اللهم صلِّ وسلم على رسولك محمد)، أما الصلاة الإبراهيمية (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) هذه تقال في الصلاة، في التشهد، أما خارج الصلاة فالأكمل في الصيغة أن تقول: (اللهم صلِّ وسلم على رسولك محمد)، وتكررها.

الأمر الثاني قال: "ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له"، رمضان شهر الخيرات ومغفرة الذنوب والعتق من النار، فهنا رجل دخل عليه رمضان وما غفر له، هذا إنسان محروم، لأن أسباب المغفرة كثيرة في رمضان، "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، أسباب المغفرة للذنوب كثيرة، رمضان إلى رمضان مكفر لما بينهم، أسباب المغفرة كثيرة، فالذي يدخل عليه رمضان ولا تغفر له الصغائر هنا دعا عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن يرغم الله أنفه، لأنه محروم، والمقصود بالمغفرة هنا مغفرة الصغائر، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" [رواه مسلم]، الكبائر لابد فيها من توبة.

الأمر الثالث: قال: "ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة"، أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة، يعني أنه أدرك والديه كبيرين في السن فلم يبرهما ويدخل بسبب برهما الجنة، فهذا أيضاً إنسان محروم، لأن الآن أمامه باب من أبواب الجنة وهما الوالدان، كلاهما أو أحدهما، فهذا الباب من أبواب الجنة، إذا ما اغتنمه الإنسان هذا إنسان محروم، فدل هذا على أن بر الوالدين أنه من أعظم أسباب دخول الجنة، خاصة عند الكبر، لأن حاجة الوالدين للإنسان عند الكبر أشد، ولأن الصبر على برهما عند الكبر أشد أيضاً، عند كبرهما تكثر حوائجهما، وأيضاً تبرمهما وتسخطهما، واحتياجهما الشديدة للولد، فهذا باب من أبواب الجنة، من كان عنده أبوه أو أمه كبيرين أو أحدهما، هذا باب من أبواب الجنة أمامه، فإن لم يدخل الجنة بسبب ذلك فأرغم الله أنفه، دعا عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن يرغم الله أنفه، فهذه ثلاثة أعمال عظيمة: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأيضاً اغتنام رمضان وفعل الأعمال الصالحة التي هي سبب لمغفرة الذنوب، وبر الوالدين خاصة عند الكبر.

 

* * *

فائدة: دعاء ذهاب الهم والحزن

دعاء ذهاب الهم والحزن، هو ما جاء في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أصاب أحداً هم ولا حزن، فقال: (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي)، إلا أذهب الله -عز وجل- همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً" قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: "أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن".

هذا الحديث أخرجه أحمد وابن حبان، وهو حديث حسن، وهو دعاء ذهاب الهم والحزن، والحزن نقول أن المكروه الوارد على القلب إن كان عن أمر ماضٍ أحدث الحزن، وإن كان عن أمر مستقبلي أحدث الهم، وإن كان عن أمر الحاضر أحدث الغم، هذا هو الفرق بين الهم والحزن والغم، إذاً المكروه الوارد على القلب إن كان عن أمر ماضٍ أحدث الحزن، إن كان عن أمر مستقبل أحدث الهم، إن كان عن أمر حاضر أحدث الغم، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله من الهم والحزن، كما جاء في الصحيح عن أنس -رضي الله عنه- قال: (كنت أخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فكنت أسمعه يكثر من أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل ومن غلبة الدين وقهر الرجال)، هذا دعاءٌ عظيم ينبغي أن نحفظه جميعاً، وأن ندعو به كل يوم، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكثر منه، والمكروه الوارد على القلب إن كان عن أمر ماضٍ أحدث الحزن، وإن كان عن أمر مستقبلي أحدث الهم، هذا هو الهم والحزن، وعدم فعل الخير إن كان بسبب عدم قدرة الإنسان هذا هو العجز، وإن كان بسبب عدم إرادته فهذا هو الكسل، وعدم نفع الإنسان للآخرين إن كان بماله فهذا هو البخل، وإن كان ببدنه فهذا هو الجبن، واستيلاء الآخرين على مال الإنسان إن كان بحق فهذا هو غلبة الدين، وإن كان بغير حق فهذا هو قهر الرجال، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله من هذه الأمور الثمانية، وكان يكثر من ذلك، إذاً كان -عليه الصلاة والسلام- يستعيذ بالله من الهم والحزن، الحزن ورد في القرآن لكن لم يرد في القرآن إلا منهياً عنه أو منفياً، كما قال أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-: لم يأمر الله بالحزن، بل لم يرد إلا منهياً عنه أو منفياً، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ[النحل: 127]، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[يونس: 62]، تأمل كلمة الحاء والزاي والنون في القرآن تجد أنها لم ترد إلا على وجه النفي أو النهي، وذلك لأن الحزن لا ينفع الإنسان، وإنما يسبب له الإحباط والكسل، وأيضاً يبعد عنه الخشوع، هل رأيت إنساناً حزيناً ويخشع في صلاته! أو يؤدي العبادة بخشوع وحضور قلب! تجد أنه إنسان محبط، وهكذا أيضاً المهموم، فالهم هو مثل الحزن لكن على أمر مستقبلي، ولذلك ما لا فائدة فيه لا يؤمر به شرعاً، فينبغي للإنسان أن يبتعد عن الهم والحزن ما أمكن، وأن يستعيذ بالله منهما، ولهذا قال بعض أهل العلم أن إرشاد الإنسان في أن يبتعد عن الجدل "أعد الله بيتاً في ربض الجنة لمن ترك الجدال وإن كان محقا"، ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197]، قالوا لأن الجدال يورث الحزن، والحزن يسبب للإنسان الإحباط وأيضاً عدم الخشوع في العبادة، ولذلك جاء التوجيه النبوي بترك الجدال، إذا حصل جدال أو نقاش حاد مع شخص يحدث حزناً بعد ذلك، وهذا لاشك أنه يؤثر على خشوع الإنسان في عبادته، في صلاته، ولذلك ينبغي أن يبتعد عنه حتى يبتعد عن الهم والحزن، فإذاً الإستعاذة بالله من الهم والحزن؛ هذه كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يكثر منها، ينبغي أن نقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا.

هذا الحديث -حديث ابن مسعود- هو أيضاً في دعاء إذهاب الهم والحزن، إذا قاله الإنسان بيقين وصدق أذهب الله عنه همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً، ولهذا قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات؟ قال: أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن، وهي كلمات عظيمة، "ما أصاب أحداً هم ولا حزن، فقال: (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك)، والمرأة يصح أن تقول (إني عبدك) باعتبار أنها من عباد الله -تعالى-، أو أنها تقول: (أمتك بنت عبدك)، الأمر في هذا واسع، والأفضل أن تقول: (أمتك بنت عبدك) هذا هو الأفضل والأقرب، لأن هذا لا يحتاج إلى تأويل، أما إذا قالت عبدك يحتاج المعنى إلى تأويل، (ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك)، كلمات عظيمة، فيها الإنطراح بين يدي الله -عز وجل-، وإظهار الفقر والحاجة إلى الرب سبحانه، (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، استدل بهذا العلماء على أن أسماء الله الحسنى لا تنحصر في تسع وتسعين، بل أسماء الله -تعالى- غير محصورة، قد يكون بعض الأسماء استأثر الله بها في علمه، (أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي)، إذا قال ذلك هذا الدعاء بصدق أذهب الله عنه الهم والحزن، وأبدله مكانه فرحاً، فهذا أيضاً هذا الدعاء ينبغي أن نحفظه وأن نأتي به عند الهم والحزن، أيضاً ورد عند الهم والحزن في حديث صحيح أنه يقال: (الله الله ربي لا أشرك به شيئا)، أيضاً دعاء الكرب الوارد في حديث ابن عباس في البخاري وغيره: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش العظيم)، هذا أيضاً دعاء الكرب، هذه الأدعية ينبغي أن يحفظها المسلم، وأن يأتي بها عند الكرب أو عند الهم أو الغم أو الحزن.

* * *

فائدة: المرء يبعث على ما مات عليه

عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" [رواه مسلم]. قال الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله-: (يبعث كل ميت على الحالة النفسية التي مات عليها، يظن أنه لم يمر عليه إلا ساعة أو ساعات، وقد أقام الله -تعالى- للناس أمثلة على ذلك في الدنيا، كما في قصة أصحاب الكهف، فقد لبثوا 300 سنة، ومع ذلك لما استيقظوا ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19]، كما في قصة الذي أماته الله 100 عام، ثم بعثه ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: 259].

 نعم، يبعث كل عبد على ما مات عليه، فإن مات وهو محرم بُعث ملبياً، وإن مات على طاعة بُعث كذلك، وإن مات على معصية بُعث كذلك، فيبعث على الحالة التي مات عليها، ولهذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أن يخمر رأس من مات محرماً، وقال: "لا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه -يعني لا تطيبوه- فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا"، وإذا مات الإنسان فينعم أو يعذب، ونعيم القبر وعذابه قد أتت به الأحاديث المتواترة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن مع كونه ينعم أو يعذب هل يحس الميت بمرور الزمن؟! الجواب: لا، لا يحس بمرور الزمن، هو كالنائم، أرأيت النائم قد يرى في منامه ما يسره أو ما يحزنه، لكنه لا يشعر بمرور الوقت، لأن الشعور بمرور الوقت يحتاج إلى أحداث أمامه، وهو قد مات، وإن كان قد ينعم أو يعذب، ودليل هذا قول الله -تعالى- عن أصحاب الكهف، فقد لبثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، قالوا: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ[الكهف: 19]، هم لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين، أيضاً الرجل الذي أماته الله، لاحظ لفظ القرآن: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾، أماته، موت، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ[البقرة: 259]، فهذا يعني دليل على أن الميت لا يشعر بمرور الزمن، ولذلك الساعة قريبة منا أيها الإخوة! ما بيننا وبين الساعة إلا الموت!، والموت يأتي بغتة، يعني يمكن الإنسان أن يصبح ما خطر بباله الموت ولا نسبة واحد بالمائة، ويموت وكما ذكرنا أنه قد ينعم أو يعذب في قبره لكن لا يحس بمرور الزمن وإذا بالساعة قد قامت، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ[الأنبياء: 1]، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ[القمر: 1]، فيوم القيامة قريب جداً منا، ما يفصل بيننا وبينه إلا الموت، وأما الذين ماتوا قبل مئات أو آلاف السنين هم لا يشعرون بمرور الزمن، هو آلاف السنين بالنسبة للأحياء نحن، أما بالنسبة لهم هم لا يشعرون بمرور الزمن، وإن كانوا ينعمون أو يعذبون في قبورهم، وهذا يستدعي من المسلم الحذر، وأن يستعد بالأعمال الصالحة، لأن القيامة قريبة جداً، ما بيننا وبينها إلا الموت، والموت ما ندري متى يأتينا الموت!، فيتفاجأ الإنسان بالموت ثم لا يحس بمرور الزمن وإذا بالساعة قد قامت!، فلا يستبعد يوم القيامة، هو قريب جدا منا، هذه المعاني تدعو المسلم إلى أن يجتهد بالأعمال الصالحة، وأن يستعد لذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة، مقدار يوم القيامة فقط الموقف خمسون ألف سنة!، سبحان الله، يعني كم نسبة عمرك إلى هذه المدة، كم تعيش!؟ ستين، سبعين، قل مائة سنة، كم نسبته إلى خمسين ألف سنة!؟ خمسون ألف سنة والناس في الموقف، لكن متى يحاسبون؟ قال بعض أهل العلم: إن قول الله -تعالى-: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا[الفرقان: 24]، قالوا إن القيلولة تكون عند العرب منتصف اليوم، منتصف النهار، فقال بعض أهل العلم: إن الحساب يبدأ بعد خمس وعشرين ألف سنة، يعني يبقى الناس خمس وعشرين ألف سنة تموج بهم الأرض، إلى أن يطلبوا الشفاعة فيشفع النبي -عليه الصلاة والسلام- متى؟ بعد خمس وعشرين ألف سنة، الله أكبر!، فالتفكر في هذه المعاني يدعو المسلم إلى أن يتزود بالأعمال الصالحة ما دام حياً، فنحن الأحياء في دار يتمناها الأموات، في دار العمل، لا زال باب العمل مفتوحاً، لا زال باب التوبة مفتوحاً، لا زال بإمكان الإنسان أن يتدارك.

* * *

ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *