الخثلان
الخثلان
كتاب (الدعاوى)
12 رجب 1440 عدد الزيارات 591

شرح متن التسهيل / باب الدعاوى

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح التسهيل، وكنا وصلنا إلى (باب الدعَاوى).

قال المؤلف -رحمه الله-: [بابُ الدعَاوىالدعاوى: جمع دعوى، وهي في اللغة: الطلب، واصطلاحاً: إضافة الإنسان إلى نفسه إستحقاق شيء في يد غيره أو ذمته. هذه هي الدعوى، والأصل فيها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" [متفق عليه].

قال المؤلف -رحمه الله-: [إنَّما تَصِحُّ مُحرَّرَةً] أي: إنما تصح الدعوى محررة، وعلى هذا فلا تُسمع إذا كانت غير محررة، ومعنى تحرير الدعوى: تمييزها عما تلتبس به، بحيث يُعلم قدر المدعى به وجنسه وصفته، وكل ما يحتاج القاضي إلى معرفته من المدعى به، وعلى هذا فإذا تقدم الإنسان إلى القاضي بدعواه وهي غير محررة لم تُسمع، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعوى تصح غير محررة وتُسمع، لكن يطلب القاضي من المدعي تحريرها، ويطلب منه طلبات فيقول اذكر كذا وكذا وكذا حتى تكون الدعوى محررة، وهذا هو القول الراجح، واختاره أبو العباس ابن تيمية وجمع من المحققين من أهل العلم، بأن الدعوى تُسمع ولو كانت غير محررة، لكن القاضي يطلب من المدعي تحريرها، ويبين له كيف يحررها، هذا هو الأقرب إلى تحقيق العدالة، لأن هذا المدعي قد يكون إنساناً عامياً، ما يعرف كيف يحرر الدعوى، فإذا قيل ما تُسمع دعواك حتى تكون محررة؛ قد يضيع الحق بسبب ذلك، لكن إذا قلنا انها تُسمع ويوجهه القاضي إلى تحريرها، ويقول أذكر كذا وكذا فهذا أقرب إلى تحقيق العدالة، هذا هو القول الراجح في المسألة.

قال: [مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ] يعني إنما تصح الدعوى من جائز التصرف، وجائز التصرف هو الحر المكلف الرشيد، فغير الحر وغير المكلف وغير الرشيد لا تصح الدعوى منهم، لأن الرقيق إنما الدعوى تكون من سيده ولا تكون منه، والمكلف كذلك لا يصح تصرفه في حق نفسه، والدعوى قوله يترتب عليه حكم شرعي، وهكذا أيضاً غير الرشيد، فلابد إذاً أن تكون من جائز التصرف وهو الحر المكلف الرشيد، [فَإذا تَمَّت فَلَهُ سُؤالُ المُدَّعَى عَلَيهِ] يعني إذا تمت الدعوى من قبل المدعي وحررها فللقاضي أن يسأل المدعى عليه، فيقول: ما تقول في هذه الدعوى؟ الآن فلان ادعى عليك بدعوى؛ ما تقول؟ فلا يخلو المدعى عليه إما أن يقر وإما أن ينكر، [فإن أقَرَّ حَكَمَ للمدَّعِي] وهل الغالب الإقرار أو الإنكار؟ الغالب الإنكار، لو كان أصلاً سيقر ما احتاج الأمر إلى رفع دعوى عليه، لكن هذا يُذكر احترازاً، بعض الناس ربما أنه إذا حضر مجلس القضاء كان عنده ورع وخوف من الله -تعالى- وأنه ذُكر بالله -سبحانه وتعالى- فيقر، أو أن المدعي رفع عليه دعوى من غير أن يتحاور معه، ومن غير أن يتناقش معه، المهم أنه إذا أقر حكم القاضي للمدعي على المدعى عليه، وإن أنكر المدعى عليه فيُنظر هنا إن كان للمدعي بينة؛ قال: حكم له بها [وَلِلمُدَّعِي بَيّنَةٌ حَكَمَ بها] والبينة عند الجمهور هي شهادة شاهدين، وقال ابن القيم وجماعة من أهل العلم: أن البينة لا تنحصر بشهادة الشهود، بل البينة اسم لكل ما أبان الحق وأظهر، فهذا قد يكون في شهادة الشهود، قد يكون في القرائن، بعض القرائن أقوى من شهادة الشهود، القرائن إذا اجتمعت تكون بينة، وهذا هو القول الراجح أن البينة لا تنحصر في شهادة الشهود، فقد يجمع هذا المدعي قرائن بمجموعها تكون بينة، فإذا أتى المدعي ببينة حكم بالقاضي بها ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، فمثلاً ادعى بأنه يطلب فلان بن فلان عشرة آلاف، المدعى عليه أنكر، المدعي أتى بشاهدين يشهدان أنه يطلبه عشرة آلاف، إذاً يحكم القاضي مباشرة بإلزام المدعى عليه بدفع عشرة آلاف، إذا لم يكن للمدعي بينة؟ قال: [وإلاَّ حَلَفَ المُدَّعَى عَلَيهِ بِطَلبِ المُدَّعي] إذا قال القاضي للمدعي: لك بينة؟ قال: لا، فهنا يطلب القاضي من المدعى عليه اليمين، للحديث السابق "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، والمدعى عليه الآن منكر فيطلب منه اليمين فيحلف، وقال المؤلف هنا: [بِطَلبِ المُدَّعي] يعني أنه لا يحلف إلا إذا طلب المدعي ذلك، وقال بعض أهل العلم: أنه لا يشترط طلب المدعي لذلك، بل يُطلب من المدعى عليه الحلف ولو لم يطلب المدعي ذلك، إلا إذا قال المدعي أنا لا أرضى بيمينه، فهنا لا يُحلَّف، وإنما كانت البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن الأصل براءة ذمة المدعى عليه، فجانب المدعى عليه هو الأقوى، فلذلك لابد أن يأتي المدعي ببينة تثبت صحة كلامه، فإذا لم يأتي فيُطلب من المدعى عليه اليمين، فاليمين إذاً تكون في الجانب الأقوى، اليمين تكون في الجانب الأقوى، الجانب الأقوى هنا هل هو المدعي أو المدعى عليه؟ الجانب الأقوى المدعى عليه، لأن الأصل براءة ذمته، قال: [فَإن نَكَلَ وَرَدَّهَا عَلى المُدَّعِي حَلَفَ وَاستَحَقَّ] نكل: النكول معناه الإمتناع عن الحلف، قيل للمدعى عليه: احلف!، قال: ما أحلف، رفض، فترد اليمين على المدعي، يقال للمدعي إذاً احلف أنت!، فإن كنت صادقاً فإنه لا يضرك الحلف، وإن كنت كاذباً فيعني قد يهاب الحلف فلا يحلف، إذاً هذا هو النكول، النكول يعتبر حجة، ويقضى به على القول الراجح، على القول الراجح أن النكول يقضى به، هذا هو الذي عليه العمل عندنا أيضاً في المملكة؛ أن النكول يقضى به، فيقال للمدعى عليه تحلف وإلا حُكم عليك، فإن رفض أن يحلف فترد اليمين على المدعي، لأن النكول وإن كان حجة إلا أنه حجة ضعيفة، فيحتاج إلى تقويته بيمين المدعي، مثال ذلك: هذا رجل يطلب زيداً عشرة آلاف ريال، وليس عنده بينة، قال القاضي للمدعي: لك بينة؟ قال: لا، قال للمدعى عليه: احلف أن فلاناً ما يطلبك عشرة آلاف! هو أنكر أنه يطلبه عشرة آلاف، قال: احلف أنه ما يطلبك! قال: لا أنا ما أحلف، إذاً هذا دليل على كذبه، لو كان صادقاً لحلف، فهو حجة لكن حجة ضعيفة يعني يحتمل أنه ما حلف لأجل التورع أو لغير ذلك، فيُطلب من المدعي أن يحلف، تُرد على المدعي لأجل تقوية هذه الحجة، ثم يحكم القاضي بعد ذلك للمدعي باستحقاق ما ادعاه، ولهذا قال المؤلف: [فَإن نَكَلَ وَرَدَّهَا عَلى المُدَّعِي حَلَفَ وَاستَحَقَّ]. قال: [فإن نَكَلَ أيضاً صَرفَهُمَا] لو ردها، رد القاضي اليمين على المدعي، المدعي قال: لا أنا ما أحلف!، الآن هذا زيد من الناس ادعى بأنه يطلب محمدًا عشرة آلاف، قال القاضي لزيد: هل لك بينة؟ قال: لا، قال لمحمد: احلف أنه ما يطلبك! قال محمد أنه ما يطلبني قال: احلف أنه ما يطلبك! قال: لا ما أحلف، القاضي قال للمدعي زيد: احلف أنت أنك تطلبه عشرة آلاف! قال: لا ما أحلف، كلاهما امتنع، المدعي والمدعى عليه، هنا يقول المؤلف: [صَرفَهُمَا] إذاً القاضي يصرف النظر عن هذه الدعوى، وينهي الجلسة، معنى ذلك أنه ما فيه بينات ولا فيه يمين، الدعوى هذه يُصرف النظر عنها، ويقال للمدعي: إما أن تأتي ببينة أو أنك تحلف، يقال للمدعي: إما أنك تأتي بالبينة في هذا، لكن إذا لم تأتي بالبينة ولم تحلف مع نكول المدعى عليه فإنك لا تستحق شيئاً، فأنت لم تأتي ببينة وأيضاً نكلت، فإذاً يصرف القاضي النظر عن هذه الدعوى.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للحكم فيما إذا تداعيا عيناً، كل منهما يدعي أن هذه العين له، وهذا لا يخلو من أربع حالات:

الحالة الأولى: أشار إليها المؤلف قال: [وإن ادَّعَى مَا بِيَدِ أحدِهِمَا ولاَ بَيِّنَةَ فقولُهُ] الحالة الأولى: أن تكون العين في يد أحد المتخاصمين، لكن ليس هناك بينة تثبت أن هذه العين لهم، لا يوجد بينة، فتكون العين لمن هي بيده مع يمينه، تكون العين لمن هي بيده مع يمينه، مثال ذلك: رجل عنده سلعة، أتى آخر وادعى أن هذه السلعة له، قال: أبداً ليست لك! اشتكاه على المحكمة، قال القاضي للمدعي: عندك بينة؟ قال: لا، قال للمدعى عليه: عندك بينة؟ قال: لا، السلعة بيد المدعى عليه، فيُحكم بأنها للمدعى عليه، لأن جانبه أقوى، لكن بيمينه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه"، ولأن اليد تعتبر دليلاً على الملك ظاهراً، فالمدعى عليه معه الظاهر، فيرجح جانبه، إذاً الحالة الأولى أن تكون العين في يد أحد المتخاصمين، ولا بينة، فيحكم بأنها له، يحكم بأن العين لمن في يده، يرجح جانب من بيده العين.

فإن كانت بيد أحدهما لكن أقام البينة، فهنا يحكم له بالبينة، إن كانت بيد أحدهما والآخر أقام بينة، يعني أحدهما معه السلعة والثاني أتى بشاهدين، فلمن تكون العين؟ تكون لصاحب البينة، تنزع من هذا الذي بيده وتعطى صاحب البينة.

الحالة الثانية: قال المؤلف: [أَو بيدِهِمَا] يعني أن تكون العين في يد كل واحد من المتخاصمين، كأن تكون سلعة من السلع كل منهما ممسك بها، هذا يريد يأخذها وهذا يريد يأخذها، ثم ترافعا للمحكمة وهما كل منهما ممسك بهذه العين، في السابق كان القضاة يجلسون في الأسواق، لم تكن هذه الترتيبات الإدارية موجودة وأنه يأخذ موعد، كان مباشرة يأتي للقاضي وهو في السوق ويحكم له مباشرة، فلو أنهما أتيا وكل منهما ممسك بهذه العينة هذا يقول لي وهذا يقول لي، قال: [أَو بيدِهِمَا] إن كان هناك بينة القول قول صاحب البينة، لكن هنا ما فيه بينة! وليست العين بيد أحدهما!، يقول المؤلف: [حَلَفَا] وجعلت العين بينهما، يتحالفان، كل واحد منهما يحلف بأن العين له، ثم تقسم العين بينهما، تقسم العين بينهما أنصاف، هذا له النصف وهذا له النصف، لأنه ما عندنا بينة، والعين ليست بيد أحدهما، ماذا نفعل؟ يتحالفان ثم تقسم العين بينهما أنصافاً، ويدل لذلك حديث أبي موسى -رضي الله عنه-: (أن رجلين اختصما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في دابة ليس لواحد منهما بينة، فقضى بها بينهما نصفين) [رواه النسائي وابن ماجه]، وهو حديث صحيح بمجموع الطرق، هذه الحالة الثانية.

الحالة الثالثة: قال: [أو تَعَارَضتَا حَلَفَا] تعارضتا، كل واحد منهما أتى بشاهدين، المدعي أتى بشاهدين والمدعى عليه أتى بشاهدين، فكل منهما يحلف، [وجُعِلَ العينُ بَينَهُمَا] هنا مكتوب اليمين لكن الصواب (العين)، كما في بعض النسخ العين (وجعلت العين بينهما)، فهنا يتحالفان وتُجعل العين بينهما نصفين، للحديث السابق حديث أبي موسى: (أن رجلين اختصما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في دابة ليس لواحد بينهما بينة فقضى بها بينهما نصفين)، لأن تعارض البينتين يسقطهما، فيصبح كأنهما لا بينه لأحدهما.

الحالة الرابعة: ألا تكون بيد أحد، ولا بينة، ولا ظاهر يرجح جانب أحدهما، وليست بيد أحدهما، يعني ما عندهم أي شيء، ألا تكون بيد أحدهما، ولا بينة، ولا ظاهر يرجح أحدهما، وليست بيد أحدهما، فيتحالفان ويتناصفانها، تكون بينهما نصفين لحديث أبي موسى السابق.

فأصبحت الحالات إذاً أربع، نعيدها مرة أخرى حتى نضبطها:

  • الحالة الأولى: أن تكون العين في يد أحد المتنازعين ولا بينة، فتكون لمن كانت بيده مع يمينه.
  • الحالة الثانية: أن تكون العين في يد كل واحد منهما ولا بينة، فتكون بينهما نصفين، تقسم بينهما نصفين.
  • الحالة الثالثة: أن تتعارض البينة، كل منهما يأتي ببينة، فتتساقط البينات وتقسم بينهما أيضاً نصفين.
  • الحالة الرابعة: ألا تكون بيد أحد ولا بينة ولا ظاهر وليست بيد أحدهما، يعني ليست بيد أحدهما ولا بينة ولا ظاهر، فأيضاَ هنا يتحالفان ويتناصفان.

وعلى هذا نقول: إن المرجح هنا قول صاحب البينة، ثم قول من بيده العين، ثم يتناصفان، يتناصفان هذه العين، تكون على هذا الترتيب.

ثم بين المؤلف صفة الحلف؛ قال: [وجُعِلَ اليمينُ بَينَهُمَا، وَيَحلِفُ على البَتِّ] طبعاً قلنا [وجُعلَ العَين] ليس اليمين، وجعل العين بينهما، [وَيَحلِفُ على البَتِّ] معنى البت يعني: القطع والجزم، لابد من الحلف على أن يكون جازماً، فلا يكون متردداً، أو يكون حلفه معلقاً، وإنما يكون جازماً. [إلاَّ فِي نَفي فِعْلِ غَيْرِهِ، فَعَلَى نَفيِ العِلْمِ] فلو مثلاً كانت الخصومة بين رجلٍ وآخر، ثم توفي هذا الرجل، فأصبحت بينه وبين ورثته، فطُلب من الوارث الحلف، فالوارث يحلف على نفي العلم لأنه ما يدري، فيقول: والله لا أعلم أنها كذا، فإذاً إذا كان في نفي فعل غيره فإنه يحلف على نفي العلم. قال: [ولا تُشْرَعُ اليَمِينُ فِي حُقوقِ اللَّهِ -تعالى-] يعني ما كان حقاً من حقوق الله؛ لا يُستحلف عليه الإنسان، لأن كل إنسان مؤتمن، مؤتمن على عباداته، كدفع الزكاة ودفع الكفارة والنذر والإطعام ونحو ذلك، فلو قيل أن فلاناً لم يدفع الزكاة، فلا نحلِّفه؛ نقول احلف أنك دفعت الزكاة!، قال إني دفعتها، لا نُحلِّفه، يدين فيما بينه وبين الله، أو قال إني دفعت الكفارة أو دفعت النذر أو دفعت الإطعام؛ ما نحقق معه ونقول احلف، فأمور العبادة هذه يدين فيها الإنسان فيما بينه وبين الله، ولا تُشرع اليمين في حقوق الله -تعالى-.

قال: [وإذا كانَ لِمَيِّتٍ حقٌّ، أو لِلمُفْلِسِ فَحَلَفَ الورثةُ أو المفلسُ ثَبَتَ] معنى هذا الكلام يعني إذا كان لميت حق على إنسان، فحلف الورثة مع وجود شاهد، فيثبت الحق، لأن الحق يثبت باليمين والشاهد، فقضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بشاهد ويمين، فإذا كان الورثة سيحلفون ووُجد شاهد فيثبت الحق، وهكذا أيضاً إن كان للمفلس حق ووُجد شاهد فيحلف المفلس مع الشاهد ويثبت المال، وتتعلق به حقوق الغرماء، هذا معنى كلام المؤلف. قال: [وَإن لَم يَحلِفُوا فَبَذَلَ الغُرَمَاءُ اليَمِينَ لَم يُقْبَلْ] يعني الورثة الآن قيل أن مورِّثكم يطلب فلان بن فلان مبلغاً، فأتى الغرماء وقالوا نريد هذا المبلغ، قالوا ما فيه بينة تثبت أن هذا الدين لمورثنا، قال فيه فلان شاهد؛ لم يجد إلا شاهداً واحداً، فقيل للورثة احلفوا مع الشاهد حتى يثبت هذا الحق! قال الورثة: لا ما نحلف! رفضوا، قال الغرماء: إذاً نحلف بدلاً عنكم!، هل تقبل أيمان الغرماء؟ لا تُقبل، هذا معنى كلام المؤلف: [وَإن لَم يَحلِفُوا فَبَذَلَ الغُرَمَاءُ اليَمِينَ لَم يُقْبَلْ].

[وإن ادَّعَى جَمَاعةٌ حَلفَ لكلِّ واحدٍ يَمِيناً، إلاَّ أَنْ يَرضُوا بِوَاحِدةٍ] ادعى جماعة على شخص واحد، هذا يطلبه مثلاً عشرة آلاف، وهذا عشرة آلاف، وهذا عشرة آلاف، فطُلبت منه اليمين، فيحلف لكل واحد منهم يميناً، إلا أن رضي هؤلاء بيمين واحدة فلا بأس، لأن الحق له. [وإن كَانَت حُقُوقٌ لوَاحدٍ فلكُلِّ حقٍّ يَمينٌ] ادعى شخص على آخر حقوقاً قال: إني أطلبه قيمة سيارة، وأطلبه أيضاً قرض أنا سلفته، وأطلبه كذا، فتعددت الدعاوى عليه، فيطلب منه حينئذ لكل حق يمين، لكل حق يمين، ولا تتداخل الأيمان في هذه الحال، إلا إذا كانت الأيمان على شيء واحد فيكتفى بيمين واحدة.

هذا حاصل كلام أهل العلم في باب الدعاوى.

* * *

 

 قال المؤلف -رحمه الله-: [بابُ القِسمَةِ] القسمة من: قسمت الشيء إذا جعلته أقساماً ، والقسم: النصيب، وقد ذُكرت القسمة في قول الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ [النساء: 8]. وأيضاً في قول الله -تعالى-: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ [القمر: 28]. وأيضاً وردت في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، (قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، والقسمة المقصود بها: تمييز الحقوق وإفراز الأنصباء. تمييز الحقوق وإفراز الأنصباء، والحاجة داعية إليها لتميز حقوق الشركاء بعضهم عن بعض، وأكثر ما يُحتاج إليها عندما تكون الشركة في الميراث، فيُحتاج إلى القسمة، القسمة يقسمها الفقهاء إلى قسمين:

(قسمة تراضٍ، وقسمة إجبار)، وقد ذكر المؤلف -رحمه الله- القسمين جميعاً، ذكر أولاً: قسمة التراضي، قال: [إذا كانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ ، أو ضَرَرٌ يُنْقِصُ القِيمةَ فهيَ بيْعٌ] هذه قسمة التراضي، فقسمة التراضي تكون في الأملاك التي لا تنقسم إلا برد عوض من أحد الشريكين على الآخر، أو بوجود ضرر ينقص قيمة المقسوم، وذلك مثل السيارة مثلاً، سيارة بين ورثة كيف يقسمونها؟ ما يمكن تنقسم، لابد فيها من أنها تباع في هذه الحال ويقسم الثمن، أو تباع على أحدهم، أو مثلاً دار صغيرة، دار صغيرة مثلاً، أو دكان ضيق أو نحو ذلك، فهذه تسمى قسمة التراضي، هنا يجب التراضي بين الشركاء، يجب التراضي بينهم في القسمة، ما تكييفها الفقهي -قسمة التراضي-؟ أجاب المؤلف عن هذا السؤال قال: [فهيَ بيْعٌ] يعني تأخذ حكم البيع، ويترتب عليها أحكام البيع من خيار المجلس ورد العين ونحو ذلك، ويجب التراضي بين الشريكين أو الشركاء والإتفاق على القسمة، فلا يُجبر الممتنع، لأن في إجبار الممتنع ضرر أو رد عوض، وهذا لا يجبر الإنسان عليه، قال: [إذا كانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ، أو ضَرَرٌ يُنْقِصُ القِيمةَ فهيَ بيْعٌ يَجِبُ التَّراضِي]، طيب في السيارة مثلاً؛ السيارة ما يمكن تنقسم لكن يمكن قسمتها من حيث الزمن، فإذا كان مثلاً الورثة ثلاثة يقال كل واحد منكم يأخذ السيارة شهر، فيمكن قسمتها بهذه الطريقة، طيب إذا رفضوا؟! بعض الورثة رفض قال لا أنا ما أريد! كيف نقسم السيارة؟، نحن قلنا هذه قسمة تراضي لابد فيها من رضا الجميع، إذا لم يحصل تراضي في القسمة بأية طريقة؛ فدعا أحد الشركاء الشريك أو الشركاء للبيع، فأبى الشريك الآخر؛ فإن هذا الشيء يباع ويقسم الثمن على الشركاء، ففي مثالنا السابق السيارة تباع ويقسم بينهم ثمن السيارة، فإن تراضوا على ذلك وإلا عن طريق الحاكم، الحاكم يبيعها وتقسم بينهم، فهذه هي قسمة التراضي، إذاً قسمة التراضي تكون في الأشياء التي يكون فيها رد عوض أو ضرر بالقسمة، فهنا لابد من أن يتراضوا على القسمة، فإن لم حصل تراضي؛ فإذا طلب أحد الشركاء البيع فيجبر البقية على البيع ويقسم الثمن بينهم.

القسم الثاني: قسمة الإجبار، وأشار إليها المؤلف بقوله: [وإلاَّ] قسمة الإجبار هي: ما لا ضرر في قسمته على أحد الشركاء، وليس فيها رد عوض، كأن تكون أرض كبيرة يمكن قسمتها بين الشركاء من غير ضرر، أو مثلاً سيارات، أو سلع متعددة مثلاً، فهذه يجبر الممتنع، ولهذا قال المؤلف: [فَهي إجبَارٌ يُجبَرُ المُمتَنِعُ]، فمثلاً أرض كبيرة مساحتها مثلاً ألف وخمسمائة، وهؤلاء الورثة ثلاثة، فقيل: تقسم بينكم لكل واحد خمسمائة، ليس على أحد منكم ضرر في هذا، وليس فيها رد عوض، فإن أبى أحدهم قال: لا أنا ما أريد تقسم!، فإنه يجبر، يجبر على القسمة في هذه الحال، ولا يمكَّن من الإضرار بالورثة، طيب التكييف الفقهي لقسمة الإجبار؟ نحن قلنا قسمة التراضي التكييف الفقهي أنها بيع، التكييف الفقهي لقسمة الإجبار قال المؤلف: [وهي إفرازُ حَقٍّ] ليست بيعاً وإنما إفراز، هي مجرد إفراز وقسمة، ولذلك قلنا إجبار، لا يشترط فيها التراضي، ليس في قسمتها ضرر، فهي مجرد إفراز حق وليست بيعاً، طيب من الذي يقسم لهم؟ قال المؤلف: [ولَهُمَا القَسْمُ بأنفسِهِمَا] يعني الشركاء يتقاسما فيما بينهما، [وَبِمَنْ يَنْصِبَانِهِ] يجوز أن يختارا عدلاً ينصبانه يقسم بينهما، [أو يَطْلُبانِهِ مِنَ الحَاكِمِ] أو يطلبان من الحاكم أنه هو الذي يتولى القسمة، والحاكم عنده هيئة النظر، ممكن أن الحاكم يوكِّل هيئة النظر بالقسمة بين الشركاء. قال: [ويكُونُ عَدلاً عَارفاً] هذا شرط القاسم أن يكون عدلاً أميناً، وأيضاً يكون عنده خبرة، وأن يكون عارفاً بها، لأجل أن تكون القسمة عادلة. قال: [وَيُعَدِّلُ السِّهامَ] يعني القاسم يعدِّل سهام القسمة، إما بالأجزاء إن أمكن تساويها أو بالتعديل أو بالقيمة مثلاً إن لم يمكن أن يكون بالقيمة، فمثلاً إذا كانت هذه الأرض يعني بعضها أجود من بعض؛ ممكن أنه يعدِّل القسمة حتى تكون متساوية بينهم، أو أنه مثلاً يجعل مع صاحب هذه الأرض قيمة، يقول مثلاً أنت لك القسم الشرقي والأخ له القسم الغربي، لكن القسم الغربي أفضل من الشرقي، فيعطى هذا الذي أخذ القسم الشرقي يعطى مبلغ قدره كذا، فهذا معنى تعديل السهام، طيب إذا تساوت القسمة؛ قسمها القاسم بعد ذلك إذا لم يحصل تراضي فيلجأ للقرعة، ولهذا قال: [ثُمَّ يُقْرِعُ] والقرعة تكون عند التساوي في الحقوق مع المشاحة، وقد ذُكرت القرعة في القرآن في موضعين من يذكرهما؟ ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: 44]، كانوا يتنافسون فيما بينهم على كفالة مريم، فأجروا بينهم القرعة، وكانت القرعة عندهم إلقاء أقلام في النهر بطريقة معينة، الموضع الثاني: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات: 141]، يونس -عليه الصلاة السلام- لما كان في السفينة وأتتهم رياح، وكان من عادة الناس في البحر إذا أتت الرياح أو العواصف يلقون أولاً الأمتعة حتى تستقر السفينة، فإن لم تستقر ألقوا بعض الموجودين لأجل أن يحيا البقية، فهم ألقوا الأمتعة وبقيت السفينة مضطربة، فقالوا إذاً نلقي أحدنا حتى يخف وزن السفينة وتستقر ويحيا بعضنا، يعني يموت واحد ويحيا البقية، فقالوا إذاً نقرع بيننا، كانت القرعة من نصيب يونس -عليه الصلاة والسلام-، فألقي في بطن الحوت، سبحان الله!، في الظلمات!، ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87]، فأمر الله الحوت بأن يلفظه، لم يكسر منه عظماً! ولم يجرحه بشيء! فلفظه، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهي القرع، اليقطين هو القرع، وأرسله الله -تعالى- إلى قوم مائة ألف أو يزيدون فآمنوا؛ القصة التي قصها الله -تعالى- علينا في القرآن، الشاهد أن الله -تعالى- ذكر القرعة هنا أيضاً، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فهنا بعد تعديل السهام يُقرع بين الشريكين أو الشركاء، [فَمَنْ خَرَجَ سَهمُهُ أَخَذَهُ]. قال: [وتَلزَمُ مِنَ الحَاكِمِ مُطلقاً] إذا قال الفقهاء الحاكم ماذا يقصدون بهذا المصطلح؟ القاضي، في جميع أبواب الفقه إذا قالوا الحاكم يقصدون به القاضي، قال: [وتَلزَمُ مِنَ الحَاكِمِ مُطلقاً] يعني سواء كان فيه رد عوض من أحد الشريكين أو لم يكن، لأن الحاكم يجتهد في القسمة وفي تعديل السهام، فيكون حكمه ملزماً، قال: [والإِجبَارُ بالقُرعَةِ] يعني تلزم قسمة الإجبار بمجرد القرعة بعد تعديل السهام، ولا اعتبار لرضاهما، [وَيَكفِي قَاسِمٌ، حَيثُ لا تَقْوِيْمَ، وإلاَّ قاسِمان] يعني يكفي للقسمة قاسم واحد، لأنه بدل عن الحاكم، فكذلك القاسم يكفي أن يكون واحداً، لكن قال: [حَيثُ لا تَقْوِيْمَ] يعني إذا لم يكن في القسمة تقويم وتقدير، وإنما كان مجرد فرز، فيكفي قاسمٌ واحد، إن احتاجت إلى تقويم فقاسمان، وقال بعض أهل العلم أنه يكفي قاسم واحد، والأحوط أن يكون قاسمان؛ لأن التقويم بمثابة الشهادة فيحتاج إلى قاسمين.

 

وبهذا نكون قد انتهينا من أبرز الأحكام المتعلقة بباب القسمة، ونقف عند (كتاب الشهادات)، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *