الخثلان
الخثلان
الدرس السابع
6 رجب 1440 عدد الزيارات 93

كتاب الأدب من صحيح البخاري

الدرس السابع

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، هذا هو الدرس السابع في شرح كتاب الأدب من صحيح البخاري، في هذا اليوم الثلاثاء الخامس من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، وكنا قد وصلنا إلى (باب كيف يكون الرجل في أهله)، نستمع لعبارة المصنف:

 

  • باب كيف يكون الرجل في أهله

 

[حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال سألت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله قالت كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة] قال المصنف -رحمه الله-: باب كيف يكون الرجل في أهله، قال الحافظ بن رجب في فتح الباري؛ وفتح الباري هذا في شرح صحيح البخاري مطابق في العنوان لفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، لكن فتح الباري لابن رجب، وفتح الباري الآخر لابن حجر، فهما متطابقان في التسمية، لكن فتح الباري لابن رجب لم يكمله، وصل إلى كتاب الجنائز، وإلا فهو كتاب عظيم، وكتب ابن رجب فيها تحقيق وتحرير لكثير من المسائل -رحمه الله-، قال ابن رجب: (مراد البخاري بهذا الباب أن الصلاة إذا أُقيمت والإنسان في شغل بعمل شيء من مصالح دنياه فإنه يدعه ويقوم إلى الصلاة، إماماً كان أو مأموما)، ولهذا قال: (فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة)، فالإنسان إذا كان في شغل من أمور الدنيا ثم حضرت الصلاة فإنه يترك ذلك الشغل ويقوم إلى الصلاة، ولهذا جاء في بعض الروايات كما عند أبي زرعة الدمشقي في تاريخه عن النعمان قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سمع النداء كأنه لا يعرف أحدًا من الناس)، فكان -عليه الصلاة والسلام- إذا سمع النداء يقوم إلى الصلاة، ولا ينشغل بأي شيء آخر، فينبغي الإقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا، وأنه إذا أذن المؤذن أن الإنسان يدع الأشغال التي بيده ويذهب للمسجد، ويأتي بالصلاة مع الجماعة في المسجد إذا كان رجلاً، والمرأة تصلي الصلاة في أول وقتها، وهذا مما يستدل به أيضاً على أنه ينبغي إغلاق المحلات التجارية وقت الصلوات، لأن أصحاب هذه المحلات وكذلك المشترون منها ينبغي أن يتركوا البيع والشراء وأن يذهبوا إلى الصلاة، وأن يصلوا في المساجد مع المسلمين.

قال: (عن إبراهيم عن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصنع في أهله؟) يعني ماذا كان يعمل في البيت وفي أهله؟، قالت: (كان في مهنة أهله) ومعنى في مهنة أهله: أي في خدمة أهله، فمقصود عائشة بالمهنة هنا: الخدمة، وقد جاء في رواية عن عائشة قالت: (ما كان إلا بشراً من البشر، كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه) وفي لفظ: (يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم)، وهذا من تواضعه -عليه الصلاة والسلام-، فإنه خير البشر وأشرف البشر، ومع ذلك يقوم بهذه الأعمال، فهذا من تواضعه -عليه الصلاة والسلام-، بإمكانه أن يأمر من يقوم بهذه الأعمال، فكان إذا انقطع النعل هو الذي يقوم بخصفه، وأيضاً يحلب الشاة بنفسه، ويصلح بعض أمور المنزل -عليه الصلاة والسلام-، فهذا من تواضعه، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان في البيت، أن يكون متواضعاً، وأن يكون قريباً من أهل البيت، وأن يقضي ما يمكن أن يقضيه بنفسه من حوائج البيت إن كان يحسنه، فأحياناً بعض الأشياء اليسيرة التي تحتاج إلى إصلاح في البيت، بإمكان الإنسان أن يقوم بها بنفسه، كما كان -عليه الصلاة والسلام- يقوم ببعض الأعمال بنفسه، قالت: (فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة)، فينبغي أن يهتم الإنسان بشأن الصلاة، متى ما حضرت الصلاة يترك جميع الأعمال التي بيده ويقوم إلى الصلاة، وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن سبعة أصناف يظلهم الله -تعالى- تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم "رجلاً قلبه معلقٌ بالمساجد"، أي أن قلبه معلق بالصلاة، فتجد أن الصلاة هي أكبر اهتماماته، ما إن يفرغ من صلاة إلا ويتعلق قلبه بالصلاة التي بعدها، تجده دائماً يسأل كم الساعة؟ كم بقي على الأذان؟ وإذا دعي إلى مناسبة، إذا كان في إجتماع، إذا كان في أي مكان، دائماً ينظر للساعة كم بقي على الأذان، متى يؤذن! متى كذا!، وأيضاً اجتماعاته وأعماله كلها مرتبطة بوقت الصلاة، فهذا الذي اهتم بالصلاة هذا الإهتمام الكبير فإنه يكون من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله -تعالى- تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، رجلاً كان أو إمرأة، فمعنى أن قلبه معلق بالمساجد يعني أن قلبه متعلق بالصلاة، أصبحت الصلاة هي أكبر اهتماماته.

 

* * *

 

  • باب المقة من الله تعالى

 

[حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض] نعم باب المقة من الله، والمقة هي: المحبة، هي مأخوذة من: (ومَقَ، يمِقُ)، والأصل الومق والهاء عوض عن الواو، فإذاً المقة معناها المحبة، فمعنى كلام المؤلف يعني المحبة من الله، وأشار المؤلف بهذا إلى زيادة وردت في هذا الحديث الذي ساقه المصنف، فإن المصنف ساقه بلفظ "إذا أحب الله عبداً نادى جبريل"، لكن جاء عند أحمد والطبراني وابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "المقة من الله والصيت من السماء فإذا أحب الله عبدا نادى جبريل.." إلى آخره، لكن لماذا لم يخرِّج المصنف الحديث بهذه الزيادة؟ الجواب: لأنه ليس على شرطه، فأشار إليه إلى هذه الرواية في الترجمة، واقتصر على ما جرى على شرطه، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض"، وهذا شرف عظيم للإنسان، أن الله -تعالى- يحبه، ليش الشأن أنك تحب الله -تعالى-، ولكن الشأن أن الله -تعالى- يحبك، هذا هو الشرف الذي ما بعده شرف، ومحبة الله للعبد إنما تكون إذا تزود بالأعمال الصالحة الكثيرة، وأخلص لله -عز وجل- فيها، فإنه يكون ذلك سبباً لمحبة الله، كما قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: "ما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"، فمن أراد أن ينال محبة الله -عز وجل- فليحرص أولاً على الفرائض، وليستكثر من النوافل، فإذا أحب الله -تعالى- الإنسان نادى جبريل الذي هو أعظم الملائكة، وهو الروح، إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء، يا أهل السماء إن الله يحب فلان بن فلان، الله أكبر، إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم بعد ذلك يوضع له القبول في الأرض، فلا يراه إنسان أو يسمع به إلا أحبه، وهذا كما قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا[مريم: 96]، في آخر سورة مريم، قال ابن عباس: يحبهم ويحببهم إلى الناس، فالصالحون يجعل الله -تعالى- لهم القبول، ويجعل لهم المودة والمحبة في قلوب الناس، كلما كان الإنسان أكثر صلاحاً جُعل له القبول أكثر، وهذا نراه في واقعنا، تجد بعض الناس يُجعل له القبول، ما إن يذهب إلى مكان إلا وهو محبوب ومقبول، وما إن يذكر اسمه في مجلس من المجالس إلا ويثني عليه الناس خيراً، فقد جُعل له القبول في الأرض، فهذا من الشرف العظيم للإنسان، وقد قال الله -تعالى- لموسى -عليه الصلاة والسلام-: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي[طه: 39]، يعني أحببتك إلى عبادي، فألقى الله المحبة على موسى منذ صغره، منذ أن كان طفلاً، ولذلك لما رأته امرأة فرعون قالت قرة عين لي ولك، سبحان الله لما رأته أحبته، لأن الله ألقى عليه المحبة، فقالت ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا[القصص: 9]، ويتربى موسى في قصر فرعون، في قصر أكبر طاغية في التاريخ، ومع ذلك لم يضره، هو نبي من أعظم الأنبياء، سبحان الله، كيف أن موسى يتربى في قصر أكبر طاغية! ومع ذلك يكون نبياً من أولي العزم من الرسل!، لم يضره، إذا أراد الله هداية إنسان ما يضره، ما يضره مثل هذا، ولذلك امرأة فرعون ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[التحريم: 11]، فمن أراد الله هدايته لا يضره أن يكون عند هؤلاء المجرمين، ومن أراد الله هدايته فلا ينفعه أن يكون قريباً من نبي أو ولي، ولذلك قال الله -تعالى-: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا[التحريم: 10]، في المقابل إذا أبغض الله عبداً؛ جاء تمام هذه الرواية، هذه الرواية ساقها البخاري هنا وفي مواضع أخرى في الصحيح لكن إلى هذا القدر، جاء تمام الحديث عند مسلم في صحيحه: "وإذا أبغض الله عبداً دعا جبريل فيقول إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض"، نسأل الله العافية، فلا يراه أحد ولا يسمع به إلا أبغضه وكرهه وسبه، لأنه وضعت له البغضاء في الأرض بسبب سوء أعماله، وهذا أيضاً نجده في الواقع، هناك أناس سبحان الله ما تذكر أسماؤهم إلا ويسبهم الناس، ويكرهونهم ويذكرونهم بالسوء، ولا تكاد تجد لهم محباً!، فهؤلاء قد يكونون من هذا الصنف الذين وضعت لهم البغضاء في الأرض، نسأل الله السلامة والعافية، فهذا الحديث حديث عظيم، فينبغي أن يحرص المسلم على أن يكون من القسم الأول من الذين توضع لهم القبول في الأرض، وأن يكثر من الأعمال الصالحة، حتى ينال محبة الله -عز وجل-، وأن يحذر من القسم الثاني وهو من تكثر منه المعاصي وبخاصة ظلم الناس، فإن هذه من أعظم الذنوب وأعظم المعاصي، فتوضع له البغضاء في الأرض.

 

* * *

 

  • باب الحب في الله

 

[حدثنا آدم حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما] نعم المصنف ساق هذا الحديث بلفظ وترتيب آخر في موضع آخر، وأيضاً المسلم أنه لايجد أحداً حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار، وبهذا الترتيب يعني أجود من الرواية التي ذكرها المصنف هنا، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وقد جاء في حديث أبي أمامة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الحب في الله والبغض في الله من الإيمان" [رواه أبو داوود]، وقال النووي عن هذا الحديث في شرحه على مسلم قال: (هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام)، هنا أخبر -عليه الصلاة والسلام- بأنه لن يجد أحد طعم الإيمان أو حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان هي استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضا الله -عز وجل-، أن يستلذ الإنسان الطاعات، فيجد عندما يعمل الطاعة؛ يجد انشراحاً في الصدر، ويجد أنساً، ويجد محبة لهذا العمل، هذه هي حلاوة الإيمان، وهذه الحلاوة -حلاوة الإيمان- شيء عظيم يعني لا يمكن وصفه، حتى إن بعض السلف يقول: إنه ليمر بالقلب أوقات يطرب فيها فرحاً، وإني لأقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم إنهم إذاً لفي عيش طيب. ويقول آخر: إنا في نعيم لو يعلم عنه الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليه بالسيوف، فهذا نعيم قلبي، متعلق بالقلب، وهذا يحصل للإنسان إذا حقق هذه الخصال الثلاث المذكورة في هذا الحديث:

الخصلة الأولى: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يكون هذا بالفعل لا مجرد دعوى، بحيث لو تعارضت طاعة الله وطاعة رسوله مع غيرهما، فإنه يقدم طاعة الله وطاعة رسوله، فمثلاً الذي يدعي أنه يحب الله ورسوله أكثر ما سواهما، لكنه ينام عن صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد، هل هو صادق! لو كان صادقاً في محبته لله لنهض من فراشه وأجاب داعي الله وصلى مع الجماعة في المسجد، الذي يدعي أنه يحب الله ورسوله، لكنه يتجرأ على الوقوع في الربا أو في الفواحش أو نحو ذلك، هذا ليس صادقاً في محبته لله ورسوله، عندما تتعارض محبة الله ورسوله مع غيره يقدم محبة الله ورسوله على محبة غيرهما، فإذاً أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، هذه الخصلة الأولى. 

الخصلة الثانية: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وهذه من آثار محبة الله ورسوله، هي متفرعة عنها، بأن تكون علاقته مع الناس في الله ولله، كثير من الناس علاقتهم بناء على مصالح شخصية، ولذلك يمكن أن يؤثر في هذه العلاقة أدنى كلمة يسمعها أو تنقل له أو خلاف على لعاع من الدنيا، لأنها ليست جذورها راسخة، لكن المحبة التي تكون في الله ولله لا يؤثر فيها شيء، ولهذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله "رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"، اجتمعا على المحبة في الله ولم يفرقهما إلا الموت، لم يفرقهما أي أمر دنيوي أو خلاف أو سوء تفاهم أو خلاف على لعاع من الدنيا، لأن هذه يرون أنها أشياء لا تستحق أن تؤثر في هذه العلاقة التي جذورها راسخة، التي لله وفي الله -عز وجل-، ومن علامة ذلك أن الإنسان يحب أهل الخير، ويحب أهل الصلاح، ويحب أهل الإستقامة ويشجعهم ويثني عليهم في المجالس، ويبغض أهل النفاق وأهل الزيغ والفساد، هذه من آثار هذه المحبة، أما من كان على العكس يكره أهل الخير وأهل الإستقامة، يكره المتدينين، تجد أنه يمالئ أهل النفاق والزيغ والفساد ويثني عليهم، هذه دليل على أنه غير صادق في محبته لله ورسوله، لأن الصادق في محبة الله ورسوله يحب في الله ولله، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يكن سيدًا فقد أغضبتكم ربكم"، فمن كان صادقاً في محبته لله تجد أنه يحب أهل الخير والصلاح والإستقامة، ويبغض أهل الشر والفساد.

الخصلة الثالثة: أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، يعني لو أنه خيِّر بين أن يكفر لله أو أن يقذف في النار، لاختار أن يقذف في النار على الكفر بالله، من شدة بغضه للكفر، وذلك لقوة إيمانه وقوة محبته لله ورسوله، فهذه الخصلة أيضاً متفرعة عن الخصلة الأولى، وهي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

فهذه الخصال كلها ترجع إلى قوة محبة الإنسان لله ولرسوله، فإذا كان الإنسان قوياً في محبته لله ولرسوله، أحب إليه مما سواهما، فإنه يجد حلاوة الإيمان ويجد طعم الإيمان، ويطمئن قلبه بذكر الله، كما قال -سبحانه-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد: 28]، فيجد الأنس، ويجد حلاوة الإيمان، ويجد انشرح الصدر بفعل الطاعات.

* * *

 

  • باب قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

 

[حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس وقال بم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل أو العبد ثم لعله يعانقها وقال الثوري ووهيب وأبو معاوية عن هشام جلد العبد] نعم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ[الحجرات: 11]، فنادى الله -تعالى- المؤمنين ونهاهم عن السخرية، فلا يجوز للمسلم أن يسخر بأخيه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، لا تجوز السخرية بأي حال من الأحوال، فلا يسخر الإنسان بأخيه المسلم، ولا يتنقصه، ولا يحتقره، لا في مظهره، ولا في نسبه، ولا في أي شيء، لا تجوز السخرية بالمسلم، المسلم أخوك فينبغي لك أن تحترمه، كل المسلم على المسلم حرام، بحسب أحدكم من الشر أن يحقر أخاه المسلم، فلا تجوز السخرية إذاً بالمسلم، ولا بالمسلمين عموماً، فالسخرية ليست من أخلاق المؤمنين، والسخرية محرمة مطلقاً، كون الإنسان يسخر بالآخرين من الأمور المحرمة، ومن سنة الله -عز وجل- التي يراها الناس في الواقع؛ أن من سخر بإنسان ابتلي بما سخر به فيه، سبحان الله، كثيرا ما نرى أن بعض الناس يسخر من آخر ثم يعاقب فيبتلى في نفسه أو في ولده، فيقع فيما سخر به من ذلك الإنسان، ثم إن هذا المسخور منه قد يكون خيراً عند الله -عز وجل-، قد يكون خيراً منك عند الله، ولهذا قال -سبحانه-: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾، خص النساء أيضاً بالذكر، لأنه أيضاً أكثر ما تقع السخرية لدى النساء، فالإنسان يحفظ لسانه، وحقوق العباد مبناها على المشاحة.

ثم ساق المصنف بسنده عن عبد الله بن زمعة قال: (نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس)، جاء تفسير هذا في الرواية الأخرى أنه ذكر الضرطة، ثم قال: (لم يضحك أحدكم مما يخرج منه)، فمما يخرج من الأنفس هو ما يخرج من الريح المصحوبة بالصوت، كالضراط ونحوه، فهذا لا يتعمد الإنسان أن يفعله، لأن هذا ينافي الحياء، والحياء من الإيمان، الحياء من الإيمان، الإنسان عندما يكون في المجلس لا يفعل هذا، لا يتعمد أن يأتي بالضراط ونحوه أمام الآخرين، لكن إذا حصل من أحد رغماً عنه فإنه ينبغي ألا يضحك منه، كيف تضحك من إنسان وأنت يخرج منك مثل ما يخرج منه، ولهذا قال: (نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس) في الرواية الأخرى: (لم يضحك أحدكم مما يخرج منه)، يعني هذا من قلة العقل، أن الإنسان يضحك من شيء يخرج منك، يعني ليس شيء لا يخرج منك، يخرج من فلان ويخرج من فلان، لكن قدِّر أن هذا الإنسان يعني خرج منه من غير قصد، قد يكون عنده مثلاً مشاكل في القولون، قد يكون تحرك ثم خرج منه هذه الضرطة أو نحو ذلك، فلا يليق بالعقل أنه يضحك منه، لأن هذا الضحك مما يخجله، وقد كانوا في الجاهلية إذا وقع من أحد منهم ضرطة جعلوا يضحكون منه، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، ولهذا قال أهل العلم: أنه ينبغي الإغماض والتجاهل عند سماع صوت الضراط، وأنه إذا وقع فالمطلوب التغافل عنه، وهذا إذا وقع يعني من أحد الحاضرين من غير قصد، لأن الضحك من الإنسان إذا وقع منه هذا الشيء من غير قصد، هذا يسبب له حرجاً عظيما، لو حصل هذا من إنسان مثلاً عنده مشاكل في القولون ثم خرج منه هذا الصوت، فضحك جميع من في المجلس، فكيف تكون مشاعره!، لاشك أنه يتأثر كثيراً، فيعني الإسلام أدَّب أتباعه، يعني ينبغي التغافل كأنك ما سمعت شيء، كأنك لم تسمع شيئاً، فهذا من مكارم الخلق، أنه إذا حصل مثل هذا الإنسان كأنه ما سمع شيئاً، وأما تعمد فعل ذلك كما ذكرنا أن هذا منافٍ للحياء، وذكر ذُكر أن هذا من جملة عمل قوم لوط، ولهذا أنكر عليهم لوط -عليه السلام- قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ[العنكبوت: 29]، قالوا ومن ذلك أنهم كانوا يتضارطون ويتضاحكون، كانوا يكونون في المجلس الواحد ويتضارطون ويتضاحكون، كان لوط ينهاهم عن هذا، فهذه من الأفعال التي ينبغي ألا يتعمدها الإنسان، لكنها إذا وقعت فينبغي أن يُتغافل عنها، ولا يُضحك من الإنسان الذي حصل منه هذا الشيء، الضحك هنا نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عنه، كيف يضحك وهو يخرج منه، فهذا لا يليق بالعاقل، سبحان الله فهذه الشريعة شملت كل شيء، حتى هذه المسائل البسيطة تجد أن الشريعة أيضاً أولتها بالعناية، ولذلك تعجب أحد اليهود، قال لسلمان الفارسي: (علمكم نبيكم كل شيء حتى هذا!؟ -يعني حتى آداب قضاء الحاجة-، قال: نعم)، ولهذا تجد في كتب الفقه باب آداب قضاء الحاجة، باب السواك، باب مثلاً سنن الوضوء، سنن الفطرة، مسائل دقيقة ومع ذلك تُذكر، هذا ليس له نظير في أي دين من الأديان أو ملة من الملل، الشريعة شملت كل شيء، جعل الله هذا الدين كاملاً، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ[المائدة: 3]، إذاً النبي -عليه الصلاة والسلام- نهى عن الضحك في هذا المقام، أنه إذا خرج من الإنسان صوت، أن الإنسان ينبغي ألا يضحك منه، فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، لأن هذا مما يجرح مشاعره، ومما يخجله، ثم أيضاً أنت الذي تضحك يخرج منك هذا، فلا يليق بالعاقل أنه يضحك من إنسان على أمر يقع هو منه.

قال: ( وقال بم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل -وفي لفظ ضرب العبد أو جلد العبد- ثم لعله يعانقها -وفي لفظ لعله يجامعها-)، المراد بالفحل: البعير، وهنا نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن ضرب الزوجة الضرب الشديد المبرح، بدليل الإضافة للعبد أو الفحل، وهذا ضرب الفحل أو ضرب العبد يعني في العادة أنه يكون ضرباً شديداً، وهذه زوجة الإنسان فلا يجوز له أن يضربها هذا الضرب المبرح، فالضرب المبرح للزوجة محرم، ولا يجوز، إنما الذي أجازته الشريعة ما ذكره الله -تعالى- في قوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ[النساء: 34]، هذه شريحة من النساء ما ينفع معهن إلا هذه الأساليب التي ذكرها الله -تعالى-، (تخافون نشوزهن) يعني تكون المرأة ناشز، ناشز معناها: متمردة على الرجل ما تطيعه، تعصيه وتتمرد عليه، فهذه ذكر الله -تعالى- طرق لمعالجة هذا النشوز، فينبغي التدرج فيه، الأول الموعظة، بعض النساء تنفع معهن الموعظة والتذكير والتخويف بالله -تعالى-، إن لم تنفع وتجدي ينتقل العلاج في المرحلة الثانية، وهو الهجر في المضجع، وهو هجر خاص ليس أمام الأولاد، لم يقل اهجروهن في البيوت، في المضجع، فقط هجر في المضجع، يعني في الفراش، لأن هذا أيضاً قد ينفع مع بعض النساء ويكون علاجاً لهذا النشوز، ويدعو المرأة للتطامن وطاعة الزوج، إن لم ينفع هذا ولا ذاك فهنا يلجأ الزوج لشيء من الحزم والقسوة، هذا خيرٌ من الطلاق بلاشك، هذا الحزم يعيد ترتيب الأسرة، لكن يكون بضرب غير مبرح، حتى إن بعض الفقهاء قال: بمثل عود السواك، يعني لأن المقصود منه رسالة لهذه المرأة الناشز، بأنها مخطئة وأنها مقصرة، وهذا قد ينفع مع شريحة من البشر، لكن الضرب المبرح هذا لا يجوز، هذا يقصد منه التشفي والإنتقام، هذا لا يجوز، وإنما الضرب الذي ذكره الله في الآية هو ضرب غير مبرح، مع أن الأفضل تركه وعدم اللجوء إليه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- ما ضرب بيده إمرأة ولا خادماً، والأحسن الإنسان أنه لا يلجأ إليه، إلا عند الضرورة القصوى، عند الضرورة القصوى، يعني يا إنه يفعل هذا أو يطلِّق، فآخر الطب الكي كما يقال، لكن لا يجوز أن يكون مبرحاً، فإن لم ينفع حتى الضرب غير المبرح، فهنا لابد من التدخل الخارجي، ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا[النساء: 35]، فإن لم ينفع فمعنى ذلك أن هذه الحياة الزوجية لا تحقق المقاصد من النكاح، ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ[النساء: 130]، لكن لاحظ هنا أن القرآن الكريم ذكر أربعة طرق لمعالجة هذا النشوز قبل الطلاق، يعني لا يستعجل الإنسان في الطلاق، بل يسلك هذه الأساليب الأربعة قبل أن يطلق، فإذا لم تنفع هنا ولم يجد علاجاً آخر، فكما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ [النساء: 130].

هنا النبي -عليه الصلاة والسلام- أنكر الضرب المبرح، وأنكر أمراً آخر معه وهو أنه يضربها أول النهار ضرباً مبرحاً، ثم يجامعها آخر النهار، وهذا لا يليق بالعاقل، ففيه استبعاد وقوع الأمرين من العاقل، أنه يضرب امرأته ضرباً مبرحاً ثم يجامعها في بقية يومه، لأن الجماع والمضاجعة إنما تكون مع ميل النفس والرغبة، والمضروب في العادة ينفر من ضاربه، يعني على الأقل في اليوم الذي ضربه فيه، فلا يليق أنه يضرب ضربا مبرحا أول النهار ثم يجامعها في آخر النهار، ولهذا استنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك.

 

[حدثني محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى أتدرون أي يوم هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن هذا يوم حرام أفتدرون أي بلد هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال بلد حرام أتدرون أي شهر هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال شهر حرام قال فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا] ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال هذا في منى، وأيضاً أنه قاله في خطبته في عرفات وهذا هو الأشهر، ويحتمل أنه قاله هنا وهنا، ففي أعظم مجمع في عهده -عليه الصلاة والسلام-، حيث حج معه قرابة مئة ألف، لما خطبهم خطبته العظيمة في عرفة، استفتحها بهذا الكلام: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)، وهذا يدل على عظيم حرمة العباد، وأن حقوق العباد عند الله -عز وجل- عظيمة جداً، وأن حرمتها كحرمة اليوم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام، ولهذا فعلى الإنسان أن يحذر من الوقوع في دماء إخوانه المسلمين، أو في أموالهم، أو في أعراضهم، ما بينك وبين الله مبناه على المسامحة، يمكن تتوب وتستغفر الله؛ يغفر الله لك، لكن ما كان متعلقاً بحقوق العباد فهذا مبناه على المشاحة، فلا تتم التوبة إلا إذا تحللت من هذا الإنسان، أما إذا لم تتحلل منه فإن حقه باقٍ له يوم القيامة، أما الدماء فإن أمرها عظيم، وأول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، أول ما يقضى في الدماء، ومن قتل شخصاً تعلق بهذا القتل حقوق:

الحق الأول: حق الله -تعالى-، وهذا قد يسقط بالتوبة.

الحق الثاني: حق أولياء الدم، فلهم إما أن يقتصوا، وإما أن يطلبوا الدية، وإما أن يعفوا مجاناً.

الحق الثالث: حق المقتول، وهذا باقٍ له يوم القيامة، حتى لو اُقتص من القاتل، القصاص لأجل حق أولياء الدم، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا يزال أحدكم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً" [رواه البخاري]. فمن أصاب الدم الحرام فإنه والعياذ بالله يضيق عليه دينه، يعني في الغالب أنه ما يوفق، ما يوفق للتوبة، فالدماء شأنها عظيم عند الله -عز وجل-.

الأمر الثاني؛ قال: (وأموالكم) أيضاً أموال العباد حرمتها عند الله -تعالى- عظيمة، يقول -عليه الصلاة والسلام-: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد حرم الله عليه الجنة" قالوا: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: "وإن كان قضيباً من أراك" [رواه مسلم]. فمن تعدى على حقوق الناس وأخذها بغير حق؛ فهذا إثمه عند الله -تعالى- عظيم جداً.

الأمر الثالث؛ قال: (وأعراضكم) والعرض هو موضع المدح والذم من الإنسان، فالتعدي على أعراض المسلمين أيضاً إثمه عظيم، سواء أكان ذلك بالقذف، أو كان ذلك مثلاً بالغيبة أو النميمة أو السخرية أو نحو ذلك، فالمقصود أن المسلم ينبغي له أن يعظم شأن حقوق العباد، فإنها تبقى لأصحابها، ولهذا لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الشهيد، أخبر بأنه يغفر له كل شيء إلا الدين، يعني إلا ما كان متعلقاً بحقوق العباد.

 

* * *

 

  • باب ما ينهى من السباب واللعن

 

[حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن منصور قال سمعت أبا وائل يحدث عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر تابعه غندر عن شعبة] نعم السباب واللعن؛ باب ما ينهى عن السباب واللعن، اللعن يعني معروف هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، يقول لعنة الله على فلان أو لعن الله فلان، أما السباب فهو أعم من اللعن، السباب هو بمعنى الشتم، وهو التكلم في شأن الإنسان بما يعيبه، التكلم في شأن الإنسان بما يعيبه، فهو أعم من اللعن، ولهذا جمع المؤلف بينهما قال: (باب ما ينهى عنه من السباب واللعن)، ثم ساق حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سباب المسلم فسوق"، وهذا يدل على أن السب أنه من كبائر الذنوب، لأنه وصفه بالفسق، وكذلك اللعن كما سيأتي الكلام عنه، أنه من الكبائر، "وقتاله كفر" والمقصود بالكفر هنا الكفر الأصغر، عند أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة لا يكفر الكفر الأكبر، وإنما هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.

 

[حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن عبد الله بن بريدة حدثني يحيى بن يعمر أن أبا الأسود الديلي حدثه عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك] نعم، لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، يعني بأن يقول له يا فاسق، أو فلان فاسق، فإن كان فلان فاسقاً فإنه لا يفسق هذا القائل، وليس معنى ذلك أنه لا يأثم، بل هو آثم بمثل هذا الكلام، أما إذا لم يكن فاسقاً؛ فإنه يرجع عليه هذا الوصف ويصبح هو الفاسق، وهكذا أيضاً لو رماه بالكفر، قال فلان كافر، كفَّر أحداً، فإن لم يكن كافراً أصبح هو الكافر، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، ويدل على أن الإنسان ينبغي له أن يتورع في إطلاق مثل هذه الأوصاف على غيره، الأصل في الإنسان الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويظهر الإسلام، الأصل أنه مسلم، لا نخرج عن هذا الأصل إلا بشيء واضح كالشمس، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "من صلى صلاتنا أو استقبل قبلتنا أو أكل ذبيحتنا فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا"، وتكفير الإنسان إذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، لكن هذا لا يكون إلا من أهل العلم، لا يكون من أي أحد، وبعد أن تقام عليه الحجة، بعد أن تقام على هذا الشخص الحجة فيكفره أهل العلم، ولا يكون المجال مفتوحاً لأي أحد، ولذلك ينبغي أن يكون الإنسان متورعاً عن إطلاق مثل هذه الأوصاف على غيره، وصف الفسق والكفر، إلا من كفَّره الله ورسوله، من كفَّره الله ورسوله، ومن يدينون بغير دين الإسلام، هؤلاء كفار، لكن إنسان يعلن إسلامه ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم يوصف بالكفر أو الفسق، فهذا مزلة أقدام، إن لم يكن كذلك رجع هذا القول على القائل، ولهذا لما قال ابن الإمام أحمد لأبيه: أتسب يزيداً! قال: ومتى رأيت أباك يسب أحداً!، ينبغي أن يكون لسان الإنسان عفيفاً عن السب وعن الشتم وعن اللعن، إلا من كفَّره الله ورسوله.

  

[حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح بن سليمان حدثنا هلال بن علي عن أنس قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا لعانا ولا سبابا كان يقول عند المعتبة ما له ترب جبينه] هذا سبق معنا في الدرس السابق، وتتكلمنا عنه بالتفصيل، وأن هذا "ما له ترب جبينه" أسلوب عند العرب، لا يراد به معناه.

 

        [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله] نعم هذا الحديث تضمن عدة معان، الأول: (من حلف على ملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال)، وجاء في رواية (وقال هو يهودي كاذباً فهو كما قال) يعني أن هذا الوصف يعود عليه، نسأل الله العافية، فإذا قال عن نفسه أنه يهودي؛ إن لم يكن هذا صحيحاً فلم يكن صحيحاً، فيخرج عن ملة الإسلام ويكون يهودياً أو يكون على غير ملة الإسلام، وهذا من نصوص الوعيد، وهذا يقتضي أن هذا الكلام أنه من كبائر الذنوب، أن هذا من كبائر الذنوب، قال: (وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك) يعني إذا نذر الإنسان نذراً وهو لا يملك هذا الشيء، فلا ينعقد النذر، لا ينعقد النذر إلا فيما يملك،  (ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة) يعني هذا في حق المنتحر الذي يقتل نفسه، فإنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا[النساء: 29،30]، ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها يوم القيامة، ومن قتل نفسه هنا بشيء؛ بأي شيء يعذب به يوم القيامة، فهذا الإنتحار أو قتل النفس لا يقدم عليه إلا من عنده ضعف في الإيمان، وإلا من كان مؤمناً بالله -عز وجل- فإنه مهما كان عنده من صعوبات في الحياة، ومهما كان عنده من مصائب ومن بلايا، يلجأ إلى الله -عز وجل-، ويستحضر أن هذه الدنيا متاع الغرور، وأنها لا تستحق من الإنسان أن يقدم على أمر لن يخلصه، يعني هذا الإنتحار أو قتل النفس لن يخلصه من مصيبته التي هو فيها، بل سيقدم على ما هو أشد، لأنه يعذب يوم القيامة بذلك الذي قد قتل به نفسه، قال: (ومن لعن مؤمنا فهو كقتله) وجاء هذا أيضاً في لفظ آخر في الصحيحين؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لعن المؤمن كقتله" أي في الإثم، وهذا يدل على أن اللعن أنه من كبائر الذنوب، وقد جاء عند أبي داوود من حديث أبي الدرداء بسند جيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة فإن لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لُعن، فإن كان أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها"، فاللعن إذاً من كبائر الذنوب، ولذلك ينبغي الإنكار على من يصدر منه اللعن، بعض الناس اللعن على لسانه، بل بعض الناس يقابل غيره باللعن!، أو يلعن والديه، أو يلعن أمه، هذا من كبائر الذنوب، هذا من الكبائر، وتأمل قوله -عليه الصلاة والسلام-: ومن لعن مؤمناً فهو كقتله!، اللعن مثل القتل في الإثم، فهو من الذنوب الكبار، يستهين بعض الناس باللعن وهو من كبائر الذنوب، قال: (ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله) أيضاً إذا كفَّر الإنسان آخر، وهذا المكفر غير مستحق للكفر، فهو أيضاً كقتله في الإثم، وهو أيضاً من أعظم ما يكون في القذف، فعلى المسلم أن يكون عفيف اللسان، أن يبتعد عن هذه الألفاظ عن السباب وعن الشتم وعن قذف المسلمين، سواء بالكفر أو بالفسق، وأن يحرص على أن ينتقي الطيب من القول، وأن يقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يكن فاحشاً ولا لعاناً ولا سبابا.

 

[حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال حدثني عدي بن ثابت قال سمعت سليمان بن صرد رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم وقال تعوذ بالله من الشيطان فقال أترى بي بأس أمجنون أنا اذهب] نعم، هذه القصة وقعت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، أن رجلين استبا، يعني حصل بينهما خصومة وسباب، فأحدهما اشتد غضبه وانتفخت أوداجه وتغير وجهه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، لماذا!؟ لماذا هذه الكلمة تذهب عنه ذلك؟ لأن هذا الغضب إنما هو من الشيطان، الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، وإذا قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ذهب عنه الشيطان فسكن غضبه، فانطلق إليه أحد الناس وأخبره بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، قال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذا الرجل يقال أنه كان من جفاة الأعراب، فقال: (أبي جنون)، وفي اللفظ الذي ساقه المصنف: (أترى بي بأس أمجنون أنا، اذهب)، ما تقبل، كان ينبغي أنه يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خاصة أن الذي وجه وأرشد إلى ذلك هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن بعض الناس عنده شدة الغضب ما يتقبل أي نصح، ولا يتقبل أي توجيه، ويستفاد من هذا أنه يشرع عند الغضب الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، كلما غضبت قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب سببه الشيطان، الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فإذا غضب الإنسان يشرع له أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، أيضاَ يشرع له أن يتوضأ، لأن الغضب من الشيطان، والشيطان خُلق من نار، والماء يطفئ النار، وأيضاً يشرع له أن يغير هيأته، فإن كان قائماً قعد، وإن كان قاعداً اضطجع، هذه كلها مما يشرع عند الغضب، وأيضاً أن يكظم الغيظ، الله -تعالى- أثنى على الكاظمين الغيظ، أثنى الله -تعالى- على الكاظمين الغيظ، وينبغي للطرف الآخر يعني إذا قابل شخصاً مغضباً ألا يتصادم معه، بل يقول له سلاماً، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا[الفرقان: 63]، لابد أن الإنسان في حياته يقابل مثل هذه الشخصيات الصعبة، يكون إنسان أحمق عنده شدة غضب عنده طيش، وربما أن هذا الأحمق يرى أنك قد أخطأت عليه، فيريد منك كلمة حتى يبدأ في سبابك وربما حتى في مضاربتك، فهنا ينبغي أن تنسحب وألا تقابل ذلك بمثله، ولهذا قالوا في المثل: لا تجادل الأحمق فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما، يعني لا تنزل بأخلاقك إلى أخلاق هذا الأحمق، فهذه ينبغي أن يكون عند الإنسان مهارة في التعامل مع هذه الشخصيات في المجتمع وهذا النوع من الناس، فكيف يتعامل مع هؤلاء؟ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا[الفرقان: 63]، يعني أنه يقول كلاماً لطيفاً ليناً وينسحب، لا يقابل هذا بمثله، وهناك درجة لكن لا يوفق لها كثير من الناس، لأنها صعبة على النفوس، وهي دفع السيئة بالحسنة، كما قال الله -تعالى-: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[فصلت: 34]، يصبح العدو كأنه حميم وقريب صديق، لكنها صعبة على النفوس، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ يعني ما يلقَّى هذه الخصلة، ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ يعني تحتاج إلى صبر عظيم، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[فصلت: 35]، يعني لا يلقَّى هذه الخصلة إلا ذو نصيب وافر من الأخلاق الكريمة الحسنة، فعندنا مرتبة الإعراض عن الجاهلين، وعندنا مرتبة دفع السيئة بالحسنة، فإن استطعت أن تصل إلى دفع السيئة بالحسنة، مثل هذا الذي يسبك ويشتمك تقول عفا الله عنك، غفر الله لك، جزاك الله خير، تدفع السيئة بالحسنة، فإن لم تستطيع الوصول لهذه المرتبة، فلا أقل من أن تعرض عنه، أعرض عنه واتركه، ومثل ذلك أيضاً في وسائل التواصل الإجتماعي، قد يوجد بعض الناس عندهم شيء من الحمق والسفه، فهنا لا يجاريهم الإنسان، لا يجاريهم، يعرض عنهم، الإعراض في وقتنا الحاضر يمثله ماذا؟ مثل الحظر، تحظره وتستريح منه، هذا نوع من الإعراض، أما أن تدخل معه في نقاش، تدخل معه في إشكالات، فإنك تنزل أخلاقك إلى مستوى أخلاقه، وكما ذكرت يعني أن الناس لن تفرق بينك وبينه، إذا تخاصمت وجادلت الأحمق، في النهاية الناس ما تفرق بينك وبينه.

 

[حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل عن حميد قال قال أنس حدثني عبادة بن الصامت قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبر الناس بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين قال النبي صلى الله عليه وسلم خرجت لأخبركم فتلاحى فلان وفلان وإنها رفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة] يعني كان -عليه الصلاة والسلام- يريد أن يخبر الناس بليلة القدر، لكن لما دخل المسجد حصل جدل بين شخصين، خصومة وارتفعت أصواتهما، فنسيها النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقال: "عسى أن يكون خيرا"، وهذا يدل على أن ليلة القدر أنها ثابتة، وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يخبر الناس بليلة واحدة، وإلا لو كانت تتنقل لكان لما أُنسيها في ذلك العام، أخبرهم بها في العام الذي بعده وفي العام الذي بعده، ظاهر الحديث أنها ثابتة، وعسى أن يكون خيراً، ولذلك أخبر -عليه الصلاة والسلام- بأنها في العشر الأواخر، نختم بحديث أبي ذر: 

 

[حدثني عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش عن المعرور هو ابن سويد عن أبي ذر قال رأيت عليه بردا وعلى غلامه بردا فقلت لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة وأعطيته ثوبا آخر فقال كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي أساببت فلانا قلت نعم قال أفنلت من أمه قلت نعم قال إنك امرؤ فيك جاهلية قلت على حين ساعتي هذه من كبر السن قال نعم هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه] نعم، هذه وقعت من أبي ذر -رضي الله عنه- أنه لما حصل بينه وبين رجل خصومة، سبَّه وقال: (يا ابن السوداء)، كما في الرواية الأخرى، قال: (يا ابن السوداء)، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (إنك امرؤٌ فيك جاهلية)، قال: (على ساعتي هذه من كبر السن)، يعني إنسان أنا كبير في السن كيف يكون فيني جاهلية!، فبين النبي -عليه الصلاة والسلام- أن مثل هذه الكلمات أنها من خصال الجاهلية، كون الإنسان يسب الإنسان ويعيره بأمه يا ابن فلان يا ابن فلان، هذه من أخلاق أهل الجاهلية، ليست هذه من أخلاق المؤمنين، أن الإنسان يعير الآخرين ويطعن في أنسابهم، ويقول يا ابن فلان ويا ابن فلانه، ثم أرشد -عليه الصلاة والسلام- إلى الإحسان إلى المماليك وإلى الخدم، وقال: (هم إخوانكم جعلهم الله -تعالى- تحت أيديكم) جعل الله -تعالى- لك سلطة عليهم، فينبغي أن تحسن إليهم، ولهذا قال: (فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل)، يعني نفس حتى الأكل الذي تأكل منه أطعمه من مطعمك، (وليلبسه مما يلبس)، فهذا أخوك المسلم، لكن الله -تعالى- فضلك عليه، وجعل لك سلطة عليه، فينبغي أن تستشعر قدر النعمة، وأن لا تحتقر أخاك المسلم، (ولا يكلفه من العمل ما يغلبه) أيضاً يكلفه من العمل ما يستطيعه، (فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه)، وهذا من الإحسان إلى المماليك وإلى الخدم، ويقولون إذا أردت أن تعرف أخلاق إنسان ومعدنه، فلا تنظر إلى تعامله مع أشراف الناس ولا مع رؤسائه، وإنما انظر إلى تعامله مع الخدم، إذا كان تعامله مع الخدم تعاملاً راقياً، تعاملاً كريماً، فهذا دليل على حسن خلقه وعلى طيب معدنه.

 

ونكتفي بهذا القدر، والأسبوع القادم الثلاثاء ليس فيه درس، الثلاثاء الأسبوع القادم فقط نتوقف، ونستأنف إن شاء الله الدرس الثلاثاء بعد القادم بإذن الله عز وجل، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *