الخثلان
الخثلان
كتاب ا(القضاء)
5 رجب 1440 عدد الزيارات 113

شرح متن التسهيل / كتاب القضاء

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل، وكنا وصلنا إلى (كتابُ القضاءِ).

قال المؤلف -رحمه الله-: [كتابُ القضاءِالقضاء: مصدر (قضى، يقضي، قضاءً)، ويطلق في اللغة على معانٍ:

  • فيطلق بمعنى إمضاء الحكم، ومنه قول الله -تعالى-: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ [الإسراء: 4].
  • ويطلق بمعنى إحكام الشيء والفراغ منه، ومنه قول الله -تعالى-: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 12].

وتعريفه إصطلاحاً: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات.

تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات، وقولنا في التعريف: تبيين الحكم الشرعي؛ هذا يشمل القضاء والفتوى، فكل منهما فيه تبيين للحكم الشرعي، وقولنا والإلزام به: قيد يخرج الفتوى، لأن الفتوى غير ملزمة، بخلاف القضاء فإنه ملزم، وقولنا في التعريف وفصل الخصومات: هذا بيان الغرض من القضاء وهو الفصل في الخصومات وقطع الخصومة بين المتخاصمين.

ومنصب القضاء منصب شريف، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وقد قام به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فكانوا يحكمون لأممهم، كما قال الله -تعالى- عن داوود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: 26]، ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة: 49]، وأيضاً قام به الخلفاء الراشدون وبعض كبار الصحابة، وبعض الأعلام من التابعين، وفيه نصرة للمظلوم، وردعٌ للظالم، وفيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا حسد إلا في اثنتين -أي: لا غبطة إلا في اثنتين-: رجلٌ آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته -يعني على إنفاقه- في الحق، ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها"، فهو يقضي بها ويعلمها؛ فهذا ثناءٌ لمن أعطاه الله العلم فقضى وعلَّم، وأيضاً يقول الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: 42]، إن الله يحب المقسطين، وأي شرف أشرف من محبة الله -عز وجل-!، إذا تحرى القاضي أن يحكم بالقسط وبالعدل؛ فإنه يكون من المقسطين، والمقسطون يحبهم الله -عز وجل-، ولعلو مرتبته وعظيم فضله جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، إذا اجتهد القاضي وبذل وسعه، فإن أصاب فله أجران، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" [متفق عليه]، ولكن قد ورد كلام لبعض أهل العلم في التحذير من القضاء، واستدلوا ببعض الأحاديث المروية في ذلك، ومنها حديث بريدة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقضي به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار"، وأيضاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من ولِّي القضاء فقد ذُبح بغير سكين"، ولهذا امتنع بعض السلف عن القضاء، ابن عمر -رضي الله عنه- طلبه عثمان للقضاء فامتنع، وأيضاً الإمام أبو حنيفة طُلب للقضاء فامتنع؛ فضُرب وجلد وحُبس بسبب ذلك، والإمام مالك أيضاً طُلب للقضاء فامتنع، وضُرب، ويقال أنه انخلعت يداه عن كتفيه، لكن اختلف العلماء في سبب هذا الإنخلاع هل هو بسبب ضربه عن الإمتناع عن القضاء أو بسبب آخر، كذلك الشافعي طُلب للقضاء فامتنع، ولكن هذا محمول على تورعهم، وأيضاً ما ورد من الأحاديث في التحذير من القضاء محمول على من يكره له القضاء أو يحرم، من يكره له القضاء في حقه أو يحرم، هذا هو الذي تُحمل عليه هذه الأحاديث والآثار، أما من عنده قدرة على أن يحكم بالحق وبالقسط؛ فكما ذكرنا أن القضاء هو منصب شريف يكفي أن الأنبياء والرسل تولوا هذا المنصب، وكذلك الخلفاء الراشدون من بعدهم.

نعود لعبارة المؤلف؛ قال المؤلف -رحمه الله-: [وَهوَ فرضُ كِفَايةٍ] الأصل في القضاء أنه فرض كفاية، وهذا بإجماع العلماء، وذلك لأن طباع البشر مجبولة على التظالم، ومنع الحق، وقلَّ من ينصف من نفسه، فكانت الحاجة داعية إلى القضاء، طيب هل الأصل في الإنسان العدالة أو ليس الأصل فيه العدالة؟! طيب المسلم؟ خلونا في المسلم، هل الأصل في المسلم العدالة؟!

من العلماء من قال أن الأصل في المسلم العدالة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وقال بعض أهل العلم إن الأصل في الإنسان ليس العدالة، مسلماً كان أو غير مسلم، وإنما الأصل فيه الظلم والجهل، لقول الله -تعالى-: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72]، وهذا هو القول الراجح، واختاره ابن تيمية وابن القيم وجمع من المحققين من أهل العلم، أن الأصل في الإنسان عدم العدالة، الأصل فيه الظلم والجهل، ولهذا قال أبو الطيب المتنبي:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد  *   ذا عفة فلِعلَّة لم يظلمِ

يعني أن هذا هو الأصل، فالأصل في الإنسان الظلم والجهل، ولذلك نقول الأصل عدم العدالة، وهذا هو الذي عليه العمل، الآن عندما يؤتى بشهود للقاضي يطلب مزكين، لو كان الأصل العدالة ما طلب مزكين، هذا يدل على أن الأصل عدم العدالة، هذا هو الذي عليه عمل قضاة المسلمين من قديم، فإذاً الحاجة داعية إلى نصب القاضي، وهو فرض كفاية، وفرض الكفاية إذا قام به بعض من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثموا جميعاً، وتولي الإنسان للقضاء قد يكون واجباً وقد يكون محرماً وقد يكون مباحاً، فيكون تولي القضاء واجباً على من يحسنه ولا يوجد غيره يقوم مقامه، يعني إنسان مثلاً في قرية وطُلب للقضاء، وما فيه أحد يقوم مقامه، هنا يجب عليه أن يتولى القضاء، وقد يكون محرماً على من تولاه وهو جاهل بأحكام الشريعة، ويباح لمن يحسن القضاء ويوجد غيره يقوم مقامه، ويباح لمن يحسن القضاء ويوجد غيره يقوم مقامه.

نعود لعبارة المؤلف؛ قال المؤلف -رحمه الله-: [وَعَلَى الإِمامِ نَصْبُ مَنْ يُكتفَى بِهِ] يعني هذه من مسؤولية الإمام، أنه ينصب قضاةً للناس، لكي يحكموا ويفصلوا بينهم، فهي من مسؤولية الإمام وولي الأمر، وعليه أن يختار أفضل الموجودين علماً وورعاً، قال: [وعَلَى المُتَعَيِّنِ إن طُلِبَ الإِجابَةُ، كالإِمَامَةِ] يعني على من تعين عليه القضاء لكونه يصلح، ولم يوجد غيره، أن يجيب إذا طُلب للقضاء، لأن فرض الكفاية قد يكون فرض عين إذا لم يوجد من يقوم به، كسائر فروض الكفايات، وهذا قوله (على المتعين) فيه إشارة أن تولي القضاء قد يكون واجباً كما ذكرنا، قد يكون تارةً واجباً وتارةً محرماً وتارةً مباحاً، قال: [كالإِمَامَةِ] الإمامة من فروض الكفاية، كذلك أيضاً الأذان، تولي القضاء، هذه كلها من فروض الكفاية.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن شروط القضاء، الشروط الواجب توفرها فيمن يتولى القضاء، ذكر المؤلف جملة من الشروط؛ قال: [وإنَّمَا يَلِيهِ مُسلِمٌ] هذا هو الشرط الأول: الإسلام، وهو محل إجماع، فلا يجوز أن يولى الكافر القضاء، لقول الله -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: 141]، ولأن الإسلام شرط في الشهادة، فلأن يكون شرط في القضاء من باب أولى. قال: [يَلِيهِ مُسلِمٌ مُكَلَّفٌ] هذا هو الشرط الثاني: أن يكون من يتولى القضاء مكلَّفاً، لأن الصبي والمجنون لا ينفذ قولهما في حق أنفسهما، ففي حق غيرهما من باب أولى. قال: [ذَكَرٌ] هذا هو الشرط الثالث: وهو أن يكون من يتولى القضاء ذكراً، فلا تتولى المرأة القضاء على قول الجمهور، لقول الله النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم إمرأة" [رواه البخاري]، ولأن المرأة ليست أهلاً لحضور محافل الرجال، يعني ليست من أهل حضور محافل الرجال، والأصل أنها تقر في بيتها، ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: 33]، فالقضاء يحتاج إلى اختلاط بالرجال، وأن يجلس بين يدي القاضي الخصوم ويسمع الشهود، ويكون لهم معاونون، وهذه كلها من محافل الرجال، وليست من محافل النساء. قال: [حُرٌّ] هذا هو الشرط الرابع: وهو أن القاضي يكون حرًّا، فلا يصح أن يتولاه العبد، لأن العبد مشغول بخدمة سيده. قال: [عَدْلٌ] هذا هو الشرط الخامس: هو العدالة، وذلك بأن يكون ظاهر الأمانة عفيفاً عن المحارم، متقياً للمآثم، فلا يصح أن يولى الفاسق القضاء، لأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً، فلا يكون قاضياً من باب أولى، ولأن الفاسق لا يؤمن من أن يحيف في الحكم ويجور فيه. قال: [سَمِيعٌ] هذا هو الشرط السادس: أن يكون القاضي سميعاً، لأن القاضي يحتاج إلى أن يسمع كلام الخصمين، والأصم لا يسمع؛ فلا يكون قاضياً. [بَصِيْرٌ] هذا هو الشرط السابع: أن يكون القاضي بصيراً، يعرف المدعي من المدعى عليه، والشاهد من المشهود عليه، وعلى هذا فلا يصح أن يكون القاضي أعمى، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط هذا الشرط، وأنه يصح قضاء الأعمى، وذلك لأن الأعمى يدرك بحسه السمعي ما يدركه البصير، بل ربما يكون إدراك الأعمى أشد، والأعمى يعرف الأصوات ويميزها، وقد ثبت في الواقع أن بعض القضاة العميان نجحوا في هذا المنصب، وقاموا بالقضاء بكل اقتدار وكفاءة، وهذا هو القول الراجح، أنه لا يشترط هذا الشرط، وأنه يصح أن يكون القاضي أعمى، وهو الذي عليه العمل، وقد رأينا من بعض كبار مشايخنا من هو أعمى وقاضٍ، ويضرب به المثل في حسن القضاء وفي الفصل بين الخصوم، ومن هؤلاء الشيخ عبد الله بن حميد -رحمه الله-، فلا زالت الآن بعض القصص تذكر عنه، فهو مضرب مثل في مجلس القضاء وحسن إدارته، وأيضاً سرعة فصله في الخصومات، وله كتاب في هذا، من أراد يعني أن يعرف سيرته له كتاب ألفه الشيخ محمد العبودي عن في مجلدين، وأيضاً شيخ المشايخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-، أيضاً كان هو الذي يولي القضاة، يعني كان يقضي ويولي القضاة، وأيضاً الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- أيضاً، بقي مدة طويلة في الدلم قاضياً، يعني أثبتوا كفائتهم وقيامهم بهذا المنصب بكل اقتدار، وهذا مما يرجح القول الثاني، وهو عدم اشتراط البصر في القاضي، وأنه يصح أن يكون القاضي أعمى. قال: [مُتكَلِّمٌ] وهذا هو الشرط الثامن: أن يكون القاضي متكلماً، لأن الأخرس لا يفهم جميع الناس إشارته، ويكون في توليه للقضاء فيه نوعٌ من النقص، لأنه تأتي إليه جميع الشرائح تأتي إليه، فربما أن بعض الناس لا يفهم كلامه، ولذلك اشترطوا أن يكون متكلماً، قال: [عاَرِفٌ أحكَامَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، والإِجْمَاعِ، والخِلاَفِ، وطُرُقِ الاجتهادِ، ولِسَانِ العَرَبِ] هذا هو الشرط التاسع، يعني المؤلف بذلك أن يكون القاضي مجتهداً، أن يكون القاضي مجتهداً، والمجتهد هو الذي ذكره المؤلف هنا، هو العارف بأحكام الكتاب والسنة والإجماع والخلاف وطرق الإجتهاد ولسان العرب، فذكر المؤلف هذه الأمور الستة:

الأول: أن يكون عارفاً عالماً بكتاب الله -عز وجل-، أن يكون عالماً بكتاب الله -عز وجل-، وما يتضمنه من أحكام.

الأمر الثاني: أن يكون عالماً بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما تتضمنه من أحكام.

الأمر الثالث: أن يكون عالماً بمسائل الإجماع، حتى لا يقضي بما يخالف الإجماع.

الأمر الرابع: قال [والخلاف] أن يكون مطلعاً على خلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم، ووجهة أصحاب كل قول في كل مسألة.

قال: [وطرق الإجتهاد]، الأمر الخامس: أن يكون عالماً بأصول الفقه، وهو ما عبر عنه المؤلف بقوله (طرق الإجتهاد)، فيكون عالماً بالأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وبقية علوم أصول الفقه.

قال: [ولسان العرب]، وهذا هو الأمر السادس: أن يكون عالماً بلسان العرب من النحو ونحوه، لأجل أن يستقيم لسانه ويفهم كلامه.

فهذه شروط ستة لأجل أن يصل القاضي إلى رتبة الإجتهاد، ولكن قال أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-: أن شروط القضاة تعتبر بحسب الإمكان، ويولى الأمثل فالأمثل، لأنه في بعض الأزمنة قد لا تتوفر هذه الشروط، فلا يترك الناس بدون قضاة، وإنما يولى الأمثل فالأمثل، وبعض الشروط في بعض كتب الفقه تذكر شروط المجتهد؛ تذكر شروطاً لو أُريد تطبيقها على أبي بكر وعمر ما انطبقت!، مبالغ فيها!، أن يكون عالماً بكذا وكذا وكذا..، يعني فيها مبالغة شديدة، فيعني مثل هذه التنظيرات غير مقبولة، وتراعى أحوال الناس أيضاً، تراعى أحوال الناس في هذا، ولهذا ابن تيمية -رحمه الله- يقول: إن هذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويولى الأمثل فالأمثل.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك لما يسن أن يكون في القاضي، قال: [ويُسَنُّ كَونُهُ كَاتِبَاً] يعني ولا يجب، لكن هذا مستحب، لأنه يحتاج إلى كتابة الحكم أحياناً عنده، خاصة في زمننا هذا، والتعرف على خطوط الشهود ونحو ذلك. قال: [ونُزولُهُ وَسَطَ البَلَدِ] يعني يستحب أن ينزل القاضي وسط البلد، ليستوي أهل البلد في المضي إليه، يعني فإن تيسر أن تكون المحكمة الشرعية أن يكون مبناها في وسط البلد فهذا أفضل، وإن لم يتيسر وكانت في طرف البلد فالأمر في هذا واسع. [وحُكمُهُ بِمَكانٍ وَاسِعٍ] يعني أن يكون حكمه في مكان متسع لكي يسع الخصوم والشهود، وهذا الآن متحقق في مباني المحاكم الشرعية. قال: [بِلاَ حَاجِبٍ وبَوَّابٍ فِي المَجْلِسِ] يعني ينبغي للقاضي ألا يتخذ حاجباً ولا بواباً، وإنما من أراد الدخول عليه يدخل، وقد ورد الوعيد الشديد في حق من اتخذ حاجباً يحجب الناس عنه مع حاجتهم الماسة إليه، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "من ولاه الله شيئاً من أمر الناس فاحتجب عن حاجتهم، احتجب الله دون حاجته يوم القيامة"، ولأن حاجبه هذا قد يقدم المتأخر ويؤخر المتقدم، ولكن مع كثرة الناس وكثرة الخصوم لا بأس بأن يجعل حاجب وهو ما يسمى مثلاً بالسكرتير للقاضي، لكي يرتب الناس، الأول فالأول، لكن لابد أن يكون هذا الحاجب أميناً وأن يعدل بين الناس، لكن يرتب دخولهم على القاضي الأول فالأول، لا بأس بهذا لأنه مع كثرة الناس الحاجة داعية لهذا. قال: [ولاَ يَحكُمُ مَعَ مُخِلٍّ بفكرٍ كغَضَبٍ]. قبل هذا أيضاً المؤلف ذكر ما يسن في حق القاضي، ذكر الفقهاء أنه يسن أيضاً في حق القاضي أن يكون قوياً من غير عنف، أن يكون قويا من غير عنف، فيكون قوي الشخصية، وقوياً أيضاً في علمه، ويعني هذه القوة حتى لا يطمع فيه الظالم، لأن الضعيف يطمع فيه الظالم، فبعض الخصوم يكون لسناً وقوي الحجة وإذا رأى القاضي ضعيفاً طمع فيه، وأن يكون ليناً من غير ضعف، ليناً من غير ضعف، لئلا يهابه صاحب الحق، فيجمع بين الأمرين؛ يكون قويا من غير عنف، ليناً من غير ضعف، وأيضاً ينبغي أن يكون القاضي ذا أناةٍ، فلا يكون عجلاً، لأنه إذا استعجل فربما يحكم خطأً، لابد من الأناة، والأناة -يعني عدم العجلة- من الأخلاق التي يحبها الله ورسوله، كما قال -عليه الصلاة والسلام- للأشج بن عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة"، وأيضاً ينبغي أن يكون القاضي ذا فطنة، لئلا يخدعه بعض الخصوم، لأن بعض الخصوم عنده ذكاء وعنده ممارسة، فربما إذا كان القاضي ليس فطناً يخدعه، ولهذا قال ابن القيم: (معرفة الناس أصلٌ عظيم يحتاج إليه الحاكم)، ولابد أيضاً للقاضي أن يعرف أحوال الناس، ويعرف أيضاً طرقهم في الحيل وفي الخداع حتى لا يخدعه بعض الخصوم، هذه كلها مما ينبغي أن تتحقق في القاضي.

ثم ذكر المؤلف بعد ذلك الأمور التي ينبغي ألا يحكم معها القاضي عند تحققها، قال: [ولاَ يَحكُمُ مَعَ مُخِلٍّ بفكرٍ] يعني ما يخل بفكر القاضي ويشوش ذهنه، ومن ذلك [كغَضَبٍ] فحال الغضب الشديد ينبغي للقاضي أن يؤجل الحكم ولا يحكم، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" [متفق عليه]، فعند حكم القاضي ينبغي أن يحكم من غير أن يكون مغضباً، وإن كان غضبان فهذا لن يكون حكمه موفقاً، لأن الغضب مما يشوش الفكر، قال: [وجُوعٍ] يعني الحديث ورد في الغضب لكن يقاس عليه ما ذكره المؤلف بعد ذلك، ومن ذلك الجوع الشديد، إذا كان القاضي جائعاً جوعاً شديداً؛ يقولون أنه ينبغي ألا يحكم، لأن هذا الجوع الشديد يشوش فكره، [وعَطَشٍ] أيضاً لو كان عطشان عطشاً شديداً، فينبغي ألا يحكم، لأن هذا أيضاً يجعل فكره مشوشاً، [وشِدَّةِ حَرٍّ أو بَرْدٍ] يعني قديماً كان يأتي أحياناً شدة حر أو شدة برد تشوش على القاضي فكره، أما في وقتنا الحاضر فهذه تنتفي مع وجود المكيفات ووسائل التدفئة، [ومَرَضٍ] لو كان القاضي مريضاً وفكره مشوش، ينبغي ألا يحكم، [وَخَوفٍ] أيضاً لو كان خائفاً خوفاً يشوش فكره، فينبغي ألا يحكم، ويؤجل الحكم، [وهَمٍّ] أيضاً الهم يشوش الفكر، لو كان مهموماً ينبغي أن يؤجل الحكم لجلسة أخرى حتى يزول عنه هذا الهم، [ونُعاسٍ] أيضاً لو كان فيه نعاس ولم يستجمع فكره، وفكره مشوش بهذا النعاس، فينبغي أن يؤجل الحكم، هذه كلها مقيسةٌ على الغضب المذكور في الحديث، "لا يقضي القاضي وهو غضبان".

ثم بعد ذلك ذكر المؤلف ما ينبغي للقاضي مراعاته عند جلوس الخصوم بين يديه، قال: [وَيَجِبُ أن يُسَوِّيَ بينَ الخَصْمَيْنِ] على القاضي أن يسوِّي بين الخصمين في كل شيء، في لحظه ولفظه ومجلسه، في لحظه: يعني عند في نظره إليهما، ما يركز النظر على واحد ولا ينظر للثاني، ولفظه: ما يكني هذا يقول يا أبا فلان وأنت يأتي باسمه المجرد، إنما يعدل بينهم، في مجلسه: لابد أن يستويان في المجلس، لا يكون أحدهما أرفع من الآخر، أو كرسي أحدهما أفضل من كرسي الآخر، لابد من أن يستوي الخصمان في كل شيء، لأن كون القاضي يفضل أحد الخصمين على الآخر في لحظه أو لفظه أو مجلسه أو في كلامه؛ يكسر خاطر وقلب الخصم الآخر، يكسر قلبه وربما ضعف عن القيام بحجته. قال: [لكن يَرفَعُ مَجلِسَ المُسلِمِ] يعني إن ترافع إليه مسلم وكافر يجعل مجلس المسلم أرفع، يعني يجعل كرسي المسلم هو الرفيع، كرسي الكافر أقل منه، هذا هو المذهب عند الحنابلة، يقولون لأن المسلم أعلى مكانة والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا فرق في مجلس القاضي بين المسلم والكافر، لا فرق في ذلك، لأن القاضي مطلوب منه تحقيق العدالة، فينبغي أن يحقق العدالة حتى بين المسلم والكافر، وهذا هو القول الراجح، أنه لا يُرفع مجلس المسلم على مجلس الكافر، وهذا من عظمة الشريعة، ولهذا لما اختصم علي بن أبي طالب، وكان الخليفة، مع يهودي في درع، علي يقول هذا درعي واليهودي يقول درعي، فاختصما إلى شريح، يعني أمير المؤمنين جلس مع يهودي عند قاضٍ تحت ولايته، فقال له شريح: أعندك بينة؟ قال: عندي الحسن والحسين، قال: هما ابناك، لا تقبل شهادتهما، قال: كيف لا تقبل شهادتهما وقد سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنهما سيدا شباب أهل الجنة"؟! فيعني شريح قال: هذا في المكانة والفضل، لكن في القضاء ما تقبل شهادتهما، أعندك بينة أخرى؟ قال: لا، فحكم للدرع لليهودي، اليهودي انبهر! قال: قاضي يحكم على أمير المؤمنين لكونه لم يجد شهوداً! ما هذه العدالة!، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقال لشريح: الدرع درعه، يعني تأثر جداً بهذا الموقف، فلما رآه علي يقول ذلك وقد أسلم قال: الدرع هو لك، أهداه إليه، ويقولون أن هذا اليهودي أصبح من جنود علي -رضي الله عنه- وأنه قُتل في النهروان. فانظر إلى عظمة القضاء في الإسلام، القضاء في الإسلام له عظمة، وفي الحضارة الإسلامية، كان يؤتى بالسارق وقد سرق، فيحكم عليه، وينفذ الحكم، ليس في يوم واحد! في ساعة واحدة، في ساعة واحدة، الرجل الذي سرق رداء صفوان، أتي به للنبي -صلى الله عليه وسلم- واعترف، أمر بقطع يده في الحال، قطعت يده، في القضاء الإسلامي كانت الجلسات جلسة واحدة، حتى في الحدود والقصاص مرة واحدة، إلا أحياناً يحتاج إلى فقط أن يكون جلستين أو ثلاث لأجل فقط سماع الشهود، فكان القضاء أيضاً سريعاً، ومن العدالة سرعة الفصل، لتحقيق العدالة سرعة الفصل، لهذا الله -تعالى- يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [إبراهيم: 51]، وقد كان هذا على مر العصور إلى وقتنا الحاضر الذي اختلف فيه القضاء بالعمل الإداري فأصبحت القضايا الآن تتأخر، لكن كان يمكن إلى ما قبل خمسين سنة عندنا هنا في المملكة؛ كان القاضي يجلس في السوق ويأتي إليه الخصوم ويحكم بينهم في جلسة واحدة، فالقضاء في الإسلام مزدهر وعظيم.

قال المؤلف -رحمه الله-: [ولا يَقبَلُ هَدِيَّةَ خَصْمٍ] يعني لا يجوز للقاضي أن يقبل الهدية من شخص له خصومة، حتى ولو كان يهدي إليه قبل القضاء، لأن الهدية لها أثر في استمالة القلب، ومهما كان الهدية لها وقع في النفس ولها أثر، فلا يجوز أن يقبل هديته، وأيضاً لا يجوز أن يقبل هدية؛ قال: [ومَنْ لَمْ تُعْهَدْ مِنْهُ قبلَ الوِلاَيَةِ] إنسان أصبح يهدي للقاضي بعدما أصبح قاضياً، قبل أن يولى القضاء لم يكن يهدي له، لا يجوز أن يقبل هديته، لأنه إنما أهدى له لكونه قاضياً، طيب لو كان يهدي له قبل أن يلي القضاء؛ صديق له يهدي له قبل أن يلي القضاء هنا لا بأس، لأن هديته ليس لأجل منصب القضاء وإنما للعادة الجارية بينهما في التهادي.

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [وإنّما يُقبَلُ كتابُ القَاضِي إليهِ بِعَدْلَيْنِ] انتقل المؤلف للكلام عن كتاب القاضي إلى القاضي، وكتاب القاضي إلى القاضي معمول به في الوقت الحاضر، ويسمى عند الناس بأي شيء؟ بالإستخلاف، يسمونه بالإستخلاف، ويسميه الفقهاء كتاب القاضي إلى القاضي، وقد أجمعت الأمة على قبول كتاب القاضي إلى القاضي لدعاء الحاجة إليه، لكن المؤلف يقول إنه يقبل بشهادة شاهدين عدلين، والمراد بذلك: المراد بكتاب القاضي للقاضي: أن ما يكتبه القاضي إلى قاضي آخر في سماع الشهود مثلاً، أو في تنفيذ الحكم، أو نحو ذلك مما يتعلق بالدعوى، فعلى سبيل المثال لو قال أحد الخصوم لقاضٍ هنا في الرياض، قال: إن عندي شاهداً في مكة، طيب كيف يفعل مع هذا الشاهد؟ نقول إذهب وأتى بالشاهد من مكة إلى الرياض لكي نسمع شهادته!؟ يعني هذا فيه كلفة، نقول هذا الشاهد يذهب إلى محكمة مكة ويدلي بشهادته أمام قاضي مكة، وقاضي مكة يكتب للقاضي هنا في الرياض، هذا معنى كتاب القاضي للقاضي، وهذا عليه العمل، وأيضاً من ذلك قضاء التنفيذ، أن القاضي يحكم ويكون التنفيذ من قاضي آخر، وهذا الآن أصبح فيه محكمة التنفيذ، محكمة التنفيذ تنفذ أحكام القضاة، فهي أيضاً فيها تطبيق لكتاب القاضي إلى القاضي، المؤلف يقول إنه لابد من شاهدين عدلين، لا يقبل كتاب القاضي للقاضي إلا بشاهدين عدلين، ويعني هذا مما يختلف باختلاف الأزمان والبيئات، كان هذا في زمن المؤلف، أما في وقتنا الحاضر فقد وجدت المطبوعات والأختام، وأيضاً وسائل الاتصالات والمواصلات السريعة، ولذلك فالأقرب أنه يكتفى بكتاب القاضي مختوماً، يكتفى بكتاب القاضي مختوماً من غير حاجة لأن يشهد على هذا الكتاب شاهدين. قال: [فِي حَقِّ آدَمِيٍّ] يعني أن كتاب القاضي للقاضي لا يقبل إلا في حق الآدمي فقط، وأما في الحدود وفي القصاص وغير ذلك لا يقبل، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن كتاب القاضي للقاضي يقبل حتى في الحدود، ويقبل في كل شيء، لأنه إذا قبل في حق الآدمي فيقبل في غيره، وهذا هو مذهب المالكية واختاره أبو العباس ابن تيمية، وهو الأقرب والله أعلم، أن الأصل هو قبوله، أن الأصل هو قبوله. قال: [وَيَختَصُّ مَا ثَبَتَ لِيُحكمَ بِهِ، بِمَسافَة قَصْرٍ فَأَكْثَرَ] يعني يختص كتاب القاضي إلى القاضي إذا كان بمسافة قصر، يعني ثمانين كيلو فأكثر، أما لو كان أقل من ذلك فلا حاجة لأن يكتب القاضي للقاضي، يعني مثلاً شخص عنده شاهد في مدينة الرياض، ما فيه داع أن يذهب لمحكمة أخرى ويقول يسمع شهادته والقاضي في المحكمة يرفع لهذه المحكمة لأجل سماع شهادته، وإنما يأتي للقاضي مباشرة، لكن كتاب القاضي للقاضي إنما يشرع إليه عند الحاجة، وذلك بأن يكون بينهما -يعني بين القاضيين- مسافة سفر فأكثر، يعني ثمانين كيلو فأكثر، لكن قال بعض أهل العلم أنه يجوز أن يكتب القاضي للقاضي فيما ثبت عنده حتى وإن كان في بلد واحد، إذا قامت الحاجة لهذا، وهذا ذكره أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-، وهذا في الحقيقة يفيدنا الآن في مسألة قضاء التنفيذ، لأن قضاء التنفيذ في بلد واحد، فالمحكمة العامة ومحكمة الأحوال الشخصية والمحاكم كلها ترسل إلى محكمة التنفيذ للتنفيذ، فيعني تنطبق عليها مسألة كتاب القاضي للقاضي، فعلى هذا القول يصح، فعلى هذا القول الذي ذكره ابن تيمية يصح كتاب القاضي للقاضي، ويعمل به حتى وإن كان في بلد واحد إذا دعت الحاجة لذلك. قال: [وَيَقدَحُ فِيهِ فِسْقُ كَاتِبِهِ] يعني يقدح في كتاب القاضي للقاضي فسق القاضي الكاتب، إذا هذا القاضي كان قاضياً ثم فسق، طرأ عليه يعني ما تزول معه العدالة ويصبح فاسقاً، فهذا يقدح في كتاب القاضي إلى القاضي. [بِخِلافِ مَا حَكَم بِهِ] يعني ما حكم به وأنهاه فسق القاضي الكاتب لا يقدح في ذلك، لأن القاضي نفسه لو حكم في شيء ثم فسق لم يتغير حكمه، ولم ينقض، فكذا هنا. قال: [ولا يَضرُّ عَزْلُهُمَا وموتُهُمَا] يعني لا يضر عزل القاضي الكاتب، والقاضي المكتوب إليه، ولا يضر موتهما، لأن المعوَّل عليه ما في الكتاب وما دوِّن في هذا الكتاب، فلا يؤثر عليه عزل القاضي الكاتب والقاضي المكتوب إليه، أو موت القاضي الكاتب أو موت القاضي المكتوب إليه. [فَمَنْ وَصَلَهُ لَزِمَهُ العَمَلُ بِهِ] يعني من وصله كتاب القاضي لزمه أن يعمل به، سواء أكان هو القاضي المكتوب إليه، أو من يقوم مقامه بعد عزله أو موته، فمثلاً لو أن قاضٍ هنا في الرياض كتب إلى قاضٍ في أبها بأن يستمع إلى شهادة شاهد في قضية خصومة، فالقاضي الذي في أبها استمع إلى شهادة الشاهد ثم كتب إلى قاضي الرياض، وإذا بقاضي الرياض المكتوب إليه عُزِل، تقاعد مثلاً أو اُعفي أو أنه مات، فالقاضي الذي يقوم مقامه يعمل بهذا الكتاب، هذا معنى كلام المؤلف -رحمه الله-. قال: [والإِشهَادُ بِمَا حَكَمَ بِهِ إنْ طُلِبَ مِنْهُ] يعني على القاضي المكتوب إليه إذا حكم بما ثبت عنده عند القاضي الكاتب، أن يُشهد، يقول اشهدوا على هذا، اشهدوا على هذا بأني قد حكمت عليه بموجب كتابة هذا القاضي، يقولون لئلا يحكم عليه القاضي الكاتب مرة أخرى حكماً ثانياً، وهذا في زمن المؤلف، أما في وقتنا الحاضر مع وجود الآن وسائل التقنية الحديثة والحاسب الآلي ربما لا يُحتاج للإشهاد عليه، لأنه أصلاً سيعرف القاضي هذا بأن القاضي في البلد الفلاني أنه قد حكم عليه.

بقي مسألة أخرى لم يذكرها المؤلف، وهي مسألة التحكيم، وذكرها بعض فقهاء الحنابلة، والتحكيم الآن أصبح نظاماً، نظاماً محلياً ونظاماً أيضاً دولياً، ومعمول به الآن عندنا هنا في وزارة العدل، وصفة التحكيم أن يختار الخصمان شخصاً أو أشخاصاً يحكمونهم، فما حكموا به لزمهم، فيحكِّم اثنان فأكثر بينهما رجلاً فأكثر يصلح للقضاء، يشترط فيمن يحكم أن يصلح للقضاء، فإذا حكم بينهما نفذ حكمه، وهذا معمول به لكن الذي يشترط فيه أنه يصلح للقضاء هو رئيسهم، يعني النظام عندنا أنه لابد أن يكون المحكمون ثلاثة، ويكون الرئيس ممن يصلح للقضاء، أما غيرهما فلا يشترط ذلك، على كل حال هذا هو كلام الفقهاء أنه لابد أن يكون المحكم ممن يصلح للقضاء، وأيضاً أن يكون التحكيم في الأمور المالية، ولهذا قال الوزير بن هبيرة: (أما النكاح واللعان والقصاص والحدود فلا يجوز ذلك)، والوزير يحكي اتفاق المذاهب الأربعة، (إجماعاً) يقصد إجماع المذاهب الأربعة، قال: (أما النكاح واللعان والقصاص والحدود فلا يجوز ذلك إجماعاً) يقصد في المذاهب الأربعة، واستدلوا لذلك بأن عمر وأُبيّ تحاكما إلى زيد بن ثابت، وعثمان وطلحة تحاكما إلى جبير بن مطعم، ولم يكن أحد منهما قاضياً، طيب لماذا يلجأ بعض الناس إلى التحكيم بدلاً من القضاء؟ لماذا؟ لأنه أسرع، أسرع في الإجراءات، يقول فلان وفلان عندهم خصومة، يقولون اذهب للمحكمة بقيت أشهر أو سنين، إذاً نذهب لمحكمين يحكمون بيننا، وما يحكمون به يكون نافذاً، ويصدق من المحكمة ويلزمون به، فيلجأ الناس للتحكيم لأجل هذا، وقد أصبح كما ذكرت نظام وله إجراءات، ومعمول به الآن تحت إشراف وزارة العدل، وهو قد ذكره الفقهاء، ذكره الفقهاء فيجري مجرى القضاء في هذا، يجري مجرى القضاء في ذلك لكنه إنما يكون في الأمور المالية فقط، طيب لو أُعطي المحكمون مبلغاً مالياً ما حكم ذلك؟ لا بأس، بل هذا هو الأصل الآن في المحكمين أنهم ما يقبلون إلا بمبلغ مالي، والفقهاء ذكروا أن القاضي يعطى رزقاً من بيت المال، فإن لم يعطى رزقاً من بيت المال وأُعطي من الناس؛ أنه لا بأس بهذا، كذلك أيضاً من باب أولى المحكمون.

 

ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *