الخثلان
الخثلان
(وقفات مع حديث السبعة الذين يظلهم الله)
4 رجب 1440 عدد الزيارات 140

وقفات مع حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيرا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70،71].

 

عباد الله؛ نقف وقفات يسيرة مع حديث عظيم الشأن، من كلام الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، مليءٍ بالدروس والمواعظ، والعبر والفوائد، أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله -تعالى- تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله -عز وجل-، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته إمرأةٌ ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه". هؤلاء سبعة أصناف يظلهم الله -تعالى- تحت ظله يوم القيامة، في ذلك اليوم العظيم الذي يحشر الناس فيه عراة حفاة غرلا كما ولدتهم أمهاتهم، على أرض مستوية، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس في ذلك الموقف من الخلائق، حتى تكون على قدر ميل، ويلجمهم العرق إلجاماً على قدر ذنوبهم، لكن هناك سبعة أصناف من البشر يظلهم الله -تعالى- فلا ينالهم من حر الشمس ما ينال غيرهم، يظلهم الله -تعالى- تحت ظله، جاء في رواية سعيد بن منصور :"يظلهم تحت ظل عرشه"، وأول هؤلاء الأصناف السبعة: إمامٌ عادل، وقدمه بالذكر لعموم نفع المسلمين به، فالإمام الذي يلي مسؤولية الأمة ويتصرف في الرعية، إن هو عدل بين رعيته وأخلص في القيام بهذه المهمة العظيمة، كان من هؤلاء الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.

وثاني هؤلاء الأصناف: شاب نشأ في عبادة الله، وهنا قال شاب ولم يقل رجل؛ لأن سن الشباب هو سن تغلب فيه الشهوات على الإنسان، ولأن العادة أن من شبَّ على شيء شاب عليه في الغالب، فإذا هو نشأ هذا الشاب على عبادة الله -تعالى- في سن الشباب، لم تزعزعه الأهواء ولم تحرفه الفتن، دل ذلك على إيمان راسخ في قلبه وإخلاص عظيم لله -تعالى-، ثم إن هذا الشاب إذا نشأ في عبادة الله في سن الشباب فهو للعبادة ألزم عندما تكبر سنه ويعلوه الشيب.

وثالث هؤلاء الأصناف: رجل قلبه معلق بالمساجد، وليس المعنى أنه معلق ببناء المسجد وعمارته، ولكن المعنى أن قلبه معلق بالصلاة مع الجماعة في المسجد، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور: 36،37،38]، هذا الرجل قد أصبحت الصلاة أكبر اهتماماته، متعلقٌ بالمسجد وبالصلاة مع الجماعة في المسجد، ما إن يفرغ من صلاة إلا ويتعلق قلبه بالصلاة التي تليها، حتى عندما يكون في المجلس تجد أنه يطالع الساعة من حين لآخر، كم بقي على الأذان، الصلاة هي همه الأكبر، وهي شغله الشاغل، هذا الرجل لا تكاد تفوته الصلاة مع الجماعة، بل لا تكاد تفوته تكبيرة الإحرام خلف الإمام، لا يلهيه عن الصلاة تجارةٌ ولا بيعٌ ولا لهوٌ ولا غفلة، فالصلاة هي أكبر اهتماماته، قد تعلق بهذه العبادة، وهذا دليل على قوة إيمانه وإخلاصه لربه -عز وجل-، فكان من هؤلاء الأصناف السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.

ورابع هؤلاء الأصناف السبعة: رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، هذان الرجلان جرت بينهما محبة لكنها محبة في الله، ولهذا قال اجتمعا عليه، أي اجتمعا على الحب في الله، لم يجمعهما مصالح دنيوية، ولا قرابة ولا نسب ولا زمالة في عمل، ولا أي شيء آخر سوى الحب في الله -تعالى-، كل منهما رأى الآخر قائماً بطاعة الله، مجتنباً لمحارم الله، فأحبه من أجل ذلك، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)". والمحبة في الله سبب لنيل محبة الله -تعالى- للعبد، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن رجلاً زار أخاً له في قرية فأرصد الله على مدرجته -أي: في طريقه- ملكاً، فلما أتى عليه قال له: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تربها عليه؟ -أي: هل بينك وبينه مصالح دنيوية؟- قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".

ومن آثار المحبة في الله المحبة الصادقة: أنها لا تتأثر بأي مؤثر، لأن جذورها راسخة، ولهذا قال: "وتفرقا عليه" أي: استمرا على هذه المحبة ولم يفرقهما إلا الموت، لم يفرقهما خلافٌ على لعاعة من الدنيا، لم تؤثر في هذه المحبة زلة أو تقصير من أحدهما في حق الآخر، إن زل أخوه عليه أو قصر في حقه صحح له خطأه وبين تقصيره، ولم يؤثر ذلك في المحبة القائمة بينهما، لأنها محبة في الله ولله.

ومن آثار هذه المحبة: النصح الصادق لأخيه، فإذا رأى خللاً أو تقصيراً في أخيه بذل له النصح بأسلوب حسن ورفق ولين، والنصيحة في الإسلام لها شأن عظيم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الدين النصيحة".

ومن آثار هذه المحبة: أنه يدعو لأخيه بظهر الغيب، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب؛ أن الله -تعالى- يجعل على رأسه ملكاً يؤمن على هذا الدعاء، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وعلى رأسه ملك قائم يقول آمين ولك بمثل"، قال الإمام أحمد لابن الإمام الشافعي: (ستة أدعو لهم عند السحر منهم أبوك)، يعني الإمام الشافعي.

وخامس هؤلاء الأصناف السبعة: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، رجلٌ اجتمعت له مقومات الإغراء والفتنة، فتنة عظيمة، امرأة متميزة في منصبها وفي جمالها، ثم هي التي تدع الرجل للوقوع بها، في موضع يتمكن فيه من ذلك، من غير رقيب من أحد من البشر، لكنه مع ذلك يترك هذا كله خوفاً من الله -عز وجل-، أمام هذه الفتنة العظيمة استحضر أن له ربًّا فوقه يراه ويطلع عليه، فترك هواه خوفاً من مولاه، وهذا دليل على صدق إيمانه وعظيم خشيته لربه، ولهذا كان موعوداً بأن يكون من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله -تعالى- تحت ظله.

وسادس هؤلاء الأصناف السبعة: رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، هذا رجل تصدق بصدقة وقد تكون هذه الصدقة بمبلغ يسير، لكن اقترن بها اخلاص عظيم فأخفاها اخفاءً شديداً، بحيث لو قدر أن اليد الشمال رجل متيقظ لما استطاع أن يرى اليد اليمين وهي تمد الصدقة لمبالغته في إخفائها، لأنه لا يريد من هذا الفقير جزاءً ولا شكورا، ولا يريد بهذه الصدقة رياءً ولا سمعة، إنما يريد الجزاء كله من الله -عز وجل-، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: 9،10]، فهذا رجل بالغ في إخفاء الصدقة، وقد ذكر بعض أهل العلم أن من صور الصدقة الخفية: أن يأتي الإنسان لفقير يبيع بضاعة، فيشتري منه بضاعة كثيرة بسعر مرتفع، يريد ترويج سلعة هذا الفقير، ثم يأخذ هذه البضاعة فإما أن يستفيد منها أو أن يهديها، لكن كان غرضه الأساس هو نفع هذا الفقير، فهذا نوع من الصدقة الخفية التي لا يعلم بها أحد حتى الفقير نفسه لا يعلم بها، لا يعلم بها إلا الله -عز وجل-.

وسابع هؤلاء الأصناف السبعة: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، قد يبكي الإنسان أمام الآخرين إما رياءً أو سمعة أو مشاركة لمن يبكي حوله ونحو ذلك، لكن إذا كان في المكان الخالي لا يراه إلا الله -تعالى-، فذكر الله -تعالى- وعظمته وجلاله، فبكي خوفاً من الله وشوقاً إليه، قد خلى قلبه من كل شيء إلا من الله -تعالى-، فهذا دليل على عظيم إخلاصه وعلى صدقه مع ربه -عز وجل-، فكان من هؤلاء الذي يظلهم الله -تعالى- تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا يدل على فضل البكاء من خشية الله -عز وجل- وعظيم منزلته.

عباد الله؛ وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث العظيم "ورجل": قال العلماء: هذا لا مفهوم له فإن المرأة كالرجل فيما ذكر، فالمقصود أن هذه الخصال يشترك بها الرجل والمرأة، فمن جاء بواحدة منها كان من هؤلاء الذين يظلهم الله -تعالى- تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعِ إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله؛ والوصف الجامع لهؤلاء الأصناف السبعة، الذين ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله يظلهم تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، هو عظيم إخلاصهم في أعمالهم التي قاموا بها، وخشيتهم ومخافتهم لربهم -سبحانه وتعالى-، فهؤلاء قد قام بقلوبهم إخلاصٌ عظيم، فأتوا بهذه الأفعال، فكان جزاؤهم أن الله -تعالى- يجزيهم جزاءًا خاصاً من عنده، فيظلهم تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، فأول هؤلاء الإمام العادل، فهو قد ترك الظلم مع قدرته على ذلك من غير محاسبة من أحد من البشر، وذلك لمخافته لربه سبحانه، وصدقه مع الله، وعظيم إخلاصه لربه -عز وجل-، وكذلك الشاب الذي نشأ في عبادة الله -عز وجل-، لم يصبو إلى ما يصبو إليه أقرانه من الشهوات ونحوها، وذلك لصدقه مع ربه -سبحانه-، وعظيم إخلاصه لله -عز وجل-، وهكذا الذي قلبه معلق بالمساجد، يرى أن غيره متعلق قلبه إما بالتجارة وإما باللهو وإما بالغفلة وإما بالمجالس ونحو ذلك، أما هذا الرجل فقد تعلق قلبه بالمسجد، وهذا دليل على إخلاصه وصدقه مع ربه، وهكذا الرجلان اللذان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، معظم علاقات الناس مبناها على المصالح المادية، وأما هذان الرجلان فعلاقتهما في الله ولله -تعالى-، ولذلك لم يؤثر في هذه العلاقة أي خلاف بينهما، وبقيت جذورها راسخة حتى تفرقا بالموت، وهذا يدل على صدقهما وعظيم إخلاصهما، وكذلك أيضاً الرجل الذي دعته المرأة ذات المنصب والجمال، فقال إني أخاف الله، هذا إخلاصه وخوفه من ربه -عز وجل- ظاهر، فهو قد ترك الوقوع بها مع اجتماع مقومات الإغراء والفتنة، كل ذلك خوفاً من الله -سبحانه-، وهكذا الرجل الذي تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، إنما يبتغي الأجر من الله -عز وجل-، فهي صدقة وقد تكون بمبلغ يسير لكن اقترن بها إخلاص عظيم، فأخفى هذه الصدقة هذا الإخفاء الشديد، فكان جزاؤه أن كان من هؤلاء الذين يظلهم الله -تعالى- تحت ظله، وهكذا الرجل الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، فهو إنما فعل ذلك خوفاً من الله -عز وجل-، وخشية لله -سبحانه وتعالى-، فالوصف الجامع لهؤلاء عظيم إخلاصهم لله -سبحانه وتعالى-، وعظيم خشيتهم لربهم -عز وجل-.

عباد الله؛ وإن المسلم مطلوب منه أن يسعى لأن يكون من هؤلاء، الذين يظلهم الله -تعالى- تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، خاصة أن بعض الخصال المذكورة ليست صعبةً وليست مستحيلة، وإمكانها متيسر، إن كان عند الإنسان همة عالية ورغبةٌ صادقة، فعلى سبيل المثال الصدقة ولو بمبلغ يسير، لكن يقترن بها هذا الإخلاص العظيم، هذه يستطيعها أي أحد، يستطيع أن يتصدق بهذه الصدقة، لكن ينبغي أن يحتف بها وأن يقترن بها ما ذكر في هذا الحديث، من الإخفاء الشديد، وأيضاً من حفظ كرامة الفقير، وأيضاً من نسيان هذه الصدقة، وعدم المنة بها، وعدم ذكرها للآخرين، لا بطريق مباشر لا تصريحاً ولا تلميحاً، فهذه الصدقة إذا اجتمعت فيها هذه الأمور؛ الإخفاء الشديد، وحفظ كرامة الفقير، وألا يذكرها مستقبلاً لا للفقير ولا لغيره، فهذا يرجى أن يكون من هؤلاء، فهذا أمر يمكن لكل واحد منا أن يحققه، وهكذا لو كان في المكان الخالي، فيذكر الله -عز وجل- وعظمته، فيبكي من خشية الله -سبحانه-، وهكذا أيضاً التعلق بالمسجد، وبالصلاة مع الجماعة في المسجد ونحو ذلك، فينبغي للمسلم أن يسعى لأن يحقق واحدة من هذه الخصال المذكورة في هذا الحديث، فإنه إن فعل ذلك كان موعوداً بأن الله -تعالى- يعطيه يوم القيامة خصيصة ومزية ليست لغيره من البشر، وهي أن الله -تعالى- يظله تحت ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، فإن هذه خصيصة لطائفة فقط من البشر، في ذلك اليوم العظيم الذي طول مدته خمسون ألف سنة، يومٌ عظيمٌ شديد يجعل الولدان شيبا، فتأتي هذه الأعمال العظيمة وتكون سبباً لأن يكرم الله -تعالى- هذا الإنسان ويظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الذين تظلهم تحت ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم اجعلنا منهم بلطفك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين، اللهم واجمعنا في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ووفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال، اللهم وفقنا للإنابة إليك، وارزقنا التوبة النصوح، والتدارك قبل الممات، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

* * *