الخثلان
الخثلان
الدرس السادس
29 جمادى الآخرة 1440 عدد الزيارات 479

كتاب الأدب من صحيح البخاري

الدرس السادس

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، هذا هو الدرس السادس في شرح أو التعليق على صحيح البخاري في كتاب الأدب، وكنا قد وصلنا إلى (باب الرفق في الأمر كله)، هذا اليوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، نستمع أولاً لتبويب المصنف:

 

  • باب الرفق في الأمر كله

 

[حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليكم قالت عائشة ففهمتها فقلت وعليكم السام واللعنة قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله فقلت يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قلت وعليكم] نعم، باب الرفق في الأمر كله، ساق المصنف -رحمه الله- هذا الحديث في بيان فضل الرفق وأهميته بالنسبة للمسلم، والرفق معناه لين الجانب، لين الجانب في القول وفي الفعل، وهو ضد العنف، وفي هذه القصة دخل رهط من اليهود على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان اليهود في المدينة، ولما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة عاهدهم، وكانوا ثلاث قبائل، بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريضة، وكلهم نقضوا العهد، كل القبائل الثلاث نقضوا العهد، لكن منهم من قتل رجالهم كبني قريضة، ومنهم من أخرجهم كبني النضير، أخرجهم من المدينة كما في سورة الحشر، فنقضوا جميعاً العهود، فكانوا من خبثهم أنهم إذا دخلوا على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ مع أنهم يعرفون أنه نبي، يعرفون ذلك معرفة يقينية، كما يعرفون أبنائهم، هل أحد يشك في ابنه! يعرفون أنه نبي كما يعرفون أبنائهم، انظر إلى الإستكبار والعناد لدى بعض الناس، ولذلك لما أسلم عبد الله بن سلام قيل له أكنت تعرف النبي -صلى الله عليه وسلم-كما تعرف ابنك؟ قال: نعم وأعظم، يعرفونه كما يعرفون أبنائهم، ولكن في قلوبهم من الإستكبار والجحود والحسد ما منعهم من اعتناق الإسلام، إلا نفرٌ قليل، وكانوا إذا دخلوا على النبي -صلى الله عليه وسلم-، يعرفون اللغة العربية، ويعرفون أن اختلاف بعض الحروف يؤدي إلى انقلاب المعنى، فكانوا بدل ما يقولون السلام عليكم يقولون السام عليكم، والسام معناه في اللغة العربية: الموت، فبهذا هم في الحقيقة لا يسلمون، بل يدعون على النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه بالموت، فلما دخلوا وقالوا السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها، أنهم يقصدون الموت، قلت: وعليكم السام واللعنة، تقوله عائشة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مهلاً يا عائشة" يعني ارفقي، "إن الله يحب الرفق في الأمر كله"، قلت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا!، قال: "قد قلت وعليكم" يعني عليكم أيضاً السام، أنتم تقولون السام عليكم! نحن نقول وعليكم، وليس وعليكم السلام، وعليكم، هذا من حكمته -عليه الصلاة والسلام-، فهذا يبين لنا خبث ومكر اليهود، وكيف أنهم آذوا الأنبياء والرسل، آذوا نبي الله موسى، وآذوا نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- لهذه الدرجة يدخلون عليه ويقولون السام عليكم يعني الموت عليكم، بل قتلوا بعض الأنبياء، ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: 21]، وفي هذا الحديث بيان فضل الرفق، ولهذا قال: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله"، فهو من الأخلاق الكريمة الحميدة التي يحبها الله -تعالى-، وقوله "في الأمر كله" يعني في جميع الأمور، في تعاملك مع جميع الناس، مع القريب والبعيد، مع الأولاد مع الزوجة مع الوالدين مع الإخوة مع الأصحاب مع الجميع، كن دائماً رفيقاً هيناً ليناً سهلاً، وجاء في رواية مسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"، وقوله "ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" قيل أن المراد: يثيب عليه ما لا يثيب على غيره، وقيل: إن المعنى أنه يتأتَّى معه من الأمور ما لا يتأتَّى مع ضده، وهذا رجحه الحافظ ابن حجر في الفتح وهو أقرب، يعني أنه يتأتَّى مع الرفق ما لا يتأتَّى مع غيره، وهذا أمر واقع، فعندما تكلم إنساناً بعنف سيقابلك بعنف، عندما تكلمه برفق وهدوء سيقابلك برفق وهدوء، وكما يقال: لكل فعل ردة فعل، وجاء في رواية أيضاً عند مسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه"، وفي أيضاً حديث أبي الدرداء: "من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير"، وجاء أيضاً في حديث جرير في صحيح مسلم: "من يحرم الرفق يحرم الخير كله"، وأيضاً جاء في بعض الروايات: "إن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق"، هذه الأحاديث كلها تدل على فضل الرفق، وعلى أهميته، وعلى أنه مفتاح لكل خير، وأن الإنسان ينبغي أن يعود نفسه على الرفق، يبتعد عن العنف والغلظة والشدة، فكثير من الأمور إنما تتأتَّى مع الرفق، خاصة في علاج المشاكل، يكون حلها بالرفق أكثر من حلها بالعنف، فعلى سبيل المثال المشاكل الزوجية التي تقع بين الزوجين، أحياناً إذا استعمل الزوج الرفق في معالجة المشكلة، فإنها سرعان ما تنحل، لكن إذا استعمل العنف فإنها تزداد سوءًا، ومن ذلك أن يكون هناك حوار برفق ولين وهدوء بين الطرفين، وأذكر أن قاضياً أتاه رجل ليطلق امرأته فقال لابد أن تأتي بها، فأتى بها فأدخلهما في المختصر وٍسأل يعني مالمشكلة! ماكذا! ابتدأ معهما الحوار، ثم قال: تحاورا فيما بينكما وسأعود عليكما بعد نصف ساعة، وبعد نصف ساعة أتى إليهما وإذا هما يضحكان وقد تصالحا، ورجع هذا الرجل بزوجته وقد صلحت أمورهما، مع أنه أتى ليطلق!، لكن ما كان فيه وقت للحوار والأخذ والإعطاء، وأن يتكلم معها برفق وهدوء، فلما حصل هذا الجو بينهما زالت المشكلة، يعني شيء في النفوس فقط! وذهب وزال، كان هذا القاضي عنده حكمة، وهذا أيضاً مثال لأن كثيراً من الأمور يمكن أن تعالج مشكلاتها بالرفق وبالهدوء وبالحوار، "إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"، "لا يكون الرفق في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه".

 

[حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا ثابت عن أنس بن مالك أن أعرابيا بال في المسجد فقاموا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزرموه ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه] نعم هذه القصة تقدم الكلام عنها في الدرس الماضي، وذكرنا أبرز ما فيها من الفوائد والأحكام، في قصة هذا الأعرابي، وقوله: "لا تزرموه" يعني لا تقطعوا عليه بوله، لا تقطعوا عليه بوله، والشاهد منها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالرفق بهذا الأعرابي لجهله، وسبق أن قلنا أن الجاهل ينبغي أن يتعامل معه معاملة خاصة، فالجاهل ليس مثل المعاند المستكبر المتعمد، فيُتعامل معه معاملة خاصة، في كل شيء حتى في الفتوى، ولذلك هذا الرجل لما رأى رفق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحس تعامله، وتعنيف الناس له، قال: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحدا)، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لقد تحجرت واسعاً"، وتكلمنا عن هذا بالتفصيل في الدرس السابق.

 

* * *

 

  • باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا

 

[حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن أبي بردة بريد بن أبي بردة قال أخبرني جدي أبو بردة عن أبيه أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه..] المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، هذا مثال بديع لحال المؤمن مع أخيه المؤمن، كالبنيان، أرأيت البنيان يشد بعضه بعضا، لا يمكن أن يقوم البنيان ويستقيم إلا إذا شد بعض البناء بعضا، هكذا المؤمن للمؤمن، ولذلك ينبغي أن تسود روح المحبة والمودة والرحمة والتكافل الإجتماعي بين المسلمين، وأن تشيع بينهم أخلاق المؤمنين، ولهذه المعاني أوجبت الشريعة صلاة الجماعة في المسجد على الرجال خمس مرات في اليوم والليلة، لماذا؟ لماذا ألزمت الشريعة الرجال بأن يصلوا خمس مرات في اليوم والليلة في المسجد؟!، إذا كان المقصود الخشوع يمكن للإنسان أن يصلي في بيته صلاة أكثر خشوعاً من صلاته في المسجد، الجواب لأجل تحقيق هذه المعاني، معاني التكافل الإجتماعي، المحبة والمودة والرحمة والألفة، ولذلك تجد أن الشخص الذي يحافظ على الصلاة مع الجماعة في المسجد إذا غاب فقده جماعة المسجد وسألوا عنه، وإذا كان مريضاً عادوه، وإذا كان مسافراً دعوا له بالرجوع بالسلامة ونحو ذلك، فهذه المعاني معانٍ عظيمة، واعتنت به الشريعة عناية كبيرة، قاعدة الشريعة أن كل ما يؤدي إلى تقوية المحبة والمودة بين المسلمين فالشريعة تدعو إليه، وكل ما يؤدي إلى ايقاع البغضاء والشحناء بين المسلمين فالشريعة تحذر منه، هذه القاعدة، فمثلاً "لا يبع بعضكم على بيع بعض"، لماذا؟ لأنه يؤدي للشحناء والبغضاء، لا يجوز أن يشتري على شراء أخيه لماذا؟ لأنه يؤدي للشحناء والبغضاء، لا يجوز النجش لماذا؟ لأنه يؤدي للشحناء والبغضاء، نهى عن بيع الغرر لماذا؟ لأنه مضنة للخصومة والخصومة تؤدي للشحناء والبغضاء، كثير من المنهيات نهي عنها لأنها تؤدي للشحناء والبغضاء، بينما رتب الثواب على أشياء وإن كانت يسيرة لكنها تؤدي للمحبة بين المؤمنين، تبسمك في وجه أخيك صدقة، لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق، الكلمة الطيبة صدقة، فإذاً هذا الباب باب عظيم، فهذا يدل على عناية الشريعة بتقوية جوانب المحبة والمودة بين المسلمين، وتحذيرها مما يوقع الشحناء والعداوة والبغضاء بين المسلمين، وقوله: (ثم شبك بين أصابعه)، كان -عليه الصلاة والسلام- من أحسن الناس تعليماً، كما قال معاذ بن حكم: (فوالله ما رأيت قبله ولا بعده هو بأبي وأمي معلماً أحسن منه)، فكان يستخدم عدة أساليب، تارة يأتي بأسلوب استفهام، "أتدرون مالغيبة؟!"، وتارة يرسم الخط في الأرض، وتارة يأتي بحركات أو أشياء تمثيلية كما في هذا الحديث، شبَّك بين أصابعه هكذا، يعني إشارة إلى أن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، وقال بأصابعه هكذا، فهذا من حسن التعليم، ولذلك ينبغي في التعليم التنويع في أساليب التعليم، لأجل أن المستمع يكن أكثر تركيزاً وتعلماً، [وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء].

 

* * *

 

  • باب قول الله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا

 

[كفل نصيب قال أبو موسى كفلين أجرين بالحبشية]..

 

[حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان رسوله ما شاء] نعم ذكر المصنف -رحمه الله- أولاً الحديث الأول كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا جاء رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال: "اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء"، ثم بعد ذلك عقَّب بهذا الباب ليبين أن الأجر على الشفاعة ليس على العموم، وإنما هو خاص بالشفاعة الحسنة، ولهذا أورد المصنف الآية الكريمة باب قول الله -تعالى-: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا[النساء: 85]، الشفاعة معناها أن يتوسط الإنسان للغير، وهذه الشفاعة إما أن تكون شفاعة حسنة فيؤجر عليها الإنسان، كما قال الله -تعالى-: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا[النساء: 85]، لأنها فيها إعانة لأخيك المسلم وقضاء لحاجته ومساعدة له، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وفيها أيضاً تزكية لجاه الإنسان إذا بذله لغيره في قضاء حوائج إخوانه المسلمين، أما إذا كانت الشفاعة سيئة فالله -تعالى- يقول: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا[النساء: 85]، يعني أنه يأثم بتلك الشفاعة إذا كانت سيئة، كالشفاعة في تعطيل حد من حدود الله -تعالى-، والشفاعة في ترك واجب أو في ارتكاب محرم ونحو ذلك، وإلا فالأصل إذا كانت الشفاعة حسنة الأصل أنها مندوب إليها، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "اشفعوا فلتؤجروا" وفي اللفظ الآخر "تؤجروا"، وليس كل إنسان يقدر للوصول إلى المسؤول ولا التمكن منه، وربما لو قدر لا يستطيع أن يفصح عن مراده، ولو أفصح ربما لا يكون له من الوجاهة مثل وجاهة الشافع، ولهذا كان الشافع مأجوراً على ذلك، على الشفاعة الحسنة، وأما قول المصنف: (كفل نصيب قال أبو موسى كفلين أجرين بالحبشية)، فالمصنف البخاري -رحمه الله- أحياناً يوضح بعض الكلمات، فأراد توضيح قول الله -تعالى-: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ بأن كفل هنا معناها نصيب وجزاء، وأن الكفل تطلق أيضاً إطلاقاً آخر بمعنى الأجر، وهذا هو الذي في سورة الحديد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ [الحديد: 28]، ما معنى كفلين؟ قال كفلين: أجرين، كفلين أجرين، تثنية كفل قال بالحبشية، فالكفل إذاً يطلق على النصيب والجزاء، ويطلق أيضاً على الأجر، إذاً الشفاعة إذا كانت حسنة فهي عمل صالح يؤجر عليه الإنسان، حتى لو لم يتحقق ما شفع عليه الإنسان، ولذلك إذا لم يكن على الإنسان حرج ولا ضرر فينبغي أن يشفع لإخوانه المسلمين، كان شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- من أكثر الناس شفاعة، كان يشفع كثيراً، ويستدل بهذا الحديث "اشفعوا تؤجروا"، ويقول إن تحقق ما شفعنا فيه فالحمد لله، إن لم يتحقق فنحن على خير ونحن على أجر، ونكسب بهذه الشفاعة أجراً وثواباً من الله -عز وجل-.

 

* * *

 

  • باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا 

 

[حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن سليمان سمعت أبا وائل سمعت مسروقا قال قال عبد الله بن عمرو ح وحدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن شقيق بن سلمة عن مسروق قال دخلنا على عبد الله بن عمرو حين قدم مع معاوية إلى الكوفة فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لم يكن فاحشا ولا متفحشا وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أخيركم أحسنكم خلقا] نعم لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاحشاً ولا متفحشاً، الفحش معناه: كل ما خرج عن مقداره حتى يُستقبح، ويكون في القول وفي الفعل وفي الصفة، ويقال: فلان طويل فاحش الطول مثلاً، إذا أفرط في الطول، لكن أكثر ما يستعمل في القول، أكثر ما يستعمل في القول، والمتفحش يعني الذي يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه، فبعض الناس فاحش بطبيعته، عنده سلاطة في اللسان وحدة، والناس تحذره وتخشى من سلاطة لسانه، ويكرهون مجالسته لأجل ذلك، هذا هو الفاحش، والمتفحش هو الذي يتعمد ذلك، يتعمد أذية الناس بهذا، يعني الأول طبعه الفحش، والثاني يتعمد الإساءة إلى الناس بهذا الفحش من القول، ثم ساق المصنف -رحمه الله- حديث عبد الله قال: (لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاحشاً ولا متفحشاً)، كان -عليه الصلاة والسلام- كريم الخلق، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ[القلم: 4]، عندما يصفه رب العالمين بهذا الوصف العظيم، فما ظنك بهذا الخلق!، أولاً وصفه بهذا الوصف وأكده بعدة مؤكدات، المؤكد الأول: وصفه بالعظمة، (خلق عظيم)، الثاني: تأكيد ذلك بإنَّ، الثالث: تأكيده باللام، الرابع: تأكيده بحرف الإستعلاء على، كل هذه تدل على عظيم حسن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا كان خلقه بهذه العظمة لاشك أنه لن يكون فاحشاً ولا متفحشاً، بل كان كريم الخلق حسن الخلق،  قال: وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن من خيركم أحسنكم خلقا"، إن من خيركم أحسنكم خلقا، وهذا قد جاء في عدة أحاديث، "خير الناس أحسنهم أخلاقا"، "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا"، وكلما كان الإنسان أقوى إيماناً كان أحسن خلقا، وإذا رأيت إنساناً سيء الخلق سيء التعامل فهذا دليل على نقص إيمانه، وإلا لو كان كامل الإيمان وقوي الإيمان لكان كريم الخلق وحسن الخلق، والخلق: هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، هكذا عرَّف العلماء الخلق، الخلق تعريفه: هيئة راسخةٌ في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، وهل هي جبليَّة؟ هل الأخلاق جبليَّة أو مكتسبة؟ من يجيب عن هذا السؤال؟ الأخلاق هل هي جبليَّة أو مكتسبة؟

قد تكون جبليَّة وقد تكون مكتسبة، أحسنت، فبعض الناس يجبلهم الله -تعالى- على أخلاق كريمة، فيولد وهو إنسان حليم كريم سمح هين لين بطبعه، وبعض الناس قد يولد على العكس من ذلك، ولكن إذا لم يجبل الإنسان على أخلاق حسنة، فينبغي له أن يحرص على اكتسابها، لأن الأخلاق الحسنة يمكن اكتسابها، ولهذا لما جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يا رسول الله أوصني؟ قال: "لا تغضب" قال: أوصني؟ قال: "لا تغضب" قال: أوصني؟ قال: "لا تغضب"، فردد مراراً قال "لا تغضب"). فلولا أن ترك الغضب واكتساب الحلم مستطاع؛ لما أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك هذا الأمر المتكرر، فالإنسان بإمكانه أن يكتسب الأخلاق الكريمة من الحلم والكرم والشجاعة ونحو ذلك، لكن يكون ذلك بتمرين النفس بالتدرج حتى تكتسب هذه الأخلاق الكريمة، لكن المهم قبل ذلك أن يعرف عيوب نفسه، لأن بعض الناس لا يعرف عيوب نفسه، فإذا عرف عيوب نفسه وشخصها، يبدأ بعد ذلك بمعالجتها، وأن يستبدل الأخلاق السيئة التي عنده بأخلاق كريمة.

 

[حدثنا محمد بن سلام أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها أن يهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليكم فقالت عائشة عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم قال مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش قالت أولم تسمع ما قالوا قال أولم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في] نعم هذا تقدم قبل قليل، تكلمنا عنه وما فيه من الفوائد، وهنا أورد المؤلف هذا الحديث بهذه الزيادة: "وإياكِ والعنف والفحش"، يعني كأنه -عليه الصلاة والسلام- رأى أن قول عائشة: ولعنكم الله وغضب عليكم، فيه يعني نوعٌ من الفحش، فكان يقول اتركيهم، أنا رددت عليهم، قلت وعليكم، دعونا عليهم بمثل ما دعوا علينا، ويستجاب لنا ولا يستجاب لهم، فلا داع لأن تأتي بهذه الكلمات، ولعنكم الله وغضب عليكم، فهذا من حسن توجيه النبي -عليه الصلاة والسلام- وإرشاده.

 

[حدثنا أصبغ قال أخبرني ابن وهب أخبرنا أبو يحيى هو فليح بن سليمان عن هلال بن أسامة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سبابا ولا فحاشا ولا لعانا كان يقول لأحدنا عند المعتبة ما له ترب جبينه] نعم النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً كما سبق، بل كان أحسن الناس خلقاً، وصفه ربه بأنه على خلق عظيم، وكان يقول لأحدنا عند المعتبة: يعني عند العتاب، عندما يريد أن يعاتب أحداً (ما له ترب جبينه)، قوله (ترب جبينه): هذه كلمة تقولها العرب جرت على ألسنتهم، ولا يقصدون معناها، هي كقولهم: تربت يمينك، أو تربت يداك، فقوله: ترب جبينه؛ يعني سقط جبينه للأرض، ولا يريدون معناها لكن تجري على الألسنة من غير قصد، كقولهم: رغم أنفه، ثكلته أمه، فهذه من الكلمات التي تجري على اللسان ولا يُقصد معناها، ولا يقصد معناها، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يتكلم بلسان العرب، وهذه كلمات دارجة عند العرب.

 

[حدثنا عمرو بن عيسى حدثنا محمد بن سواء حدثنا روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن عروة عن عائشة أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه فلما انطلق الرجل قالت له عائشة يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة متى عهدتني فحاشا إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره] نعم في هذه القصة استأذن رجلٌ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقيل إن هذا الرجل كما قال ابن بطال هو عيينة بن حصن الفزاري، وكان يقال له الأحمق المطاع، والعادة أنه لا يطاع الأحمق، لكن أحياناً قد يطاع لأي سبب من الأسباب، قد يكون مثلاً ورث سيادة القبيلة من أبيه أو من جده أو نحو ذلك، فيكون الأحمق المطاع، فكان يقال له الأحمق المطاع، فلما دخل على النبي -صلى الله عليه وسلم- رآه، قالوا فلان عند الباب، قال إءذنوا له بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، يعني هذه كلمة فيها ذم له، ومعنى العشيرة: يعني الجماعة أو القبيلة، ثم لما جلس هذا الرجل دخل عليه؛ تطلَّق النبي -صلى الله عليه سلم- في وجهه، يعني لقيه بوجه طليق وانبسط إليه، يعني جامله، فعائشة رأت الموقف قبل أن يدخل يقول له النبي -عليه الصلاة والسلام بئس أخو العشيرة، ولما دخل انبسط إليه وجامله وتطلق إليه وجهه، فعائشة سألت النبي -عليه الصلاة والسلام- يعني لماذا اختلف كلامه قبل قليل عن تصرفه معه الآن، فقالت عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يا عائشة متى عهدتني فاحشاً، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه -أو قال- اتقاء شره"، وأخذ العلماء من هذا أن هذا من المواضع التي تجوز فيها الغيبة، وأن الغيبة تجوز في مواضع منها: في حال إظهار الفسق أو الفحش، فيجوز غيبة هذا الذي أظهر فسقه أو فحشه، إنسان معروف بسلاطة لسانه وتجريحه للناس، لا يبالي بالكلام ولا بعواقبه، هنا يجوز أن يغتاب، يقال فلان سليط اللسان، بئس فلان سليط اللسان، لأنه هو الذي عرض عرضه للذم، فهو كالمظهر للفسق، المجاهر بالفسق لا غيبة له فيما جاهر به، وسبق أن ذكرنا أن الغيبة تجوز في ستة مواضع من يذكرها لنا؟ ، الذم ليس بغيبة في ستةٍ:

الذم ليس بغيبةٍ في ستةٍ

متظلم ومحذرٍ ومعرِّف

ولمظهر فسقاً ومستفتٍ ومن

طلب الإعانة في إزالة منكر

هذه المواضع الستة التي تجوز فيها الغيبة، ومنها مظهر الفسق، مظهر الفسق تجوز غيبته، كما قال الحسن -رحمه الله-: (أترغبون عن غيبة الفاسق، اذكروه بما فيه كي يحذره الناس)، بل ربما يكون في غيبة الفاسق نوع من إنكار المنكر، لأن الناس إذا رأوا أن هذا الفاسق يذم اجتنبوا هذا الفسق، بخلاف إذا سكتوا، فهكذا أيضاً المظهر للفحش، المظهر للفحش أيضاً في معنى المظهر للفسق، تجوز غيبته، ولهذا النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "بئس أخو العشيرة" هذه كلمة ذم في غيبته، ويكرهها لو علم، لكن هذا موضع تجوز فيه الغيبة، فهذا إذاً هو الدليل على أنه تجوز غيبة من أظهر فسقاً أو أظهر فحشاً، أيضاً في هذه القصة جواز المداراة، خاصة مع من عنده حده أو عنده سوء خلق، فيدارى، مالفرق بين المداراة والمداهنة؟ المداراة والمداهنة مالفرق؟! المداهنة مذمومة، والمداراة محمودة، فمالفرق بينهما؟ قلنا هذا الحديث يدل على جواز المداراة، قال القاضي عياض: الفرق بين المداراة والمداهنة؛ يقول القاضي عياض: الفرق بين المداراة والمداهنة؛ أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً، بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدين، هذا تفريق القاضي عياض، فالمداراة يترك شيئاً من دنياه لأجل اتقاء فحش هذا الإنسان، ولهذا قالوا إن النبي -عليه الصلاة والسلام- بذل لهذا الرجل من دنياه حسن عشرته، والرفق في مكالمته، لكنه ما مدحه، ما مدحه، وإنما انبسط معه وأحسن عشرته وتطلق وجهه له، فلم يناقض قوله فعله، وأما الذي يبذل الدين لأجل الدنيا، هذا من أسوأ الناس، وأسوأ الناس الذي يأكل الدنيا بالدين، يجعل الدين مطية للحصول على الدنيا، ويداهن في دين الله -عز وجل- لأجل الحصول على مصالح دنيوية، وقال بعض أهل العلم: إن المداراة تعني أن الإنسان ينوي إنكار المنكر لكن يرى أن الوقت غير مناسب الآن، لكنه ينوي الإنكار فيما بعد، وأما المداهنة فهو لا يقصد إنكار المنكر أصلاً، وإنما يظهر الموافقة لهذا الشخص الذي يفعل المنكر، هذا فيما يتعلق بإنكار المنكر، فبينهما إذاً فرق دقيق، بينهما فرقٌ دقيق.

 وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه أو اتقاء شره"، هذا فيه إشارة إلى أن من اتصف بهذه الصفة فهو على خطر عظيم، وهو أن يكون سليطاً في لسانه، حاداً في كلامه، فيحذره الناس، ويتقون شره، هذا من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، يعني إذا وصلت حالة الإنسان لهذه الدرجة أن الناس تتحاشاه لأجل سوء خلقه؛ فهذا على خطر عظيم، ووصف النبي -عليه الصلاة والسلام- له بهذا الوصف وصف شديد، شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة!، هذا وصف شديد، وهذا نجده في المجتمع، نجد بعض الناس عندهم سلاطة لسان وحدة لسان وكل يتحاشاهم، ما تجد أحد يسلم عليه، ولا يجلس معه، ولا ينبسط معه في الحديث، وإنما يتكلم معه بحذر شديد، فهذا أمره عند الله عظيم، بل هذا الوصف الذي ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- هو وصف شديد "شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة"، لأنه يؤذي الناس، يؤذي الناس بسلاطة لسانه، وأحياناً أذية القول أشد من الفعل، ولهذا نجد أن الله -تعالى- كثيراً ما يقول: ﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ[ص: 17]، كثيراً، أكثر من قوله اصبر على ما يعملون أو ما يفعلون، أذية قريش أكثرها هل هو بالقول أو بالفعل للنبي -عليه الصلاة والسلام-؟ أكثرها بالقول، بالفعل وضعوا السَّلا على رأسه يمكن مرة واحدة، سلا الجزور يعني أقل مقارنة بالقول، أذية القول أحياناً أشد وأنكى من أذية الفعل، فينبغي للإنسان في تعامله مع الآخرين أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، بعض الناس يفعل هذا على سبيل المزاح وإضحاك من في المجلس، لكن يكون هذا على حساب أخيه المسلم، يجرح مشاعر أخيه المسلم على حساب أنه يريد أن يتفكه ويضحك الناس على أخيه المسلم، فإذا كان أخوك المسلم لا يرضى فلا يجوز هذا، لا يجوز هذا العمل، وإذا حصل هذا منك مثلاً ووقع زلة ينبغي أن تذهب وتعتذر منه، أما إذا كان هذا سجيَّة وطبعاً للإنسان أنه يجرح مشاعر الآخرين، وكلما دخل مجلس أضحك الناس على فلان وعلى فلان؛ فهذا والعياذ بالله يصدق عليه هذا الحديث، أنه من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة.

وقوله: "شر الناس" ورد أيضاً أن هذا اللفظ في معنى آخر، وهو "إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها"، هذا في صحيح مسلم، فيظهر أن المقصود يعني أنه من أشر الناس، وأن كلا الفعلين من كبائر الذنوب، هذا وهذا، إما كون الإنسان ينشر أموره الخاصة للناس، ما يحصل بينه وبين زوجته ينشره للناس، يكون هذا من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، وأيضاً كونه يكون سباباً وفاحشاً حتى إن الناس يتقونه، يتركه الناس اتقاء فحشه، هذا أيضاً من أشرِّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة.

 

* * *

 

  • باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل

 

[وقال ابن عباس رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان وقال أبو ذر لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه اركب إلى هذا الوادي فاسمع من قوله فرجع فقال رأيته يأمر بمكارم الأخلاق] نعم قال: باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، ذكر ثلاثة أمور، الأول حسن الخلق تكلمنا عنه، وذكرنا تعريف الخلق، وأما السخاء فمعناه الجود والكرم، وهو من مكارم الأخلاق عند جميع الأمم والشعوب، من مكارم الأخلاق، وضده البخل، وهو الذي ذكره المؤلف هنا، فالبخل من مساوئ الأخلاق، والكرم والسخاء والجود خلق كريم بين خلقين مذمومين ما هما؟ البخل والإسراف، فالبخل مذموم، والإسراف والتبذير مذموم، وهكذا نجد أن معظم الأخلاق الكريمة تكون وسطاً بين خلقين مذمومين، فالشجاعة خلق كريم بين خلقين مذمومين ما هما؟ بين الجبن والتهور، وهكذا نجد أن معظم الأخلاق الكريمة تكون وسطاً بين خلقين مذمومين، فالكرم والجود والسخاء من مكارم الأخلاق، قد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- سخياً كريماً جواداً، كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، يتضاعف جوده وسخاؤه في رمضان، قال: (وقال أبو ذر لما بلغه مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم-) يعني هذا في قصة إسلام أبي ذر، (قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاسمع من قوله فرجع فقال رأيته يأمر بمكارم الأخلاق)، و-عليه الصلاة والسلام- يأمر بمكارم الأخلاق، وكانت معروفة عند العرب في الجاهلية، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أكَّد عليها.

 

[حدثنا عمرو بن عون حدثنا حماد هو ابن زيد عن ثابت عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج في عنقه سيف فقال لقد وجدته بحرا أو إنه لبحر] نعم هذه القصة وقعت في المدينة، فزع المدينة ذات ليلة فانطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الصوت، واستعار فرساً لأبي طلحة، وكان هذا الفرس يعني ما عليه سرج، وهو الذي يوضع على ظهر الفرس، وكان ضعيفاً، لكن لما ركبه النبي -صلى الله عليه وسلم- انطلق انطلاقة سريعة، فذهب النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يجد شيئاً، ورجع إلى الناس وطمأنهم، وقال: "لم تراعوا" وهي كلمة تقال عند تسكين الروع، تأنيساً للناس وتهدئة لهم، فهذا يدل على شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كيف أنه أخذ الفرس وانطلق لوحده ومعه سيف، فهذا يدل على شجاعة النبي -عليه الصلاة والسلام-، والشجاعة من الأخلاق الكريمة، والشجاعة والرأي إذا اجتمعا لإنسانٍ بلغ العلياء، كما قال أبو الطيب المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعان -يعني الرأي السديد والحكمة قبل شجاعة الشجعان-

هو أول وهي بالمحل الثاني

فإذا اجتمعا لنفس مرة

بلغت من العلياء كل مكان

والناس على أقسام، فمن الناس من لا رأي عنده ولا شجاعة، ليس عنده رأي سديد وأيضاً جبان، وهذا أسوأ الأقسام، ومن الناس من عنده رأي لكن ما عنده شجاعة، عنده حكمة ورأي سديد وتنظير لكنه جبان، ومن الناس من هو على العكس عنده شجاعة لكنه ليس عنده رأي، والقسم الرابع وهو أكمل الأقسام، وهذا لا يوفق له إلا القلة من الناس، من يجتمع له الرأي والشجاعة، فكما قال أبو الطيب:

إذا اجتمعا لنفس مرة  *  بلغت من العلياء كل مكان

الرأي مقدم، الرأي السديد والحكمة، الرأي قبل شجاعة الشجعان، هو أول، يعني الرأي في الأول، وهي بالمحل الثاني، فإذا اجتمعا لنفس مرة، بلغت من العلياء كل مكان، وهذا حتى على مستوى العلماء، تجد بعض العلماء عنده رأي وتنظير وحكمة، لكنه ما عنده شجاعة، وبعضهم على العكس، وبعضهم يجتمع له الرأي والشجاعة، فهذا هم الذين يجعل الله لهم الإمامة والنفع العظيم، أمثال الشيخ بن باز -رحمه الله-، اجتمع له الرأي والشجاعة، فهو شجاع لا يبالي وينكر المنكر ويقول كلمة الحق، وفي الوقت نفسه عنده حكمة وعنده رأي سديد، فهؤلاء هم الذين يبلغون الإمامة، ولهذا قال بلغت من العلياء كل مكان، النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك جمع هذه الأوصاف، جمع الرأي والشجاعة، فهذه القصة تدل على شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

[حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن ابن المنكدر قال سمعت جابرا رضي الله عنه يقول ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال لا] قال بعض الشراح كالكرماني المقصود أنه ما سئل عن شيء من أمور الدنيا، وليس المقصود من أمور الدين، أمور الدين قد يقول لا، لكن من أمور الدنيا ما سئل عن شيء من أمور الدنيا فمنعه وقال لا، كما قال الفرزدق:

ما قال لا قط إلا في تشهده  *  لولا التشهد لكانت لاؤه نعم

وقيل إن المقصود أنه لم يقل لا منعاً للعطاء، ولا يلزم من ذلك أنه لا يقول لا على سبيل الإعتذار، وقالوا لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ[التوبة: 92]، لا أجد ما أحملكم عليه، وعلى كل حال يعني القولان متقاربان، لكنه -عليه الصلاة والسلام- إذا كان عنده شيء فإنه لا يقول لا، وقال بعض أهل العلم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنه كان إذا سئل شيئاً؛ إن كان عنده قال نعم وأعطى، وإن كان ليس عنده سكت، وإن كان ليس عنده سكت ولم يقل شيئاً، ولكن هذا محل نظر، لأن كون الإنسان يعتذر أحسن من كونه يسكت، الأحسن أن الإنسان يعتذر  بلطف ورفق، وعلى هذا فالأقرب أنه ما قال لا بالنسبة للعطاء إذا كان قادراً على أن يعطي، هذا هو المقصود.

 

        [حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال حدثني شقيق عن مسروق قال كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو يحدثنا إذ قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا وإنه كان يقول إن خياركم أحاسنكم أخلاقا] نعم هذا كله سبق، سبق هذا وما فيه من الفوائد.

 

[حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان قال حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة فقال سهل للقوم أتدرون ما البردة فقال القوم هي الشملة فقال سهل هي شملة منسوجة فيها حاشيتها فقالت يا رسول الله أكسوك هذه فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فلبسها فرآها عليه رجل من الصحابة فقال يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها فقال نعم فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه قالوا ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه فقال رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أكفن فيها] نعم، هذه القصة تؤكد ترجيح القول بأن المقصود ما قال لا -يعني إذا سئل عطاءً-، فهنا في هذه القصة لما أهدي للنبي -صلى الله عليه وسلم- هذه البردة أو هذه الشملة ولبسها رآها هذا الرجل فطلبها من النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعطاه إياها، هذا يؤكد أنه ما طلب شيئاً من العطاء إلا قال نعم، ولم يقل لا إذا كان قادراً على ذلك، هذا الرجل كان له مقصد من طلب هذه البردة أو الشملة، وهي التبرك بها، ولذلك قال: (لعلي أكفن فيها)، يعني كأنه يريد أن يوصي بأن يكفن فيها رجاء بركتها، طيب؛ هل يجوز التبرك بآثار النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ نعم يجوز في حياته، في حياته يجوز، وبعد مماته؟ يجوز أو ما يجوز؟ إذا ثبت أن هذا الأثر له يجوز، ولهذا كانت أم سلمة عندها جلجل من فضة فيه شعرات من شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته، كان الصحابة يتبركون بها، لكن الآن لا يوجد شيء من آثار النبي -عليه الصلاة والسلام-، كلها انقرضت ما يوجد شيء، وما يُذكر أن هذا من شعر النبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض الدول، كل هذا من خرافات بعض الفرق، كل هذا غير صحيح، ما يثبت شيء الآن متبقي من آثار النبي -عليه الصلاة والسلام-، فإذاً لا يوجد الآن شيء ولهذا نقول الآن لا يوجد تبرك بأي شيء من آثار النبي -عليه الصلاة والسلام-، أما التبرك بآثار غيره من الصالحين فإنه لا يجوز بل هو من البدع، ولهذا لم يكن الصحابة يتبركون بآثار أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا العشرة المبشرين بالجنة، ولو كان خيراً لفعله الصحابة -رضي الله عنهم-، التبرك خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقط.

 

[حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال القتل القتل] نعم هذا من أشراط الساعة، ولهذا جاء في بعض الألفاظ "أن من أشراط الساعة يتقارب الزمان"، اختلف العلماء كثيراً في معنى تقارب الزمان، والذي يظهر والله أعلم أن تفسيره ما نحن فيه الآن، من وجود وسائل الإتصالات والمواصلات، فقد تقارب الزمان الآن، تستطيع أن تكلم الآن من في أقصى الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب في نفس اللحظة، أليس هذا من تقارب الزمان! وتستطيع أن تلف الكرة الأرضية كلها في أربع وعشرين ساعة، هذا من تقارب الزمان، فهذا الذي أخبر به النبي -عليه الصلاة والسلام- نراه واقعاً في وقتنا الحاضر، وهذا معجزة ومن آياته -عليه الصلاة والسلام-، أنه أخبر بهذه العلامة وهي من أشراط الساعة، ونراها واقعة الآن مع هذه التقنية الحديثة، وفي وسائل المواصلات والإتصالات، "وينقص العمل" وجاء في رواية للكشهيمني "العلم" وفي الرواية الأخرى "العلم" العلم أثبت من العمل، يعني أنه ربما أن المقصود أنها تنزع البركة، تُنزع البركة منه، وقال بعض أهل العلم أن المقصود أنه يكثر العلم بلا عمل، العلم بلا عمل، فيكون هذا من أشراط الساعة، وهذا نراه الآن، الآن تجد يعني أناس كثير لا ينقصهم علم لكن ينقصهم عمل، الكليات الشرعية الآن كم تخرِّج من طلبة العلم! وانظر إلى مقام العمل بالنسبة للعلم، هذه أيضاً العلامة نجدها في الوقت الحاضر، "ويلقى الشح" الشح أخص من البخل، هو البخل لكن مع الحرص الشديد، هو أخص، فقد يكون الإنسان بخيلاً لكن ليس بخلاً معه حرص شديد، لكن أن يكون بخيل مع حرص شديد هذا يسمى شحيح، فهو أخص، وذلك بسبب غلبة حب الدنيا والتعلق بالمادة، "ويكثر الهرج" قالوا: ومالهرج؟، وفي بعض الألفاظ؛  بلسان الحبشة الهرج، قال: "القتل القتل"، وكما ترون الآن وسائل الإعلام يومياً تقريباً أو شبه يومي تحمل لنا أخباراً بالقتل، بالأعداد، أحياناً بالعشرات وأحياناً بالمئات، فيعني هذه كلها من أشراط الساعة التي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

[حدثنا موسى بن إسماعيل سمع سلام بن مسكين قال سمعت ثابتا يقول حدثنا أنس رضي الله عنه قال خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف ولا لم صنعت ولا ألا صنعت] أنس بن مالك أتت به أمه أم سليم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وعمره عشر سنين، فقالت: يا رسول الله هذا أنس غلام يخدمك، وهذا من رجاحة عقلها، تريد أن يخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتتلمذ عليه، ويكتسب من أخلاقه وعلمه وهديه، فخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، وأيضاً من رجاحة عقلها وحكمتها قالت: يا رسول الله ادعُ الله له، قال: فدعا لي بثلاث دعوات رأيت منها اثنتين في الدنيا وأرجو الثالثة في الآخرة، قال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه"، فأكثر الله مال أنس، حتى أصبح أكثر الأنصار مالاً، وحتى أن بستانه يثمر في السنة مرتين، العادة البساتين تثمر في السنة مرة واحدة، إلا بستان أنس مرتين، وأكثر الله أولاده، جاء في صحيح البخاري عن أنس قال: (حدثتني ابنتي أميمة أنه دُفن لصلبي -ليس لأحفادي!- لصلبي سنة الحجاج بضع وعشرون ومئة من الولد)، وأطال الله عمره حتى جاوز مئة سنة، قال: (حتى استحييت من أهلي واشتقت للقاء ربي)، وأرجو الثالثة في الآخرة وهي مغفرة الذنوب، أنس -رضي الله عنه- يحكي كيف يتعامل النبي -عليه الصلاة والسلام- معه وهو خادمه، قال: (خدمت النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين فما قال لي أف قط)، حتى كلمة أف أو أدنى كلمة تضجر ما وجدها من النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا قال لم صنعت كذا أو ألا صنعت كذا، فكان -عليه الصلاة والسلام- حسن الخلق كريم الخلق، ويقولون إذا أردت أن تعرف خلق إنسان ومعدنه لا تنظر لتعامله مع الوجهاء ولا مع الرؤساء، انظر لتعامله مع الخدم، من كان حسن التعامل مع الخدم فمعنى ذلك أنه حسن الخلق بطبعه، أما إذا كان سيء التعامل مع الخدم ولكنه مع الناس حسن التعامل؛ معنى ذلك أنه ليس ممن عنده حسن الخلق وكرم الخلق، فإذا وجدت الإنسان كريم الخلق وحسن الخلق مع الخدم فمعنى ذلك أنه سيكون حسن الخلق مع غيرهم من باب أولى، وهذا الذي ذكره أنس يعني لا غرو فيه والله -تعالى- وصف هذا النبي العظيم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ[القلم: 4]، إذا كان هذا وصف رب العالمين له، فلا عجب مما ذكره أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-.

 

ونكتفي بهذا القدر والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *