الخثلان
الخثلان
من الفائدة (271)
29 جمادى الآخرة 1440 عدد الزيارات 157

لطائف الفوائد / من الفائدة 271

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمةً وهيء لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس العشرون في هذا العام الهجري، يوم الأثنين السابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (271) في قصة عبيد الله بن جحش:

 

فائدة: قصة مشهورة غير صحيحة

مما اشتهر في بعض كتب السير؛ أن عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة لما هاجر مع أم حبيبة للحبشة تنصر، ولم يثبت ذلك بسند صحيح، وجميع طرق القصة ضعيفة أو واهية، وظاهر الروايات الصحيحة أنه مات في أرض الحبشة مسلماً، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجبر خاطر زوجته التي هاجرت بدينها، وتوفي زوجها في أرض غربة، بزواجه -صلى الله عليه وسلم- بها، فأصبحت إحدى أمهات المؤمنين.

نعم هذه القصة مشهورة في بعض الكتب، وقد جاءت فيها روايات لكنها ضعيفة ضعفاً شديداً، جاء فيها رواية عند الحاكم وعند البيهقي بسند ضعيف، ضعيف جداً يقرب من الموضوع، فهي من جهة الصناعة الحديثية لا تصح ولا تثبت، ولو كان ذلك حصل؛ لو كان عبيد الله بن جحش تنصر لكان هذا حدثاً مهما وملفتاً للنظر، ولنقل بالأسانيد الصحيحة، بل جاء عند أبي داوود والنسائي عن أم حبيبة -رضي الله عنها- أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان قد أتى النجاشي فمات، هكذا في رواية أبي داوود والنسائي، وكان أتى النجاشي؛ كان يعني عبيد الله بن جحش أتى النجاشي فمات، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوج بأم حبيبة وهي بأرض الحبشة، وجاء في حوار هرقل مع أبي سفيان، القصة المشهورة التي أوردها البخاري في صحيحه، أن هرقل سأل أبا سفيان عشرة أسئلة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما أجاب عنها أبو سفيان، قال: إن كان ما تقول حقاً فسيملك صاحبكم موضع قدمي هاتين، ولوددت أني ذهبت إليه فقبلت قدميه، قال أبو سفيان: قد أُمر أمرٌ من أبي كبشة أنه ليعظمه ملك بني الأصفر، قال أبو سفيان يعني إنه من بعد ذلك ما زال أمره وقع في نفسه حتى أسلم، الشاهد من هذه القصة أن أحد الأسئلة التي سألها هرقل أبا سفيان؛ قال من ضمن أسئلته: هل يرتد أحد ممن دخل دينه سخطة لدينه؟! هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟!، فقال أبو سفيان: لا، ولو كان عبيد الله بن جحش تنصر لوجدها أبو سفيان فرصة للنيل من النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن دعوته، ثم إنه يبعد جداً أن يرتد عبيد الله هو من السابقين الأولين للإسلام، وقد فر بدينه مع زوجته إلى أرض بعيدة غريبة، والغالب أن من يقع في الردة يكون عنده ضعف في إسلامه، ويكون عنده تردد وشك، أما إنسان من السابقين للإسلام وفر بدينه لأرض بعيدة، فهذا بعيد جداً أنه يرتد ولهذا فالأقرب والله أعلم أنه لم يتنصر، وأنه مات مسلماً بأرض الحبشة، هذا هو الأقرب من مجمل الروايات، ولا يجوز أن ينسب له الردة والتنصر بأسانيد ضعيفة أو واهية، لأن هذا فيه إساءة له وهو من السابقين للإسلام، فالأقرب والله أعلم من مجمل الروايات وسياق القصة أن عبيد الله بن جحش أنه مات بأرض الحبشة، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجبر خاطر زوجته، إمرأة ضعيفة هاجرت بدينها إلى أرض بعيدة غريبة، هذه المرأة لا حول لها ولا قوة، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجبر خاطرها بزواجه بها، فأصبحت إحدى أمهات المؤمنين، هذا هو الأقرب في تحقيق القول في تنصر عبيد الله بن جحش، ولم يقع أصلاً أن أحداً من الصحابة تنصر أبداً، لم يحصل هذا، ومثل هذه الأسانيد الضعيفة يحتفي بها المستشرقون وأعداء الإسلام، ولكن نحن نقول بيننا وبينكم الإسناد، الأسانيد كلها ضعيفة، كل الأسانيد ضعيفة لا تثبت، بل الأدلة الأخرى التي ذكرناها تدل على خلاف هذا، على أنه مات مسلماً، وأنه -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يجبر خاطر هذه المرأة الضعيفة بزواجه منها.

     

* * *

فائدة: اسم الله الأعظم

عن بريدة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلاً يقول: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى".

اسم الله الأعظم هو اسم من أسماء الله -تعالى-،هو أعظم الأسماء، إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى، ويقال إن اسم الله الأعظم هو الذي دعا به الرجل الذي عنده علم من الكتاب، فإن سليمان قال عن بلقيس: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ[النمل: 38،39]، قيل إنه في ضخامته مثل الجبل ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ[النمل: 39]، كأن يبقى في مقامه يعني فترة الضحى، فقال أنا آتيك به قبل أن تقوم من هذا المجلس، ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ[النمل: 39،40]، هو رجل من الإنس عالم كان يعرف اسم الله الأعظم، ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ[النمل: 40]، يعني في نفس اللحظة، فدعا الله باسمه الأعظم، فأحضرته الملائكة، في نفس اللحظة، ما هو اسم الله الأعظم؟!

اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً، الحديث المذكور هنا حديث بريدة هو أصح ما ورد في اسم الله الأعظم من جهة الإسناد، ولهذا قال الحافظ بن حجر -رحمه الله- قال: أرجح ما ورد في اسم الله الأعظم ما جاء في حديث بريدة، وهو أن يأتي بهذا المذكور في الحديث، (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) ثم يدعو، وذكر الحافظ بن حجر أربعة عشر قولاً في اسم الله الأعظم، ومما قيل أنه: (الله)، قالوا لأنه أعظم الأسماء، ومما قيل: (الحي القيوم)، وهذا قد رجحه بعض أهل العلم، ابن تيمية، وابن القيم، أيضاً الشيخ ابن عثيمين رجحه، رحمة الله على الجميع، لأن هذين الإسمين (الحي القيوم) ترجع لهما جميع الأسماء، جميع الأسماء، وقيل إن اسم الله الأعظم: (ذو الجلال والإكرام)، وقيل إن اسم الله الأعظم هو الذي دعا به يونس: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، وقيل غير ذلك، ولذلك ينبغي للداعي أن يأتي بهذه كلها، أن يأتي بهذه التي قيل أنها الأرجح في اسم الله الأعظم، أن يأتي بها كلها حتى يوافق اسم الله الأعظم، والله -تعالى- يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا[الأعراف: 180]، الله -تعالى- يحب من عباده أن يدعوه بأسمائه، وأن يكون الإسم موافقاً للدعاء، فتقول ياغفور اغفر لي، يارحمن ارحمني، ونحو ذلك من الأدعية، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا[الأعراف: 180]، يعني ينبغي أن يحرص المسلم على أن يدعو الله -تعالى- بأسمائه الحسنى، هذا من آداب الدعاء، من آداب الدعاء أن تدعو الله -تعالى- بأسمائه الحسنى.

 

* * *

فائدة: المصائب مكفرات للذنوب

عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"، قال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا يوم القيامة مفاليس.

نعم، المصائب لابد منها، وأيضاً الإبتلاء لابد منه للمؤمنين، كما قال الله -تعالى-: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2،3]، فبعض الناس يدَّعي الإيمان، ويدَّعي الصدق مع الله، ويدَّعي يعني أنه قوي التدين، لكن المحك عندما يأتي الإبتلاء، فإن ثبت فهذا دليل على صدقه، وإن انتكس دليل على عدم صدقه، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11]، فبعض الناس عند أدنى ابتلاء ينتكس ولا يصبر، فمن حكمة الله -عز وجل- تقدير هذه الإبتلاءات ليتبين الصادق من غير الصادق، ولهذا فإن هذه المصائب والإبتلاءات امتحان من الله -عز وجل- للإنسان، وهي أيضاً من علامة حب الله للعبد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط"، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فإن كان في دينه صلابة شدد عليه"، وأيضاً يقول -عليه الصلاة والسلام-: "إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة" [رواه الترمذي]، فالبلاء فيه تمحيص للذنوب، وفيه أيضاً تعرض للثواب على الصبر، وفيه أيضاً تذكير بالنعمة في حال عدم البلاء، يعني إذا ابتلي مثلاً الإنسان بالمرض يتذكر نعمة الله عليه بالصحة، وفيه أيضاً ايقاظ من الغفلة، وفيه أيضاً استدعاءٌ للتوبة والإنابة إلى الله -تعالى-، وإبعاد للإنسان عن العجب والكبر وقسوة القلب، لأن الإنسان إذا كان يعيش في ترف وفي صحة وفي عافية وبعيداً عن البلاء وعن المصائب، قد يصاب بشيء من الغرور والعجب والكبر، فهذه المصائب التي يقدرها الله على الإنسان يعني تكسر من هذه الحدة التي في النفس، تجعله يتواضع ويستكين لربه وينيب إلى ربه -سبحانه وتعالى-، وهنا في هذا الحديث يقول -عليه الصلاة والسلام-: "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"، هذا الحديث في الصحيحين، فتحط الذنوب بالإبتلاء، وتكفر السيئات به، سواء كان بمرض أو بغيره كما تحط الشجرة ورقها، أرأيت الشجرة عندما مثلاً تأتِ في وقت الخريف تحط أوراقها وتسقط، هكذا أيضاً المصائب والبلايا سبب لتكفير الذنوب والسيئات، ولهذا قال بعض السلف: (لولا مصائب الدنيا لوردنا يوم القيامة مفاليس)، وإن العبد ليكتب الله -تعالى- له المنزلة الرفيعة في الجنة ما يبلغها بعمله، فيبتليه الله -عز وجل- حتى يصل إلى تلك المنزلة، قال أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-: (مصيبة تقبل بها على الله خيرٌ من نعمة تنسيك ذكر الله)، مصيبةٌ تقبل بها على الله خيرٌ من نعمة تنسيك ذكر الله، فعلى المسلم أن يوطِّن نفسه للصبر والتحمل، الصبر واجب، والرضا مستحب، الإنسان إذا وقعت به مصيبة فلا يخلو من ثلاث حالات، الحالة الأولى: الجزع والتسخط بقوله أو بفعله؛ هذا محرم، بل من الكبائر، الحالة الثانية: الصبر، يحبس نفسه عن الجزع والتسخط، وقد لا يكون راضياً بالمصيبة، وهذا واجب، الحالة الثالثة: الرضا، ومعنى الرضا أن تكون حاله بعد المصيبة كحاله قبل المصيبة، وهذه المرتبة مرتبة عليَّة لا يوفق لها إلا أولياء الله، ولذلك فالقول الصحيح أنها مستحبة وليست واجبة، لأن أكثر الناس لا يستطيع أن يصل لها.

 

* * *

فائدة : التشاؤم الذي يؤاخذ به الإنسان

جاء في حديث معاوية بن الحكم قال: (قلت يا رسول الله: منا رجال يتطيرون)، فقال:-صلى الله عليه وسلم-: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم". المعنى: أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك، فإنه غير مكتسب لكم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف.

نعم الطيرة والتشاؤم هذه من أفعال الجاهلية من قديم الزمان، وقد ذكره الله -تعالى- عن آل فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ[الأعراف: 131]، وذكر الله -تعالى- عن ثمود قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ[النمل: 47]، وذكره الله -تعالى- عن أصحاب القرية في سورة يس التي جائها المرسلون: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ[يس: 18]، فذكره الله -تعالى- عن هذه الأمم التي كذبت رسلها، وكذبت الأنبياء، وأيضاً كان يضرب بأطنابه لدى مشركي قريش، ومع الأسف لا زال في الوقت الحاضر يضرب بأطنابه في كثير من دول العالم، ودول الغرب التي تدَّعي التحضر والتقدم تجد أن التطير والتشاؤم منتشر عندها بشكل كبير جداً، حتى أنهم ليتشائمون بالأرقام!، ويتشائمون بالأيام!، ويتشائمون بأشياء لا تخطر على البال، أذكر مرة كنا في دورة في إحدى الدول، فكنا في عمارة وإذا بالطوابق من واحد إلى أظن خمسة عشر أو حولها، المهم رقم ثلاثة عشر غير موجود فسألت لماذا! قالوا إنهم يتشائمون به، يعني إثنى عشر بعده أربع عشر، طيب هذا رقم يعني ما علاقته!، لكن كلما ابتعد المجتمع عن نور الوحي كلما كثر فيه التشاؤم والتطير، فإذاً هو من أفعال الجاهلية، وهنا في هذا الحديث حديث معاوية بن الحكم؛ قلت يا رسول الله: (منا رجال يتطيرون!)، قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم". وفي معناه حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الطيرة شرك الطيرة شرك الطيرة شرك"، (وما منا..) -هذا من كلام ابن مسعود-: (وما منا إلَّا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) [رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه بسند صحيح]. فهنا قول ابن مسعود: (وما منا إلَّا) هو بمعنى "ذاك شيء يجدونه في صدورهم"، يعني أن الإنسان قد يجد التشاؤم والتطير في نفسه ضرورة، يعني رغماً عنه، فهذا الذي يجده في نفسه لا يؤاخذ به ولا عتب عليه، لكن إذا ترتب على ذلك أنه يقدم أو يحجم بسببه فهنا يؤاخذ، كما قال النووي؛ قال المعنى: (أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك، فإنه غير مكتسب لكم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف). هذا معنى قوله: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم"، يعني لا يترتب عليه إقدام ولا إحجام، وهذا معنى قول ابن مسعود: (وما منا إلا) يعني ما منا إلا يقع في نفسه هذا الشيء، لكن ينبغي ألا يترتب عليه إقدام ولا إحجام، وجاء في حديث عبدالله بن عمرو: "من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك"، وقد روي موقوفاً على عبدالله بن عمرو، وأيضاً جاء في حديث عروة بن عامر -رضي الله عنه-، في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب مكتوب عقبة بن عامر، احتمال أنه خطأ في بعض النسخ، لكن كتاب التوحيد مكتوب عقبة بن عامر والصواب أنه عروة بن عامر، لأن هذا عند أبي داوود عروة بن عامر وليس عقبة بن عامر، قال: ذكرت الطيرة عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلماً" قال: "فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك" [رواه أبو داوود بسند صحيح]. إذاً مالذي يقال عندما يقع في نفس الإنسان شيء؟ (اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك)، وأيضاً: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك)، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك، هذا هو الذكر الوارد في هذا، وهذا المعنى جاء في حديث وإن كان في سنده ضعف إلا أنه يختصر المعنى في هذه الأحاديث كلها، (الطيرة ما أمضاك أو ردك)، الطيرة ما أمضاك أو ردك، أما شيء يقع في النفس وتعرض عنه هذا لا يضر، "ذاك شيء يجدونه في صدورهم"، فأحياناً الإنسان قد يتشائم بالشيء لكن ما له تأثير عليه، لا يتسبب في إقدامه ولا إحجامه، هذا لا يضر، أما إذا تسبب في أن يقدم أو يحجم فإن هذا لا يجوز، بل إنها من الشرك، "الطيرة شرك" لكن مالمقصود بالشرك هنا؟ الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر؟ الشرك الأصغر، المقصود بالشرك هنا الشرك الأصغر، لكن الشرك الأصغر عند أهل العلم؛ أيهما أعلى الشرك الأصغر أو الكبائر؟ الشرك الأصغر أعلى مرتبة من الكبيرة، ولذلك هنا ابن مسعود قال: (وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)، الذي عنده قوة توكل على الله لا يتطير ولا يتشائم، إنما الذي يتشائم الذي عنده ضعف توكل على الله -عز وجل-.

* * *

فائدة : من فوائد قصة حكيم بن حزام

عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: (سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى"، قال حكيم: فقلت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا)، فكان أبو بكر يدعو حكيماً إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر: (إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه)، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى توفي.

من فوائد هذه القصة:

  1. حسن تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث أعطاه، ثم أعطاه، ثم أعطاه، ثم نصحه بكلمات يسيرة مليئة بالحكمة، فأثرت في نفس حكيم هذا التأثير العظيم.
  2. أن أخذ المال بسخاوة نفس من أعظم أسباب حلول البركة فيه، وأخذه بتطلع وحرص وطمع من أعظم أسباب نزع البركة منه.
  3. أن التطلع والطمع والحرص الشديد على المال يجعل صاحبه كالحيوان الذي به الجوع الكالب، بحيث يأكل ولا يشبع، ويسمى: جوع الكلب كلما ازداد أكلا ازداد جوعاً، فكلما نال من المال شيئاً ازدادت رغبته واستقل ما عنده، ونظر إلى ما فوقه.
  4. أن النفس تحتاج إلى تهذيب وترويض، فانظر إلى حال حكيم قبل ترويض نفسه وبعدها.
  5. أن الإنسان قد يكون لديه عيب من عيوب النفس ولا يشعر به، فيحتاج إلى النصيحة.

نعم هذه القصة قصة عظيمة، قصة حكيم بن حزام، وحكيم بن حزام من المخضرمين، عاش يقال ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، يقول: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عنده هذه المشكلة، وهي أنه يسأل، يسأل كثير، يسأل يعني تكثُّراً، فهذا نوع من أمراض النفوس التي قد يبتلى بها بعض الناس، وقد لا يشعر، قد لا يشعر، ولهذا انظر إلى حكيم كيف تقبل النصيحة، فلما أعطاه المرة الثالثة؛ أعطاه ثم نصحه، وهذا من حكمته -عليه الصلاة والسلام-، لو نصحه أول ثم أعطاه ما قبل، لكن أعطاه ثم نصحه، بهذه الكلمات القليلة المليئة بالحكمة، قال: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة"، يعني أولاً بين له أن النفوس تحب المال، يعني كأنه قال له أنت لا تلام على محبة المال، هو محبوب للنفوس ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]، "فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس" يعني بتعلق وطمع "لم يبارك له فيه، -وكان- كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا" يعني المنفقة "خير من اليد السفلى" الآخذة، حكيم -رضي الله عنه- تأثر، فقال: (والله لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا)، يعني ما أطلب من أحد شيء، فكان أبو بكر يدعو حكيماً إلى العطاء، العطاء يعني كان فيما سبق كانت الدولة الإسلامية تختلف عن الدولة الحديثة، الدولة قديماً يعني أي شيء يأتي يوزع على الناس، والدولة فقط تتكفل بحفظ الأمن الداخلي والخارجي والتقاضي بين الناس، بينما بقية الأمور تعتمد على الأوقاف وعلى يعني التبرعات، فكل إنسان يعطى حقه من بيت المال من العطاء، فكان أبو بكر يدعو حكيماً للعطاء فيأبى أن يقبله، ثم لما أتى عمر كان يدعو حكيماً للعطاء فأبى أن يقبله، فقال عمر: أشهدكم يا معشر المسلمين أني أعرض على حكيم حقه فيأبى أن يأخذه)، يعني سبحان الله انظر كيف انقلب!، من هذا الذي يلح ويسأل، وأعطاه النبي -عليه الصلاة والسلام- ثلاث مرات، إلى رجل يرفض أن يأخذ حقه، ليس يسأل، يرفض أن يأخذ حقه، حقه الذي هو له، فهذه القصة لها فوائد كثيرة، منها:

أولاً: حسن تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأولاً أعطاه ثم أعطاه، ثم أعطاه، ثم رأى أن عنده هذه المشكلة فعلمه بأسلوب فيه لطف، ورفق، ولين، ونصح، فأثر هذا في نفس حكيم وانتفع بهذه النصيحة.

أيضاً: أن أخذ المال بسخاوة نفس من أعظم أسباب حلول البركة، وأخذه بحرص وطمع من أعظم أسباب نزع البركة، فإذا أخذت المال بسخاوة نفس، فإن الله يبارك لك في مالك، لكن عندما تأخذه بحرص شديد وتعلق بالمال وطمع؛ هذا من أسباب نزع البركة، ولهذا تقول عائشة -رضي الله عنها-: (كان عندنا شعير نأكل منه، فلما كِلته فني)، هذا في صحيح البخاري، يعني يأكلوا منه ما كانت تعد، لما أخذته وعدته كم بقي! كم بقي من صاع! فني وانتهى!، فيعني السماحة وسخاوة النفس من أسباب حلول البركة، حتى في البيع والشراء وفي التعاملات، إذا كان الإنسان سمحاً سهلاً هذا من أسباب حلول البركة، أما إذا كان طماعاً متعلقاً حريصاً حرصاً شديداً هذا من أسباب نزع البركة، والبركة شيء يجد الإنسان أثره، هي شيء غير محسوس لكن أثره محسوس، يجد الإنسان أثره، يجد أثره في المال، يجد أثره أيضاً في الولد، رب ولد واحد أعظم بركة من عشرة أولاد، يجد أثره في الصحة، يجد أثره في الزوجة، يجد أثره في العلم، قد يكون بعض الناس عنده علم قليل لكن الله -تعالى- بارك الله في علمه، فهو يبذل علمه للناس ويعلم الناس، وإنسان أغزر منه علماً لكن لم يبارك له فيه، ما فيه أحد ينتفع منه، ما أحد ينتفع من علمه، فالبركة تكون في مجالات شتى، ولهذا أيضاً من الأدعية العظيمة أن تسأل الله البركة، أن تسأل الله البركة، اللهم بارك لي في وقتي، اللهم بارك لي في عمري، اللهم بارك لي في صحتي، اللهم بارك لي في مالي، اللهم بارك لي في زوجتي مثلاً، اللهم بارك في ولدي، اللهم بارك لي في علمي ونحو ذلك، فمن أعظم الأدعية أن تسأل الله -تعالى- البركة.

أيضاً من فوائد هذه القصة: أن الطمع والحرص الشديد والتطلع يجعل صاحبه كالذي يأكل ولا يشبع، ويشبهه العلماء يقولون كالحيوان الذي به الجوع الكالب، يسمى: جوع الكلب، يأكل ولا يشبع يأكل ولا يشبع، وكلما ازداد أكلا ازداد جوعاً، بسبب هذا الحرص والطمع، لأنه يقارن نفسه بمن فوقه، فمهما أتاه من مال لا يراه شيئاً، ولا يعرف قدر نعمة الله عليه، فيكون كالذي يأكل ولا يشبع.

أيضاً من فوائد هذه القصة: أن النفس تحتاج إلى تهذيب وترويض، لأن النفس بطبيعتها تحب الإنطلاقة وتركاً للهوى، فهي تحتاج إلى نهي عن الهوى، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40،41]، فهي تحتاج النفس إلى ترويض، وفقه أحوال النفوس فقه عظيم، ينبغي أن يعنى به طالب العلم، النفس مثل الطفل إن تهمله شبَّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، إذا رأت منك النفس حزماً وعزماً وقوة تنقاد لك، أما إذا رأت منك تردداً وكسلاً فإنها تقودك إلى الهوى، فلاحظ هنا حكيم بن حزام قبل نصيحة النبي -عليه الصلاة والسلام- وبعد نصيحته، كيف كان قبل نصيحته! يسأل ثم يسأل ثم يسأل، بعد نصيحة النبي -عليه الصلاة والسلام- روَّض نفسه، فأبى أن يسأل شيئاً، حتى الذي له من العطاء أبى أن يقبله.

أيضاً من فوائد هذه القصة: أن الإنسان قد يكون لديه عيب ولا يشعر به، فإن كثيراً من الناس لا يعرفون عيوب أنفسهم، لكن بالنسبة لعيوب الآخرين يبصرون عيوب الآخرين، يعرف عيوب الآخرين وربما يتحدث بها، وربما يقع في غيبتهم، لكنه ينسى عيوب نفسه أو ما يعرفها، فالإنسان بحاجة إلى أن يعرف عيوب نفسه، ومن أعظم أسباب معرفة عيوب النفس النصيحة، فإذا وجدت مثلاً يعني ملحوظة على أخيك المسلم عنده عيب، ربما أنه لا يعرف أن هذا العيب فيه، فتنصحه بلطف وبرفق حتى يعرف أن هذا العيب فيه، بعض الناس عنده عيب ولا يعرف أن عنده عيب، وأمراض النفوس متنوعة، قد يكون المرض مرض متعلق بالمال، تجد بعض الناس همه الأكبر المال، فمتعلق به تعلقاً شديداً، مستطيع أن يضحي بكل شيء لأجل المال، هذا مرض المال، وبعض الناس عنده مرض شهوة النساء، متعلق بالنساء وبمعاينتهن وبالتحرش ونحو ذلك، وهذا المرض ذكره الله -تعالى- في قوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32]، يعني مرض الشهوة، بعض الناس عنده مرض التصدر وحب الجاه والمنصب ونحو ذلك، تجد أن هذا هو همه الأكبر، بعض الناس عنده مرض النميمة، ما يقر لها قرار حتى يكون نماماً ومغتاباً، وأمراض النفوس كثيرة، ولذلك كما ذكرت فقه أحوال النفوس ومعرفة أمراض النفوس؛ هذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعنى بها طالب العلم.

 

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

* * *