الخثلان
الخثلان
باب (الغنيمة)
29 جمادى الآخرة 1440 عدد الزيارات 420

شرح متن التسهيل / تتمة كتاب الجهاد

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل، وكنا قد بدأنا الأسبوع الماضي في (كتابُ الجهادِ)، ووعدنا بإكماله في هذا الدرس إن شاء الله، ووصلنا إلى (باب الغنيمة والفيء).

قال المؤلف -رحمه الله-: [بَابٌ] [الغَنِيمَةُ إن كَانَت أَرضَاً خُيِّرَ الإمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا أو وقْفِهَا] الغنيمة: فعيلة بمعنى مفعولة، أي مغنومة، وتعريفها اصطلاحاً: كل مالٍ أُخذ من الكفار قهراً بالقتال، كل مال أُخذ من الكفار قهراً بالقتال، أما المال الذي أُخذ من الكفار بدون قتال ماذا يسمى؟ فيء، هذا هو الفرق بين الفيء والغنيمة، وإباحة الغنائم مما اختصت به هذه الأمة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي" وذكر منها "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي"، وكانت في الأمم السابقة إذا غنموا غنيمة نزلت نار من السماء فأحرقتها، ولكن من رحمة الله بهذه الأمة أن أحلها لهذه الأمة.

قال: [الغَنِيمَةُ إن كَانَت أَرضَاً] يعني إذا غنم المسلمون أرضاً بعدما فتحوها [خُيِّرَ الإمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا أو وقْفِهَا] فيخير الإمام إما أن يقسمها بين الغانمين، كغيرها من الأشياء المنقولة، وهذا قد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- في خيبر، وعمر -رضي الله عنه- تردد في هذا ثم قال مقولته المشهورة: (لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها)، فقسمها حصل من النبي -عليه الصلاة والسلام- في خيبر، والأمر الثاني أن يوقفها على المسلمين، وهذا هو الذي فعله عمر، أن يوقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجاً مستمراً، يؤخذ ممن هي بيده كل عام، هذا فعله عمر في أرض الشام ومصر والعراق لما فتحت، فقد أوقفها عمر على المسلمين وضرب عليها الخراج، تخيير الإمام هنا بين قسمها ووقفها هو تخيير مصلحة وليس تخيير شهوة، يعني يختار ما فيه الأصلح للمسلمين.

قال: [وإن كانت مَالاً] يعني إن كانت الغنيمة مالاً [بَدَأ بإخراجِ مُؤْنَةِ حِفظِهَا] يعني إن بدأ بإعطاء أجرة الذين قاموا بحفظها، وقاموا على شؤونها، فيبدأ بإعطائهم حقهم وأجرتهم، [وَيَخُصُّ القاتِلَ بِالسَّلَبِ] السلب هو الوارد في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" [متفق عليه]، المقصود به ما يكون على المحارب من سلاح وثياب ودرع، وأيضاً ما يركبه من فرس ونحو ذلك، فهذه تعطى لقاتله قبل البدء بقسمة الغنيمة، وهذا قد ورد فيه الحديث السابق: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه"، وورد أيضاً أحاديث أخرى بمعناه ومنها: قصة سلمة بن الأكوع لما قتل رجلاً من المشركين في غزو النبي -صلى الله عليه وسلم- لهوازن، قال: (ثم جئت بالجمل أقوده) قتل رجلاً من المشركين كان على جمل، قال: (ثم جئت بالجمل أقوده، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من الذي قتل الرجل؟" قالوا: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع") [رواه مسلم]. فهذا الحكم حكم متقرر في عدد من الأحاديث؛ أن من قتل قتيلاً فله سلبه، فهو يخرج إذاً قبل قسمة الغنيمة، قبل قسمة الغنيمة يعطى السلب، لكن المؤلف ذكر شروطاً لاستحقاق القاتل السلب:

الشرط الأول: قال: [إذا قَتَلَهُ حَالَةَ الحَربِ] الشرط الأول: إذا قتله، فالشرط الأول أن يقتله، فإن أسره لم يستحق سلبه.

الشرط الثاني: قال: [حَالَةَ الحَربِ] أن يقتله حالة الحرب، فإن قتله بعد انقضاء الحرب فلا سلب له.

الشرط الثالث: قال: [مُنهَمِكَاً عَلَيهِ] يعني أن يكون منهمكاً على القتال ومقبلاً عليه، فإن كان مدبراً أو منهزماً فلا سلب له.

الشرط الرابع: قال: [غَيرَ مُثْخَنٍ بِالجِراحِ] يعني أن يكون المقتول ليس مثخناً بالجراح، ثم أتى وقتله، وإنما يكون فيه منعة وقوة، لأنه في هذه الحال قد غرر بنفسه فاستحق السلب.

فهذه الشروط الأربعة التي ذكرها المؤلف -رحمه الله-، الشرط الأول أن يقتله، الشرط الثاني أن يكون في حالة الحرب، الشرط الثالث أن يكون منهمكاً على القتال أو مقبلاً، الشرط الرابع أن يكون المقتول غير مثخن بالجراح، إذا تحقق هذه الشروط الأربعة استحق القاتل السلب، "إن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه". وجعل السلب لقاتله هذا من باب التحفيز والتشجيع للمقاتلين، وهذا يدل على أهمية التشجيع والتحفيز للعاملين، ولو كان ذلك العمل مما يشترط فيه الإخلاص، فلا يقال يعني أن هذه أعمال مطلوب فيها الإخلاص فلا يحتاج من يقدم إليها إلى تشجيع، هذا غير صحيح، أليس الجهاد مطلوب فيه الإخلاص!؟ (والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل حميَّة، والرجل يقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟! قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، ومع ذلك قال: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه"، لأن النفوس بحاجة للتشجيع، هذا يدل على أهمية التشجيع، تشجيع مثلاً طلاب العلم بإعطائهم مثلاً محفزات من جوائز أو غيرها، أيضاً تشجيع طلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم، هذا من الأمور الحسنة، فتشجيعهم بالجوائز وبالهدايا وحفلات التكريم ونحو ذلك، هذه من الأمور المطلوبة، ولا ينافي هذا الإخلاص، انظر كيف أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يشجع على قتل المشركين هنا؛ "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه"، مع أن الجهاد مشترط فيه الإخلاص، أيضاً استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" على جواز التشريك في النية، يسميها العلماء مسألة التشريك في النية، معنى التشريك في النية: يعني أن يقصد بعمله وجه الله ويريد مع ذلك مصلحة دنيوية، يقصد وجه الله ويريد مصلحة دنيوية، من يمثل لنا بمثال؟ طبعاً في الجهاد هذا المثال الذي معنا: يقاتل في سبيل الله ويريد السلب، إن قتل هذا المشرك يريد هذا السلب، هنا أراد مصلحة دنيوية مع وجه الله -عز وجل-، نريد أمثلة أخرى؟ من يحج ويتاجر، هذا مثال صحيح، تولي إمامة المسجد يريد وجه الله ويريد أيضاً المكافأة، الدراسة في الكليات الشرعية يريد الشهادة ويريد أيضاً وجه الله بطلب العلم ويريد الشهادة، ونحو ذلك، فهي مسألة كبيرة ومهمة، هذا الحديث يدل على جوازها، لأنه -عليه الصلاة والسلام- يعني جعل هذه الجائزة والمصلحة الدنيوية لمن قتل قتيلاً، مع أن الجهاد مطلوب فيه الإخلاص في سبيل الله، وهي مسألة خلافية بين أهل العلم، والراجح أنه لا بأس بها، لا بأس بالتشريك، ومما يدل للجواز قول الله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: 198]، إلى آخر الآية، هذه الآية نزلت لما أراد نفر من الصحابة أن يحجوا ويتاجروا، فتحرَّجوا كيف يجمعوا بين الحج والتجارة!، فأنزل الله الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ يعني أن تتاجروا مع الحج، أيضاً من الأدلة قول الله -تعالى- عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [نوح: 10]، الإستغفار عبادة مطلوب فيها الإخلاص، ومع ذلك ذكر لها منافع دنيوية: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 11،12]، إذاً القول الراجح أنه لا بأس، على ذلك من مثلاً يدخل الكلية الشرعية يريد طلب العلم ويريد مع ذلك الحصول على الشهادة لا بأس، لا حرج في هذا، طيب؛ مالفرق بين هذه المسألة ومسألة من يريد الرياء؟ من يريد بعمله الصالح الرياء أو السمعة؟! نقول مسألة الرياء والسمعة هذه  مختلفة تماماً، من يريد الرياء والسمعة فكما قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، فهذه مسألة إذاً ليست مقصودة، المقصود ليس الرياء والسمعة هنا، المقصود مصلحة دنيوية مع إرادته بالعمل وجه الله، يعني يريد أن يحج لله -تعالى- ويتاجر، يريد أن يطلب العلم في الكلية الشرعية ويحصل على الشهادة، هذا هو المقصود، فهو قصده ونيته خالصة لله، لكن يريد مع ذلك مصلحة دنيوية، لا يريد رياء، ولا يريد سمعة، لا، يريد مصلحة دنيوية، فلاحظ يعني هذه المسألة ينبغي أن تفهم على وجهها الصحيح.

نعود لعبارة المؤلف -رحمه الله- قال: [ثُمَّ البَاقِي خُمُسُهُ للَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمصْرِفُهُ المَصَالِحُ] يعني الباقي من الغنيمة بعد إخراج ما ذكره المؤلف، يُخرج خمسه وقسم هذا الخمس إلى خسمة أقسام، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال: 41]، طيب؛ كم ذكر في الآية؟ نحن قلنا هذا الخمس يقسم خمسة أقسام، كم ذكر في الآية؟ أن لله خُمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ذُكر ستة! لله وللرسول قسم واحد، ويصرف في مصالح المسلمين، القسم الذي هو لله وللرسول لمصالح المسلمين، يصرف مصرف الفيء، ولهذا قال: [ثُمَّ البَاقِي خُمُسُهُ للَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمصْرِفُهُ المَصَالِحُ] هذا القسم الأول، القسم الأول من هذا الخمس: لله وللرسول، هذا قسم واحد، مصرفه مصالح المسلمين، يعني في بيت المال.

القسم الثاني من هذا الخُمس؛ قال: [ولِبَنِي هَاشِمٍ والمُطَّلِبِ] من هم بنو هاشم والمطلب؟ يعني نقف حتى نفهم المسألة، جد النبي -صلى الله عليه وسلم- من هو؟، محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عبد مناف له أربعة أبناء، الابن الأول هاشم الذي هو جد النبي -عليه الصلاة والسلام-، الابن الثاني المطلب، الابن الثالث نوفل، الابن الرابع عبد شمس، هؤلاء هم أبناء عبد مناف، هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس، من هم قرابة النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ هم بنو هاشم، لكن هنا المؤلف يقول بنو هاشم وأيضاً بنو مطلب، لماذا؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أشركهم، أشرك بني المطلب مع بني هاشم، وقال: "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد" [رواه البخاري]، وقال عن بني المطلب: "أنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام"، لأن بني المطلب تضامنوا مع بني هاشم في حصار الشعب، في شعب أبي طالب وقفوا معهم، بخلاف بنو نوفل وبني عبد شمس، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إكراماً لهم يشرِّكهم في خمس الغنيمة، لكن هل يشمل ذلك الزكاة؟ هذه شرحناها في كتاب الزكاة، عندما قلنا أن الزكاة لا تحل لآل البيت، لا لمحمد ولا لآل محمد -عليه الصلاة والسلام-، طيب من هم آل محمد الذين لا تحل لهم الزكاة؟ طبعاً بنو هاشم هذا بالإجماع، لكن هل أيضاً يدخل بنو المطلب معهم؟ ذكرنا الخلاف في المسألة في كتاب الزكاة، ورجحنا أنهم لا يدخلون، لأنهم ليسوا من قرابة النبي -عليه الصلاة والسلام- المعنيين، وإنما أشركهم النبي -عليه الصلاة والسلام- في خمس الغنيمة فقط من باب الإكرام لهم، لأنهم نصروا النبي -عليه الصلاة والسلام- وبني هاشم، ولم يفارقوهم في جاهلية ولا إسلام، فالقول الراجح في أنهم في الزكاة لا يلحقون ببني هاشم، وفي خمس الغنيمة يلحقون ببني هاشم، فانتبه لهذه الفائدة! التي قد لا تجدها في كتاب، يعني هذه تجمع لك هذه المسائل، لأن بعض الناس إذا رأى كلمة بنو المطلب من هم بنو المطلب!، فهذا هو التوضيح لهذه المسألة.

قال: [ويُضَعَّفُ للذَّكَرِ] يعني يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين، لأنه مال مأخوذ بالقرابة فكان كالميراث.

القسم الثالث من أقسام الخمس: قال: [وَلِليَتَامَى الفُقَرَاءِ] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ[الأنفال: 41]، عرفنا المقصود بذوي القربى: بنو هاشم وبنو المطلب ﴿وَالْيَتَامَىٰ المؤلف خص اليتامى بالفقراء، ما هو تعريف اليتيم؟ الذي مات أبوه قبل البلوغ، أما من ماتت أمه هل يسمى يتيماً؟ لا يسمى يتيماً، طيب؛ الذي مات أبوه بعد البلوغ؟ لا يسمى يتيماً، فالمؤلف خص اليتامى بالفقراء، هو ليس كل يتيم فقير، قد يكون اليتيم غني، لكن تخصيص المؤلف اليتامى بالفقراء يشكل عليه، أن الله -تعالى- ذكر المساكين، قال: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ فلو كان المقصود اليتامى الفقراء والمساكين لكان فيه تكرار، واضح وجه الإشكال؟! وهذا إشكال قوي ووجيه، ولذلك ذهب بعض العلماء إلى أن اليتامى هنا لا يختص بكونهم فقراء، بل يعطون حتى وإن كانوا أغنياء، وقالوا لأنه لو خصصنا اليتامى بالفقراء لكان في الآية تكراراً، والقرآن منزه عن ذلك، وقالوا أيضاً إن إعطاء اليتيم وإن كان غنياً فيه جبر للنقص الذي حصل له بفقد أبيه، لأنه حتى وإن كان غنياً يشعر بنقص، لأنه فقد حنان الأبوة، يرى غيره له أب وهو ليس له أب، والمال لا يعوض هذا الحنان، فيقولون يعطى اليتيم هنا حتى وإن كان غنياً جبراً لهذا النقص، وهذا هو القول الأقرب، أنه لا يختص باليتامى الفقراء، رجحه الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله-، وهو الأقرب للمسألة، وهو الأقرب أيضاً لظاهر الآية.

السهم الرابع: قال: [والمسَاكِينِ] والمسكين إذا أطلق شمل الفقير، فمعنى ذلك يدخل فيهم الفقراء، وهم ذوو الحاجات الذين لا يكفي دخلهم حاجتهم إلى آخر الشهر، فهؤلاء لهم حق في هذا الخمس.

السهم الخامس: [وابنِ السَّبِيلِ] السبيل معناه الطريق، والمقصود به: المسافر الذي انقطع به السفر، فهذا يعطى من الخمس، حتى وإن كان غنياً في بلده، بقدر ما يوصله لبلده، ونلاحظ العناية الكبيرة بابن السبيل في القرآن، كم ورد ابن السبيل من مرة؟ ربما يعني تظهر الحاجة، حاجة ابن السبيل في الأزمان الماضية، لما كان الناس يسافرون على الإبل وبعضهم راجلين، ما كان فيه فنادق، ما كان فيه وسائل اتصالات أو مواصلات، فهذا المسافر قد يفقد نفقته، تسرق منه أو تضيع، فينقطع، ما يستطيع أن يرجع ولا يستطيع أن يبقى، فحاله أسوأ حالاً في هذه الحال من الفقير أو المسكين، فهو بحاجة لمن يساعده ويعينه، ولذلك وردت العناية باين السبيل كثيراً، والإهتمام به كثيراً، يعني ممكن الآن في وقتنا الحاضر ابن السبيل؛ تجد إنسان مثلاً أتى للعمرة وضاعت أو سرقت مثلاً نفقته يعتبر ابن سبيل، لكن حاجة ابن السبيل في الأزمنة السابقة كانت أشد وأكثر، هذه إذاً مصارف الخمس.

قال: [ثُمَّ يُخرَجُ بَاقِي الأنفَالِ] الأنفال: جمع نفل وهو الزيادة، والمقصود به أن الإمام أو أمير الجيش يُخرج أسهماً ينفرد بها بعض الغانمين لمصلحة، مثل أن يقول الإمام أو قائد الجيش من فتح هذا الحصن فله كذا، من اشترك في هذه السريَّة فله كذا، فيضع يعني جوائز، فهذه تدخل في الأنفال، فهذه تُخرج أيضاً قبل قسمة الغنيمة على المقاتلين، أيضاً قبل قسمة الغنيمة على المقاتلين قال: [ويُرضَخُ لِمَن لا سَهْمَ لَهُ] الرضخ معناه: أن يعطى من غير تقدير، أن يعطى من غير تقدير، فمن لا سهم له يعطون شيئاً يجبر خواطرهم، ومثَّل المؤلف لهم قال: [كَصَبِيٍّ، وعَبْدٍ، وامرأةٍ، وَكَافِرٍ] هؤلاء لا سهم لهم في الغنيمة، فيعطون شيئاً جبراً لخواطرهم، لكن المؤلف قيد هذا الرضخ بقوله: [سَهمَاً نَاقِصَاً] يعني لا يبلغ الرضخ قدر السهم، قدر سهم المقاتلين، لأن سهم المقاتلين ينبغي أن يكون أكثر من هذا الذي يرضخ، لأن هذا الذي يرضخ لأجل جبر الخاطر فقط، ونظير هذا قول الله -تعالى- عن قسمة الميراث: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا [النساء: 8]، وهذا يدل على مراعاة الشريعة لأحوال النفوس، أناس يقسمون الإرث بينهم، حضر فقير أو مسكين أو قريب، يعطى شيئاً يجبر خاطره، كذلك أيضاً قسمة غنيمة، هؤلاء الذين لا سهم لهم، صبي، إمرأة، مثلاً كافر مسالم في بلاد المسلمين، يعني يرضخ لهم ما تيسر جبراً لخواطرهم.

قال: [ثُمَّ البَاقِي لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ] يعني ثم باقي الغنيمة بعد إخراج ما ذكره المؤلف من هذه الأمور يكون للمقاتلين، من شهد الوقعة وهم المقاتلون، [مِمَّنْ يُمكِنُهُ القِتَالُ] يعني هذا شرط في إعطاء المقاتلين وهو أن يكون المقاتل يقدر على القتال، [وَمُستَعِدٌّ لَهُ] أما العاجز عن القتال لمرض أو غيره فلا حق له في الغنيمة، كيف تكون القسمة؟ قال: [لِلرَّاجِل سَهْمٌ، ولِلفارِسِ ثَلاَثَةٌ] الراجل يعني الماشي على رجليه غير الفارس، والفارس هو راكب الفرس، فالراجل الذي ليس على فرس يعطى سهماً واحداً، والذي معه فرس يعطى ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، لقول ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم له) [متفق عليه]، طيب لو كان المقاتل على شيء غير الفرس؟ كالإبل ونحوها، فهذه لا يسهم لها، هذا خاص بالفرس، وذلك لأن الفرس تأثيرها أشد، فهي التي يعتمد عليها في الكر والفر ونحو ذلك، وأيضاً الفرس تحتاج من الكلفة ما لا يحتاج إليها غيره، وذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في عدة غزوات إنما يسهم للفارس فقط، وأحياناً يكون معهم إبل ولا يسهم لصاحب البعير، فهذا إذاً خاص بالفارس. قال: [وَالاعتِبَارُ فِي كَونِهِ عَبْداً، أَو فَارِسَاً، أو رَاجِلاً، أَو كَافِراً، أَو مُسلِمَاً] يعني فيما ذكر في المسائل السابقة حال الحرب، يعني الإعتبار في الإسهام أو الرضخ بحال الحرب ونشوب المعركة، فلو أنه دخل دار الحرب راجلاً ثم أثناء الحرب استعار فرساً أو وهب له فرس أو اشترى فرساً فأصبح فارساً؛ هل يعطى سهم أو ثلاثة؟ يعطى ثلاثة، الإعتبار بحال الحرب، لو كان العكس دخل دار الحرب مثلاً فارساً ثم مات فرسه، فقاتل راجلاً، فيعطى كم سهم؟ يعطى سهم واحد، فالعبرة إذاً بحال الحرب، وهكذا أيضاً ما ذكر من كونه عبداً أو كافراً.

ثم انتقل المؤلف -رحمه الله- للكلام عن الفيء، قال: [وَمَا أُخِذَ مِنْ كَافِرٍ بِلا قِتَالٍ فَهُوَ فَيءٌ] هذا هو تعريف الفيء، الفيء: مصدر (فاء) (يفيء إذا رجع)، أصله من الرجوع، سمي بذلك لأنه رجع من المشركين إلى المسلمين، وتعريفه كما عرَّفه المؤلف: ما أُخذ من الكفار بلا قتال، مصرفه قال: [يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ المُسلِمِينَ] يعني يكون في مصالح المسلمين حسب ما يراه الإمام، لقول الله -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الحشر: 7]، فمصرفه في مصالح المسلمين، [يُبْدَأُ بالأَهمِّ فالأَهَمِّ] على ما يراه ولي الأمر.

 

ثم قال المؤلف -رحمه الله -: [باب الأمَانُ].

الأمَانُ ضد الخوف، والمقصود به هنا الأمان أو العهد للمحارب، لكي يأمن على نفسه وماله، فلا يُتعرض له، فهذا الكافر الحربي إذا دخل بلاد المسلمين وطلب الأمان فأعطي الأمان، فإنه يكون معصوم الدم والمال، وهذا الكافر الحربي عندما يدخل بلاد المسلمين ويطلب الأمان لأي غرض من الأغراض، سواء كان للتجارة أو كان لأجل أن يسمع كلام الله، وهذا قد ورد فيه الآية الكريمة؛ قول الله -تعالى-: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: 6]، أو لأجل إيصال رسالة، أو لغير ذلك، فيُعطى الأمان، فلا يجوز التعرض له، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم". قال: [الأمَانُ يَصِحُّ مِنَ المُسلِمِ العَاقِلِ المُخْتَارِ] يعني لا يصح الأمان بأن يؤمن هذا الكافر الحربي إلا من تحققت فيه هذه الشروط الثلاثة؛ الشرط الأول: الإسلام، بأن يكون مسلماً، فلا يصح الأمان من كافر، الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً، فلا يصح الأمان من المجنون، الشرط الثالث: أن يكون مختاراً، فلا يصح الأمان من المكره، طيب بم يكون الأمان؟ قال: [بِأَجَرْتُكَ، وَلا بَأسَ عَلَيكَ، وَنَحوِهِ] أما أجرتك فقد ورد في حديث أم هانئ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قد أجرنا من أجرتي يا أم هانئ"، ومثل ذلك لا بأس عليك، أو أنت آمن، أو نحو ذلك، طيب؛ ممن يكون الأمان؟ قال: [مِنَ الإِمَامِ لِلكُلِّ] يعني يصح أمان الإمام لجميع المشركين، وذلك لأن الإمام له الولاية العامة على المسلمين، [وَمِنَ الأَميرِ لِمَنْ بإزَائِهِ] يصح الأمان من الأمير للبلدة (لمن بإزائه) يعني بحذائه، يعني ومن تحت ولايته في بلدته التي هو فيها، [ومِنَ الوَاحِدِ لِقَافِلةٍ، كَعشَرَةٍ] يصح الأمان من شخص واحد من عامة المسلمين لقافلة، كعشرة رجال ونحو ذلك، لكن الواحد لا يصح أن يعطي أماناً لأهل مدينة كاملة، لا يصح، لأن هذا فيه نوع افتيات على الإمام، هذا الأمان إذاً يكون للكافر الحربي، الكفار ينقسمون إلى أربعة أقسام؛ القسم الأول: المستأمن، وهو المقصود هنا، والكافر الحربي إذا دخل بلاد المسلمين وطلب الأمان فأعطي الأمان، فإنه يكون معصوم الدم والمال، القسم الثاني: الذمي، والمقصود بالذمي: الكافر الذي يعيش في بلاد المسلمين، ويقر على دينه نظير بدل الجزية، يعني بلغة العصر: المواطن غير المسلم في بلاد المسلمين، القسم الثالث: المعاهد، الذي بينه وبين المسلمين عهد وميثاق بأية صورة من صور العهد، ولو بجواز سفر أو إقامة أو تأشيرة، وهذا حال أكثر الكفار في وقتنا الحاضر، القسم الرابع: الحربي وهو من بينه وبين المسلمين حرب معلنة، وليس بينه وبين المسلمين عهود ولا مواثيق، هذا دمه هدر وماله هدر، إذاً الكفار على هؤلاء الأقسام الأربعة: المستأمن، والذمي، والمعاهد، والحربي.

قال: [وَتَجُوزُ مُهَادَنَتُهُم، لِمَصلَحَةٍ، مِنَ الإِمَامِ أو نائِبِه] يعني تجوز مهادنة الكفار لمصلحة، المهادنة من الهدنة، مأخوذة من هدنت الصبي إذا سكَّته، والمقصود بها الإتفاق على وقف القتال مدة معينة، هذا المقصود بالمهادنة والهدنة، قال: [لِمَصلَحَةٍ] يجوز ذلك إذا رأى الإمام وولي الأمر المصلحة في ذلك للمسلمين فلا بأس بها، [مِنَ الإِمَامِ أو نائِبِه] يكون عقد الهدنة من الإمام أو من ينيبه، كما حصل في هدنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لقريش، اتفق معهم على وضع القتال عشر سنين في صلح الحديبية، لكن لابد أن تكون الهدنة محددة بوقت، ولا تكن مطلقة، لماذا؟ لأنها لو كانت مطلقة هذا يفضي إلى تعطيل الجهاد، قال: [ويَحْمِيهِم مِنَ المُسْلِمِين] يعني إذا هادن الإمام الكفار فإنه يحمي هؤلاء الكفار من المسلمين، فلا يتعرض لهم، لكن لا يلزمه أن يحميهم من غير المسلمين، يحميهم فقط من المسلمين، قال: [وَيَنْبِذُ إليهم عَهْدَهُمْ إن خافَ نَقضَهُمْ] يعني أن الإمام إذا خاف من هؤلاء الذين هادنهم أو عاهدهم أن ينقضوا العهد، لوجود قرائن تدل على ذلك، فلا يجوز أن يبغتهم بالقتال، بل يطرح عهدهم، فإن باغتهم بالقتال من غير طرح العهد قبل ذلك ومن غير إعلامهم هذا خيانة، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال: 58]، (وإما تخافن من قوم خيانة) يعني بينك وبينهم عهد أو هدنة، لكن خشيت خيانتهم فانبذ عهدهم، قل ترى ما بيني وبينكم عهد، العهد الذي بيننا وبينكم ملغى، (على سواء) يعني تكون أنت وهم سواء في العلم والمعرفة بنبذ العهد، وهذا يدل على عظمة الإسلام، عظمة هذه الشريعة، حتى هؤلاء الكفار الذين بيننا وبينهم عهد ما يجوز أن نباغته حتى نخبره بنقض العهد، نخبره بأن العهد ملغي، بإلغاء العهد هذا، يعني ما فيه دين يحترم العهود والمواثيق مثل دين الإسلام، وحتى إن الله -تعالى- قال: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ يعني المستضعفين ﴿فِي الدِّينِ في الدين ليس في الدنيا ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ [الأنفال: 72]، فانظر إلى احترام الإسلام للعهود والمواثيق.

 

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [بابُ الجِزيَةِ].

المراد بالجزية: ما يؤخذ من الكفار مقابل إقرارهم على السكنى في بلاد المسلمين وترك قتالهم، وقد ذكرها الله -تعالى- في سورة التوبة في قوله -سبحانه-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: 29]، وأجمع المسلمون عليها، أيضاً في السنة النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأخذ الجزية من الكفار، وأجمع المسلمون عليها في الجملة.

قال المؤلف -رحمه الله-: [لا جِزيَةَ عَلَى مَنْ لَم يَجُزْ قَتْلُهُ] يعني الجزية تجب على من يجب قتله، مقابل الكف عنه، أما من لا يجوز قتله فلا تؤخذ منه الجزية، مثل الصبي مثلاً والمرأة والمجنون ونحو ذلك، فهؤلاء لا تؤخذ منهم جزية، لأن هؤلاء أصلاً دماؤهم معصومة، محقونة يعني، لا يجوز أصلاً في المعارك أن تقتل امرأة ولا يقتل صبي ولا يقتل راهب ولا أعمى، كما مر معنا في الدرس السابق، فلا يؤخذ منهم الجزية، [وَلا فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنهَا] أيضاً إذا كان هذا إنساناً فقيراً فلا تؤخذ منه الجزية، [وإِنَّما تُؤْخَذُ مِنْ كِتابِيٍّ أو مَجُوسِيٍّ] أي أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب، والمقصود بالكتابي: اليهودي أو النصراني، أو مجوسي، أما الكتابي فهو المذكور في الآية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: 29]، وأما المجوس فالمجوس هم عمدة النار، وهنا المؤلف يقول: [أو مَجُوسِيٍّ] واستدلوا لهذا بما جاء في صحيح البخاري وغيره، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من مجوس هجر، طيب هل تؤخذ من الكفار غير الكتابيين وغير المجوس؟ هذا اختلف فيه الفقهاء على قولين:

القول الأول: أنها لا تؤخذ منهم، وإنما يختص أخذها من أهل الكتاب والمجوس، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وأيضاً مذهب الشافعية، واستدلوا بظاهر الآية قالوا إن الله -تعالى- قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ [التوبة: 29]، لكن أورد عليهم إيراد، طيب إذا كنتم تستدلون بالآية فلماذا تقولون والمجوس، قالوا لأن المجوس لهم شبهة كتاب.

القول الثاني: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وإلى هذا ذهب المالكية، وأيضاً الحنفية إلا أنهم استثنوا عبدة الأوثان من العرب، والقول بأن الجزية تؤخذ من جميع الكفار اختاره جمع من المحققين من أهل العلم، كأبي العباس ابن تيمية وابن القيم -رحمهم الله-، وهو القول الراجح، أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال.. -إلى قوله..:- فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم"، فقوله: "من المشركين" دليل على عدم اختصاص الجزية بأهل الكتاب، وهذا القول الراجح، ومما يدل له أن النبيى -صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من مجوس هجر، وهم ليسوا من أهل الكتاب، وأما القول بأن لهم شبهة كتاب فهذا غير صحيح، أين الكتاب هذا!؟ ما اسمه؟ لا يعرف أن لهم كتاب، ولا أُرسل لهم رسول أو نبي، فهذا غير صحيح، ليس لهم كتاب ولا أرسل لهم رسول، فهذا مما يؤيد القول بأنها تؤخذ من جميع الكفار، وأما الآية الكريمة، فلأن هذه الآية نزلت في السنة التاسعة من الهجرة، وقد فرغ النبي -صلى الله عليه وسلم- من قتال العرب، ولم يبقى أحد من عباد الأوثان، وإنما كان الكفار الباقون من أهل الكتاب، فنزلت ربما والله أعلم لأجل هذا، أنه ما فيه كفار إلا من أهل الكتاب، كفار العرب قاتلهم النبي -عليه الصلاة والسلام- وظهر عليهم وانتصر عليهم، إذاً القول الراجح أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب.

قال: [فِي رَأسِ كُلِّ حَولٍ] يعني تؤخذ سنوياً، تؤخذ الجزية سنوياً، في رأس كل سنة، [مِنَ المُوسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأربَعونَ دِرهَماً، وَمِنَ المُتَوسِّطِ نِصْفُهُ، وَمَنْ دُونَهُ رُبْعُهُ] يعني تقسَّم بهذه الطريقة، ثمانية وأربعون على الغني، وأربعة وعشرون على المتوسط، واثنى عشر على الأقل، واستدلوا بفعل عمر -رضي الله عنه-، وقال بعض أهل العلم: إن تقدير الجزية موكول إلى رأي الإمام واجتهاده، وأن هذا التحديد الذي ذكر إنما هو اجتهاد عمر -رضي الله عنه-، وتختلف الأمور باختلاف الأحوال، فالقول الراجح إذاً أن تقدير الجزية يرجع إلى اجتهاد الإمام، ولا يُتقيَّد بما ذكره المؤلف. قال: [وَتَسقُطُ بِالإِسلامِ] يعني من أسلم من الكفار سقطت عنه الجزية، لقول الله -تعالى-: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38]، وهذا في الحقيقة فيه تشجيع لهم على الإسلام، إذا أردت أن تسقط عنك الجزية أسلم، ففيه تحفيز وتشجيع لهم على الإسلام، [وَمَنِ اتَّجَرَ مِنهُم إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ أُخِذَ مِنْهُ نِصفُ العُشُرِ] يعني من اتجر من هؤلاء الكفار ممن يدفع الجزية إلى غير بلده، إذا انتقل من بلد إلى بلد آخر تحت ولاية المسلمين، أما إذا انتقل من بلد إلى بلد لا يؤخذ منه شيء، لكن انتقل من بلد إلى بلد آخر غير بلده، وهذه كلها تحت ولاية المسلمين، فيؤخذ منه نصف العشر، يعني خمسة بالمائة، لقول أنس -رضي الله عنه-: (أمرني عمر أن آخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر)، وعمل بذلك الصحابة فكان كالإجماع، والذمي لا يؤخذ من أمواله شيء إلا هذا والجزية، فلا يؤخذ من أمواله التجارية التي ينتقل بها من بلد إلى بلده، لكن من بلد إلى بلد يؤخذ منه خمسة بالمائة، وأمواله الباطنة التي بيده لا يؤخذ منها شيء إلا الجزية، فما يؤخذ منه قليل بل إن ما يؤخذ من المسلم ربما يكون أكثر مما يؤخذ من الذمي، المسلم تؤخذ منه الزكاة، ربع العشر، إثنان ونصف بالمائة، هذا الذمي ما يؤخذ منه إلا الجزية فقط، وإذا اتجر من بلد إلى بلد آخر غير بلده فقط، فانظر إلى رعاية الإسلام لحقوق أهل الذمة. قال: [وَمِنَ الحَربِيِّ عُشُرٌ] يعني الحربي يؤخذ منه عشر المال، يعني عشرة بالمائة، إذا اتجر به في بلاد المسلمين، لأن عمر -رضي الله عنه- كان يأخذ من أهل الحرب العشر، وهذه تدخل كلها في باب السياسة الشرعية، [وَيَجُوزُ شَرطُ ضِيافَةِ المارِّ بِهِم مِنَ المُسلِمِينَ] يعني يجوز أن يشترط الإمام وولي الأمر على أهل الذمة أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين، كان عمر -رضي الله عنه- يفعل ذلك، لأن الضيافة إذا وجبت على المسلمين فتجب أيضاً على أهل الذمة بالشرط، كان الناس قديماً ما كان فيه فنادق ولا فيه شقق، فكان المسافر ينزل ضيفاً على أحد، كانت هذه طريقة الناس، وما حكم الضيافة؟ واجبة يوم وليلة، ولثلاثة أيام مستحبة، وما زاد على ذلك فهو صدقة، فلو أن الإمام وولي الأمر شرط على من يمر بهم من المسلمين أن يضيفوهم كان ذلك شرطاً جائزاً وسائغاً.

 

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [بابُ أحكامِ الذمةِ].

وهو آخر باب معنا في كتاب الجهاد، با أحكام الذمة، الذمة: هي العهد والأمان، وأهل الذمة كما ذكرنا قبل قليل هم الذين يعيشون في بلاد المسلمين، ويقوم المسلمون بحمايتهم، وإقرارهم على دينهم نظير بذل الجزية.

وهنا ذكر المؤلف أحكاماً أخرى، نحن ذكرنا الحكم الأول هو: دفع الجزية، الحكم الثاني: إلتزام أحكام الإسلام فيما ذكره المؤلف، وهو أولاً: اجتناب ما فيه إضرارٌ بالمسلمين، اجتناب ما فيه إضرار بالمسلمين كالتجسس أو الزنا بامرأة مسلمة ونحو ذلك، ثانياً: الخضوع لولاية القضاء لدى المسلمين، فإذا ترافعوا إلينا فنحكم بينهم بشرع الله، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة: 49]، ولأنهم من رعايا الدولة الإسلامية فلا يتركون يتظالمون، وإنما يحكم بينهم بما يؤدي إلى رفع الظلم، ثالثاً: التزام الغيار، يعني هذا ذكره المؤلف سنتكلم عنه بعد قليل، وذلك بأن يلبسوا لبساً متميزاً عن المسلمين، يلبسون غياراً كأن يخيط على ثوبه بموضع لا يعتاد الخياطة عليه، يعني يلبس لبس متميز، وأيضاً يكون في شعورهم تميز كما ذكره المؤلف، وفي مراكبهم، وأيضاً رابعاً: أن يجتنبوا ما فيه تقليل أو تحقير لدين المسلمين أو سخرية، والخامس: عدم إظهار منكراتهم في بلاد المسلمين، فلا يمكَّنون من إحداث البيع والكنائس، ولا من إظهار الخمور وأكل الخنازير ونحو ذلك، هذه ذكرها المؤلف، قال: [يَلزَمُهُمْ التَّميُّزُ عَنِ المُسلِمِينَ بِحَذْفِ مَقادِمِ رؤوسِهِم] يعني بحلق مقدم الرؤوس، يحلق مقدم رأسه، [وَتَرْكِ الفَرْقِ] ولا يفرقوا رؤوسهم يعني من اليمين واليسار، وذلك حتى يعرف أنهم من أهل الذمة، [وَكُنَى المُسلِمِينَ] يعني أنهم يتميزون بأن يكون لهم كُنى غير كُنى المسلمين، فلا يتكنون بكنى المسلمين، مثلاً لا يتكنون بأبي محمد أو أبي عبد الله أو نحو ذلك، [وَيركَبُونَ عَرْضَاً لا بِسَرْجٍ] يعني حتى بالركوب، يقول يركبون دوابهم عرضاً، رجلاه إلى جنب وظهره إلى جنب، بدون سرج، السرج هو ما يوضع على ظهر الدابة، [ويَلبَسُونَ غِيَارَاً] تكلمنا عنها قبل قليل، يعني لباساً مختلفاً متميزاً، الغيار يعني كما قلنا كأن يضع في أعلى ثوبه مثلاً؛ يخيط أعلى ثوبه موضعاً لا يُعتاد الخياطة عليه، [ويُشَدُّ فَوقَ ثِيَابِهِم الزُّنَّارُ] الزنَّار هو حزام النصارى، يلبسه النصارى، لا يزال إلى الآن موجوداً يلبسه النصارى، فهذا يلبسونه ويجعلونه فوق الثياب، [ويُجْعَلُ فِي العَمائِمِ خِرْقَةٌ] يعني خرقة يخالف لونها لون العمامة حتى تكون متميزة، [وَفِي رِقَابِهم خَواتِيمُ الرَّصَاصِ] رصاص أو حديد تكون في رقابهم، ولا تكون من الصليب، لا تكون على شكل صليب، [وجُلجُلٌ فِي الحَمَّامِ] الجلجل هو الجرس الصغير، يجعل في رقابهم إذا دخلوا حمامات المسلمين، لكن الحمام المقصود به ماذا؟ المغتسل، وليس المقصود به دورة المياه، المغتسل، [وَلا يُسَاوُوا بِنَاءَ مُسْلِمٍ] يعني حتى في البناء لا يساوي بنائه بناء المسلم، وإنما يكون أسفل منه، ولكن هذا؛ بعض أهل العلم قال إن هذا لا يُمنع منه أهل الذمة، لأن هذا مجرد بناء ما له علاقة بالعلو أو عدم العلو، إذاً هذه الأمور التي ذكرها المؤلف كان معمولاً بها في زمن الصحابة، لأن الله -تعالى- قال: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: 29]، يُتعامل معهم بهذا، فانظر إلى عزة الإسلام والمسلمين في تلك العصور، انظر إلى كلام الفقهاء هنا، وكيف كانت هذه موجودة في زمن الصحابة وقوة المسلمين، وهذه الحقيقة هذا التميز الذي ذُكر هذا يدفع هؤلاء إلى أن يعتنقوا الإسلام، هذا فيه تشجيع، ولذلك الآن المسلمون لما فتحوا العراق، فتحوا مصر، فتحوا الشام، أين أهل العراق! أهل العراق الذين كانوا قبل الإسلام أين هم! أين أهل الشام الذين كانوا قبل الإسلام!، كلهم أسلموا واندمجوا مع المسلمين، أهل العراق قبل الإسلام أسلموا، أهل الشام قبل الإسلام أسلموا، هكذا بقية البلدان، هذا لا يوجد في أي دين آخر، لا يوجد في أي دين آخر غير دين الإسلام، يعني عندما أتى الإستعمار الذي يسمى الإستعمار وهو الإحتلال لبلاد بلدان العالم الإسلامي، هل أثر هذا على أن المسلمين يعتنقون دين هؤلاء المستعمرين؟! أبداً، بقي المسلمين مسلمين والحمد لله، بقي هذا المستعمر سنين طويلة ومع ذلك ما استطاع أن يغير دين هؤلاء المسلمين، حتى خرج ورجع، بينما الإسلام لما أتى لهذه البلدان -سبحان الله- أهل هذه البلدان غيروا دينهم واعتنقوا الإسلام، فانظر إلى عظمة الإسلام، يعني لا يوجد دين آخر حصل له مثل هذا، فكل هذه التي ذُكرت؛ كل هذه يعني تدفع هؤلاء إلى أن يعتنقوا الإسلام، يقال إذا أردت أن تسلم من هذه كلها أسلم، فتكون لك جميع الحقوق التي للمسلم، أما تريد أنك تكون تحت حماية المسلمين، وتعيش في بلاد المسلمين معصوم الدم والمال، لابد أن تلتزم بهذه الأمور.

قال المؤلف -رحمه الله-: [وَيَنتَقِضُ عَهدُهُ] انتقل المؤلف لبيان ما ينتقض به العهد، [يَنتَقِضُ عَهدُهُ بِمَنعِ الجِزْيَةِ] لو أنه رفض؛ رفض أن يدفع الجزية هنا انتقض عهده، لأن الله قال: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، الثاني؛ قال: [وَعَدَمِ التِزَامِ أحكَامِ المِلَّةِ] كأن مثلاً يجاهر بشرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك، [أو قِتَالِ المُسلِمِينَ] إذا قاتل المسلمين منفرداً أو مع غيره انتقض عهده، [أو استِيطَانِ دَارِ الحَرْبِ] إذا لحق بأهل الحرب، هو ذمي مقيم في بلاد المسلمين، لكنه التحق بأهل الحرب، انتقض عهده، [أو تَجَسُّسٍ] أصبح يتجسس على المسلمين وينقل أخبارهم للأعداء، فينتقض عهده، [أَو زِنَاً بِمُسْلِمَةٍ] لو زنا بإمرأة مسلمة انتقض عهده، [أو ذِكْرِ اللَّهِ، أو كتَابِهِ، أَو رَسُولِهِ بسوءٍ] إذا انتقص دين الله -عز وجل-، سواء سب الله أو كتابه أو رسوله، أو انتقص دين الإسلام بأي سوء، فهذا مما ينتقض به العهد، هذه الأحكام التي ذكرها المؤلف كما ذكرنا المرجع فيها لكتاب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وكتاب عبد الرحمن بن غنم الذي قيل له صحبة، بعث كتاباً إلى عمر وذكر فيه أن هذه الشروط شُرطت على نصارى الشام، تسمى بالشروط العمرية، وقد شرحها الإمام ابن القيم شرح هذه الشروط العمرية في كتاب عظيم سماه (أحكام أهل الذمة)، وهذه أيضاً تخضع للإجتهاد والمصلحة، فما ذُكر لا يُطلب تطبيقه بدقة، وإنما ما يحقق المصلحة العامة، فمثلاً لبس الغيار الذي ذكره المؤلف؛ إذا رأى الإمام أن المصلحة في تركه فإنه يترك، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يأمر أهل الذمة في زمنه ولا أبو بكر بذلك، لكن في عهد عمر لما كثر الذميون أراد عمر أن يميزهم، ولهذا قال ابن القيم وجماعة: إنما دار هذا الباب على المصلحة الراجحة ويخضع لباب السياسة الشرعية، قال: [وَبِاللُّحُوقِ بِدَارِ الحَرْبِ يُخَيَّرُ فِيهِ] يعني إن نقض الذمي العهد، بأن لحق بدار الحرب، فيخير فيه الإمام [كَالأَسِيرِ] وسبق أن قلنا أن الإمام يخير في الأسير بين أربعة أمور؛ ماهي؟ ذكرناها في درس الأسبوع الماضي، القتل أو الرق أو المن بفداء أو المن مجانا، فهذا أيضاً يُفعل به إذا لحق بدار الحرب، يخير فيه كالأسير، [وَبِغَيْرِهِ يُقتَلُ] يعني كان نقضه بغير لحوقه بدار الحرب، هنا يقول المؤلف أنه يتحتم قتله، وقال بعض أهل العلم أنه لا يتحتم، بل يخير فيه الإمام، ويختار ما فيه المصلحة، وهو الأقرب، قال: [وَمَالُهُ فَيءٌ] يعني من نقض العهد أصبح ماله فيء، فيصرف في مصالح المسلمين، [ويَبْقَى عَهْدُ نِسائِهِ وذُرِّيتِهِ] يعني إن انتقض عهده اختص الحكم به، أما نسائه وذريته فلا ينتقض عهدهم، [لا مَنْ وُلِدَ فِي دَارِ الحَرْبِ، أَو أَخَذَهُ مَعَهُ] يعني من وُلد مع هذا الذمي في دار الحرب، هذا الذمي الذي نقض عهده، ووُجد معه شخص، وُجد معه مثلاً طفلٌ ولد في دار الحرب، فإنه يكون يأخذ حكمه فيما ذكر من الأمور الأربعة، وهكذا إن أخذ أحد من ذريته معه إلى دار الحرب، فيكون حكمه حكم أبيه.

هذه هي أبرز أحكام أهل الذمة، وأصبحنا مع واقع المسلمين ندرسها نظرياً، ندرسها الآن نظرياً، وقد كانت مطبقة إبَّان قوة المسلمين، فنسأل الله -تعالى- أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يعلي دينه وكلمته، وأن يذل الشرك والمشركين ويجعل العاقبة للإسلام والمسلمين، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *