الخثلان
الخثلان
الدرس الخامس
23 جمادى الآخرة 1440 عدد الزيارات 450

كتاب الأدب من صحيح البخاري

الدرس الخامس

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، هذا هو الدرس الخامس في شرح كتاب الأدب من صحيح البخاري، لهذا اليوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، ولا زلنا في (باب رحمة الناس والبهائم) وقد وصلنا إلى حديث أبي هريرة في قصة الأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحدا..:

 

  • باب رحمة الناس والبهائم

 

[حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله] نعم، هذه في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، قام النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة وصلوا معه، فلما صلوا إذا بأعرابي يبول في المسجد، فزجره الناس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دعوه" ثم بعد ذلك دعاه وقال له بلطف: إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا البول أو القذر، إنما هي للصلاة والتسبيح وتلاوة القرآن، أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، فأعجب هذا الأعرابي أعجبه أسلوب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتلطفه معه، فقال هذه المقولة: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً)، لأن الصحابة قد زجروه ونهروه كيف يبول في المسجد، فهذا الأعرابي قيل أنه هو الأقرع بن حابس وقيل أنه ذو الخويصرة اليماني، ولا يهمنا اسمه المهم أنه أعرابي بال في المسجد جاهلاً، فالناس نهروه، النبي -صلى الله عليه وسلم- تلطف معه، لأن الجاهل يعامل ما لا يعامل غير الجاهل، فغير الجاهل إذا أخطأ وتكرر منه الخطأ يتعامل معه بحزم، أما الجاهل فيعلَّم ويتعامل معه بلطف ولين، ومن حكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال للصحابة: دعوه يكمل بوله، لأن هذا الأعرابي لو نهر وقطع بوله، فإنه سيتسبب في انتشار النجاسة في المسجد، وأيضاً سيلوث ملابسه بالنجاسة، وأيضاً ربما يتسبب في مشاكل صحية بالنسبة له بسبب قطعه للبول، فإذاً قطعه للبول ليس فيه كبير فائدة بل فيه أضرار ومفاسد، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- راعى ذلك، وقال للصحابة دعوه يكمل بوله، لما أكمل بوله نصحه -عليه الصلاة والسلام-، فرأى الفرق العظيم بين أسلوبه وأسلوب غيره -عليه الصلاة والسلام-، فقال هذه المقولة: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، وهذه المقولة فيها نكارة، ولهذا أنكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- على الأعرابي، لأنه بخل برحمة الله -تعالى- على خلقه، ورحمة الله واسعة، ولهذا قال: "لقد حجَّرت -يعني: قد ضيقت- واسعاً -وهي رحمة الله التي وسعت كل شيء-"، فأنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه المقولة على الأعرابي، والله -تعالى- أثنى على من فعل خلاف ذلك، حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ[الحشر: 10]، ويُفهم من هذا أن مثل هذه الدعوة أنها منكرة، (اللهم أرحمني وارحم فلاناً فقط ولا ترحم غيرنا) هذا لا يجوز، هذا منكر، لأن فيه تحجر لرحمة الله -عز وجل-، ومثل ذلك (اللهم اغفر لي واغفر لفلاناً ولا تغفر لأحد غيرنا) هذا لا يجوز، ولو كان ذلك على سبيل المزاح، فإن بعض الناس قد يطلق مثل هذه العبارات وهذا لا يجوز، ولهذا أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم-على الأعرابي هذه المقولة.

 

[حدثنا أبو نعيم حدثنا زكرياء عن عامر قال سمعته يقول سمعت النعمان بن بشير يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى] نعم هذا الحديث يبين قوة العلاقة بين المؤمنين، وأنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، قوله: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم" ذكر ثلاثة مصطلحات، المصطلح الأول: التراحم، والثاني: التواد، والثالث: التعاطف، وهذه المصطلحات الثلاثة متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف، فالتراحم المعنى أن يرحم بعضهم بعضاً لأخوة الإيمان، لا بسبب آخر، والتوادد معناه التواصل فيما بينهم الجالب للمحبة بالتزاور أو التهادي أو نحو ذلك، والتعاطف معناه إعانة بعضهم بعضا، كما يعطف الثوب عليه ليقويه، فالتعاطف معناه إعانة بعضهم بعضا، فهي وإن كانت متقاربة في المعنى إلا أن بينها هذا الفرق اللطيف، فمثل المؤمنين كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد، أي: دعا بعضه بعضاً إلى المشاركة في الألم، بالسهر والحمى، إذا اشتكى أحد أعضاء الجسد؛ بقية أعضاء الجيد تشتكي، لو مثلاً آلمك سنك تجد أن بقية جسدك يؤلمك، ما تستطيع أنك تنام، ولا تهنأ، آلمك اصبعك، آلمتك عينك، آلمك جرح في يدك في رجلك؛ تجد أن سائر أعضاء الجسد تتداعى مع هذا الألم، هكذا أيضاً ينبغي أن يكون المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ في أي قطر من الأقطار ينبغي أن يتألم له بقية جسد الأمة الإسلامية، ولذلك يعني التعاطف مع أحوال المسلمين في أي مكان وفي أي قطر في العالم هذا من مقتضيات الإيمان، كلما كان الإنسان أقوى إيماناً كلما كان أكثر تعاطفاً مع إخوانه المسلمين، تجد بعض الناس يعني لا يهمه هذا الأمر، يصاب المسلمون في أي قطر من الأقطار ما يهمه!، وربما ينظر لهم من منطلق القومية أن هؤلاء من جنسية بلد كذا!، المسلمون كالجسد الواحد، فإذا أصيب أي مسلم في أي قطر من الأرض ينبغي أن يتداعى له سائر الجسد -جسد الأمة الإسلامية-، وأن يتألم لألمه، وأن يسعى لنصرته، هذا هو المطلوب بين المسلمين، ويفعل المسلم ما باستطاعته، أحياناً قد لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا الدعاء، يشاركه مشاعره ويدعو له، كما كان يحصل للمسلمين في الفترة المكية، كانوا يرون بعض الصحابة يعذب، بلال يعذب على الرمال في شدة الحر، آل ياسر كانوا يعذبون، ما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- والصحابة يستطيعون أن يفعلوا لهم شيئاً، بل كانوا ممنوعين من الجهاد في تلك الفترة، فهنا يكفي المشاركة بالمشاعر والدعاء، لكن أن يكون الإنسان عديم الأحاسيس عديم المشاعر تجاه إخوانه المسلمين؛ هذا خلاف مقتضيات الإيمان، المسلمون هم كالجسد الواحد، ولهذا إذا وجدت أن الإنسان ضعيف أو عديم المشاعر تجاه إخوانه المسلمين، فإن هذا دليل على ضعف الإيمان، وإلا قوي الإيمان لاشك أنه يشعر بشعور إخوانه المسلمين، على الأقل يدعو لهم، ويتألم لألمهم، يدعو لهم بالنصر، يدعو لهم بالتوفيق، يدعو لهم بأن الله -تعالى- يمكِّنهم، ويدعو على الظالمين الذين يظلمونهم ويبغون عليهم ونحو ذلك، فهذا الحديث حديث عظيم، يبين لنا قوة العلاقة بين المؤمنين، "مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وقوله: "بالسهر والحمى"؛ السهر لأن الألم يمنع النوم، وأما الحمى فلأن فقد النوم يثيرها، ولهذا قال القاضي عياض: أن هذا التشبيه -تشبيه المؤمنين بالجسد الواحد- فيه تقريب للفهم، وتعظيم لحقوق المسلمين، والحث على تعاونهم، وملاطفة بعضهم بعضا.

 

[حدثنا أبو الوليد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له به صدقة] هذا الحديث أخرجه أيضاً الإمام مسلم، وهو يدل على فضل الزراعة، وأن من يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان أو طير أو دابةٌ أو بهيمةٌ، فإنه يكون له به صدقة، ولو لم يقصد ذلك، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الزراعة أفضل المكاسب، وممن ذهب إلى ذلك النووي في شرحه على صحيح مسلم، ذهب إلى أن الزراعة أفضل المكاسب، قال: لأن الإنسان ينتفع بزراعته، وأيضاً يؤجر عليها، ينتفع بها بما تحققه من ثمار ومكاسب ومن منافع، وأيضاً يؤجر عليها، لا يأكل من هذه الزراعة شيء، لا يأكل منها أحد إلا أُجر عليها، حتى الطيور، حتى الحيوانات، حتى البهائم، يؤجر ويثاب على تلك الزراعة، وقد اختلف العلماء في أطيب المكاسب، فقيل أنها الزراعة كما سبق، وهذا اختاره النووي، وقيل إن أطيب المكاسب التجارة، وقيل إنها المغانم، واستدلوا بحديث (جُعل رزقي تحت ظل رمحي)، وقيل إنها عمل اليد، فهذه أربعة أقوال؛ الزراعة، التجارة، المغانم، عمل اليد، والقول الراجح هو القول الأخير، وهو أن أطيب المكاسب وأفضلها عمل اليد، وذلك لأنه قد ورد في هذا حديث أخرجه البخاري في صحيحه عن المقدام بن معديكرب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"، وهذا نص في المسألة، "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده"، فأفضل وأطيب المكاسب هو عمل اليد، ولكن عمل اليد تدخل فيه الزراعة، إن كان زراعاً فيزرع ويبذر ويحصد فيدخل هذا في عمل اليد، يدخل في عمل اليد مثلاً النجارة، الحدادة، البناء ونحو ذلك، أن الإنسان يعمل بيده ويكسب أجراً على عمل يده، هذا هو أفضل وأطيب المكاسب.

أيضاً من فوائد هذا الحديث أن المسلم قد يحصل له الأجر وإن لم يقصد ذلك، لأن كثيراً ممن يزرع الزرع أو يغرس الغرس لا يخطر بباله الأجر، أنه سيؤجر على ذلك لو أكل منه إنسان أو طير أو بهيمة، ومع ذلك أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن هذا يحصل له، فهذا يدل على أن الإنسان قد يحصل له الأجر وإن لم يقصد ذلك، لكن قال بعض أهل العلم إن هذا فيه إشارة إلى أن الإنسان قد يحصل عليه الوزر وإن لم يقصد ذلك أيضاً، فينبغي أن يحذر، إذا تسبب مثلاً في وقوع شر أو معاصي أو نحو ذلك، فيحصل عليه الوزر، قالوا لأنه لما جاز حصول الخير بهذا الطريق جاز حصول مقابله.

 

[حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال حدثني زيد بن وهب قال سمعت جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لا يرحم لا يرحم] نعم هذا الحديث فيه الحث على الرحمة، وقد جاء بعدة ألفاظ، جاء "من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء"، "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء"، "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله"، "والراحمون يرحمهم الله"، وهنا في هذا الحديث بلفظ: "من لا يَرحم لا يُرحم"، ففيه الحث على أن يكون الإنسان رحيماً، رحيماً بالخلق، فيدخل في ذلك البشر، يرحمهم، وأيضاً يرحم الضعفاء منهم على وجه الخصوص، كالأرملة والمسكين والخدم ونحوهم، أيضاً يرحم البهائم، البهائم والطيور والحيوانات، فيستعمل هذا الأدب الرفيع وهو الرحمة، فمن رحم الناس ورحم الخلق فإن الله -تعالى- يرحمه، يتجلى خلق الرحمة عندما يجد الإنسان غيره في موقف شدة، فيقوم بمساعدته ومعاونته، كأن مثلاً يجده تعثرت به سيارته فيرحمه ويقوم بمساعدته، يجد مثلاً حيواناً بحاجة للطعام يقدم له الطعام أو يقدم له الشراب رحمة به ونحو ذلك، فيستعمل خلق الرحمة مع الخلق، فإذا فعل ذلك وأكثر منه فإن الجزاء من جنس العمل، كما رحم الخلق فإن الله -تعالى- يرحمه، وإذا كان جباراً متغطرساً بعيداً عن الرحمة فإنه لا يُرحم، ولهذا قال: "من لا يَرحم لا يُرحم".

* * *

 

  • باب الوصاة بالجار

 

[وقول الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا إلى قوله مختالا فخورا] ..

 

[حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن يحيى بن سعيد قال أخبرني أبو بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه]..

 

[حدثنا محمد بن منهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا عمر بن محمد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه] الجار المقصود به الذي يسكن قريباً منك، فهو جار لك، واختُلف في حد الجوار، فقيل أن حد الجوار أربعون داراً من كل جانب، وهذا جاء فيه حديث عن عائشة -رضي الله عنها- لكنه ضعيف وموقوف على عائشة، ولكن حتى لو صح عن عائشة فدور الناس قديماً ليست كدور الناس الآن، كانت دور صغيرة، يمكن أربعين دار قد تعادل عندنا يمكن عشرين أو أقل في الوقت الحاضر، وقيل أن حد الجوار من سمع النداء فهو جار، وقيل من صلى معك صلاة الفجر في المسجد فهو جار، وكل هذه التحديدات لا دليل عليها، وعندنا قاعدة وهي أن كل ما ورد ي الشرع وليس له حد في الشرع ولا في اللغة المرجع فيه إلى ماذا؟ إلى العُرف، المرجع فيه إلى العرف، الصواب أن حد الجوار المرجع فيه للعرف، والناس يفرقون يقولون هذا جار وهذا ليس بجار، فمن كان يسكن في الحي القريب ويصلي معك في المسجد هذا يعتبر جار، لكن من كان في حي بعيد لا يعتبر جاراً، فالمرجع إذاً في تحديد الجوار هو العرف، هذا هو القول الراجح في تحديد الجوار، وكلما كان الجار أقرب داراً كان آكد حقاً كما سيأتي، في هذا الباب يقول المؤلف: باب الوصاة بالجار، هذا الباب والأبواب التي بعدها كلها في الوصية بالإحسان للجار، والنهي عن أذيته، وساق المصنف الآية في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إلى قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء: 36]، فأمر الله -تعالى- بالإحسان إلى الجار، وذكر الله -تعالى- في هذه الآية نوعين من الجيران؛ النوع الأول: الجار ذو القربى، وهو الجار القريب، فله حقَّان، حق الجوار، وحق القرابة، والنوع الثاني: الجار الجنب، يعني الجار غير القريب، البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة، فهذا له حق الجوار، هذا هو معنى الآية، ثم ساق المؤلف حديث عائشة، ساق المؤلف بسنده حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"، وأيضاَ ساقه من حديث ابن عمر، والمراد أن جبريل كان يوصي النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإحسان إلى الجار حتى ظن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيأمر بتوريث الجار من جاره، ويجعل له مشاركةً في المال، بفرض سهم يُعطاه مع الأقارب، ولو لم يرد في فضل الإحسان إلى الجار إلا هذا الحديث لكفى، جبريل يوصي النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإحسان إلى الجار، من الذي أوصى جبريل؟ هو الله -عز وجل- ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ [مريم : 64]، فانظر كثرة الوصية بالجار، حتى من كثرة الإيصاء بالجار يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "ظننت أنه سيورثه"، سيجعل له حقاً في الميراث، كالقريب، كالأب والابن والأخ، من كثرة الوصية بالجار، فلو لم يرد في فضل الإحسان للجار إلا هذا الحديث لكفى، وهذا يدل على عظيم حق الجار، وقال بعض أهل العلم أن الجيران على ثلاثة أقسام: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، أما الجار الذي له حق واحد فهو الجار غير المسلم، فهذا له حق الجوار، فينبغي الإحسان إليه وإن كان غير مسلم، وأما الجار الذي له حقان فهو الجار المسلم، فله حق الجوار وله حق الإسلام، وأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فهو الجار المسلم القريب، فله حق الإسلام وله حق الجوار وله حق القرابة، والإحسان للجار يكون بما عدَّه الناس إحساناً، فالمرجع فيه إلى العرف، مثل قولنا في صلة الرحم، كيف تكون صلة الرحم؟ إذا كان عندك رحم قريب كيف تصل رحمك؟ المرجع في ذلك لأي شيء؟ للعرف، هكذا أيضاً الإحسان للجار، فمن الإحسان للجار مثلاً؛ إلقاء السلام والتحية عليه كلما رأيته، مؤانسته ومباسطته في الحديث، إجابة دعوته إذا دعاك، وأن تدعوه أيضاً إذا كان عندك مناسبة ونحو ذلك، هكذا كله داخل في الإحسان إلى الجار، أيضاً من الإحسان إلى الجار؛ الإهداء له، أن تهدي له هدية مناسبة، وقد كان الناس فيما سبق لما كانوا عندنا هنا في المملكة كانوا في شظف من العيش، فكان الجار يفرح بهدية جاره له، كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "إذا طبخت مرقة فأكثر مائها وتعاهد جيرانك"، الآن الحمد لله لما أغنى الله -تعالى- الناس، يبقى باب الهدية أيضاً بما يسر الجار، هي تعبير رمزي عن محبة جاره له، فالهدية من الإحسان إلى الجار، أيضاً لو أردنا أن نوسع دائرة الإحسان للجار والترابط بين الجيران؛ هناك أمر يفعله بعض الجيران فيما بينهم، وهو أنهم يجعلون دورية لقاء دوري بينهم متكرر، بعضهم يجعله أسبوعياً، وبعضهم يجعله كل أسبوعين، وبعضهم كل شهر، يجتمع فيه الجيران كل مرة في بيت أحدهم، ويتبادلون الأحاديث الطيبة، وربما أيضاً يكون في ذلك فائدة تذكر، وتفقد لأحوال الجيران وأهل الحي، وتقوية للعلاقات بينهم، هذه من الأمور الحسنة، هذه تدخل في الإحسان للجار، وجماعة المسجد هنا لهم هذا اللقاء، لقاء دوري شهري، وكنت هناك قبل هذا في جامع الأميرة سارة بالسويدي، أيضاً كنت الإمام رتبت لهم لقاءً دورياً مضى عليه أكثر من عشرين عاما، فهذا دورية جماعة المسجد أو الجيران أعتبره داخلاً في الإحسان للجار، وهذا تتأكد المسؤولية فيه على إمام المسجد والمؤذن وعلى أيضاً طلبة العلم في الحي، بأن يسعوا لترتيب هذه اللقاءات لأنها تدخل في الإحسان للجار، أيضاً لو أردنا أن نستفيد من وسائل التقنية الحديثة في قضية التواصل وتعزيز التواصل بين الجيران، وتقوية العلاقة بينهم، فهناك يعني طريقة وهي إنشاء مجموعة على الواتساب للجيران، هذه يفعلها بعض الجيران، وفيها فائدة عظيمة، يرسل فيها المقاطع الهادفة المفيدة، وأيضاً ما يهم الحي، حصلت مشكلة في الحي، تناقش فيه فهي بمثابة المجلس الإلكتروني للجيران، وكل ما يتعلق بالحي يكتب في هذه المجموعة، هذه أيضاً من الأمور التي ثبتت فائدتها العظيمة، وأثرها في تعزيز التواصل بين الجيران، المقصود أن الإحسان للجار؛ المرجع فيه للعرف، وهذا يختلف باختلاف الزمان وباختلاف المكان.

* * *

 

  • باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه

 

[يوبقهن يهلكهن موبقا مهلكا]..

 

[حدثنا عاصم بن علي حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل ومن يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوايقه تابعه شبابة وأسد بن موسى وقال حميد بن الأسود وعثمان بن عمر وأبو بكر بن عياش وشعيب بن إسحاق عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة] نعم هذا الباب عقده المصنف ليبين عظيم إثم من يؤذي جيرانه، قال: باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، وأخذ هذا من الحديث؛ الذي لا يأمن جاره بوائقه، البوائق جاء تفسيرها في رواية أحمد وغيره أنهم قالوا: وما بوائقه؟ قال: شره، معنى بوائقه يعني شره، وهنا قال: يوبقهن يهلكهن، موبقا مهلكا، يريد المصنف أن يبين معنى كلمة البوائق، لكن تكفينا الرواية الأخرى، الرواية الأخرى تفسر المقصود بالبوائق، وهو الشرور، فيكون معنى الحديث: لا يؤمن الذي لا يأمن جاره شره، لا يأمن جاره شره، يعني كل يوم يتوقع منه مصيبة، مؤذي لجاره، تارة مثلاً يشتكيه، وتارةً يؤذيه بالمياه، وتارة يؤذيه بكذا، وتارة ربما يعتدي عليه، فهو كل يوم يتوقع منه مصيبة، فهو لا يأمن شروره، فهو جار سوء، هنا يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن"، كررها ثلاث مرات، والمقصود بنفي الإيمان هنا نفي الإيمان الكامل، وليس نفي أصل الإيمان، وذلك جمعاً بين النصوص الواردة، فإن معتقد أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة أنه لا يكفر، ولا ينتفي عنه أصل الإيمان، بل هو مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، خلافاً للخوارج والمعتزلة، الخوارج يرون أن مرتكب الكبيرة ماذا؟ أنه كافر، والمعتزلة؟ يرون أنه في منزلة بين منزلتين، ويرون جميعاً الخوارج والمعتزلة أن مرتكب الكبيرة في الآخرة مخلد في النار، أما أهل السنة والجماعة فعندهم؛ -اضبط هذا المعتقد سأطلب منكم إعادته- عندهم أن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، وأما في الآخرة فهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه لكنه لا يخلد في النار، من يعيد لنا معتقد أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة؟ في الدنيا مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي الآخرة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، لكنه يخلد أو لا يخلد في النار؟ لا يخلد في النار، هذا هو معتقد أهل السنة والجامعة، أذية الجار هي من كبائر الذنوب، تدخل في هذا، فعلى هذا يحمل نفي الإيمان على أن المقصود به نفي الإيمان الكامل، وهذا أيضاً يقتضي أن تكون أذية الجار من كبائر الذنوب، لأنه ينطبق عليها ضابط الكبيرة، الذي سبق أن أشرنا له أيضاً في دروس سابقة، فمن يذكر لنا تعريف أو ضابط الكبيرة؟ كيف نفرق بين الذنوب هذا صغير وهذا كبير؟ هذا من الصغائر وهذا من الكبائر؟! ذكرنا ضابطاً وتعريفاً للكبيرة فما هو تعريف الكبيرة؟ كل معصية ورد فيها حد في الدنيا، أي حد مثل السرقة ورد فيها حد قطع اليد، الزنا ورد فيها الرجم أو مئة جلدة، كل معصية ورد فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وعيد بأي شيء؟ بلعنة، أي معصية تجد فيها لعن الله أو لعن الرسول من فعل كذا فهي من الكبائر، أو غضب، أو سخط، أو نار، من فعل كذا دخل النار، أو نفي دخول الجنة، أو نفي إيمان، فهذه تكون كبيرة، من يعيد لنا التعريف مرة أخرى؟ مهم يا اخوان ضبط مثل هذه التعريفات، مهم لطالب العلم، إذاً تعريف الكبيرة: هي كل معصية ورد فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة بلعنة أو غضب أو سخط أو نار أو نفي دخول الجنة أو نفي إيمان، طيب؛ نطبق هذا التعريف على أذية الجار، أذية الجار ورد فيها ماذا؟ نفي الإيمان، "والله لا يؤمن" وعلى هذا أذية الجار من كبائر الذنوب أو من الصغائر؟ من الكبائر، لأنه ورد فيها نفي إيمان، خذ هذا الضابط معك، إذا أردت أن تعرف هل هذه المعصية من الكبائر أو من الصغائر؛ طبق هذا التعريف عليها، إذا ورد فيها شيء من هذه الأمور فهي من الكبائر، النميمة من الكبائر أو من الصغائر؟ من الكبائر، لماذا؟ لأنه ورد فيها "لا يدخل الجنة نمام"، تصوير ذوات الأرواح؟ يعني صنع الصور المجسمة؟ من الكبائر أو من الصغائر؟ من الكبائر، لأنه ورد فيها "لعن الله المصورين"، كل معصية إذاً ورد فيها اللعن أو الغضب أو دخول النار أو نفي دخول الجنة أو فيها حد في الدنيا هذه تكون من الكبائر، وما عدا ذلك من الصغائر، فإذاً أذية الجار هذه معدودة عند أهل العلم من كبائر الذنوب، وفي هذا الحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حلف ثلاث مرات بنفي الإيمان عمن يؤذي جاره، أن من يؤذي جاره ليس بمؤمن كامل الإيمان، سواء كانت أذيته بالقول أو بالفعل، وهذا يدل على خطورة أذية الجار بأية صورة من صور الإيذاء.

  

* * *

 

  • باب لا تحقرن جارة لجارتها

 

[حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث حدثنا سعيد هو المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة] نعم هذا الحديث أيضاً في هذا السياق، فيه الحث على الإحسان للجيران، وذلك بأن يهدى لهم ولو الشيء اليسير، هنا النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "لا تحقرن جارة لجارتها" يعني أن تهدي لها هدية ولو كان ما تهديه شيئاً يسيراً، "ولو فرسن شاة" الفرسن معناه حافر الشاة، الذي يسمى الضلف، فحتى تهدي لها أي شيء ولو كان شيئاً يسيراً، لأن الهدية مما يجلب المودة والمحبة بين المهدي والمهدى إليه، وهنا خاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- النساء، مع أن هذا الخطاب يشمل الرجال، قال الحافظ بن حجر: خص النهي بالنساء لأنهن موارد المودة والبغضاء، ولأنهن أسرع انفعالاً في كل منهما، يعني يقول أن النساء موارد المودة والبغضاء، يعني المرأة إذا أحبت جارتها انعكس ذلك على الأسرة كلها، سوف تحث المرأة زوجها وأولادها على الإرتباط بهؤلاء الجيران والإحسان لهم، وإذا حصل العكس أيضاً انعكس ذلك على الأسرة، فهذا يعني قول موارد المودة والبغضاء، ولأنهن أسرع انفعالاً، يعني الهدية تؤثر، الهدية وإن كانت شيئاً يسيراً إلا أنها رمز للمودة والمحبة، وهذا يدل على تأكد الهدية بين الجيران ولو بالشيء اليسير.

* * *

 

  • باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره

 

[حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت]..

 

[حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث قال حدثني سعيد المقبري عن أبي شريح العدوي قال سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قال وما جائزته يا رسول الله قال يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت] نعم، أما الحديث الأول حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره"، سبق أن قلنا أن أذية الجار أنها من كبائر الذنوب، ومنافية لكمال الإيمان، فلا يجوز أذية الجار بأية صورة من صور الإيذاء، بل المطلوب هو إكرام الجار والإحسان إلى الجار ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا، يعني لا يكفي فقط كف الأذى عن الجار، بل ينبغي الإحسان إليه، يعني مع الأسف الآن أصبح بعض الناس لا يعرف جاره، جاره يسكن بجواره سنين طويلة ما يعرفه، وإذا عرفه تجد ربما أحياناً أن جاره هذا لا يرغب من جاره أن يتواصل معه، أو يستثقل إذا أراد أن يتعرف عليهم، ما يحب، وهذا لاشك أنه خلل وتقصير، وأصبح في بعض الأحياء إذا سُئل عن بيت فلان ما يعرفون فلان إلا بسيارته، صاحب سيارة كذا، فينبغي للإنسان أن يحسن العلاقة مع جيرانه، وأن يكرم جيرانه، وأن يندمج معهم، هذه من الأمور المطلوبة شرعاً، ولذلك أوجبت الشريعة الإسلامية على الرجال الصلاة في المسجد خمس مرات في اليوم والليلة، قد يقول قائل لماذا! إذا كان المقصود الخشوع ربما أن الإنسان يخشع في بيته أكثر خشوعاً من صلاته في المسجد، لماذا أوجبت الشريعة الإسلامية على الرجال أن يصلوا خمس مرات في اليوم والليلة في المسجد؟! الجواب: لأجل تقوية العلاقة بين الجيران، وتحقيق معاني التكافل الإجتماعي، من المحبة والمودة والتكافل وتفقد بعضهم بعضاً ونحو ذلك، فانظر إلى هذا المقصد العظيم، ولذلك تجد أن الإنسان الذي يحافظ على الصلاة مع الجماعة في المسجد، إذا غاب فقده جيرانه، بدأوا يسألون عنه، أين فلان! إن كان مريضاً زاروه، إن كان مسافراً دعوا له بأن يرجع سالماً ونحو ذلك، أما الإنسان الذي ما اعتادوا أنه يصلي مع الجماعة في المسجد لا يُفقد، ولهذا أفضل مسجد يصلي فيه الإنسان ما عدا المساجد الثلاثة؛ المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، هو أقرب مسجد لبيته، لماذا؟ لأن صلاته في أقرب مسجد لبيته تحقق مقصود الشارع من صلاة الجماعة، وهي تعزيز التكافل الإجتماعي بين الجيران، أما الذي كل وقت يصلي في مسجد، بعض الناس كل وقت في مسجد، الظهر في مسجد والعصر في مسجد والمغرب في مسجد! يتنقل!، هذا وإن كان ليس عليه إثم لكن فاته الفضل والأجر، لو أنه التزم في أقرب مسجد إلى بيته وعزز العلاقة بجيرانه، فإن هذا أفضل، هذا يحقق مقصود الشارع من صلاة الجماعة، وقد جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل كيف يعرف أحدنا أنه أحسن أو أساء؟! فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إذا قال جيرانك أحسنت فقد أحسنت وإذا قالوا أسأت فقد أسأت"، طيب لماذا اختار النبي -عليه الصلاة والسلام- الجيران؟ ما اختار الأقارب! ما اختار الأرحام! ما اختار من المجتمع إلا الجيران؟ لأن الجيران هم الذين يعرفون واقع هذا الإنسان، لا يمكن أن يقولوا أنه أحسن إلا إذا كان محافظاً على الصلوات الخمس مع الجماعة في المسجد، حسن التعامل والأخلاق معهم، فإذا قالوا أنه أحسن فهذه شهادة له بالحسنى لأنه أحسن، وإذا قالوا أنه أساء فهذه شهادة عليه بذلك، فهذا هو المعيار، بعض الناس يقول كيف أعرف أني محسن أو مسيء؟! نقول إسأل جيرانك عنك، إذا قالوا إنك محسن فأنت محسن، إذا قالوا مسيء فأنت مسيء، هذا الحقيقة هذا الضابط الذي ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- دقيق، دقيق، ولذلك لو سُئلت عن أحد قلت والله فلان ماشاء الله دائماً معنا يصلي في المسجد، يصلي الفجر، يصلي أكثر الصلوات إذا كان موجوداً في بيته يصلي معنا، إنسان كاف أذاه عن الناس، يلقي التحية علينا، حسن التعامل، حسن الخلق، إذاً هذه شهادة، شهادة من الجيران لهذا الإنسان بأنه محسن، لو كان العكس؛ فشهادة من الجيران على هذا الإنسان بأنه مسيء، إذاً لا يكفي فقط مجرد كف الأذى بل لابد من أن يسعى الإنسان لإكرام جاره، ولهذا في حديث أبي شريح قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره"، وهنا أيضاً قال: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، في حديث أبي شريح: "فليكرم ضيفه جائزته" قال: وما جائزته؟ قال: "يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه"، الضيف هو القادم من خارج البلد، كان الناس قديماً ما فيه فنادق ما فيه شقق، كان القادم من خارج البلد ينزل على أحد الناس ضيفاً عليه، فكانت الضيافة معروفة عند العرب، أقرتها الشريعة الإسلامية، ويجب إكرام الضيف يوم وليلة، ويستحب إلى ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة، لكن إكرام الضيف يوم وليلة واجب، ولهذا قال بعض الفقهاء أنه إذا نزل الضيف على إنسان ولم يقم بإكرامه فله أن يطالب بحقه عند الحاكم، يرفع عليه، طبعاً كانت أمور الناس فيما سبق سهلة، الحاكم يحكم شفهي في لحظتها، أنه يلزمه أن يعطيه حق الضيافة، طيب الذي يأتيك من داخل البلد هل هذا ضيف؟ هذا ماذا يسمى؟ هذا زائر، هذا زائر ليس ضيف، بعض الناس يخلط بين الضيف والزائر، الذي يأتيك من داخل البلد هذا زائر، هذا تكرمه كما تكرم الزائرين وكما تكرم أخيك المسلم، لكن إكرام الضيف المقصود به الذي ينزل عليك من خارج البلد، هذا هو إكرام الضيف الذي هو واجبٌ شرعاً ليوم وليلة، ومستحب لثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة، قال: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"، هذا من جوامع الكلم، لأن الإنسان إما أن يقول خيراً وإما شراً، أو آيل إلى أحدهما، فإما أن يقول خيراً أو أنه يكف لسانه فيصمت، ولا يتكلم بالشر ولا بما يؤول للشر، وهنا قال: "فليقل خيراً أو ليصمت"، قدَّم "فليقل خيراً" فهذا يدل على أيهما أفضل قول الخير أو السكوت؟ قول الخير، بعض الناس سلبي يكون في المجلس ساكت، أيهما أحسن هذا الساكت أو إنسان يتكلم بالخير؟ الذي يتكلم بالخير أفضل، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"،  فاثنان في المجلس أحدهما ساكت والآخر يتكلم بالخير، في كل منهما خير لكن الذي يتكلم بالخير أفضل من الساكت، فهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يكون إيجابياً مبادراً يتكلم بالخير، إما مثلاً بفائدة يلقيها، أو بسؤال عن أحوال مثلاً أخيه المسلم، أو نحو ذلك، فإن لم يحصل منه هذه المبادرة على الأقل يسكت، لكن لا يتكلم بالشر.

 

* * *

 

  • باب حق الجوار في قرب الأبواب

 

[حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرني أبو عمران قال سمعت طلحة عن عائشة قالت قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال إلى أقربهما منك بابا] سبق أن تكلمنا عن حد الجوار، وقلنا أن الراجح أن المرجع في ذلك إلى العرف، وأن من حده بأربعين داراً أو بمن يسمع النداء لا دليل على ذلك التحديد، وأن الأصل فيما ورد في الشرع وليس له حد في الشرع ولا في اللغة أن المرجع فيه إلى العرف، وفي هذا الحديث يبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الجار كلما كان أقرب باباً كان آكد حقاً، ولهذا لما سألته عائشة قالت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال: "إلى أقربهما منك باباً"، وعلى هذا فحق الجيران يتأكد الأقرب فالأقرب، الملاصق لك آكد حقاً ثم الذي بعده ثم الذي بعده وهكذا، وقيل في الحكمة من ذلك؛ أن الأقرب يرى ما يدخل في بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وقيل أيضاً من الحكم إن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره مما يحتاج إليه من الأبعد ونحو ذلك، فإذاً حق الجار الأقرب آكد من حق الجار الأبعد.

 

* * *

 

  • باب كل معروف صدقة

 

[حدثنا علي بن عياش حدثنا أبو غسان قال حدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة] ..

 

[حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده قال قال النبي صلى الله عليه وسلم على كل مسلم صدقة قالوا فإن لم يجد قال فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قالوا فإن لم يستطع أو لم يفعل قال فيعين ذا الحاجة الملهوف قالوا فإن لم يفعل قال فيأمر بالخير أو قال بالمعروف قالوا فإن لم يفعل قال فيمسك عن الشر فإنه له صدقة] نعم، كل معروف صدقة، المعروف هو اسم لكل فعل عُرف حسنه بالشرع والعقل، اسمٌ لكل فعل عُرف حسنه بالشرع والعقل، ولذلك يقال الأمر بالمعروف، "كل معروف صدقة"؛ بوَّب المصنف بهذا التبويب أخذاً من حديث جابر الذي ساقه المصنف بسنده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "كل معروف صدقة"، وقوله: "كل معروف" كل: من صيغ العموم، وهذا يدل على أن كل شيء يفعله الإنسان أو يقوله من خير يُكتب له به صدقة، حتى مجرد طلاقة الإنسان وجهه في وجه أخيه هذا من المعروف، فيكون له به صدقة، تبسمه في وجه أخيه من المعروف، فيكون له به صدقة، وفي حديث أبي موسى قال -عليه الصلاة والسلام-: "على كل مسلم صدقة"، قوله: "على كل مسلم صدقة" يعني قالوا: أن هذا المقصود به صدقة التطوع، يعني ينبغي أن يُخرج صدقة التطوع بمعناها العام، وليس بمعناها الخاص، معناها العام الذي يشمل صدقة المال وصدقة المعروف، وقد جاء في حديث آخر؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة"، والمقصود بالسلامى يعني: المفصل، والإنسان له ثلاثمائة وستون مفصلاً، ومعنى ذلك أنه مطلوب من الإنسان كل يوم يصبح فيه ثلاثمائة وستون صدقة، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- وسَّع مفهوم الصدقة؛ قال: "فكل معروف صدقة" و"الكلمة الطيبة صدقة" و"أمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة"، "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، "أن تلقى أخاك بوجه طليق صدقة"، فهذه كلها تدخل في الصدقة، جميع أنواع المعروف صدقة، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: "ويجزئ من ذلك" يعني يجزئ عن ثلاثمائة وستين صدقة المطلوبة من الإنسان صبح كل يوم من باب شكر نعمة الله على سلامة مفاصله؛ قال: "يجزئ -يعني عن الثلاثمائة وستين صدقة- ركعتان يركعهما من الضحى"، وهذا يدل على فضل ركعتي الضحى، وأنها تجزئ عن ثلاثمائة وستين صدقة، وهذا أيضاً مما يرجح القول بأن صلاة الضحى سنة تُفعل دائماً كل يوم، خلافاً لقول من قال من أهل العلم أنها تُفعل غبًّا؛ تفعل تارة وتترك تارة، هذا قولٌ مرجوح، الصواب أنها تُفعل كل يوم، تصلى صلاة الضحى كل يوم، لهذا الحديث، لأنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة"، يعني مطلوب منه كل يوم يصبح فيه على سلامة كل مفصل من مفاصله صدقة، وله ثلاثمائة وستين مفصلاً، يعني مطلوب منه ثلاثمائة وستون صدقة، وهذا يقتضي أنه يأتي بركعتي الضحى كل يوم، بدل ما يأتي بصدقة بأمر بمعروف وصدقة بنهي عن منكر، وصدقة بسلام، وصدقة بكذا وصدقة بكذا، يجزئ عن هذا كله ركعتا الضحى، فهذا يدل على فضل ركعتي الضحى، وهنا في هذا الحديث قال: "على كل مسلم صدقة" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق"، يعني يتصدق بالمال، قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: "فيعين ذا الحاجة الملهوف"، يعني إن لم يستطع بماله فيتصدق ببدنه، بإعانة المحتاج للإعانة، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فيأمر بالخير -أو قال- بالمعروف" يعني بلسانه يتكلم، يقول خيراً أو يأمر بالمعروف، قالوا: فإن لم يفعل؟، ليس عنده صدقة بالمال، ولا إعانة لمسلم، ولا قول بمعروف، كل هذه ما عنده شيء، قال: "فيمسك عن الشر فإنه له صدقة"، وهذا يدل على أن مجالات الصدقة أنها واسعة ومتعددة، تشمل هذه الأبواب كلها.

 

* * *

 

  • باب طيب الكلام

 

[وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الكلمة الطيبة صدقة] .. [حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة قال أخبرني عمرو عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه ثم ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه قال شعبة أما مرتين فلا أشك ثم قال اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجد فبكلمة طيبة] أيضاً عقد المصنف هذا الباب ليبين شمول معنى الصدقة، وأنها تشمل الصدقة بالمال، وتشمل كذلك الكلمة الطيبة، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "الكلمة الطيبة صدقة" هنا أورد المصنف -رحمه الله- هذا الحديث معلَّقاً، لكنه أورده في موضع آخر، في كتاب الصلح وفي كتاب الجهاد موصولاً، "الكلمة الطيبة صدقة"، وهنا في حديث عدي ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" يعني ولو أن يتصدق أحدكم بشق تمرة، بشق تمرة يعني بنصف تمرة، يعني ولو أن يتصدق بشيء زهيد، فإن لم يكن فبكلمة طيبة، وهذا يدل على أن الكلمة الطيبة صدقة، فينبغي للإنسان أن ينتقي أطايب القول في حديثه، يختار أطيب الكلمات، يعود نفسه على ذلك، يتكلم بما يسر المخاطب، تجد بعض الناس عنده حسن الكلام وحسن انتقاء الكلام، وبعض الناس على العكس لا يتكلم إلا بالسباب والشتم وجرح المشاعر، فينبغي لك ويتأكد في حق طالب العلم أن يحرص على أن ينتقي الطيب من القول، قال بعض أهل العلم: وجه كون الكلمة الطيبة صدقة أن إعطاء المال يفرح به قلب الذي يُعطى، كذلك الكلمة الطيبة يفرح بها المخاطب، فهي تشبهه من هذه الحيثية، فينبغي وهذا يتأكد في حق طالب العلم أن يعود لسانه على الكلام الطيب، على أن ينتقي الطيب من القول، سواء في علاقته بأصحابه أو بعلاقته بوالديه أو بجيرانه أو بزملائه، يحرص على أن يتكلم بالطيب من القول، يبتعد عن الفحش وعن السباب وعن الكلام الجارح، ويتعود ويعود نفسه ولسانه على أن ينتقي الطيب من القول.

 

* * *

ونكتفي بهذا القدر، ونقف عند قول المصنف (باب الرفق في الأمر كله)، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *