الخثلان
الخثلان
من الفائدة 266
23 جمادى الآخرة 1440 عدد الزيارات 126

لطائف الفوائد / من الفائدة 266

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمةً وهيء لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس التاسع عشر في هذا العام الهجري، يوم الأثنين العشرين من جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، ونبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، كنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (266) (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون):

 

فائدة: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

عن أنس-رضي الله عنه- قال: (كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت الآية: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]، قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله يقول في كتابه: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، قد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).

نعم هذه القصة العظيمة وهي في الصحيحين، قصة أبي طلحة -رضي الله عنه-، كان من أغنياء الصحابة وأكثر الأنصار مالاً، وكان له بستان وهو أحب أمواله إليه، يقال له بيرحاء، وبيرحاء اُختلف في ضبطها، ذكر الحافظ بن حجر في الفتح أنه اُختلف في ضبطها على عشرة أوجه، ونقل عن الباجي أنه قال: قرأناه على شيوخنا بالأندلس بالرفع -يعني برفع الراء- بيرحاء، ووردت بيرَحاء، لكن الأقرب هو ضم الباء -بيرحاء- كما ذكر ذلك الباجي، وهي مكونة من كلمتين: بير، وحاء، ثم صارت كلمة واحدة بيرحاء، وحاء: كلمة زجر للإبل، كأن الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه الكلمة (حاء)، فقيل بيرحاء، فكانت أحب أمواله إليه، وكانت مستقبلة المسجد، كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يدخل فيها ويشرب من ماء طيب، لما نزلت الآية ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ[آل عمران: 92]، امتثل الصحابة -رضي الله عنهم-، كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فقام الصحابة ينفقون مما يحبون، فقام أبو طلحة قال: يا رسول الله، إن الله -تعالى- يقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله أراك الله، أو قال حيث شئت، فأثنى عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: "ذلك مال رابح"، "بخ بخ ذلك مال رابح"، هذا هو المال الرابح لأنه هو الذي ينتفع به الإنسان بعد مماته، وينتفع به في آخرته، ثم أرشده النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن يجعلها في الأقربين، يعني في الفقراء الأقارب، فقسمها في أقاربه وبني عمه، وهذه القصة فيها فوائد:

الفائدة الأولى: مشروعية إنفاق الإنسان مما يحب، كما قال -سبحانه-: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وقيل في تفسير البر: الجنة، يعني: لن تنالوا الجنة، وقيل في تفسيرها: أن الإنسان يوصف بالبر؛ لا يوصف بالبر حتى ينفق مما يحب، فكان الصحابة يمتثلون ذلك، فانظر إلى أبي طلحة تصدق بأحب أمواله إليه، وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به لله، وروى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح على شرط مسلم: عن أنس -رضي الله عنه- أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعطها إياه بنخلة في الجنة"، فأبى، فأتى أبو الدحداح فقال لهذا الرجل: بعني نخلتك بحائطي كله، الله أكبر، ففعل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة"، فأتى أبو الدحداح إلى امرأته، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط -يعني البستان- فقد بعته، قالت: كيف تبيع بستاننا والذي هو من أحسن أموالنا، قال: إني بعته بنخلة في الجنة، فلما علمت بذلك قالت: ربح البيع ربح البيع. فلا ندري من أيهما نعجب! من أبي الدحداح أم من زوجته التي شجعته على ذلك، على هذا العمل الصالح العظيم، فكان الصحابة يتسابقون على ذلك، ولهذا ينبغي للمسلم أن يطبق هذا ولو مرة واحدة في حياته، إذا أعجبك شيء من مالك قل هذا أعجبني وأحب مالي فأتصدق به لله، حتى تدخل في الآية: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، طبقها ولو مرة واحدة في حياتك.

ومن فوائد هذه القصة: أن الصدقة أفضل ما تكون في الأقارب والأرحام، لأنها تكون صدقة وصلة، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "وإني أرى أن تجعلها في الأقربين".

ومن فوائد أيضاً هذه القصة: أنه ينبغي للإنسان عندما يريد الصدقة أو الوقف أن يستشير أهل العلم في ذلك، قد كان الصحابة يستشيرون النبي -عليه الصلاة والسلام-، كما هنا أبو طلحة استشار النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يفعل ببستانه، فأشار عليه أن يجعلها في أقاربه وبني عمه، وكما استشار عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في أنفس مال أصابه؛ وأشار عليه بوقفه، فينبغي أن يستشير الإنسان إذا أراد أن يوقف وقفاً أو يتصدق، يستشير أهل العلم في ذلك فقد ينبهوه إلى مصارف أفضل، فإن بعض العامة ربما تتحمس لمصارف لكن غيرها أفضل منها، فمن أراد أن يتصدق وعلى وجه الخصوص أراد أن يوقف وقفاً ينبغي أن يستشير أهل العلم في ذلك الوقف وفيما يكون وفي مصارفه، وفي أفضل ما يمكن أن يجعل فيه ذلك الوقف.

     

* * *

فائدة: ميزان التفاضل عند الله تعالى

الميزان عند الله -تعالى-: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وهو يختلف عن موازين البشر، وقد جاء في صحيح البخاري عن سهل بن سعد -رضي الله عنهما- أن رجلاً مر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لرجل جالس عنده: "ما رأيك في هذا؟"، فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم مر رجل، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما رأيك في هذا؟"، فقال: هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألَّا يشفع، وإن قال ألَّا يسمع لقوله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا".

نعم الميزان عند الله -تعالى- ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[الحجرات: 13]، وهو يختلف عن موازين البشر، يختلف إختلافاً كبيراً، الله -تعالى- يقول: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي[طه: 41]، وفرعون يقول له: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يعني حقير ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ[الزخرف: 52]، هذا الذي وصفه فرعون بأنه مهين ولا يكاد يبين؛ الله -تعالى- يقول: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي[طه: 41]، فالموازين عند الله تختلف عن موازين البشر، وفي هذه القصة مرَّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل، فقال رجل قال لرجل جالس عنده: "ما رأيك في هذا؟"، قال: رجل من أشراف الناس، يعني من وجهائهم، ومن علية القوم، حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم مر رجل، فقال : "ما رأيك في هذا؟"، قال: رجل من فقراء المسلمين، حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألَّا يشفع، وإن قال ألَّا يسمع لقوله، لأن الناس تجامل الغني والشريف أكثر من الفقير، تجامله في الإستماع لقوله، وفي قبول شفاعته، وفي قضاء مصالحه، وفي إجابة خطبته ونحو ذلك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا". قال الكرماني -أحد شراح البخاري- قال: إن كان الأول كافراً فظاهر، يعني أن الثاني الفقير خير من الأول الغني، لأن الأول كافر، وإن لم يكن كافراً؛ قال: وإلا يكون ذلك معلوم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالوحي، أن الثاني أفضل من الأول، وتعقبه الحافظ بن حجر في فتح الباري وقال: إن المراد يعرف من الطريق الأخرى التي مساقة هنا، لأنه قال: قال: رجل من أشراف الناس، فعلل بأن هذا من أشراف الناس وأن الآخر من فقراء الناس، قال ابن حجر: وحاصل الجواب أنه أطلق تفضيل الفقير المذكور على الغني المذكور، فكأنه قال أن هذا أفضل من هذا، لأن هذا غني وهذا فقير، ولا يلزم من ذلك تفضيل كل فقير وكل غني، فهذه قضية عين، لا يلزم تفضيل كل فقير على كل غني، قد يكون الغني أفضل عند الله -تعالى-، لكن هذه قضية عين أو أن هذا رد على الذي تكلم، لأن هذا قال: هذا من أشراف الناس وقال: هذا من فقراء الناس، وهذا يقودنا إلى مسألة وهي أيهما أفضل الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟!

اختلف العلماء في هذه المسألة، سُئل الإمام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: أفضلهما أتقاهما، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة. وقال ابن القيم -رحمه الله-: كل منهما محتاج لشكر وصبر، كل منهما محتاج لشكر وصبر، وقد يكون صبر الغني أكمل من صبر الفقير، كما قد يكون شكر الفقير أكمل، فأفضلهما أعظمهما شكراً وصبراً، فإن فضل أحدهما في ذلك فضل على صاحبه، وذهب بعض العلماء إلى أن الفقير الصابر أفضل، قال ابن حجر: التحقيق ألا يجاوب في ذلك بجواب كلِّي، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص وباختلاف الأحوال، نعم عند الإستواء من كل جهة، وفرض خروج العوارض بأسرها فالفقير أسلم عاقبةً في الآخرة، ولا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيء، فالحافظ بن حجر يقول: إنه عند الإستواء الفقير الصابر أفضل لأنه أسلم، وعلى ذلك يدل حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة" [رواه الترمذي وقال حديث صحيح]. لكن هذا فقط في سبق الدخول، لكن قد يكون الأغنياء بعضهم أرفع درجة من الفقراء، لكن في سبق الدخول لأن الناس لا يدخلون الجنة دفعة واحدة، يتفاوتون، فالفقراء قبل الأغنياء بخمسمائة سنة، ثم بعد ذلك قد يكون الغني أرفع درجة من الفقير، فإذاً هذا القول الثالث: أن الفقير الصابر أنه أفضل، وقلنا أنه ذهب إليه الحافظ بن حجر وجماعة، القول الرابع: أن الغني الشاكر أفضل، وهو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، واستدل أصحاب هذا القول بحديث: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا)، لما أتى فقراء الصحابة فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور -يعني الأموال-، بالدرجات العلا والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل أموال يتصدقون منها ويحجون ويعتمرون ويجاهدون، فأرشدهم النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة ثلاث وثلاثين، وقال: "إنكم إن فعلتم ذلك سبقتم الأغنياء"، فعلم الأغنياء بذلك ففعلوا مثل ما فعلوا، فأتى الفقراء مرة أخرى للنبي -عليه الصلاة والسلام- يشتكون، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" [متفق عليه]. قالوا: فقوله -عليه الصلاة والسلام- "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"، دليل على أن الغني الشاكر أفضل، والأقرب والله أعلم لهذه المسألة هو القول الأول، وهو أن أفضلهما أتقاهما، فإن استويا في في التقوى استويا في الدرجة، ويدل لذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر"، وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان وابن ماجه، وقد بوَّب عليه البخاري؛ قال البخاري في صحيحه: بابٌ الطاعم الشاكر مثل الفقير الصابر؛ فيه عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن البخاري لم يذكر هذا الحديث بسنده لأنه ليس على شرطه، لكنه جزم بصحته في هذا التبويب وفي الإشارة إليه، فإذا صح هذا الحديث "الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر"، يكون كالنص في المسألة، أن الأفضل هو الأتقى لكن عند الإستواء في الدرجة يكونان في درجة واحدة، عند الإستواء في التقوى يكونان في درجة واحدة، هذا هو التحقيق في هذه المسألة والله -تعالى- أعلم.

ومن فوائد هذا الحديث: أن تفاضل البشر عند الله -عز وجل- إنما هو بالإيمان والتقوى، وليس بالمال ولا الحسب ولا النسب ولا الأجسام ولا أي شيء، كل هذه لا اعتبار لها عند الله -عز وجل-، إنما المعتبر هو التقوى، كما قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[الحجرات: 13]، وكلما كان الإنسان أكثر تقوى لله، كان أكرم عند الله -عز وجل-.

* * *

فائدة: معنى (أن تلد الأمة ربتها)

من أشراط الساعة الواردة في حديث جبريل الطويل: "أن تلد الأمة ربتها"، وقد اختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال كثيرة، وقد رجح الحافظ ابن حجر -رحمه الله- أن المعنى: أن يكثر عقوق الوالدين، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة، فأطلق عليها ربتها مجازاً لذلك، لأن المقام يدل على أن المراد حالة تدل على فساد الأحوال مستغربة، ولأن المراد أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربى مربياً، والسافل عالياً، وهو مناسب للعلامة الأخرى المذكورة في الحديث: "أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان".

نعم، هذا ورد في حديث جبريل الطريل، لما أتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس بين أصحابه، أتى جبريل في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد، فجلس بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، جلس بين يديه جلسة طالب العلم المتأدب، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه، وسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة أسئلة، سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان ثم سأله عن أشراط الساعة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في كل مرة يجيب، قال هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم، مع أن المعلم هو النبي -عليه الصلاة والسلام-، جبريل فقط يسأل، لكن جبريل بهذه الأسئلة تسبب في تعليم الصحابة، فدل هذا على أن من سأل وتسبب في تعليم غيره يعدُّ معلماً، وعلى هذا فلا بأس أن يسأل الإنسان المسألة وهو يعرف الجواب لأجل إفادة السامعين، الشاهد من هذه القصة أنه سأل عن أشراط الساعة، أولاً قال: متى الساعة؟ قال: مالمسؤول عنها بأعلم من السائل، يعني أنا وأنت يا جبريل سواء لا ندري متى الساعة، قال: فما أشراطها؟ فذكر علامتين: العلامة الأولى أن تلد الأمة ربتها، اختلف العلماء في المراد بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أن تلد الامة ربتها"، فقيل: المراد أنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت ثم بعد ذلك تعتق، ثم تجلب الأم فتشتريها البنت جاهلة بأنها أمها، ذكر هذا ابن رجب وقال: قد وقع هذا في أول الإسلام. وقيل أن المعنى: أن الإماء يلدن ملوك، ملك أو سيد يستولد الأمة فتلد، فيصبح ابنه ملكاً، كأنه سيد لأمه، (أن تلد الأمة ربها) وفي لفظ (ربتها). والمعنى الثالث الذي رجحه الحافظ: أن المراد بذلك كثرة العقوق، قال لأن كثرة الرقيق وقعت في زمن متقدم، وأيضاً كثرة الرقيق ليست مناسبة للعلامة الثانية، المناسب للعلامة الثانية حالة يصير فيها انتكاس الأمور، بحيث يكون المربى مربياً والسافل عالياً، وتكون الأحوال مستغربة، ويكون فيه فساد في الحال، فيكون المعنى (أن تلد الأمة ربتها): يعني أن يكثر عقوق الوالدين، فيعامل الولد أمه معاملة السيد لأمته من الإهانة والإذلال وعدم الإحترام وعدم التوقير، وأطلق عليه (ربتها) مجازاً، وهذا كما ترون الآن يعني بدأنا نشاهد مثل هذا، وكم نسمع في العام الواحد من حالات تنفيذ القتل تعزيراً في أُناس قتلوا آبائهم أو أمهاتهم، وأحياناً يقتلون بصورة بشعة، وحالات العقوق كثيرة، وكثير من المستفتين يشتكون من عقوق أبنائهم وبناتهم، العقوق قد يكون بالإساءة وقد يكون بترك الإحسان، ترك الإحسان هو نوع من العقوق، يعني بعض الناس يفهم أنه إذا لم يؤذِ والده أنه ليس عاقاً؛ هذا غير صحيح، إذا آذى والده هذا أعظم ما يكون من العقوق، أو والدته، إذا قطع الصلة بوالده أو والدته ولم يحسن إليه أيضاً هذا نوع من العقوق، فالذي يبقى المدد الطويلة لا يرى أمه ولا يرى أباه؛ هذا يعتبر عاقاً لهم، لا يتواصل معه ولا يراه هذا يعتبر عاقاً، عاقاً به، وهذا كما ترون الآن يعني نرى أن العقوق في تزايد، قد يكون هذا الذي ورد في هذا الحديث يعني نراه في هذا الزمان، وهذه العلامة مناسبة للعلامة الثانية وهي: أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يعني: البادية الذين يعيشون في البر، ما عليهم إلا ثياب يعني شبه عارية ولا يلبسون النعال، حفاة رعاء الشاء عالة فقراء، فتكون الأموال في أيديهم، يصبحون أغنياء، فيتطاولون في البنيان، وهذا رأيناه في وقتنا الحاضر، هذا وقع في وقتنا الحاضر، فقد تكون يعني العلامتان وقعتا والله -تعالى- أعلم، العلامة الثانية واضحة وظاهرة، العلامة الأولى يعني نرى أن عقوق الوالدين في وقتنا الحاضر أنه في تزايد، فهذه من أشراط الساعة، وأشراط الساعة تنقسم إلى أشراط صغرى ووسطى وكبرى، أما الأشراط الكبرى هذه التي تكون بين يدي الساعة، كخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج ونحو ذلك، هذه تكون في آخر الدنيا، فإذا خرجت تتابع كحبات الخرز إذا انقطع العقد، العلامات الصغرى جلُّها أو كلها ظهرت، منها موت النبي -عليه الصلاة والسلام-، وفتح بيت المقدس، وكثير من أشراط الصغرى ظهر، الوسطى أيضاً ظهر كثير منها، ظهر كثير منها، فلاشك أننا في آخر الزمان وفي آخر الدنيا، الله -تعالى- إذا كان يقول وقت نزول القرآن: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: 1]، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "بُعثت أنا والساعة كهاتين"، إذا كان هذا في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- فكيف بزماننا!، فهذه إذاً من أشراط الساعة.

 

* * *

فائدة : من الأحاديث المشهورة الضعيفة  

حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يقول الرب -عز وجل-: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" [رواه الترمذي]. ولا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل قال ابن حبان: هذا موضوع، وعدَّه ابن الجوزي في الموضوعات، وقال أبو حاتم: هذا حديث منكر، ثم إن في متنه نكارة، إذ إنه يتضمن التزهيد في الدعاء، مع أنه من سنن المرسلين، كما ذكر الله -تعالى- ذلك عنهم.

 هذا الحديث من الأحاديث المشهورة، هذا الحديث يروى عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "يقول الرب -عز وجل-: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه"، هذا رواه الترمذي لكنه ضعيف، ولا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل إن بعضهم ادعى أنه موضوع كابن حبان وابن الجوزي، وإن كان يعني تعقبه ابن حجر وجماعة، قالوا لا يصل إلى درجة الوضع لكنه يكون ضعيفاً، ضعيفاً ولا يصح، فهو من جهة الصناعة الحديثية لا يصح، ومن جهة المتن فيه نكارة، لأنه يتضمن التزهيد في الدعاء، "من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي" يعني عن دعائي، ففيه نوع أو يتضمن التزهيد في الدعاء مع أن الدعاء من سنن المرسلين، والدعاء والذكر وتلاوة القرآن كلها من الأعمال الصالحة العظيمة، والإنسان يأتِ بهذا ويأتِ بهذا، ويفعل في كل وقت ما يرى أنه الأصلح لقلبه، فتارة إذا رأى أن الأصلح لقلبه الدعاء يدعو، إذا رأى أن الأصلح لقلبه تلاوة القرآن وتدبر القرآن قرأ القرآن، إذا رأى أن الأصلح لقلبه التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير فعل، فيختار ما هو الأصلح لقلبه، لكن ينبغي كل يوم أن يجعل له حزباً، يعني قدراً معيناً من القرآن يقرأه، لا ينقص عنه وقد يزيد، لكن لا ينقص عنه، هذا يسمى حزب، وليس حزباً بالمعنى الإصطلاحي عند أهل التجويد، وإنما المقصود بالحزب قدر معين، وهو مذكور في حديث عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب كأنما قرأه من الليل" [رواه مسلم]، "من نام عن حزبه" يعني أن هذا الحزب حتى يُقضى، إذا نمت عنه اقضه في اليوم الثاني، كان النبي -عليه الصلاة والسلام- له حزب يقرأه كل ليلة، كان الصحابة كل واحد منهم له حزب، فينبغي أن يجعل المسلم خاصة طالب العلم أن يجعل لتلاوة القرآن نصيباً من وقته، يعني بعض الناس ربما تمضي عليه أيام كثيرة ما قرأ فيها شيئاً من القرآن، هذا لاشك أنه تقصير وحرمان، ينبغي ألا يمر عليك يوم إلا وقد قرأت فيه شيئاً من القرآن، لا تجعل قراءة القرآن وتلاوة القرآن على فراغك، إن حصل عندك فراغ قرأت القرآن وإن ما حصل ما قرأت، هذا يستلزم أن يمر عليك وقت طويل ما قرأت فيه القرآن، اجعل تلاوة القرآن شيئاً أساسياً في يومك وليلتك، لابد أنك تقرأ، هذا القدر لابد أنك تقرأه، ما تنام إلا وقد قرأت هذا القدر، وكذلك أيضاً الدعاء، ينبغي أن يجعل المسلم أيضاً من وقته وقتاً للدعاء، هناك أدعية ينبغي أن يكثر منها ويحافظ عليها، مثل سؤال الله الجنة والإستعاذة بالله من النار، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، ومن استعاذ بالله من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أعذه من النار"، هذا الدعاء ينبغي يقال كل يوم، اجعله مع أذكار الصباح والمساء، كذلك أيضاً الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- ينبغي أن يخصص أيضاً المسلم جزءاً من الوقت، كما كان أبي بن كعب يفعل، كان أبي بن كعب خصص جزءاً من الوقت للدعاء، ثم بعد ذلك استبدله بالصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: "إذاً يغفر ذنبك وتكفى همك"، وهكذا أيضاً بقية أنواع الذكر.

* * *

فائدة : آخر أهل النار خروجا

عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجل يخرج من النار حبوا، فيقول الله -تبارك وتعالى- له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله -تبارك وتعالى- له: اذهب فادخل الجنة، قال: فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟" قال: لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه، قال: "فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة".

نعم، نهاية مطاف رحلة البشر فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، نحن الآن في هذه الرحلة في أخطر مراحلها وهي مرحلة العمل، بعدها تأتي مرحلة الجزاء والحساب، ويكون هناك فترة البرزخ والبعث والجزاء والميزان وعبور الصراط، إلى غير ذلك مما أخبر به النبي -عليه الصلاة والسلام-، وتكون النهاية فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، لكن من مات على التوحيد لا يخلد في النار، يُخرجون من النار، يُخرجون منها يُخرجون منها؛ آخر واحد يخرج من النار هو هذا الرجل، هذا الرجل يخرج من النار حبواً، فيقال له: اذهب فادخل الجنة، يقول له الرب -عز وجل-: اذهب وادخل الجنة، يخيل إليه أنها ملأى، يقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله: ادخل الجنة، يخيل إليه يقول: يارب وجدتها ملأى، فيقول له في المرة الثالثة: اذهب فادخل الجنة، فيقول: يارب وجدتها ملأى، جاء في بعض الروايات أن الله يقول له: تمنَّى!، فيتمنى ويتمنى، ثم يقول: تمنَّى!، فيتمنى يتمنى، حتى تنقطع أمانيه، أي شيء يخطر بباله يتمناه، فيذكِّره الله، يذكره الله بعض أمانيه، تمنى كذا تمنى كذا تمنى، فإذا تمنى قال الله -تعالى- له: فإن لك ذلك ومثله ومثله ومثله عشرة أمثاله، وذلك أدنى أهل الجنة منزلة، الله أكبر!، أدنى أهل الجنة منزلة هو هذا، يكون له عشرة أمثال ما تبلغ أمانيه، ما هو أقصى ما تبلغ أمانيك!، لو قيل لواحد منا تمنى! تمنيت كل شيء يخطر ببالك، لك مثله عشرة أمثاله، هذا أدنى أهل الجنة منزلة، فما بالكم بمن هو أعلى منه منزلة؟!، ولذلك نعيم الجنة فوق مستوى تخيل العقل البشري، العقل البشري ما يستطيع أن يتخيله، مجرد تخيل، كما قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]، قال النبي -عليه الصلاة والسلام- في وصف نعيم الجنة: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، ولا خطر على قلب بشر! يعني حتى ما يخطر على البال، شيء فوق مستوى تخيل العقل البشري، بعض أهل العلم يقرب المسألة على سبيل التقريب وإلا المسألة فوق هذا بكثير، لكن على سبيل التقريب؛ يقول: لو قيل لجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث، لا يعرف إلا هذا البطن هذا الرحم، لو قيل له إنك ستخرج من هذا المكان المظلم الضيق إلى دنيا فيها سماء وأرض وجبال وأنهار وبشر وأشجار وشمس وقمر ونجوم، هل سيفهم ويتخيل هذا!؟ لن يفهم هذا المكان، في بطن أمه في ظلمات ثلاث كيف يفهم شمس وقمر ونجوم وجبال وأشجار وأنهار!، ما يفهم هذا، وإن فهمه ما يتخيله على حقيقته، نعيم الجنة بالنسبة للدنيا أعظم من تخيل هذا الذي في بطن أمه لحال الدنيا، شيء عظيم فوق مستوى تخيل العقل البشري، ولذلك ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 108]، نعيم الدنيا مع أن الدنيا لا تصفو لأحد، لكن نفترض افتراضاً على سبيل الإفتراض أنها صفت لأحد من الناس، هل ستستمر!؟ أبداً، لابد أن يفارق هذا النعيم، هب أن الدنيا أتت إليك صفواً أليس مصيرها إلى الفناء!، ولذلك نعيم الجنة نجد أن الله -تعالى- كثيراً ما يقرنه بالخلود، ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71]، بينما نعيم الدنيا ينقطع، نعيم الدنيا مهما كان يمل منه الإنسان، يمل منه ويسأم، نعيم الجنة لا يسأم منه ولا يمل، ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 108]، ولذلك فعندما يتأمل الإنسان في هذا النعيم العظيم يعرف حقارة الدنيا، أنها لا تستحق من الإنسان كل هذا العناء والنصب والشقاء والتعب، وهذا يحفزه أيضاً لأن يجتهد في الأعمال الصالحة التي تكون سبباً للحصول على نعيم الآخرة ودخول الجنة، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32]، يعني بسبب ما كنتم تعملون، فهذا إذاً هو آخر أهل الجنة منزلة، قال: "فكان يقال" القائل هو ليس النبي -عليه الصلاة والسلام- كما قال الشراح، إنما القائل الراوي، "ذاك أدنى أهل الجنة منزلة"، لكن جاء في رواية مسلم ما يدل على أن هذا المعنى من كلام النبي -عليه الصلاة والسلام-، لأنه قال: "أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله النار عن وجهه"، فإذا كان هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بمن هو فوقه!، ينبغي للمسلم أن يجتهد في الأعمال الصالحة التي توصله إلى هذا النعيم العظيم وهذه السعادة الأبدية، وحياتك أيها الإنسان فرصة واحدة غير قابلة للتعويض، يعني أمور الدنيا يمكن أنك تفشل فيها وتعوض، ممكن مثلاً صفقة تجارية تخسر فيها تعوض، ممكن في اختبار من اختبارات الدنيا تعوض، لكن حياتك فرصة واحدة غير قابلة للتعويض، ما فيها مجال للمخاطرة والمغامرة، إن نجحت في هذا الإختبار العظيم الذي نعيش فيه الآن فقد سعدت السعادة الأبدية، وإن فشلت فيه خسرت كل شيء، كل شيء حتى نفسك، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 103]، مهما حقت من نجاحات في الدنيا إذا فشلت في علاقتك مع ربك أنت فاشل، ومهما حصل لك من عقبات وصعوبات وتعثرات في الحياة إذا نجحت في علاقتك بربك فأنت ناجح، طيب قبل هذا قبل حال أهل الجنة دخولاً الجنة ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- أحوالاً لأناس آخرين مما ذكر؛ ما جاء في صحيح مسلم عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُخرج من النار أربعة فيعرضون على الله فيلتفت أحدهم فيقول: أي ربِ إذا أخرجتني من النار فلا تعدني فيها، فينجيه الله من النار"، وأما الثلاثة الآخرين يرجعون إلى النار، هؤلاء الأربعة عرضهم الرب -عز وجل- عليه، لعلهم أن يسترحموه وأن يطلبوه وأن يسألوه، ثلاثة منهم أخذهم العجز والكسل وسكتوا، فأُرجعوا إلى النار مرة ثانية، الله لن يظلمهم عذبوا في النار بسبب أعمالهم وذنوبهم، واحد منهم اغتنم الفرصة قام يدعو الله ويسترحمه يقول: يا ربِ إذ أخرجتني من النار فلا تعدني فيها، فأخرجه الله من النار، هذا يدل على أن الإنسان ينبغي أن يغتنم الفرص، يعني هذا ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- لأجل أخذ العبرة، أن الإنسان أية فرصة يغتنمها، فهؤلاء عرضهم الرب -عز وجل- لأجل أن يسألوه وأن يطلبوه وأن يسترحموه، ثلاثة منهم سكتوا، واحد منهم هو الذي تكلم وسأل الله -تعالى- أن ينجيه من النار فاستجاب الله له فنجاه من النار، فهذا الحديث يعني يدل على ذم الكسل والعجز، وعلى فضل الكيس واغتنام الفرص، يعني ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- لأجل الإعتبار.

 

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

* * *