الخثلان
الخثلان
حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة
10 جمادى الآخرة 1440 عدد الزيارات 239

حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة

 

الخطبة الأولى

الحمد لله خلق الإنسان، وعلمه البيان، والحمد لله تفرد بالخلق والتدبير، وتصريفه بالحكمة البالغة وبديع التقدير، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو اللطيف الخبير، أحمده سبحانه توالت علينا نعماؤه، وترادفت آلاؤه، فنعم المولى ربنا ونعم النصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تنزه عن التشبيه وتقدَّس عن النظير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، البشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70،71].

عباد الله؛ خاطب الله -تعالى- الإنسان بأكرم ما فيه، خاطبه بإنسانيته التي يتميز بها عن سائر المخلوقات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ [الإنفطار: 6،7،8]، خلق الله الإنسان فكرَّمه ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[التين: 4]، فالناس مكرَّمون في أصل خلقتهم الإنسانية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا[الإسراء: 70]، ولا تفاضل بين الناس عند الله إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[الحجرات: 13]، والناس مبتلون بما أعطاهم الله -تعالى- ومنح، وبما أخذ منهم وسلب، مبتلون بكمال الخلق وتمام الصحة وسلامة الجسد، كما أنهم مبتلون بضد ذلك من النقص والعاهات، ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[الأنبياء: 35]، ومن أجل هذا فالإنسان موضع العناية والرعاية والتكريم، مهما كانت ظروفه، ومهما ابتلي بها من نقص وإعاقات.

 عباد الله؛ إن إهتمام الأمة بأفرادها جميعاً، بكل فئاتهم وتنوع أحوالهم وإبتلائاتهم، دليل على صدق إيمانها، ما هو دليل على تحضُّرها ورُقيها، ناهيكم إذا كان لها عناية بذوي الإحتياجات الخاصة.

عباد الله؛ إخواننا وأخواتنا وأبناؤنا وبناتنا ذووا الإحتياجات الخاصة، وهم ممن ابتلوا بقصور أو خلل مستديم حركي أو حسي أو عقلي، مثل المشلول والأعمى والأصم والأبكم والمجنون والمصاب بمرض التوحد والمصاب بمتلازمة داون ونحو ذلك، هؤلاء هم جزء من نسيجنا الإجتماعي، وعناصر فعالة في المجتمع، حقهم أن توفَّر لهم البيئة المناسبة والظروف الملائمة، لمنحهم الفرص من أجل البناء والعطاء، وتوظيف القدرات واستثمارها، وثمَّة رسائل نوجهها لذوي الإحتياجات الخاصة، ولمن كان حولهم وللمجتمع:

فيا من وسمت بإصابة جعلتك من ذوي الإحتياجات الخاصة، عليك أن تؤمن بأن هذا من القضاء والقدر، الذي هو أحد أركان الإيمان الستة، هذا الإيمان يجعل الإنسان يعيش في رضا وإطمئنان وبمعنويات عالية، عليك أن تتأقلم مع ظروفك ومع واقعك الذي قدِّر لك، فهذا هو قدرك في هذه الحياة، "وما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن لصيبك"، ثم إنك إذا صبرت واحتسبت الأجر كان ثوابك عند الله جزيلا، وأجرك عظيما، بل قد يصل الأجر والثواب إلى التعويض بالجنة، فمثلاً من ذوي الإحتياجات الخاصة؛ الأعمى، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأنه، في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، يقول: "إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -أي بفقد عينيه- فصبر عوضته منهما الجنة"، فانظروا إلى عظم العوض والجزاء، لكن ذلك مشروط بالصبر والإحتساب، وورد في شأن المصاب بالصرع ما جاء في الصحيحين عن عطاء بن أبي رباح قال: (قال لي ابن عباس: ألا أُريك إمرأةً من أهل الجنة؟! قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إني أُصرع وإني أتكشف فادع الله لي، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن شئتِ صبرتي ولك الجنة، وإن شئتِ دعوت الله أن يعافيك" فقالت: بل أصبر يا رسول الله، ولكن ادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها ألا تتكشف). فيا أخي الكريم من ذوي الإحتياجات الخاصة؛ عش حياتك سعيداً مطمئناً، بعيداً عن التسخط والتشكي، فإن التسخط والتشكي لا يفيد، بل يضرك، بل إنه مع مرور الوقت يسبب لك مشاكل وعقداً نفسية، واجعل هذا الحديث العظيم مبدأً لك ومنهجاً في حياتك؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا نظر الله أحدكم إلى من فُضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضل هو عليه" [رواه مسلم]، وجاء في رواية البخاري: "انظروا إلى من هو أسفل منه ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا -أي ألا تحتقروا- نعمة الله عليكم"، فلا تقارن نفسك بمن هو أعلى منك، بل قارن نفسك بمن هو أسفل منك وأشد إعاقة، وقد خلَّد تاريخنا الإسلامي أسماء أناس من ذوي الإحتياجات الخاصة، تميزوا في العلم أو في خدمة المجتمع، ومنهم الصحابي الجليل ابن أم مكتوم، الذي أنزل الله في شأنه قرآناً يتلى في سورة ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ [عبس: 1،2]، وقد استخلفه النبي -صلى الله عليه وسلم- على المدينة أكثر من مرة، وجعله مؤذِّناً له، ومنهم التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح، الذي انتهت إليه فتوى أهل مكة، وكان ينادى في موسم الحج (لا يفتي الناس إلا عطاء)، وكان أسود أعور مشلولاً أفطس، ومنهم محمد بن عيسى الترمذي، صاحب السنن، من أشهر علماء الحديث، وكان كفيف البصر، ومنهم التابعي الجليل سليمان بن مهران، الملقب بالأعمش وذلك لإصابته بالعمش، وهو ضعف البصر مع سيلان الدمع، ومع ذلك كان عالماً حافظاً، وصفه الذهبي بأنه شيخ المقرئين والمحدثين، ومنهم قالون، أحد أشهر أئمة القراءات، وأحد الرواة عن نافع، كان أصم لا يسمع، ومع ذلك كان أحد القراء المشهورين، ومنهم ابن الأثير المحدِّث صاحب كتاب جامع الأصول، أصيب بمرض في أطرافه وكان يقول لو لم أصب بهذه العاهة لما ألفت هذا الكتاب، الذي يقع في أحد عشر مجلدًّا، ومن المعاصرين شيخ المشايخ علامة عصره محمد بن إبراهيم، وكان كفيفاً، ومنهم الشيخ عبدالعزيز بن باز، وكان كفيفاً، والذي انتهت إليه الفتوى في هذه البلاد، رحمة الله -تعالى- على الجميع، وغيرهم كثير ممن كانت الإعاقة سبباً لنبوغهم وتميزهم، فلا تجعل الإعاقة سبباً للقعود، وللتنصل من المسؤولية والإسهام في مجالات الحياة.

ورسالة أوجهها لأسرة الشخص من ذوي الإحتياجات الخاصة، بأن عليهم مسؤولية كبيرة في العناية بهم، ورعايتهم، وإعانتهم على تحمل المسؤولية والإعتماد بعد الله على أنفسهم، وليستحضر القائمون على ذوي الإحتياجات الخاصة بأنه كلما كانت الإعاقة أشد كان الأجر أعظم، وربما تكون رعاية هذا الإنسان والقيام بشؤونه باباً من أبواب الجنة، وربما يكون وجوده في البيت سبباً لسوق أبواب من الرزق إلى رب البيت، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم".

وثمة رسالة أوجهها للمجتمع في إحترام هذه الشريحة من المجتمع، وإكرامها وعدم السخرية منهم أو انتقاصهم أو احتقارهم، وقد أنزل الله -تعالى- في ذلك قرآناً يتلى، وسورة من سور القرآن سميت باسم ذلك الموقف، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان منشغلاً بدعوة بعض صناديد قريش، وكان يطمع في إسلامهم، فأتاه ابن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، فعبس النبي -صلى الله عليه وسلم- في وجهه، فأنزل الله -تعالى- قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ [عبس: 1-11]، سبحان الله، هذا الرجل الأعمى عبس النبي -صلى الله عليه وسلم- في وجهه، وهو لا يرى عبوسه لكونه أعمى، وكأنه -عليه الصلاة والسلام- رأى أن هذا الأعمى جاء في وقت غير مناسب، لأنه كان منشغلاً بدعوة أكابر وصناديد قريش، وكان يطمع في إسلامهم، فالتفت إليه، لم يتكلم عليه بكلمة سوء وإنما عبس في وجهه فقط، وهذا الرجل الأعمى لم يرى عبوسه، ومع ذلك عاتب الله نبيه، فأي رفعة وأي تكريم لهذه الشريحة من المجتمع أعظم من هذا!، لا تعبس في وجهه حتى وإن كان أعمى لا يراك، سبحان الله! انظروا إلى عظمة هذه الشريعة وعنايتها بهذه الفئة من المجتمع، ويؤخذ من هذا أنه لا يجوز انتقاص هذه الشريحة من المجتمع من ذوي الإحتياجات الخاصة، ولا السخرية منها، ولا احتقارها بأية صورة من الصور، ومع احترام هذه الشريحة من المجتمع وإكرامهم ينبغي العناية الخاصة بهم، وتوفير البيئة الملائمة لتعليمهم وعملهم وتنقلاتهم، وينبغي تقديم كل المساعدات المعينة لهم على التكيف مع البيئة الإجتماعية، وينبغي ألا يتوقف هذا الأمر على حدود مبادرات شخصية من بعض الأفاضل، وإنما تهب جميع قطاعات الدولة والقطاع الخاص وأفراد المجتمع، لتحقيق أقصى درجات الرعاية الإجتماعية لهذه الشريحة من المجتمع، وأن يوجد أنظمة وبرامج وخطط لتحقيق ذلك.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد:

فإن الأصل أن تعامل هذه الشريحة من المجتمع كبقية أفراد المجتمع، فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، إلا في الواجبات التي لا يستطيعون القيام بها، أو يلحقهم الحرج في القيام بها، ولهذا لما أمر الله -تعالى- المؤمنين بالقتال مع نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فهمت هذه الشريحة من المجتمع أنه هذا الأمر يشملها، فأنزل الله -تعالى- قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور: 61]، فرخص الله -تعالى- لهذه الفئة في البقاء وعدم الذهاب للقتال مع نبيه، لكونهم معذورين إما بالعمى أو بالعرج أو بالمرض ونحو ذلك، ومن التوجيهات في الإحتفاء بهذه الشريحة من المجتمع ودمجها ومشاركتها؛ ما جاء في قول الله -تعالى-: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا [النور: 61]، وقد كان بعض المؤمنين يتحرجون من الأكل مع الأعمى، لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس كغيره، ولا مع المريض لأنه لا يستوفي الطعام كغيره، فكرهوا أن يواكلوهم لئلَّا يظلموهم، وكان ذلك الوقت وقت فقر وشدة، فأنزل الله -تعالى- هذه الآية، وأنه لا حرج في الأكل مع هذه الشريحة من المجتمع، وثمة اعتبار آخر ذكره بعض العلماء، وهو أن بعض أصحاب الإحتياجات الخاصة مرهف الشعور دقيق التحسس، فربما خشي الواحد منهم أن يكون وجوده مع الأسوياء مكدراً أو مؤذياً لهم، فيتحرج من مخالطتهم والأكل معهم، فجاءت الآية لتنفي ذلك، وربما ساء خلق بعض الناس فنفر من الأكل مع هذه الشريحة تكبُّرًا وتعززا، فجاءت الآية لترفع كل هذه الإحتمالات، ولتدمج هذه الشريحة مع بقية شرائح المجتمع، ليعيشوا جميعاً في بيئة متآخية، ومما يؤكد حرص الشريعة الإسلامية على دمج هذه الفئة مع المجتمع، ماجاء في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل أعمى، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هل تسمع النداء بالصلاة؟" قال: نعم، قال: "فأجب". ومن الحكم التي قيلت في كون النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرخص له، مع العذر الذي ذكره؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يندمج هذا الرجل الأعمى مع المجتمع، أن يندمج معهم بصلاته في المسجد خمس مرات، وأن يلتقي بإخوانه المؤمنين في اليوم والليلة خمس مرات، وأن يحصل ما يحصل من التكافل الإجتماعي ومن معاني الإخوة الإسلامية، ولو رخص له في الصلاة في بيته لربما انعزل عن المجتمع، ومع مرور الوقت يعتاد على هذه العزلة، خاصة وأن بيته قريب من المسجد، وهو يسمع النداء بالصلاة، فليس عليه كبير مشقة في مجيئه للمسجد، وهذا يدل على أنه ينبغي للمجتمع الحرص على دمج هذه الشريحة ببقية أفراد المجتمع وعدم انعزالهم، ومن الأمور التي ينبغي مراعاتها؛ أن يعامل أفراد هذه الشريحة من ذوي الإحتياجات الخاصة كبقية أفراد المجتمع، فلا ينظر إليهم بشفقة زائدة مصحوبة بتنقص، فإن هذا يجرح كرامتهم، أحد المعاقين أتى لصلاة الجمعة، وبعد الصلاة أتى إليه أحد الناس ووضع في جيبه عشرة ريالات، هذا الرجل المتصدق أراد الإحسان لهذا المعاق، ولكنه في الحقيقة أساء إليه وجرح كرامته، لأنه أولاً افترض أن كل معاق فقير، وهذا الإفتراض غير صحيح، قد يكون هذا المعاق أغنى ممن يريد التصدق عليه، ثم هو بهذا التصرف يُشعر هذا المعاق بأنه ينظر إليه نظرة تنقص وشفقة، وهذه النظرة تجرح من كرامة الإنسان، ولهذا تأثر هذا المعاق بهذا الموقف تأثراً كبيراً، فينبغي مراعاة مشاعر هذه الفئة من المجتمع من ذوي الإحتياجات الخاصة، وأن يُنظر إليهم كما ينظر لبقية أفراد المجتمع، وأن يُدمجوا في المجتمع، فلا ينظر إليهم بمثل هذه النظرة؛ نظرة الشفقة الزائدة المصحوبة بالتنقص، لأن هذا مما يجرح كرامتهم ويؤثر عليهم نفسياً، نعم ينبغي مساعدتهم وإكرامهم وتوفير الرعاية اللازمة لهم، لكن أيضاً الشفقة الزائدة المبالغ فيها المصحوبة بشيء من التنقص، هذا مما يسيء لهم ومما يجرح كرامتهم.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 65]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارضَ عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يارب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه أعلام السنة وتقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

اللهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين ءآمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

 

* * *