الخثلان
الخثلان
من الفائدة - 261
7 جمادى الآخرة 1440 عدد الزيارات 156

لطائف الفوائد / من الفائدة 261

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا.

هذا هو الدرس الثامن عشر من هذا العام، في يوم الأثنين السادس من شهر جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (261) (فضل التحكم في الغضب) :

 

فائدة: فضل التحكم في الغضب

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

إذا كانت القوة التي تستطيع أن تصرع بها الخصم تقدر بواحد مثلاً، فإن القوة التي تحتاجها للتغلب على غضبك وإطفاء ناره في صدرك، وأن تبدو هادئاً في حركاتك وصوتك، تقدر بمئة، فهي أصعب مئة مرة من تلك، وجرب أن تجيء لغضبان قد أعماه الغضب حتى لا يبصر ما أمامه، فتحاول أن تذكره الخلق الحسن واللين والعفو، هل تجد في كل عشرة آلاف واحدًا يستجيب لك في هذه الحال!؟.

 نعم، الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فتظهر عليه آثاره، وربما تصرف بتصرفات يندم عليها، ويتكلم بكلام يندم عليه فيما بعد، فإن الإنسان إذا غضب فإنه يضعف عن التحكم في تصرفاته وفي أقواله، ولهذا فإن الغضبان غضباً شديداً لا يقع طلاقه، إذا كان غضبه يزول معه العقل بالكلية، فهذا لا يقع طلاقه بالإجماع، أما إذا كان عقله معه، لكن هذا الغضب سبب تشويشاَ، فإنه لا يقع على القول الراجح، أما إذا كان الغضب يسيراً فيقع، وذلك لأن الغضب يؤثر على قرار الإنسان، يؤثر على أقواله وعلى أفعاله وعلى تصرفاته، فقد يكون هو كالمكره في إيقاع الطلاق بسبب الغضب، بل إن ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان، ذكر أن تأثير الغضب أشد من تأثير الإكراه، وذكر عدة أدلة من النقل والعقل على أن طلاق الغضبان لا يقع، وأيضاً الغضب له تأثير على صحة الإنسان، وقد ذكر ابن القيم أيضاً في هذا الكتاب الذي أشرت إليه وأنصح بقرائته، كتاب قيِّم، ذكر أن الغضب قد يقتل الإنسان، وذكر قصة عن رجل من العرب، أنه استغضبه رجل فغضب غضباً شديداً، فأراد أن يتكلم فقام أحد الحاضرين ووضع يده على فمه، فقال: قتلتني! ثم مات، وهذا من الناحية الطبية تفسيره قريب، لأنه مع شدة الغضب يرتفع ضغط الدم، فربما ارتفع عنده ضغط الدم ارتفاعاً شديداً، فتسبب في نزيف ونحو ذلك، فأدى إلى وفاته، فهذا أيضاً حتى الأطباء يقرون بهذا، وأيضاً ذكر ابن القيم أن الغضب أيضاً قد يمرض، يعني يتسبب في المرض، قد يصاب الإنسان أحياناً بوعكة لا يدري ما سببها، ولو تأمل لربما وجد أن السبب هو ذلك الغضب الشديد الذي صدر منه، وأيضاً لو لم يكن من الغضب إلا أن الإنسان إذا غضب فقد كثيراً من طاقته، ولذلك تجده بعد الغضب منهكاً متعباً يميل للكسل والخمول، هذه كلها من آثار الغضب، ولذلك فعلى المسلم أن يبتعد ما أمكن عن أسباب الغضب، وإذا غضب يكظم، فإن الله أثنى على الكاظمين الغيظ، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾[آل عمران: 134]، وضد الغضب ما هو؟ الحلم، والحلم سيد الأخلاق، سيد الأخلاق هو الحلم، لا يمكن أن يكون الإنسان كريم الأخلاق وحسن الأخلاق إلا إذا كان حليماً، أما الإنسان سريع الغضب وشديد الغضب هذا لابد أن يكون سيء الخلق، والحلم إما أن يكون جبليًّا أو يكون مكتسباً، فالجبيلي أن يولد هذا الإنسان حليماً، والمكتسب أن الإنسان يتعاطى الحلم ويتكلفه حتى يصبح حليماً، ولهذا في حديث الأشج بن عبدالقيس لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنك فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله" ما هما؟ "الحلم والأناة"، فالحلم من الخصال التي يحبها الله ورسوله، قال: يا رسول الله أجبلت عليهما أم تخلقت بهما؟ قال: "بل جبلت عليهما"، فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحبه الله ورسوله. لكن إذا قُدِّر أن الإنسان لم يجبل على الحلم، أنه بطبيعته سريع الغضب وشديد الغضب، فعليه أن يكتسب صفة الحلم، وهذا يكون بالتدرج، فيقول مثلاً هذا اليوم مدة ساعة، هذه الساعة لن أغضب فيها مهما كان السبب، في اليوم الثاني يجعلها ساعتين، في اليوم الثالث يجعلها أربع ساعات، في اليوم الرابع يجعلها ست ساعات وهكذا، فإنه بهذا التمرين والتدريب يصبح حليماً، ويكتسب صفة الحلم، والحلم هو سيد الأخلاق، وفي هذا الحديث -حديث أبي هريرة- يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليش الشديد بالصرعة"، يعني الذي يصرع الناس، ليس هذا هو الشديد حقيقةً، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، الذي يملك نفسه عند الغضب هذا هو القوي، هذا هو الشديد حقيقة، لأنه عند شدة الغضب يحتاج الإنسان إلى قوة للتحكم في غضبه، والقوة التي تحتاج في التغلب على غضبك وإطفاء نارك، يعني هذه أصعب من قوة الشديد الذي يصرع الناس، وجرب أن تجيء لغضبان قد أعماه الغضب، فتحاول أن تذكره بالخلق الحسن واللين والعفو، من يتقبل!؟، ولهذا استبَّ رجلان عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأحدهما قد احمرَّ وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد"، فذهب أحد الحاضرين لهذا الرجل وقال له: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: لو قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنك ما تجد، قال: أبي جنون!، ما تقبَّل من شدة الغضب، وهذا في صحيح البخاري، فأحياناً يعني الإنسان قد لا يتقبل النصيحة، قد لا يتقبل التوجيه، بسبب شدة الغضب، موسى -عليه الصلاة والسلام- لما علم بأن قومه عبدوا العجل، وانطلق إلى قومه غضبان أسفاً، ألقى الألواح، وفي نسختها التوراة، كلام رب العالمين، لكن من شدة الغضب فعل ذلك، ولم يؤاخذه الله -عز وجل-، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: 94]، فانظر موسى -عليه الصلاة والسلام- من شدة الغضب فعل هذا، ولذلك كما ذكرنا الغضب هو مذموم إلا في حالة واحدة يكون محموداً، في حالة ماذا؟ إذا انتهكت محارم الله، إذا انتهكت محارم الله الغضب محمود، إذا رأى الإنسان محارم الله تنتهك، ويبقى بارداً لا يغار على محارم الله، ومتبلد الإحساس، هذا يعتبر نقص، الغضب هنا عند انتهاك محارم الله -عز وجل- غضب محمود، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يغضب إلا عندما تنتهك محارم الله -عز وجل-.

علاج الغضب كما ذكرنا أولاً: بأن يبتعد الإنسان عن أسباب الغضب، يعني هناك أحياناً عند الإنسان أشياء تستفزه وتسبب له الغضب، يبتعد عنها. الأمر الثاني: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما في الحديث السابق،كلما غضب يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. الأمر الثالث: أيضاً ورد أنه يغير هيئته، فإن كان قائماً قعد، وإن كان قاعداً اضطجع أو قام. الأمر الرابع: الوضوء، يتوضأ، لأن الغضب جمرة من الشيطان، والماء يطفئ النار، فهذه ينبغي أن يفعلها الإنسان إذا غضب، مع كظم الغيض أيضاً، مع كظم الغيض وعدم إنفاذه.

    

* * *

فائدة: من علاج الوساوس في مبدأ الخلق

أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- من ابتلي بشيء من الوساوس في الخلق، كالوسوسة بأن الله خلق الخلق فمن خلق الله؟! أن يقرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3]، فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء، كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء، ولو كان قبله شيء يكون مؤثراً فيه، لكان ذلك هو الرب الخلاق، ولابد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق، وغني عن غيره، وكل شيء فقير إليه، قائم بنفسه، وكل شيء قائم به، موجود بذاته، وكل شيء موجود به، قديم لا أول له، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه، باق بذاته، وبقاء كل شيء به.

 نعم، هذه القضية من القضايا المهمة، يعني من ابتلي بالوساس في الخلق، فهذا من العلاج، أن يقرأ قول الله -تعالى-: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[الحديد: 3]، وأن يبتعد عن هذه الوساوس، ليعرض عنها وينتهي، وأيضاً ورد أنه يقول: آمنت بالله ورسله، وأنه يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[الإخلاص: 1]، وقضية إقرار الناس بوجود الله -عز وجل- هذا أمر فطري، فُطر البشر عليه، لأن الله -تعالى- أخذ بني آدم وهم في الذر من صلب أبينا آدم، أخذ بني آدم كلهم وأشهدهم على أنفسهم، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا[الأعراف: 172]، فإن قال قائل: أنا لا أتذكر هذا الإشهاد! نقول: وهل تتذكر أنت وقت ولادتك!؟، هل تتذكر وأنت في بطن أمك!؟، إذاً أشياء كثيرة لا تتذكرها، هذا منها، ولذلك متى يظهر هذا؟ يظهر عند الشدة، عند الشدة، حتى لو كان الإنسان ملحداً يلجأ إلى الله -عز وجل-، ولما رأى أحد السلف رجلاً من المتكلمين أتى بألف دليل على وجود الله، قال: دليل واحد يكفي!، قالوا: ما هو؟! قال: لو كنت تسير وحدك في البرية، تسير في البر وحدك، ووقعت في بئر مظلمة، ماذا تقول؟ تقول: يا الله!، حتى الملحد يلجأ إلى الله -عز وجل-، ولهذا بعث الله الرسل ليس لتعريف الناس بوجود الله، الناس يعرفون أن الله الخالق الرازق المدبر، الأقوام السابقة؛ قوم نوح وعاد وثمود والأقوام السابقة هل كانوا ينكرون وجود الله؟! لا، أبداً، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[الزخرف: 87]، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[لقمان: 25]، لكن عندهم إنحراف في العقيدة، جعلوا بينهم وبين الله وسائط، وقالوا هذه وسائط أُناس صالحين، أصنام أناس صالحين، قبور أناس صالحين، نريد أن تقربنا إلى الله زلفى، فقط هذا هو شركهم، فالرسل بُعثوا لأجل تصحيح المعتقد، وتصحيح الإنحراف الذي وقع في عقائد الناس، وليس لتعريف الناس بوجود الله، لأن الناس كانوا يقرون بوجود الله -عز وجل-، ولذلك أي إنسان ملحد يعني بإمكانك أن تطرح عليه سؤالاً فيُبهت في الحال، وهو أن تطرح عليه سؤال في قضية الخلق، أخلقت نفسك؟ سيقول قطعاً لا، ما خلق نفسه، لو خلق نفسه لاختار له وجهاً غير هذا الوجه، وعيناً غير هاتين العينين، وأنف غير هذا الأنف، إذاً ما خلق نفسه، طيب؛ هل خُلقت من غير شيء؟ ما خُلق من غير شيء، إذاً لابد من خالق!، من هو خالقك؟! من الذي خلقك وأوجدك؟!، فلابد من أنه سيقر بأن الله هو الذي خلقه، ولذلك قضية الخلق لم يتجرأ أحد أن يدعيها في الأمم السابقة، ما فيه ولا واحد قال أنا الخالق، هل سمعتم بأن أحداً قال أنا خالق الكون غير الله -عز وجل-، ما فيه أحد، لأنه لو ادعى لقيل اخلق، اخلق لنا!، فقضية الخلق هذه قضية حاسمة، مع الملحد تبطل الحاده في الحال، ولذلك المشركون ما تجرؤا على المجادلة فيها، لم يتجرؤا، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[الزخرف: 87]، لأنهم يعرفون أنهم ما يستطيعون أن ينكرون أن الله الخالق، ولا يستطيعون أن يقولون أننا خلقنا أنفسنا، فلابد إذاً من خالق لهذا الكون لابد، ولهذا جبير بن مطعم لما أتى وهو كافر لمسجد النبي -عليه الصلاة والسلام-، وسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ سورة الطور، قال: فلما بلغ قول الله ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ[الطور: 35]، كاد قلبي أن يطير، إذاً قضية الخلق هي قضية حاسمة، الإنسان خرج لهذه الدنيا لم يخلق نفسه، التفت عن يمينه وعن يساره وجد بشراً مثله، لم يخلقوا أنفسهم، كيف يخلقوا غيرهم، وجد جمادات وأشجار كلها غير عاقلة فكيف يمنح العقل من لا عقل له، إذاً لابد أن يكون هناك خالق لهذا الكون، ولابد لهذا الخالق أن يخبر عن نفسه، ويقول أنا خلقتكم وخلقت كل شيء، فهل هناك أحد غير الله قال أنا خلقتكم وخلقت كل شيء!، لا يوجد، لو كان هناك خالق غير الله أين هو!، إن كان لا يعلم فلا يستحق أن يكون إلهاً، وإن كان يعلم ولا يستطيع أن يعبر عن نفسه ويقول أنا خلقتكم؛ أيضاً لا يستحق أن يكون إلهاً، فتعيَّن أن لا إله إلا الله، هنا في كلام ابن القيم -رحمه الله- قال: أرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي بأول ليس قبله شيء، تسلسل المخلوقات ينتهي بالله -عز وجل-، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وتفسير الآية ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، تفسيرها هو تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما جاء في صحيح مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عني الدين وأغنني من الفقر"، فتفسير الأول: ليس قبله شيء، تفسير الآخر: ليس بعده شيء، تفسير الظاهر: ليس فوقه شيء، تفسير الباطن: ليس دونه شيء، جل وعلا، هذا هو التفسير الصحيح للآية، قال: لابد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق، وغني عن غيره، وكل شيء فقير إليه، قائم بنفسه، وكل شيء قائم به، ومن أسمائه القيوم، فهو القائم بنفسه لا يحتاج لأحد من خلقه، وكل شيء قائم به -جل وعلا- ومحتاج إليه، موجود بذاته، فالله -تعالى- واجب الوجود، بينما غيره جائز الوجود، قديم لا أول له، وهذه من عبارات المتكلمين، هل يوصف الله بالقديم؟ على سبيل الإطلاق؛ لا، إلا إذا قُيد، بأن نقول لا أول له، لأن الشي القديم يعني قد يكون قبله شيء، ﴿حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39]، فالقديم ليس من أسماء الله، ولا يوصف الله -تعالى- به على الإطلاق، إنما يوصف به مقيداً، بأن نقول لا أول له، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه، باق بذاته، هنا قضية تُذكر في بعض كتب العقائد، وهي قضية تسلسل الحوادث، تسلسل الحوادث إما أن يكون في الماضي أو في المستقبل، عند الجهمية؛ الجهمية يمنعون تسلسل الحوادث في الماضي وفي المستقبل، وعند المتكلمين يقولون بتسلسل الحوادث في المستقبل، ويمنعون ذلك في الماضي، وأهل السنة والجماعة على جواز تسلسل الحوادث في الماضي وفي المستقبل، كما قرر ذلك أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله- وغيره، ما معنى تسلسل الحوادث؟ في المستقبل يعني أنها الحوادث لا تفنى، مثل الجنة؛ الجنة لا تفنى، وعند جمهور أهل السنة؛ الجنة والنار لا تفنيان، باقيتان لا تفنيان، وتسلسل الحوادث في الماضي أي أن المخلوقات متسلسلة، متسلسلة لكن مع اعتقاد بأن الله الأول الذي ليس قبله شيء، بأن الله الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فالصواب في هذا ما عليه أهل السنة والجماعة من تسلسل الحوادث في الماضي وفي المستقبل، لكن مع اعتقاد بأن الله الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، لأن القول بعدم تسلسل الحوادث في الماضي، وهو القول الذي يقول به المتكلمون، هو قولٌ باطل، لأنه يترتب عليه وصف الله -تعالى- بالعجز، بأن الله كان عاجزاً عن الخلق، وتعالى الله عن ذلك، الله على كل شيء قدير، هو في الأزل على كل شيء قدير، قبل خلق السموات والأرض هو على كل شيء قدير -جل وعلا-، فعند أهل السنة والجماعة يقولون بتسلسل الحوادث في الماضي وفي المستقبل.

 

* * *

فائدة: محاجة بين الجنة والنار

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، قال الله -تبارك وتعالى- للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله -عز وجل- من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله -عز وجل- ينشئ لها خلقاً".

 نعم، هذه المحاجة بين الجنة والنار، أخبر بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما قاله -عليه الصلاة والسلام- حق، فالنار قالت: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، فأكثر من يدخلها من المتكبرين والمتجبرين، و"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، يعني الغالب على أهل الجنة أنهم من أهل السكينة والوقار، ليسوا من أهل الكبر والتجبر، فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، فالله -تعالى- يرحم بالجنة من يشاء من عباده، ويدخلون الجنة برحمته لا بعملهم، لا بعملهم، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "واعلموا أنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته"، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فوعد الله -عز وجل- بأن يملأ الجنة وأن يملأ النار، أما النار فإنه يلقى فيها أهل النار، ثم يقول الرب -عز وجل- لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟! ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30]، فيضع الرب -عز وجل- "قدمه" وفي لفظ "رجله" عليها، على الوجه اللائق بالله -سبحانه وتعالى-، فينزوى بعضها إلى بعض، وتقول: يا رب قط قط، يعني: حسبي حسبي، فتمتلئ حينئذ، وأما الجنة فإن الله ينشئ خلقاً، ينشيء خلقاً حتى تمتلىء، وأكثر أهل النار النساء، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، قلن: لمَ يا رسول الله؟ قال: "تكفرن العشير وتكثرن اللعن"، وأكثر أهل الجنة أيضاً النساء، وذلك لكثرة الحور العين فيها، فالنساء أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار، والله -تعالى- يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]، فالجنة إنما تكون لمن لا يريد العلو ولا الكبر ولا التجبر على الناس وعلى عباد الله -عز وجل-، والنار يكون فيها هؤلاء المتكبرون المتجبرون المتسلطون على الناس المؤذون لهم، هؤلاء يكونون من أصحاب النار، فالجنة رحمة الله -تعالى- يرحم بها من يشاء، والنار عذابه يعذب بها من يشاء، والجنة والنار هما نهاية المطاف للبشرية، ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]، هل أتى يعني: قد أتى، كلنا أتى علينا حين من الدهر لم نكن شيئاً مذكورا، عدم، ثم خلقنا الله -عز وجل-، خلق أبانا آدم من تراب، وخلقنا من نطفة من ماء مهين، ونحن في هذه الرحلة في مرحلة من أخطر المراحل، وهي مرحلة العمل، مرحلة العمل، هي التي يترتب عليها مصير الإنسان، وبعد وفاة الإنسان تقوم قيامته، من مات فقد قامت قيامته، يكون في البرزخ إما في نعيم أو في عذاب، وعذاب القبر ونعيمه قد دلت عليه السنة المتواترة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن هل الميت يشعر بمرور الزمن أو لا يشعر؟ ظاهر الأدلة أنه لا يشعر، لأن الذي يشعر هو الذي يكون عنده وعي بالحوادث، والميت ليس كذلك، الميت يكون في نعيم أو عذاب كالنائم، النائم يرى ما يسرُّه وما يحزنه وهو في النوم، فالميت إما أن ينعَّم أو يعذب، لكن ظاهر الأدلة أنه لا يشعر بالزمن، ولذلك الله -تعالى- لما أمات أصحاب الكهف ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم!، والذي أماته الله مائة عام، أماته! لاحظ أماته!، موت مائة عام ثم بعثه، قال: لبثت يوماً أو بعض يوم!، فهذه الأدلة ظاهر مجموع الأدلة يدل على أن الميت لا يشعر بالزمن، ولهذا يوم القيامة قريب يا إخواني، قريب جداً، يعني ما يفصل بيننا وبينه إلا الموت، ويتفاجأ الإنسان بقيام الساعة، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا﴾ [يس: 52]، فهو قريب جداً، والموت أيضاً مغيَّب عنا، يمكن للإنسان أن يصبح وما خطر بباله الموت ولا بنسبة واحد بالمائة!، وإذا به يصاب بسكتة قلبية!، بحادث سيارة!، بكذا، فيموت، وإذا مات لا يشعر بالزمن، قد يكون في نعيم أو عذاب، هذا يجب اعتقاده، نعيم القبر وعذابه يجب اعتقاده، لكن لا يشعر بالزمن، ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾، ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: 259]، فيتفاجأ بقيام الساعة، ولهذا أقول القيامة قريبة جداً منا، فعلى الإنسان أن يستعد لها بالعمل الصالح، بعد ذلك؛ بعد الجزاء والحساب والميزان واجتياز الصراط، تكون نهاية المطاف الجنة والنار، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، ثم يُخرج الله -تعالى- من مات على التوحيد، يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة برحمته، ثم يؤتى بالموت على صورة كبش أملح، ويُذبح في مكان بين الجنة والنار، ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، هذه نهاية المطاف للبشرية، وقد وعد الله -عز وجل- بملء الجنة وملء النار، وهما نهاية المطاف للبشرية، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7].

 

* * *

فائدة : قوة البلاغة قد تخفي الحق أحياناً

قد يكون صاحب الحق ليس عنده من الفصاحة والبيان ما عند خصمه، فيخفى الحق الذي معه بسبب ذلك، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي بنحو ما أسمع". وقال عمرو بن مرزوق: رأيت الأصمعي وسيبويه يتناظران، فقال يونس: الحق مع سيبويه، وهذا يغلبه بلسانه.

نعم، قد يكون صاحب الحق ليس عنده من الفصاحة والبيان ما يعبر به عن قوة حجته، فيغلبه خصمه، سواء في مجلس القضاء أو في المناظرة أو غير ذلك، فالفصاحة والبلاغة قد تخفي الحق، فقد يُظن أن هذا البليغ أنه صاحب حق، والواقع بخلافه، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته -يعني أبلغ- من بعض، فأقضي بنحو ما أسمع". وهنا قال عمرو بن مرزوق: رأيت الأصمعي وسيبويه يتناظران، قال يونس: الحق مع سيبويه، وهذا يغلبه بلسانه. فأحياناً قد تكون الحجة مع الإنسان، لكن ما يستطيع أن يعبر عنها بسبب ضعف بلاغته وبيانه، فيغلبه خصمه، ولكن لا يجوز للإنسان أن يستخدم البلاغة والبيان والفصاحة في الباطل، كأن يفعل ذلك في أخذ مال ليس له أو نحو ذلك، ولا أيضاً يستخدم البلاغة والفصاحة في إحراج الناس، فبعض الناس عنده فصاحة وبلاغة لكن يحرج الناس في المجالس، ويحرجهم في الأماكن، ويطرح عليهم أسئلةً محرجة، فمن رزق فصاحة وبيان ينبغي أن يستخدمها في الخير وفي الحق، ومن لم يرزق الفصاحة والبيان فهذا موسى -عليه الصلاة والسلام-، قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 27،28]، والله -تعالى- يقول: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]، لم يضره عدم فصاحته أن يكون كليم الله -عز وجل-، ولهذا سأل الله -تعالى- أن يجعل له وزيراً من أهله، قال: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي﴾ [القصص: 34]، ولهذا فرعون قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 52]، فعيَّره بعدم فصاحته، لكن عدم فصاحة موسى هل انتقصت من قدره عند الله!؟ أبدًا، هو كليم الله -عز وجل-، ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]، فلم تؤثر عليه، فإذا لم يرزق الإنسان بالفصاحة، هذا لا ينقص من قدره، لكن عليه أن يتعاطى أسباب قوة الحجة والفصاحة والبيان، لأنها مما تزيد الحق قوة وبياناً، خاصةً في المواقف التي يحتاج إليها الإنسان.

 

* * *

فائدة : العلاج بالعود الهندي

عن أم قيس بنت محصن -رضي الله عنها- قالت: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، يستعط به من العذرة، ويلد به من ذات الجنب". (العود الهندي يقال له: القسط، والكست، يباع حالياً في محلات العطارة). (العذرة: وجع في الحلق يهيج من الدم). (يلد به: يجعل في أحد شقي الفم). (ذات الجنب: ألم يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة).

نعم، هذا من الطب النبوي وهو العود الهندي، ويسمى القسط الهندي والكست الهندي، وهو معروف الآن موجود لدى محلات العطارة، أي محل عطارة تقول أريد القسط الهندي يعطيك إياه، معروف عندهم، وابن القيم ذكر أن القسط على قسمين: القسط الهندي، والقسط البحري، وأن القسط الهندي يعني أكثر حرارة، وهو الذي ورد به الحديث، وهنا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن فيه فوائد، قال: "عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية" يعني يشفي من سبعة أمراض، لكنه لم يذكر هنا إلا مرضين فقط، قيل لأن الراوي نسي أن يذكر الأمراض الأخرى، وقيل أن النبي -عليه الصلاة والسلام- اكتفى فقط بهذين المرضين، وترك البقية يعني للناس يعرفونها بالتجارب، ويعرفونها من أهل الخبرة ونحو ذلك، قال: "يستعط به من العذرة"، العذرة: وجع في الحلق يهيج من الدم، ويحتمل أن يكون التهاب اللوزتين، أو التهاب الحلق ونحو ذلك، لكن العود الهندي مفيد له، وذات الجنب، قال: "ويلد به من ذات الجنب"، يلد: يعني يجعل في أحد شقي الأنف من ذات الجنب، وهو ألم في نواحي الجنب ينتج عن الرياح والغازات الغليظة، فهذا أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا من الطب النبوي، هذا من الطب النبوي الذي أرشد إليه النبي -عليه الصلاة والسلام-، وما قاله -عليه الصلاة والسلام- حق في كل شيء حتى في الطب وفي جميع ما قال، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 4]، إلا في الأمور التي يخبر -عليه الصلاة والسلام- بأنها من شؤون دنيا الناس، هذه تكون أنتم أعلم بأمور دنياكم، لكن ما عدا ذلك الأصل أن ما يقوله -عليه الصلاة والسلام- حق، فما ذكره في الحجامة، وما ذكره في العسل، وما ذكره في الكي، وما ذكره هنا في القسط الهندي، كا ما قاله -عليه الصلاة والسلام- حق، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 4]، يجب اعتقاد منفعته، وأيضاً ما ذكره الله -تعالى- في العسل قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ [النحل: 69]، كل ما قاله الله وقاله رسوله -صلى الله عليه وسلم- يجب اعتقاد أنه حق، لأن الله -تعالى- هو خالق البشر، وهو أعلم بما تصلح به أحوال البشر وبما يشفي من الأمراض، ومن حكمة الله -عز وجل- أنه ما من داء إلا له دواء، ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، هذا من رحمة الله بالبشر، لكن قد يخفى الدواء على بعض الناس، علمه من علمه وجهله من جهله، وإلا أي مرض؛ أي مرض في الدنيا له علاج، لكنه قد يخفى، قد يخفى على الأطباء، قد يخفى على بعض الناس، وهذا من رحمة الله -تعالى- بعباده، أنه لا يوجد مرض ليس له علاج، ما من داء إلا له دواء، إلا الموت، هذا الذي ليس له علاج، وإلا ما من داء إلا له دواء.

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

 

* * *