الخثلان
الخثلان
الدرس الثالث
24 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 75

كتاب الأدب من صحيح البخاري

الدرس الثالث

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، هذا هو الدرس الثالث في شرح كتاب الأدب من صحيح البخاري، هذا اليوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر جمادى الأولى من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، وكنا قد وصلنا إلى (باب تبل الرحم ببلالها):

 

  • باب تبل الرحم ببلالها

 

[حدثنا عمرو بن عباس حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن عمرو بن العاص قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول إن آل أبي قال عمرو في كتاب محمد بن جعفر بياض ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين زاد عنبسة بن عبد الواحد عن بيان عن قيس عن عمرو بن العاص قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لهم رحم أبلها ببلاها يعني أصلها بصلتها قال أبو عبد الله ببلاها كذا وقع وببلالها أجود وأصح وببلاها لا أعرف له وجها] نعم تبل الرحم ببَلالها، بفتح الباء، وقيل: ببِلالها، بكسر الباء، والأكثر على الفتح، ببَلالها، والبلال من البلل، وهو النداوة، وأطلق ذلك على الصلة، كما أطلق اليبس على القطيعة، لأن النداوة من شأنها تجميع ما يحصل فيها وتأليفه، فأطلق ذلك على صلة الرحم، ومعنى أبلها ببلالها: يعني أصلها، أصل الرحم بالمعروف اللائق بها، هذا معنى أبلها ببلالها، يعني أصل هذه الرحم بالمعروف اللائق بها، وساق المصنف هذا الحديث عن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- جهاراً غير سر، يعني سمعه يقول ذلك علانية وجهراً لدفع توهم أنه أخفى ذلك، لأنه سمى فيه آل أبي فلان، فأراد عمرو أن يبين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسرّ ذلك، وإنما قاله جهراً، "إن آل أبي" يعني فلان، وسماه النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن الراوي أسقط الاسم، لما قد يترتب عليه من المفسدة، لان أبناء فلان هذا قد يتأذون، فيترتب عليه مفسدة إما في حق نفسه أو في حق غيره، وإن كان بعض الشراح ذكروا أسماء، لكن لا فائدة من ذكرها، وهذا المنهج نجد أن بعض الصحابة عندما يذكرون بعض القصص، لا يذكرون اسم من وقع في المعصية، ولذلك في بعض روايات البخاري أن رجلاً من الناس، في بعضها سمي -ماعزاً-، لكن بعض الرواة يتحرَّز، أتى وقال يا رسول الله إني زنيت، فبعض الرواة إذاً يعني من باب الورع أنه لا يذكر الإسم، كما في هذا الحديث أن آل أبي -يعني فلان- ليسوا بأوليائي، يعني من لم يسلم منهم ليسوا من أوليائي، والمراد بالولاية ولاية القرب والإختصاص، ومعنى الحديث: أن وليي من كان صالحاً من المؤمنين وإن بَعُدَ نسبه، وليس من كان غير صالح وإن قرب مني نسبه، فيستفاد من هذا إنقطاع الولاية في الدين بين المسلم والكافر، ولو كان قريباً، ولو كان بينهما قرابة، فكأنه -عليه الصلاة والسلام- يقول إن هؤلاء القرابة الذين لم يسلموا ليسوا بأوليائي، قال: "إنما وليي الله وصالح المؤمنين"، "ولكن لهم رحم أبلها ببلاها يعني أصلها بصلتها"، يعني هؤلاء هم أقارب لكنهم غير مسلمين، فحقهم علي أني أصلهم بالصلة اللائقة بهم، وهذا يدل على جواز صلة الرحم الكافر، كما مر معنا في درس سابق قصة أسماء، لما أتت أمها إليها وهي راغبة، فسألت النبي -صلى الله عليه وسلم- هل تصلها، قال: نعم، والله يقول: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ يعني الوالدين ﴿عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا[لقمان: 15]، فالكفر لا يمنع من صلة الرحم، لكنها لا تكون واجبةً، إنما تكون جائزة كبر سائر الكفار، ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[الممتحنة: 8].

* * *

 

  • باب ليس الواصل بالمكافئ

 

[حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش والحسن بن عمرو وفطر عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال سفيان لم يرفعه الأعمش إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورفعه حسن وفطر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها] نعم، المقصود بقوله: "ليس الواصل" أي: الصلة الكاملة، وإلا فإن الصلة على سبيل المكافأة هي نوع من صلة الرحم، فلو أن رحمك أهدى لك هدية، فأهديت له هدية بمثلها، فهذه تعتبر صلة رحم، لكن المقصود في الحديث الصلة الكاملة، فهو كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الشديد بالصرعة"، وكقوله: "ليس الغنى عن كثرة العرض"، وكقوله: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرات واللقمة واللقمتان"، فهذا أسلوب نبوي، فالمقصود إذاً ليس الواصل الصلة الكاملة بالمكافئ، يعني على سبيل المكافأة، لأن المكافأة على المعروف تقتضيه المروءة والفطر السليمة، فإن من أهدى لك هدية؛ المروءة تقتضي أنك تهدي له بمثلها، ولو لم يكن قريباً ولا رحِماً، إنسان يزورك يتواصل معك؛ المروءة والفطرة السوية تقتضي أنك تكافؤه بمثل ذلك، فهذه مكافأة، ولكن الواصل حقيقةً الذي يقوم بكمال الصلة؛ من إذا قطعت رحمه وصلها، إذا قطع هذا القريب الرحم فإنه يقوم بصلتها، يصلها، هذه هي الصلة حقيقة، ولذلك جاء في صحيح مسلم وغيره أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ -يعني: الرماد الحار- ولا يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك"، وهذا يقتضي أن الإنسان يصل رحمه حتى وإن قطعت رحمه، فلا يصل على سبيل المكافأة، مثلاً لك أخ أو أخت أو عم أو قريب لا يصلك، لكن أنت الذي تصله وأنت الذي تهدي إليه، وهو لا يفعل معك ذلك، هذه الصلة حقيقة، أو أنه حتى يقطعك وأنت تقوم بصلته، هذه الصلة حقيقة، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها، فكثير من الناس صلته على سبيل المكافأة، إذا وصله رحمه فإنه يقوم بصلته، إذا لم يصله لم يصله، هذه مكافأة في الحقيقة، الصلة حقيقة فيمن قطعت رحمه وهو يقوم بصلتها، وسبق أن ذكرنا في درس سابق أن الرحم منهم من تجب صلتهم، ومنهم من تستحب صلتهم، فالرحم التي تجب صلتها هم المحارم، ومن كان بينك وبينه قرابة بحيث لو فُرض أن أحدهم ذكر والآخر أنثى لم يجز له أن يتزوج بها، فيشمل ذلك الوالدين، والأجداد وإن علوا، والأولاد وإن نزلوا، والأخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، هؤلاء يجب صلتهم، وقطيعتهم من كبائر الذنوب، من عداهم من الأقارب تستحب، أبناء العم تستحب، أبناء الخال تستحب، أبناء الخالة تستحب، والدليل لهذا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، لأن هذا الجمع قد يفضي إلى قطيعة الرحم، لكنه لم ينهى عن أن يجمع بين ابنتي العمَّين، وابنتي الخالين، وابنتي الخالتين، مع أن هذا أيضاً قد يفضي للقطيعة، فدل ذلك على أن الرحم الواجب صلتها هم المحارم، بهذا الضابط الذي ذكرت.

* * *

 

  • باب من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم

 

[حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة هل لي فيها من أجر قال حكيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما سلف من خير ويقال أيضا عن أبي اليمان أتحنث وقال معمر وصالح وابن المسافر أتحنث وقال ابن إسحاق التحنث التبرر وتابعهم هشام عن أبيه] نعم، من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم، أي هل يكون له ثواب؟! قام بصلة الرحم وهو غير مسلم، ثم أسلم فهل يؤجر على صلته لرحمه وقت كونه كافراً؟!، هذا هو مقصود المصنف من هذه الترجمة، وساق حديث حكيم بن حزام، وحكيم عاش فترة في الجاهلية وفترة في الإسلام، قيل إنه عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، ويقال إن أمه ولدته في جوف الكعبة والله أعلم بصحة ذلك، قال: (أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية)، فسَّر البخاري أو نقل البخاري عن ابن اسحاق أن التحنث معناه: التبرر، يعني: التعبد، التعبد لله -عز وجل- بهذه الأمور، ومنه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد، ولذلك ذكر أموراً هي مما يتقرب بها إلى الله، قال: "من صلة" يعني: من صلة الأرحام، "وعتاقة": يعني إعتاق رقاب، "وصدقة هل لي فيها من أجر؟"،فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أسلمت على ما سلف من خير" أي: أنك تؤجر على ذلك، وهذا يدل على أن الكافر إذا أسلم فيؤجر على ما عمله في حال كفره مما لا يفتقر إلى نية، وتكون صورته كافيةً في تحصيل مقصوده، مثل الصدقة وصلة الرحم وعتق الرقاب وإطعام الطعام ونحو ذلك، فهذه الأمور لو فعلها الإنسان من غير نية أُجر عليها، لكنه إذا فعلها بنية كان الأجر أعظم، لكن لو فعلها في الجاهلية؛ الصلاة مثلاً أو الصيام أو الحج، هذه لا يؤجر عليها، لأن هذه تفتقر لنية، والنية لا تصح من كافر، فإذاً ما يعمله الكافر ينقسم إلى قسمين: قسم لا يصح إلا بنية، وهذا لا يصح منه، مثل الصلاة والصيام والحج، وقسم لا يفتقر لنية، وهذا إن أسلم أُجر عليه وأُثيب عليه، مثل صلة الرحم وعتق الرقاب والصدقة ونحو ذلك، والكافر إذا لم يسلم فإن هذه الأشياء التي لا تفتقر إلى نية؛ إذا لم يسلم يثاب عليها في الدنيا، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يطعم بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا" [رواه مسلم]. فالكافر إذا قام بصدقات، قام بإطعام طعام، قام مثلاً بمساعدة فقراء، قام بصلة رحم، فهو يثاب على ذلك في الدنيا، إما بتوسيع رزقه مثلاً، أو بتيسير أموره أو غير ذلك، حسب ما تقتضيه حكمة الله -عز وجل-، وإلا في الآخرة كما قال الله -تعالى-: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. الكافر في الآخرة يجعل الله أعماله هباءً منثوراً، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، لأن الله قد حرم عليه الجنة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: 40]. فالله -تعالى- حرم الجنة على الكافرين، من مات على الكفر فلا يثاب على أي شيء عمله في الدنيا، يجعل الله أعماله هباءً منثورا، لكن الأشياء التي لا تفتقر لنية يجزى عليها في الدنيا بحسب ما تقتضيه حكمة الله -عز وجل-، وهذا من كمال عدل الله سبحانه، من كمال عدل الله -عز وجل- أن الكافر إذا عمل اعمالاً ثم أسلم حُسبت له، إذا لم يسلم أثيب عليها في الدنيا، فهذا من كمال عدل الله -عز وجل-، الله -تعالى- حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]، "يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا"، فالله -عز وجل- يجزي عباده بالعدل وبالقسط، فهذا الحديث يدل على كمال عدل الله -عز وجل-، وأيضاً على عظيم رحمته بعباده، لأن أيضاً هذا الكافر عمل هذه الأعمال في حال كفره، ومع ذلك إذا أسلم أُثيب عليها وحسبت له.

طيب؛ المرتد إذا عمل أعمالاً قبل ردته من صلاة وصيام وصدقة وصلة رحم، ثم رجع عن ردته، هل يثاب عليها؟! يعني مثلاً حج قبل الردة ثم ارتد ثم تاب ورجع عن ردته هل يطالب بالحج مرة أخرى!؟ لا يحبط عمل المرتد إلا إذا مات على الردة، من يذكر لنا الدليل؟ لا يحبط عمل المرتد إلا إذا مات على الردة، في سورة البقرة ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217]، اشترط الله -تعالى- لحبوط العمل أن يموت على الردة، ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فالمرتد لا يحبط عمله إلا إذا مات على ردته، لكن لو أنه منَّ الله عليه بالهداية والتوبة ورجع عن الردَّة؛ فإن أعماله لا تحبط، تحسب له ويثاب عليها.

* * *

  • باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها

 

[حدثنا حبان أخبرنا عبد الله عن خالد بن سعيد عن أبيه عن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعلي قميص أصفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سنه سنه قال عبد الله وهي بالحبشية حسنة قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي قال عبد الله فبقيت حتى ذكر يعني من بقائها] نعم، قال من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها، يعني الأطفال، من ترك الطفلة تلعب مع غيره، أو أنه يمازحها أحد الناس، أو يقبلها، فإن هذا من الأمور الجائزة، وساق بسنده قصة أم خالد بنت خالد بن سعيد، وهي أم خالد بن الزبير بن العوام، تزوجها الزبير بن العوام فأنجبت له خالد وعمرو ابنا الزبير، نعم هي أم خالد بن الزبير بن العوام، قالت: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أبي وعلي قميص أصفر، كانت قد وُلدت في الحبشة، ولدت في الحبشة مع أبيها، فأتت وهي طفلة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وعليها قميص أصفر، تلعب كما يلعب الأطفال، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "سنه سنه"، وفي لفظ آخر عند البخاري: "سنا سنا"، والسنا معناه: الحسن، لكن بلسان الحبشة، يعني حسن أو طيب، فخاطبيها النبي -عليه الصلاة والسلام- بكلمة حبشية لأنها ولدت في الحبشة، وتعرف كلام أهل الحبشة، فيعني خاطبها من باب التلطف معها في العبارة، (قال عبد الله وهي بالحبشية حسنة) أو حسن، (قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة)، يعني النبي -عليه الصلاة والسلام- كان متواضعاً مع الجميع، فأتت وأخذت تلعب بخاتم النبوة الذي كان على النبي -عليه الصلاة والسلام-، (فزبرني أبي) يعني: نهرني، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دعها" اتركها تلعب، "أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي"، قوله: أبلي وأخلقي: هذا تقوله العرب، يعني كلام معروف عند العرب، تطلقه العرب وتريد بذلك الدعاء بطول البقاء للمخاطب، أي: الدعاء بأن تطول حياتها حتى يبلى الثوب الذي عليها ويخلق، فهذا أسلوب عند العرب، أبلي وأخلقي: يعني يدعو لها بطول البقاء وأنها تطول حياتها حتى يبلى الثوب الذي عليها ويخلق، قال: (فبقيت) يعني بقيت ما شاء الله أن تبقى، وهذا الحديث فيه عدة فوائد:

منها أولاً أن المزاح بالقول أو الفعل أنه لا بأس به، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يمازح بعض أصحابه، لكن كان لا يقول إلا حقًّا، يعني لابد أن يخلو من الكذب، يكون المزاح بحق لا يكون كذباً، ولا يكون أيضاً أن هذا المزاح كثيراً، إن بعض الناس يكثر منه المزاح حتى لا يفرق الناس بين جِدِّه وهزله، وهذا غير لائق، إنما يمازح أحياناً من باب الملاطفة والمؤانسة، وأيضاً لا يكون هذا المزاح مما يكرهه الممازَح، فإذا كان هذا الإنسان لا يقبل بأن تمزح معه؛ لا تمازحه، لكن المزاح بهذه الضوابط يدخل في حسن الخلق، لأن فيه نوعاً من المؤانسة والملاطفة،  وإزالة الوحشة بين الإنسان وبين من يمازحه، فهو يدخل في حسن الخلق، ولذلك لو كان معك إنسان في مجلس أو في كذا، وصامت وجاد ما يمزح معك إطلاقاً يعني تستوحش منه، بخلاف ما إذا كان عنده شيء من الملاطفة والأنس والممازحة، لكن بهذه الضوابط؛ ألا يكثر، وألا يكون مما يكرهه الممازَح، وألا يتضمن كذباً، فهذا كان يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مع بعض أصحابه، وأكثر ما كان يستعمله مع الأطفال، فممازحة الأطفال أيضاً تدخل الأنس على هؤلاء الأطفال والملاطفة، ولذلك يعني هذه المرأة نقلت هذا، وهي طفلة بعدما كبرت نقلت ممازحة النبي -صلى الله عليه وسلم- لها، فكان -عليه الصلاة والسلام- يحب ملاطفة وممازحة الأطفال، وقال لها: "سنه سنه"، لأنها أتت وتلعب مع النبي -عليه الصلاة والسلام- بخاتم النبوة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال إن هذا حسن هذا طيب، ولما نهرها أبوها قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: "دعها" ، يعني هذه طفلة دعها، وقال: "أبلي وأخلقي" وهذا على طريقة العرب، يعني دعاء لها بطول البقاء حتى يبلى ذلك الثوب ويخلق، وهذا أورده المصنف -رحمه الله- ليبين أنه لا بأس بالمزاح مع الأطفال، وأن أيضاً لا بأس بأن طفله أو صبيه يلعب مع غيره، وأن هذا كله يدخل في حسن الخلق، أن هذا لا يضر، وسيأتي أيضاً سرد المؤلف أحاديث أخرى في هذا المعنى.

* * *

 

  • باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته

 

[وقال ثابت عن أنس أخذ النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه] نعم إبراهيم هو إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمه مارية القبطية، ومات وهو صغير، النبي -عليه الصلاة والسلام- أخذه وقبله وشمه، لكنه مات صغيراً، وكان من قدر الله أنه مات في اليوم الذي كُسفت فيه الشمس، وكانت العرب تعتقد أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم أو ولادة عظيم، فلما مات في ذلك اليوم إبراهيم ابن النبي -عليه الصلاة والسلام- ترسخ لديهم هذا المعنى، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وخطب الناس، وقال: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، فأبطل هذا الفهم، "ولكنهما آيتان يخوف الله بهما عباده"، ولما مات إبراهيم دمعت عينا النبي -صلى الله عليه وسلم- رحمةً به، فقال له بعض الصحابة: وأنت يا رسول الله أتدمع عيناك!، يعني أين الصبر وأين الرضا وأين كذا، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إنما هي رحمةٌ يرحم الله تعالى بها عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، -وقال-: إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون". فذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- أنها رحمة، أن هذا الدمع من باب الرحمة، وليس جزعاً ولا تسخطاً من قدر الله، وليس أيضاً فيه عدم رضا بقضاء الله وقدره، وإنما من باب الرحمة فقط، ولذلك لما ذكر الإمام ابن تيمية موقف النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكيف أنه دمعت عيناه عندما مات ابنه إبراهيم، وذكر موقف الفضيل بن عياض، وهو أنه لما مات ابنه جعل في المقبرة يضحك، قالوا: كيف تضحك وابنك مات!، قال: إن الله قد قضى قضاءً فأحببت أن أُظهر الرضا بقضاء الله وقدره، فيقول ابن تيمية -رحمه الله-: (إن موقف النبي -عليه الصلاة والسلام- أكمل من موقف الفضيل بن عياض، لأن الفضيل بن عياض غلَّب جانب الرضا والصبر، بينما النبي -عليه الصلاة والسلام- جمع بين الرحمة والصبر والرضا، فكان موقف النبي -عليه الصلاة والسلام- أعظم من موقف الفضيل بن عياض، فيعني ليس المطلوب من الإنسان مثلاً عندما يبتلى بمصيبة أنه يضحك، لا! وإنما يعني يجمع بين هذه المعاني، إذا كانت مثلاً المصيبة في فقد أحد يكون فيه الرحمة، فيجمع بين الرحمة وبين الصبر وبين الرضا، فكان موقف النبي -عليه الصلاة والسلام- أكمل وأتم من موقف الفضيل بن عياض.

 

[حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مهدي حدثنا ابن أبي يعقوب عن ابن أبي نعم قال كنت شاهدا لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال ممن أنت فقال من أهل العراق قال انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وسلم وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول هما ريحانتاي من الدنيا] نعم هذا ابن عمر لما أتاه رجل يسأله عن دم البعوض هل هو طاهر أو نجس!، فابن عمر يعني استغرب، لأن السائل من أهل العراق، وقد قتلوا الحسين بن علي، فقال: انظر إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي -صلى الله عليه وسلم-!، وفي رواية: (واعجباً لكم يا أهل العراق تقتلون الحسين وتسألون عن دم البعوض)، وهذا يقال توبيخاً لمن سأل عن الشيء الصغير، وقد ارتكب الشيء الكبير، فهذا يعني أنكره ابن عمر على هذا السائل، وقال: وقد سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "هما -يعني الحسن والحسين- ريحانتاي من الدنيا"، يعني ابنته أكرمني الله بهما وحباني بهما، فهما من جملة الرياحين في الدنيا، لأن الأولاد يعني يشمون ويقبلون، فكأنه يقول أنهما نصيبي من الريحان الدنيوي، ومن فوائد هذا الحديث:

الإنكار على من يقع في الكبيرة ويسأل عن الصغيرة، فينكر عليه، وهذا حصل لبني اسرائيل، بنو اسرائيل الذين مع موسى عبدوا العجل، وكانوا لما لحق بهم فرعون أخذوا حليًّا معهم، قالوا إنا حُمِّلنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها، فيعني هذا الحليِّ الذي أخذوه من فرعون، فرعون فعل بهم ما فعل، قالوا لا يمكن هذا الحلي الذي أخذناه يمكن أنه حرام، وهم يعبدون العجل!، فيسألون عن هذا الحلي، وأخذوا هذا الحلي وقذفوه، فأخذها السامري وحصل ما حصل مما قصه الله -تعالى- عنهم في سورة طه، لكن يعني وقعوا في الكبير ويتورعون ويحترزون من الصغير، وقعوا في الشرك الأكبر، عبدوا العجل، وتحرزوا من هذا الحلي الذي أخذوه من آل فرعون، ﴿وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ يعني آل فرعون ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أخذوا هذا الحلي الذي أخذوه من آل فرعون وقذفوه، ﴿فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾[طه: 87]، أخذها السامري وصنعها على شكل عجل له خوار، وقال هذا إلهكم، فعبدوه!. فيعني بعض الناس عنده شيء من عدم التوازن، يقع في الكبير ويسأل ويحترز ويتورع عن الشيء الصغير، فهذا موجود في جملة البشر، كما حصل من بني اسرائيل، وكما هنا أنكر ابن عمر على أهل العراق، "واعجباً لكم يا أهل العراق تقتلون الحسين وتسألون عن دم البعوض"، فهنا هذا يعني الذي ذكره البخاري لهذا الرجل لأنه من أهل العراق، ويظهر أن الوقت الذي سأل فيه عن دم البعوض كان قريباً من مقتل الحسين، فقال له هذه المقولة.

 

[حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني عبد الله بن أبي بكر أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته قالت جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار] نعم وساقه مسلم في صحيحه برواية أخرى وبلفظ آخر، أن عائشة لما أتتها هذه المرأة المسكينة تستطعمها، قالت: فأعطيتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة من ابنتيها تمرة، ورفعت التمرة الثالثة إلى فيها، فاستطعمتها ابنتاها، فأخذت هذه التمرة وشقتها نصفين، وأعطت كل واحدة من ابنتيها نصف تمرة، ولم تأكل شيئاً، قالت: فأعجبني شأنها، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار". وهذا الحديث فيه عدة فوائد منها:

أولاً فضل الإحسان، وأن الإحسان منزلته عليَّة، فإن هذه المرأة أحسنت بتمرة واحدة إلى ابنتيها، ومع ذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله قد أوجب لها بها الجنة"، فمقام الإحسان مقام عظيم، خاصة الإحسان إلى الضعفاء والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام، هذا ثوابه عظيم، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وكالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر"، فهذه الطبقة من المجتمع طبقة الضعفاء من الأرامل واليتامى والفقراء والمساكين، الإحسان إليهم فيه الأجر العظيم والثواب الجزيل، وكلما كان الإنسان أشد ضعفاً وأكثر تعففاً كان الأجر أعظم، يعني من يسأل إن لم تعطه أنت يعطه غيرك، لكن من لا يسأل، هذا الفقير المتعفف، هذا هو الذي ينبغي أن نبحث عنه، وهذا الذي الإحسان إليه فيه الأجر العظيم، ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273]، الجاهل إذا رآهم يراهم بملابس نظيفة، ولا يسألون ولا يتحدثون ولا يتسخطون ولا يتشكون، الجاهل يقول هؤلاء أغنياء بسبب تعففهم، يظنهم أغنياء، ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، هذه الشريحة ينبغي أن نبحث عنها، ففي الإحسان إليها الأجر العظيم، كذلك أيضاً هؤلاء الأطفال الصغار، هذه المرأة أحسنت لطفلتين فقيرتين مسكينتين، مع أنها أمهم، ومع ذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله قد أوجب لها بها الجنة"، وهنا في رواية البخاري قال: "من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار"، وهذا فيه تأكيد لحق البنات، لما فيهن من الضعف غالباً عن القيام بمصالح أنفسهن، بخلاف الذكور فالذكور عندهم قوة البدن وإمكان التصرف أكثر من البنات، ولأنه أيضاً كان قد شاع عند بعض العرب وأد البنات ودفنهن وهن أحياء، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8،9]، فالإسلام أبطل هذا وحرمه، وأمر بالإحسان إلى البنات، وهنا قال -عليه الصلاة والسلام-: "من بلي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار"، وهنا قال: "من بلي"؛ وقال النووي: (سماه ابتلاء لأن الناس يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورغب في هذا، وذكر الثواب لمن أحسن إليهن). وهذا يدل على أن من كان عنده بنات فأحسن إليهن أنهن يكن له ستراً من النار، وأنه مأجور على الإحسان إلى هؤلاء البنات، أولاً الإحسان إليهن برعايتهن، وبالإنفاق عليهن، وأيضاً الإحسان إليهن بتعليمهن أمور دينهن، فإن هذا من أعظم الإحسان، أن يعلَّمن أمور دينهن، أن يعلَّمن الحجاب والستر والحشمة والعفاف، هذا من أعظم ما يكون من الإحسان.

أيضاً من فوائد هذا الحديث أن الإنسان قد يعمل أعمالاً يسيرة في نظره، لكن يرتب عليها أجر عظيم، يعني هذه المرأة هل كان يخطر ببالها أن هذه التمرة لما شقتها بين ابنتيها نصفين أن الله يوجب بسببها الجنة لها، فالإنسان لا يدري قد يعمل العمل الصالح ولا يدري قد يكون بعضه يكتب له بسببه أجر عظيم، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه"، كلمة واحدة ما يلقي لها بالاً، يعني يتكلم بها في مجلس ولا يبالي بها لكنها من رضوان الله، بعض أهل العلم يعني بعض الشراح قالوا: إنها الكلمة التي تقال في مجلس السلطان دفاعاً عن عرض مسلم، هذه هي الكلمة التي يكتب الله -تعالى- للإنسان بسببها رضوانه إلى يوم يلقاه، إذا قُدح في شخص وطُعن في عرضه في مجلس السلطان، فأتى أحد الحاضرين ودافع عنه، قالوا إن هذه هي الكلمة، ويظهر أن هذا مثال يعني لا ينحصر ذلك فيها، وإنما هي مثال للكلمة التي تقال من رضوان الله، في المقابل أيضاً يحذر الإنسان من المعاصي، فإنها قد تكون معصية لا يبالي بها الإنسان يكتب الله -تعالى- سخطه، وكما في الحديث أيضاً: "إن العبد ليتكلم الكلمة لا يلقي لها بالاً يكتب الله تعالى بها سخطه إلى يوم يلقاه"، فالإنسان ينبغي أن يحترز من المعاصي وأن يكثر من الأعمال الصالحة، فإنه لا يدري فإن بعضها قد تقع عند الله -عز وجل-موقعاً عظيماً.

 

[حدثنا أبو الوليد حدثنا الليث حدثنا سعيد المقبري حدثنا عمرو بن سليم حدثنا أبو قتادة قال خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلى فإذا ركع وضع وإذا رفع رفعها] نعم ذكر المصنف هذا ليبين رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- بولد الولد، أمامة هي بنت أبي العاص بن الربيع، وهي بنت بنته زينب، بنت بنته، وكانت طفلةً، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي بالناس صلاة العصر، فكان وهو قائم يحملها وهو يصلي بالناس، فإذا ركع وضعها، فإذا قام للركعة التي بعدها حملها، مع أنه في صلاة فريضة، وهذا يدل على رحمة النبي -عليه الصلاة والسلام- بالأطفال، وملاطفته لهم، وأيضاً يدل على أن مثل هذا العمل أنه لا يؤثر على صحة الصلاة، لأن كونه يحمل الطفلة ثم يضعها، ثم في الركعة الثانية يقوم ويحملها، ثم يضعها، هذه حركات لكنها لا تؤثر على صحة الصلاة، وبهذا يتبين خطأ قول بعض العامة أن ثلاث حركات تبطل الصلاة، هذا شائع عند بعض العامة، هذا غير صحيح، فالحركة التي تبطل الصلاة هي الحركة الكثيرة المتوالية عُرفاً لغير ضرورة، هذا هو ضابط الحركة المبطلة للصلاة، الحركة الكثيرة المتوالية عرفاً لغير ضرورة، فإن كانت حركة يسيرة فإنها لا تبطل الصلاة، إن كانت كثيرة لكنها غير متوالية فإنها لا تبطل الصلاة، إن كانت كثيرة ومتوالية لكنها للضرورة فإنها لا تبطل الصلاة، إنما الحركة الكثيرة التي يعني لو رأيت إنسان ما تدري هل هذا يصلي أو ما يصلي من كثرة حركته، هذه هي الحركة التي تبطل الصلاة، ولذلك إن الحركة اليسيرة لا تضر، النبي -عليه الصلاة والسلام- هنا يحمل ابنة ابنته أمامة، يحملها في صلاة العصر، فإذا ركع وضعها، الوضع فيه حركة، وإذا قام حملها، فيه حركة، وفتح الباب لعائشة، ولما كان في صلاة الكسوف تقدم فتقدمت الصفوف، ثم تأخر فتأخرت الصفوف، فهذه الحركات لا تضر، حركات إما أنها يسيرة أو كثيرة لكنها غير متوالية، ولذلك بعض الناس مثلاً تجد أن الهاتف الجوال الذي معه يأتيه إتصال ويزعج الناس، ومع ذلك ما يطفئ هذا الإتصال، ظنًّا منه أن هذه الحركة تؤثر على صحة الصلاة، هذا غير صحيح، أطفئ الجوال ولا يضر هذا، هذه الحركة عندما تحرك يدك لإطفاء الجوال لا تضر، هذه حركة يسيرة ليست بأكثر من حمل النبي -عليه الصلاة والسلام- لابنة ابنته، ثم وضعها ثم حملها ثم وضعها في كل ركعة، أيضاً عندما يكون الإمام مثلاً؛ يشوش المكبر -مكبر الصوت-، يصدر أصواتاً، لا بأس أن يحركه أو أن يطفئه أو أن يصلحه لا بأس، هذا كله لا يؤثر على صحة الصلاة، فمثل هذه الحركات إذا كانت لحاجة لابأس، لا بأس بهذه الحركات، وبذلك يتبين أيضاَ خطأ مبالغة بعض العامة، واعتقادهم أن ثلاث حركات أنها تبطل الصلاة هذا غير صحيح، لكن مع ذلك أيضاً لا يتحرك الإنسان إلا لحاجة، أما حركة بعض الناس لغير حاجة فهذا أيضاً من مكروهات الصلاة، وإذا كثرت قد تبطل الصلاة، فبعض الناس إذا كبَّر يبدأ يتحرك، تارة ينظر ساعته، وتاره لجواله، وتارة يصلح شماغه، وتارة يتحرك بيديه، فهذا من مكروهات الصلاة، لأن هذا عبث، لكن إذا تحرك لحاجة لا بأس، تحرك لإطفاء الهاتف الجوال، تحرك مثلاً إذا كان معه زكام وأخذ منديلاً، تحرك إذا كان إمام المسجد لإصلاح اللاقط أو مكبر الصوت، كل هذا لا بأس به، فالحركة التي لحاجة وإن كثرت لكن بشرط ألا تكون متوالية، فهذه لا تضر ولا تبطل الصلاة.

طيب؛ لو كنت تصلي وناداك أحد الناس؛ يا فلان يا فلان وأنت تصلي، ماذا تقول؟! يسبح، يقول سبحان الله، إذا ناداه أحد يا فلان يا فلان؛ يقول سبحان الله سبحان الله، يرفع صوته، وحتى لو كان في الفريضة، أو في النافلة، سبحان الله سبحان الله، وإذا كانت امرأة تصفق.

 

[حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال من لا يرحم لا يُرحم]

[حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن هشام عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال تقبلون الصبيان فما نقبلهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوَ أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة]

نعم، هذا الأقرع بن حابس كان من الأعراب، وهو من المؤلفة قلوبهم، ثم أسلم وحسن إسلامه، وفيه نزل أول سورة الحجرات، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4]، كان يقول يا محمد يا محمد، فأنزل الله هذه الآية، أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- ينبغي التأدب معه، ما ينادى باسمه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾، لكنه حسن إسلامه فيما بعد، فلما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل الحسن قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، يعني من الجفاء والغلظة والقسوة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- نظر إليه متعجباً، كيف هذا!، قال: "من لا يرحم لا يُرحم"، وفي الرواية الأخرى: " أوَ أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة"، كيف يكون عندك أطفال ما تقبل منهم أحداً!، أين الرحمة!، أين الشفقة!، أين الملاطفة!، أين الإحسان لهؤلاء الأطفال!، فأنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، فدل ذلك على استحباب الإحسان والرحمة للأطفال، وملاطفتهم وتقبيلهم وممازحتهم، وأن هذا كله من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن خلقه، فكان -عليه الصلاة والسلام- يلاطف الأطفال ويمازحهم، كما مر معنا في الحديث السابق، ويلاطفهم ويتحمل بعض ما يفعلون، مثل قصة الطفلة التي مرت معنا قبل قليل، تلعب بخاتم النبوة، فلما نهرها أبوها قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "دعها"، فجعل يلاطفها "أبلي وأخلقي أبلي وأخلقي"، فهذا من كريم خلق النبي -عليه الصلاة والسلام-، فينبغي الإقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع الأطفال، في ملاطفتهم وممازحتهم وتقبيلهم والإحسان إليهم، فليس هناك هدي أكمل من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك أنكر على الأقرع بن حابس، أنكر عليه وقال أوَ أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، من لا يرحم لا يُرحم، فاعتبر -عليه الصلاة والسلام- أن تقبيل الطفل أنه من باب الرحمة، وهذا هو المتقرر في شريعة الإسلام، في بعض الثقافات عند بعض بلاد الغرب أن تقبيل الطفل يعاقبون عليه، يعتبرونه نوع من التحرش وهذا غير صحيح، هذا طفل، فتقبيله تقبيل ملاطفة، وخال من الشهوة، فهو من باب الرحمة والملاطفة، ولذلك لا يخطر ببال هذا الذي يقبل هذا الطفل أصلاً الشهوة، فهذا يبين يعني انحراف أصحاب هذه الثقافات عن الفطرة السوية، ففي شريعتنا أن تقبيل الأطفال أنه من الأمور المندوب إليها، وهو من خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يفعله مع الأطفال، بل أنكر على من لا يفعل ذلك، وهو الأقرع بن حابس، وقال أوَ أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، وبهذا يتبين عظمة هذه الشريعة وموافقتها للفطرة السوية.

 

[حدثنا ابن أبي مريم حدثنا أبو غسان قال حدثني زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم أترون هذه طارحة ولدها في النار قلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال لله أرحم بعباده من هذه بولدها] الله أكبر، نعم هذه القصة قصة عظيمة، أنه قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- سبي، يعني قد استُرقُّوا في غزوة، فإذا امرأة من السبي تحجر اللبن في صدرها واجتمع، فكانت إذا وجدت صبيًّا أرضعته لأجل أن يخف اللبن المتحجر في صدرها، كلما وجدت صبي أرضعته، كلما وجدت صبي أرضعته، حتى وجدت ابنها، فلما وجدت ابنها أخذته وألصقته بصدرها وضمته، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال للصحابة: أترون هذه طارحة ولدها في النار! وهي بهذه الرحمة!، قالوا: لا، قال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها"، انظر إلى عظيم رحمة الله -عز وجل- في عباده، يعني هذه المراة التي فقدت ابنها وهي تبحث عنه وتبحث وتبحث، لما وجدته أخذته وضمته وألصقته بصدرها، يعني ما ظنك بهذه الرحمة!، رحمة عظيمة، رحمة الله بعباده أعظم من رحمة هذه بولدها، فالله -تعالى- هو أرحم الراحمين، ورحمته وسعت كل شيء، ومن أسمائه الرحمن الرحيم، الرحمن على صيغة فعلان، وهي من صيغ المبالغة، وهي تدل على الرحمة العظيمة، والرحيم يعني الرحمة الخاصة بالمؤمنين، فالله -تعالى- له الرحمة العظيمة، وهي صفة من صفاته اللائقة بجلاله وعظمته، ليست كرحمة المخلوقين، وقد أنكرتها طوائف، أنكروا صفة الرحمة، وقالوا: هي النعمة، أو إرادة الخير بالإنسان، لكن هذا قول باطل، الصواب ما عليه أهل السنة والجماعة من أنها رحمة حقيقية، تليق بالله -عز وجل-، ليست كرحمة المخلوقين، وإنما على الوجه اللائق بالله -سبحانه وتعالى-، وهو -عز وجل- أرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده من الأم بولدها، ولكن الله -تعالى- هو رحمن رحيم وأرحم بعباده من الأم بولدها، لكنه شديد العقاب ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: 98]، فهو رحيم بمن أقبل إليه، وأناب إليه وأطاعه، لكنه في حق من عصاه شديد العقاب، فلا يغلِّب الإنسان جانباً على جانب، لأن بعض الناس يأخذ هذه الأحاديث ويغلبون جانب الرجاء، فيقعون في الأمن من مكر الله، وهذا مما وقعت فيه بعض الطوائف كالمرجئة، وأيضاً في المقابل لا يغلب أحاديث الوعيد فيقع في اليأس من رحمة الله، وأيضاً هذا مما وقعت فيه بعض الطوائف، والذين كفَّروا مرتكب الكبيرة وقالوا أنه مخلد في النار، وإنما نقول إن الله كما قال الله -تعالى-: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: 98]، فهو شديد العقاب في حق من عصاه، لكنه غفور رحيم في حق من أطاعه وأناب إليه.

 

* * *

  • باب جعل الله الرحمة مائة جزء

 

[حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرنا سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه] نعم، قال جعل الله الرحمة في مائة جزء، وفي لفظ آخر في الصحيحين: "خلق الله مائة رحمة"، وهذا الحديث لابد أن نفهمه على وجهه الصحيح، فنقول الرحمة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الرحمة التي هي صفة لله، وهي قديمة غير مخلوقة، مطلقة غير مقيدة، لا يتعتروها عد ولا إحصاء، ولا تجزئة ولا تقسيم، فهي من صفات الله -عز وجل-، فلا يقال إنها مائة جزء أو أنها أكثر أو أقل أو أنها كذا، هي من صفات الله -عز وجل- كسائر صفاته، كسمعه وبصره وكلامه وسائر صفاته، فهذه غير مخلوقة، صفات الله غير مخلوقة.

القسم الثاني: الرحمة التي هي صفة فعل وليست صفة ذات، وهذه هي المقصودة في هذا الحديث، وهي مخلوقة، خلقها الله -تعالى- لعباده ومخلوقاته، وأرسلها فيهم فبها يتراحمون، لكنها ليست صفةً لله، بل هي فعل من أفعاله، وتنقسم إلى مائة جزء، جعل الله -تعالى- منها في الأرض رحمة واحدة، وادخر تسعةً وتسعون جزءًا إلى يوم القيامة، فبها يتراحمون.

فإذاً هذه الرحمة المذكورة في الحديث ليس الرحمة التي هي من صفات الله، فانتبهوا للفرق، عندنا الرحمة إذاً قسمان، قسم الذي هو من صفات الله -عز وجل-، هذه غير مخلوقة، هذه من صفات الله -سبحانه وتعالى- كسائر الصفات، القسم الثاني الرحمة التي هي صفة فعل، هذه مخلوقة، جعلها الله -تعالى- بين العباد، فبها يتراحمون في الدنيا وادخر بقية الأجزاء إلى يوم القيامة، فبها يتراحمون يوم القيامة، كيف يتراحمون وكيف يكون ذلك!؟ الله -تعالى- أعلم، لكن نؤمن بهذا الحديث كما ورد، وهذا يدل على عظمة الله -عز وجل-، كيف أنه -سبحانه وتعالى- يتصف بصفة الرحمة العظيمة، فهو الرحمن الرحيم، وكيف أنه خلق الرحمة مائة جزء، وجعل جزءًا منها في الأرض يتراحم به الناس، وكذلك أيضاً تتراحم به الحيوانات، ولهذا قال: "فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه"، وإنما خصَّ الفرس بالذكر من بين سائر الحيوانات؛ يقولون لأنها أشد الحيوان المألوف الذي يراه الناس ويرون حركته مع ولده، وهو سريع التنقل خفيف، ومع ذلك نجد أن الفرس ترفع حافرها عن ولدها، وتتجنب أن يصل الضرر منها إلى ولدها، فهذا من هذه الرحمة التي جعلها الله -تعالى- في الأرض بين الخلائق، وادخر تسعة وتسعين جزءًا إلى يوم القيامة، فكيف يتراحم بها الخلق يوم القيامة! الله -تعالى أعلم، لكن هذا ليس له علاقة بالرحمة التي هي من صفات الله -عز وجل-، إذاً الرحمة التي من صفات الله هي رحمة حقيقية ليست كرحمة المخلوقين، خلافاً للأشاعرة والمعتزلة وكثير من الفرق الذين أوَّلوها، تجد حتى شراح أو كثيراً من شراح صحيح البخاري إذا أتت صفة الرحمة أوَّلوها، ابن حجر والنووي وابن بطال والكرماني كلهم إذا أتت الرحمة قالوا إرادة الخير للإنسان، وإرادة الإحسان، هذا كله غير صحيح، إنما هي رحمة حقيقية، والسبب الذي حملهم في هذا هو أنهم يقولون ذلك حتى لا يشبِّهوا الله بخلقه، ولكن نقول ليس فيها تشبيه الله بخلقه، إذا قلنا لله رحمة حقيقية على ما تليق به، ليس في هذا تشبيه لله بخلقه، كما أننا نقول الله -تعالى- له ذات، والإنسان له ذات، ذات الله غير ذات الإنسان، الله له سمع والإنسان له سمع، سمع الله غير سمع الإنسان، الله له بصر والإنسان له بصر، بصر الله غير بصر الإنسان، فالرحمة كذلك، الله له رحمة على الوجه اللائق به، وهي رحمة حقيقية والإنسان له رحمة على ما تليق به، فتجدون في شراح البخاري وغيره هذا التأويل للرحمة، هذا التأويل باطل، الصواب ما عليه الصحابة والتابعون من إثبات الرحمة الحقيقية على الوجه اللائق بالله -عز وجل-، وهي صفة من صفاته وهي ليست مقصودةً في هذا الحديث، ليست مقصودة في هذا الحديث، إنما هي التي ذكر الله -تعالى-، نقرأها في سورة الفاتحة ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ ، الرحمن، فهي صفة حقيقية اتصف الله بها واشتق منها بعض أسمائه، اسم الرحمن واسم الرحيم، أما هذه الرحمة المذكورة في هذا الحديث فهي رحمة مخلوقة.

 

* * *

 

  • باب قتل الولد خشية أن يأكل معه

 

[حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قال ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك وأنزل الله تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية] نعم أي الذنب أعظم!، يعني أعظم الذنوب قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" يعني الشرك بالله، الشرك بالله هو أعظم ذنب عصي الله به، ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ [النساء: 116]، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]. فالإنسان إذا مات على التوحيد فمآله للجنة، حتى وإن دخل النار، معتقد أهل السنة والجماعة أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وأن مرتكب الكبيرة مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته في الدنيا، وفي الآخرة تحت مشيئة الله لكنه لا يخلد في النار، انظر إلى فضل التوحيد، من مات على التوحيد مآله للجنة حتى وإن عذب في النار ما شاء الله، لكن من مات على الشرك هذا حرم الله عليه الجنة، ولا تعتقد أن الشرك أن الإنسان ينكر وجود الله! لا، الأمم التي أُرسلت لها الرسل، قوم نوح وعاد وثمود وهذه الأمم ما كانوا ينكرون وجود الله، كانوا يقرون بأن الله الخالق الرازق المدبر للكون، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25]، لكن جعلوا بينهم وبين الله وسائط، قالوا هذه وسائط، هذه أصنام أناس صالحين، نريد أن تشفع لنا عند الله، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: 3]، طيب؛ مالفرق بين هؤلاء وبين من يأتي للقبر ويقول هذا قبر إنسان صالح أريد أن يشفع لي عند الله؟! هل فيه فرق!؟ ما فيه فرق، فالذين يطوفون بالقبور ويسألون أصحاب القبور قضاء الحاجات وتفريج الكربات هذا هو الشرك الأكبر، هذا هو الشرك الأكبر الذي من وقع فيه لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وحرم الله عليه الجنة، فهو أعظم الذنوب، قال: قلت ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك"، وهذا كان موجوداً عند العرب، فكانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر، ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31]، وبعضهم يعني يقتل أيضاً خشية العار، يقتل البنات، وأد البنات، ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8،9]، هذه كانت عادات سيئة عند العرب، فأبطلها الإسلام، قال: قلت ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، الزنا حرام لكن إذا كان بزوجة الجار كان أشد حرمة، لأن الجار له حق الجوار، فإذا خانه الإنسان، خان جاره وزنا بإمرأته، كان ذنبه أعظم وأشد، ولذلك جاء في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن من أعظم الناس ذنباً رجل زنا بإمرأة رجل من المجاهدين في سبيل الله فيأتي يوم القيامة ويقال له خذ من حسناته ما شئت". فما ظنكم! يعني هذا الذي زنا بإمرأة جاره، وجاره ذهب مجاهداً في سبيل الله، يؤتى به يوم القيامة، يؤتى بجاره هذا ويقال خذ من حسنات هذا الزاني ماشئت، فما ظنكم هل سيبقي له لو حسنة واحدة!؟ سيأخذ حسناته كلها، وهذا الحديث في صحيح مسلم، فالزنا وإن كان من كبائر الذنوب، إلا أن الزنا بحليلة الجار أعظم ذنباً وإثماً، قال: وأنزل الله تصديق قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ، الآية التي في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 68،69،70].

* * *

ونكتفي بهذا القدر، ونجيب عن الأسئلة إن شاء الله بعد الأذان.

 

مما يقال من الأذكار التي تقال مع الأذان: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا، وهذه قال عنها النبي -عليه الصلاة والسلام-: "من قال حين يسمع الأذان رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاغفر له"، وهذا في صحيح مسلم، لكن أين موضعها؟ اختلف العلماء فمنهم من قال أنه يقال بعد الفراغ من الأذان، وقال آخرون إنها تقال بعد قول المؤذن أشهد أن محمداً رسول الله في المرة الثانية، وهذا هو القول الراجح، واختاره شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، لأن هذا هو ظاهر الحديث، فإنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا إلا غفر له"، فإذاً بعد قول المؤذن أشهد أن محمداً رسول الله المرة الثانية، يشرع أن تقول: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا، ويتابع المؤذن إلا في الحيعلتين، يعني حي على الصلاة حي على الفلاح، فيقال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم بعد الفراغ من الأذان، يقول اللهم صلِّ وسلم على رسولك محمد، لقوله: "ثم صلوا علي"، ثم يقول: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته. أما الزيادة: (فإنك لا تخلف الميعاد) فهذه رويت في حديث ضعيف، فلا تقال، إنما يكتفى بقول: وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته، من غير زيادة إنك لا تخلف الميعاد.

 

* * *

 

ما حكم التصدق عن الغير بمالي؟

التصدق عن الغير؛ يعني إذا كان هذا الغير ميتاً، فمعنى ذلك أنك قصدت إهداء ثواب الصدقة لهذا الميت بمالك، فهذا لا بأس به، وثواب الصدقة يصل للميت، وأما إذا كان حيًّا فلابد من استئذانه، لأن بعض الناس قد لا يرضى بأن تتصدق عنه، إلا إذا علمت أنه لن يمانع، عرفته بشخصيته أنه لن يمانع، وأنه سيفرح بذلك، هنا لا بأس، لكن إذا كان يحتمل أن يقبل ويحتمل أن لا يقبل، فلابد من إذنه بذلك، أما بالنسبة للميت؛ فلاشك أن الميت سيقبل بهذا، لأنه بحاجة للعمل الصالح، ولذلك فهذا من باب إهداء ثواب الصدقة للميت، لكن أقول ينبغي عدم المبالغة في هذا، لأن بعض الناس عنده ولع بإهداء الثواب للأموات وينسى نفسه، بعض الناس كلما حج؛ حج عن غيره، اعتمر؛ اعتمر عن غيره، تصدق؛ تصدق عن غيره، بل بعضهم إذا قرأ القرآن أهدى الثواب لغيره، طيب وأنت! نفسك!، وأذكر مرة في الحرم أن أحدهم يقول كل العمر التي اعتمرها كلها عن الغير، طبعاً إلا العمرة الواجبة، اعتقاداً منه أنه يحصل له نفس الثواب، قلت أنت الآن تقول لربك يا ربي ثواب هذه العمرة أعطه فلان، فالثواب ينصرف إلى فلان، أما أنت فتؤجر على نيتك، على صلاتك التي تصليها، على دعائك يكون لك، لكن ثواب العمرة يكون لفلان، فبعض الناس عنده هذه المبالغة وهذا لا ينبغي، لكن من كان له عليك حق كالوالدين هنا لا بأس، تتصدق عنهم، تعتمر عنهم، تهدي لهم ثواب بعض القرب، لكن غيرهم كما أن هذا الغير بحاجة لعمل صالح فأنت أيضاً بحاجة لعمل صالح، وأنت عما قريب ستكون مثله، ستكون من جملة الأموات، لكن هي فقط مسألة تقدم وتأخر، هذا تقدم عليك في الزمن، وأنت ستتبعه، فالجميع بحاجة لعمل صالح، فينبغي عدم المبالغة في مسألة إهداء الثواب للأموات، ولهذا يقول -عليه الصلاة والسلام-: "إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"، اقتصر على الدعاء فقط، ما ذكر أموراً أخرى، وما نُقل هذه المبالغة في إهداء القرب للأموات عن الصحابة أنهم كانوا يبالغون في ذلك، نُقلت عن أفراد فقط، فينبغي عدم المبالغة في هذا.

 

 

إذا نهي عن نداء النبي باسمه هل يقاس على ذلك العلماء؟

طبعاً النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يقاس عليه غيره، له مقام عظيم، لكن من باب الأدب أن من له عليك حق لا تناديه باسمه مجرداً، مثل أبيك مثلاً وأمك، ما تنادي أباك باسمه يا فلان، لو كان أبوك اسمه محمد تقول يا محمد!، لا، إنما تقول يا أبتي، ونحو ذلك، لأن نداءك له باسمه فيه نوع من عدم الإحترام والتأدب معه، كذلك أيضاً لو كان عالماً كبيراً ما ينادى باسمه، ينادى مثلاً بالتلطف معه، يا شيخ فلان أو يا أبا فلان ونحو ذلك، بل حتى لو كان كبيراً في السن مثلاً، من جيرانك أو أرحامك فتلقبه، أو تناديه بكنيته، يا أبا فلان، فما تناديه باسمه المجرد، فهذه تدخل في جملة الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها الإنسان، ولذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يكنِّي حتى الصغار، "هذا سنا يا أم خالد هذا سنا" وهي طفلة، ومع ذلك قال يا أم خالد، "يا أبا عمير ما فعل النغير" وهل طفل صغير يا أبا عمير، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يتلطف في مناداته ومخاطبته لأصحابه، فينبغي للإنسان أن يحرص على أن يختار الطيب من القول في تعامله مع الآخرين، وأن يكون لسانه رطباً بالكلمات الطيبة والحسنة، وأن يبتعد عن الفضاضة والغلظة والكلمات السيئة، وإنما يكون دائماً حريصاً على كريم الخلق وعلى انتقاء الطيب من القول.

 

* * *