الخثلان
الخثلان
الفائدة 256
23 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 98

لطائف الفوائد / من الفائدة 256

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس الدرس السابع عشر لهذا العام في هذا اليوم الأثنين الثاني والعشرين من شهر جمادى الأولى من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، نبدأ أولاً بالتعليق على لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (256) (مقياس حسن الخلق) نستمع أولاً للفائدة:

 

فائدة: مقياس حسن الخلق

إذا أردت أن تعرف خلق إنسان، فانظر إلى كيفية تعامله مع خادمه، وليس مع رؤسائه ووجهاء الناس، فإذا كان حسن التعامل مع خادمه، فهذا دليل على تأصل حسن الخلق لديه، وقد جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ فقال: "اعفُ عنه في كل يوم سبعين مرة".

نعم، إذا أردت أن تعرف حقيقة أخلاق إنسان؛ فلا تنظر إلى تعامله مع رؤسائه، ولا مع وجهاء الناس، لأنه قد يتصنع حسن الخلق لأجل تحقيق المصلحة، ولكن انظر إلى تعامله مع الخدم وأيضاً تعامله مع الفقراء والمساكين، كيف يتعامل معهم!، فإذا كان كريم التعامل وحسن الخلق مع الخدم الذي له عليهم سلطة فمعنى ذلك أن حسن الخلق متأصل لديه، فهذا هو المقياس، فبعض الناس يرى أن بعضهم حسن التعامل لكن مع الوجهاء، أو مع مديره في العمل، أو مع من له عليه سلطة، هذا لا يعتبر مقياساً، المقياس هو التعامل مع من لك عليه سلطة، كالخدم والعمال، وأيضاً كذلك التعامل مع الفقراء والمساكين، فإذا كان الإنسان يحسن التعامل معم؛ هذا يدل على أنه حسن الاخلاق حقيقةً، وهذا هو كان تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع خدمه، كما جاء في الصحيحين عن أنس -رضي الله عنه- قال: "خدمت النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا". فانظر إلى حسن خلق النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكيفية تعامله مع خدمه، وفي حديث ابن عمر: جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟، يعني كم نعفو عنه في اليوم من مرة؟ قال: "اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة"، هذا حديث صحيح أخرجه أبو داوود والترمذي،  وقوله "سبعين مرة" ليس على سبيل التحديد، وإنما التكثير، هذا من أساليب العرب، إذا قالوا افعل الشيء سبعين مرة، المقصود يعني بدون حد، ولذلك قال الله -تعالى- عن المنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾[التوبة: 80]. وجاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "لو أعلم أنني لو استغفرت لهم أكثر من سبعين مرة غُفر لهم لفعلت"، ولكن المراد التكثير لا التحديد، فيكون المعنى: اعفُ عن الخادم من غير حد بعدد معين، اجعل ذلك خلقاً لك في تعاملك مع الخدم، الخادم يبقى بشراً، تعتريه حالات الضيق والمرض والتعب، فهو ليس آلة تجدها كل يوم وفق ما تريد، يعتريه ما يعتري البشر، فربما أنه في بعض الأحيان لم يؤدي العمل المطلوب على الوجه الأكمل، فينبغي التسامح، والتغاضي عن الهفوات، والعفو عنه، وإشعاره بالإحترام والتوقير، هذا هو المطلوب، هذه هي الأخلاق المطلوبة، ومن يفعل ذلك فهو مع غيره من باب أولى، إذا أحسن التعامل مع الخدم، فسيتعامل مع غيرهم بخلق كريم من باب أولى، ومن حسن التعامل مع الخدم؛ المبادرة إلى إعطائهم أجرهم كاملاً من غير تأخير، وأما بخسه حقه أو بعض حقه أو تأخير إعطائه أجره؛ فهذا لا يجوز، هذا نوع من الظلم له، إلا أن يكون برضاه أو برغبة منه، أما إذا لم يرضى بذلك فهذا لا يجوز، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "مطل الغني ظلم"، وأيضاً ورد في شأن المماليك وهم مماليك يباعون ويشترون، قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إخوانكم خولكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم"، فهنا أرشد النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى أنه أيضاً ينبغي التعامل مع هؤلاء مع أنهم مماليك؛ أن يطعمهم الإنسان مما يطعم، ويلبسهم مما يلبس، ويعينهم، ولا يكلفهم ما لا يطيقون، فكيف بأحرار ليسوا مماليك!، ولكن ألجأتهم ظروف العمل إلى الخدمة لديك، فينبغي للإنسان أن يحسن التعامل معهم، وأن يكرمهم؛ لأنه إذا أكرمهم عملوا بإتقان، وعادت الفائدة عليه، أولاً: الأجر والثواب من الله -عز وجل-، ثانياً: أنهم يحسنون العمل ويتقنونه، ويكون ولاؤهم لصاحب العمل، فهذه من فوائد إحسان التعامل مع هؤلاء الخدم.

الخادم حتى وإن كان كافراً، والله -تعالى- يقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾[الإنسان: 8]، والأسير وقت نزول الآية كان غير مسلم، فأثنى الله على من أحسن إليهم بالإطعام، وهذا لا ينافي عقيدة البراء، البراء متعلق بالمحبة القلبية، فهذا يجب بغض من كفر بالله، يجب بغضه وعدم محبته، ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[المجادلة: 22]، لكن هذا لا يمنع من إحسان التعامل معه، ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، ومن الإحسان إليه أن يدعوه لإعتناق الإسلام، وأن يرغبه في ذلك، وحتى لو أعطاه أيضاً مالاً، بل إذا وجد منه ميلاً للإسلام يجوز أن يعطيه من الزكاة، يكون من المؤلفة قلوبهم، فمن الإحسان العظيم إليه أن يدعوه للإسلام، فإحسان التعامل معهم مطلوب، وإن كان هذا لا ينافي عقيدة البراء.

* * *

فائدة: من الأدعية النافعة للمريض

عن عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- أنه شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعاً يجده منذ أسلم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل (باسم الله) ثلاثاً، وقل سبع مرات: (أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)".

 نعم، هذا إرشاد من النبي -صلى الله عليه وسلم- للمريض، بأن يضع يده على موضع الألم، ويقول: (بسم الله) ثلاثاً، يعني ثلاث مرات، ثم يقول: (أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) [رواه مسلم] بهذا اللفظ، أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، ويكررها سبع مرات، فإذا فعل ذلك بيقين فإن هذا من أسباب الشفاء، لكن يفعل ذلك بيقين، فهذه من الرقية الشرعية، من الرقية الشرعية أن يقال للمريض: ضع يدك على موضع الألم، وقل: بسم الله، ثلاث مرات، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، كررها سبع مرات. ويُندب لمن زار المريض، أن يدعو له بالشفاء، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما زار سعد بن أبي وقاص، قال: "اللهم اشفِ سعدًا اللهم اشفِ سعدًا اللهم اشفِ سعدًا". فشفاه الله -تعالى-، وكان قد ظن أنه سيموت، وقال: (يا رسول الله، إنه لا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: "لا"، قال: فالشطر؟ قال: "لا"، قال: فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير"). يعني وصل إلى هذه المرحلة، لكن دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشفاء؛ فشفاه الله -تعالى-، كذلك أيضاً جاء في حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من عاد مريضاً لم يحضره أجله فقال سبع مرات: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك) إلا عافاه الله". وهذا الحديث رواه أبو داوود والترمذي، ولكن هذا لابد أن يكون بيقين، يعني لابد أن يقول ذلك بيقين، ويبقى سبباً، يبقى الدعاء سبباً كسائر الأسباب، والأسباب قد تفيد وقد لا تفيد، هي سبب للشفاء، الشفاء من الله -عز وجل-، أما هذه فكلها أسباب للشفاء، وإلا فإن الشفاء من الله، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾[يونس: 107]. فالدعاء من أعظم أسباب الشفاء، وهذا يغفل عنه بعض المرضى، تجد أن بعض المرضى يركز على العلاج المادي، ويغفل عن الدعاء، ورب دعوة يدعو بها المريض، أو يدعو له بها أخوه المسلم تكون سبباً للشفاء، فهذا مما ينبغي أن يوجه إليه المرضى، أن يقال إن الله -تعالى- هو الذي يكشف الضر، وأنك مهما بذلت من أسباب الشفاء، إذا لم يرد الله شفائك فلن تشفى، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، فليحرص المريض على الدعاء، يدعو ويلح على الله في الدعاء، فهذا من أعظم أسباب الشفاء، من أعظم أسباب الشفاء، فإن الله -عز وجل- هو الذي يكشف الضر، فينبغي أن يجمع المريض بين فعل الأسباب المادية بتعاطي الأدوية، وبين الدعاء وسؤال الله -تعالى- الشفاء، أيضاً من يعود المريض فخير ما يحسن به إلى هذا المريض أن يدعو له، يعني بعض المرضى يأتي للمؤانسة، هذا شيء طيب، لكن الأحسن أن يجمع معها الدعاء، أفضل ما يقدمه زائر المريض هو أن يدعو له، أن يدعو له بالشفاء.

* * *

فائدة: عمر خديجة عند زواج النبي بها

اشتهر أن عمر أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- لما تزوج بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- أربعون سنة، ولم يثبت ذلك؛ لكونه مرويًّا من طريق الواقدي وهو متروك، وقد روى ابن عساكر عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (كان عمرها ثمانياً وعشرين سنة)، وكذا رواه ابن إسحاق، وهذا هو الأقرب، لا سيماً وقد أنجبت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكرين وأربع إناث، والغالب أن المرأة تبلغ سن الإياس قبل الخمسين.

 نعم، أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- هي أول زوجاته، وهي أول من ءآمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من البشر، أو من ءآمن به من البشر خديجة، فهي أول من أسلم من الرجال والنساء، يعني سبقت الجميع، وأعطاها الله -تعالى- عقلاً راجحاً، وحكمة، وسداد رأي، وأيضاً كانت امرأة ثرية ذات مال، ولذلك كانت مرغوبة من رجال قريش، فتزوجت ثم توفي زوجها، ثم تزوجت مرة أخرى ثم توفي، وكان عندها تجارة ثروة، سمعت بصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمانته، فأرسلت إليه أنه يأخذ شيئاً من تجارتها ويذهب به إلى الشام، ففعل النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأرسلت معه غلامها ميسرة، غلامها ميسرة رأى عجائب من النبي -عليه الصلاة والسلام- في تلك الرحلة، رأى عجائب في تعامله، ورأى عجائب في أمور أخرى، منها أن السحابة كانت تظلله، تظلله وهو يسير في الطريق، لما أتى غلامها قص عليها ما رأى، فأُعجبت بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، فرغبت فيه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أيضاً كان يسمع بها وبرجاحة عقلها، فتزوجها، اُختلف في عمرها، عمر النبي -عليه الصلاة والسلام- كان خمساً وعشرين، أما عمرها فاختلف فيه، واشتُهر أنها أربعون، لكن لم يرد ذلك بسند صحيح، والأقرب من ذلك هو ما رواه ابن عساكر وابن إسحاق: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج بها وعمرها ثمانٍ وعشرين)، هذا هو الأقرب من حيث الإسناد، وهو أيضاً الأقرب من حيث الواقع، لأنها أنجبت ذكرين وأربع إناث، لو كانت تزوجت وعمرها أربعون، ما أتت بستة من الأولاد من بنين وبنات، في الغالب أن المرأة إذا وصلت سن الأربعين يعني تصل أو تقترب من سن اليأس، فالأقرب هو رواية ابن عباس، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- تزوج بها وعمرها ثمانٍ وعشرين، ومن حكمة الله -عز وجل- أن الله اختارها لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، فآزرته، وأول ما بُعث النبي -عليه الصلاة والسلام- وأتاه جبريل وقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ! قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ!، فظمه وقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. النبي -عليه الصلاة والسلام- رجع يرجف فؤاده، لأن كان يتحنث في غار حراء، في مكان خالٍ وموحش، ثم أتاه وغطه وغمه، وكان في الليل، لأن القرآن أول ما نزل في الليل، فذهب النبي -عليه الصلاة والسلام- لخديجة، وقال: دثروني دثروني! لقد خشيت على نفسي، فقالت مقولتها المشهورة: (كلا والله لا يخزيك الله أبدا)، ثم ذكرت بعض الأدلة على ذلك: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتعين على نوائب الدهر، يعني ومن كانت هذه خصاله فالله لا يخزيه، ثم أيضاً من رجاحة عقلها أنها ذهبت به إلى ابن عمها، وابن عمها ورقة بن نوفل كان عالماً بالنصرانية، يعني من علماء النصارى، ولما قص عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- الخبر، عرف أنه نبي، فقال: هذا هو الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، ياليتني كنت جذعاً إذ يخرجك قومك، قال: أوَ مخريّ هم! قال: نعم، إنه لم يأتي أحد بمثل ما أتيت به إلا أُوذي، ثم بعد ذلك رجع النبي -عليه الصلاة والسلام-، ورقة بن نوفل؛ ابن القيم وجماعة من أهل العلم قالوا: إنه أسلم، ءآمن بالنبي -عليه الصلاة والسلام- ثم توفي، اعتبروه مسلماً صحابياً، وترحَّم عليه ابن القيم وغيره، لأنه كان مؤمناً بالله وءآمن بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، خديجة وقفت مع النبي -عليه الصلاة والسلام- وآزرته، ولذلك لم يشأ أن يتزوج عليها حتى ماتت، مع أنه -عليه الصلاة والسلام- عدد وتزوج نساء كثيرات بعد ذلك، لكن خديجة إكراماً لها لم يشأ أن يتزوج عليها -عليه الصلاة والسلام-، فجاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (أتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: هذه خديجة أتتك معها إناءٌ فيه إيدامٌ أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربها السلام، واقرأ مني عليها السلام، وبشِّرها ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب). الله أكبر!، هل هناك شيء أعظم من هذا! أن يقال لمخلوق إن الله -عز وجل- يقرؤك السلام!، ثم يقول جبريل إنه يقرؤه السلام!، إكرامٌ عظيم، وتشريفٌ كبير لهذه المرأة، وذلك لعظمتها، إمرأة عظيمة وقفت مع النبي -عليه الصلاة والسلام- وآزرته، رضي الله -تعالى- عنها وأرضاها، ولذلك كان النبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذا رأى أختها قال: "أهذه خديجة!" يعرفها من مشيتها -عليه الصلاة والسلام-، وكان إذا ذبح شاةً أهدى إلى صديقاتها، تقول عائشة: (والله ما غرت على أحد ما غرت على خديجة، وما رأيتها، لكن سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يُكثر من ذكرها ومن الثناء عليها، ويقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد)، رضي الله -تعالى- عنها وأرضاها وعن أزواج نبيه -صلى الله عليه وسلم- أجمعين.

* * *

فائدة : فضل نفقة الرجل على أهله

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك".

نعم، هذا الحديث حديث عظيم، بيَّن فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- مجالاتٍ من الإنفاق في سبل الخير، وبيَّن أعظمها أجراً، فقال: "دينارٌ أنفقته في سبيل الله" يعني في الجهاد في سبيل الله، "ودينارٌ أنفقته في رقبة" يعني في إعتاق رقبة، "ودينارٌ تصدقت به على مسكين، ودينارٌ أنفقته على أهلك". فذكر أربعة أوجه من وجوه الإنفاق، في الجهاد في سبيل الله، وفي الرقبة، وعلى الفقراء والمساكين، وعلى الأهل، ثم قال: "أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك"، أعظم من هذه الأمور المذكورة في الحديث، النفقة على الأهل أعظم أجراً من النفقة على الفقراء والمساكين، وأعظم أجراً من وضعها في عتق الرقاب، وأعظم أجراً من جعلها في الجهاد في سبيل الله، وهذا يبين لنا فضل النفقة على الأهل، وأنه ينبغي للمسلم أن يحتسب أجر النفقة على الأهل، حتى يعظم أجره وثوابه، ولذلك تجد بعض الناس يذهل عن هذا المعنى، يقتِّر في النفقة على أهله، لكن لو أتاه فقير أو مسكين تصدق عليه، يعتقد أنه أعظم أجراً، كونك تنفق على أهلك أعظم أجراً من أن تعطي الفقير أو المسكين، ولذلك ينبغي أن يستحضر المسلم هذا الحديث دائماً، أي نفقة تنفقها على أهلك احتسب الأجر فيها، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعله في فيّ امرأتك". لكن لو أنفق نفقة على أهله من غير احتساب!، مثل ما يفعله كثير من الناس، يأتي لهم بأغراض وحوائج وكذا، لكن ما يحتسب الأجر، يرى أنه مسؤولية وواجب عليه، هل يؤجر على ذلك أو لا يؤجر؟! ظاهر الأدلة أنه يؤجر، لأن هذا العمل عمل صالح، وقد أداه بصورته، فهو يؤجر على ذلك، كما برَّ والديه ولم يحتسب الأجر، فإنه يؤجر، فبعض الأعمال صورتها كافية في تحقيق المراد منها، ومنها النفقة على الأهل، لكن لو احتسب الأجر لكان أجره أعظم، لو احتسب الأجر لكان أجره أعظم، لكن ليس معنى ذلك أنه إذا لم يحتسب الأجر أنه لا يؤجر، هو يؤجر في النفقة على أهله، لكن الأكمل والأحسن أنه يحتسب الأجر والثواب، دائماً الإحتساب يعظم من الأجر، حتى في الصيام وفي القيام، ولذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه". فلاحظ كلمة "احتساباً"، فالاحتساب يُعظم الأجر، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم على الإحتساب في صيامه وقيامه وفي إنفاقه وفي كل شيء، يحتسب الأجر، يستحضر الأجر والثواب، إنما يقوم بهذا العمل تقرباَ إلى الله -عز وجل-.

* * *

فائدة : فضل قتل الوزغ

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قتل وزغاً في أول ضربة؛ كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك". (الوزغ: هو البرص، ويسميه بعض العامة: الضاطور).

نعم، الوزغ الحيوان المعروف، ويسميه بعضهم: البرص، وبعضهم يسميه: الضاطور، وتسميته في الحديث وردت باسم (الوزغ)، هذا من الحيوانات المؤذية، ومن الفواسق، ويؤذي الإنسان، ولذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتله، اختلف العلماء في الحكمة من الأمر بقتله، فقيل: لأنه من المؤذيات، وقيل: الحكمة لأنه كان ينفخ النار على إبراهيم، وهذا قد جاء في حديث أم شريك -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أمر بقتل الوزغ، وقال: "كان ينفخ على إبراهيم" [رواه البخاري]، لما أُضرمت النار وأُلقي فيها إبراهيم، كان الوزغ من شدة خُبثه ينفخ في النار لأجل أن يضرمها وأن تشتعل، والله أعلم يعني بكيفية ذلك، لكن هذا حديث صحيح في البخاري، أنه كان ينفخ النار على إبراهيم، ولا يمنع أن يكون كلا المعنيين صحيح، فالأمر بقتله لأنه كان ينفخ النار على إبراهيم، ولأنه أيضاً من الفواسق ومن الحيوانات المؤذية، وهنا قال: "من قتل وزغاً في أول ضربة؛ كتبت له مائة حسنة"، لأن في ذلك إحساناً في القتله، قد قال -عليه الصلاة والسلام-: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"، فحتى لا يتعذب هذا الحيوان ولا يتحسر، كان في هذا الحث على قتله في المرة الأولى، وقيل: إن الحكمة خشية فراره، يعني تشجيعاً للإنسان حتى لا يفر، ويحتمل أن كلا المعنيين مراد، إذاً قتل الوزغ مستحب، بينما تجد أن قتل غيره من الحيوانات المؤذية مباح، مثلاً قتل العقرب، الحية، والحيوانات المؤذية الأخرى مباح، أما قتل الوزغ فيختلف، وهو أن قتل الوزغ مستحب، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بذلك، ورتب عليه أجراً خاصًّا، قال: من قتله في المرة الأولى كان له مائة حسنة، وهذا يدل على الترغيب في قتله، وأن قتله مستحب.

* * *

نكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

* * *