الخثلان
الخثلان
باب النذر
23 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 50

شرح متن التسهيل / باب النذر

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل، وكنا قد وصلنا إلى (بابُ النَّذر).

قال المؤلف -رحمه الله-: [بابُ النَّذر]:

النذر معناه في اللغة: الإيجاب، يقال: نذَرَ دم فلان؛ أي: أوجب قتله.

ومعناه اصطلاحاً: إلزام مكلَّف مختار نفسه لله تعالى شيئاً غير محال بكل قول يدل عليه.

(إلزام مكلَّف): فغير المكلف يخرج من هذا، فلا ينعقد نذره.

(مختار): خرج به المكره.

(شيئاً غير محال): خرج به الشيء المستحيل.

(بكل قول يدل عليه): سيأتي الكلام عن صيغة النذر في كلام المؤلف إن شاء الله.

النذر حكمه: اختلف العلماء في حكم عقد النذر، فذهب بعض العلماء إلى تحريمه، واستدلوا بما جاء في الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتِ بخير وإنما يستخرج به من البخيل". وذهب جمهور العلماء إلى أنه مكروه، واستدلوا بالحديث نفسه، حديث ابن عمر، وحملوا النهي على الكراهة، وهذا هو القول الراجح، وأبو العباس ابن تيمية -رحمه الله- توقف في هذه المسألة، لكن الأظهر والله أعلم ما عليه أكثر أهل العلم من أن النذر مكروه، قال الموفق ابن قدامه -رحمه الله- في المغني، معلقاً على حديث ابن عمر "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النذر"، قال: (هذا نهي كراهة لا تحريم، لأنه لو كان حراماً لما مدح الموفين به، -يعني في قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ- لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه -إذاً يقول الموفق-: هذا نهي كراهة لا نهي تحريم، لأنه لو كان حراماً لما مدح الموفين به، لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه، ولأن النذر لو كان حباً لفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفاضل صحابته). فالقول الراجح أن النذر مكروه، لا يصل إلى درجة التحريم، وأيضاً لا يقال باستحبابه، لا يقال باستحبابه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله ولا الصحابة، ولا يقال بالتحريم لأن الله مدح الموفين به: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان: 7]، فكيف يكون محرماً والله يثني على من وفى بالنذر، فالقول الراجح أنه مكروه، فيقال أن الأحسن والأفضل أن الإنسان لا ينذر، لكن لو نذر لم يرتكب معصية أو إثماً.

قال المؤلف -رحمه الله-: [مَنْ نَذَرَ طَاعَةً لَزِمَتْهُ] النذر ينقسم إلى خمسة أقسام، نذر الطاعة، ونذر معصية، ونذر المباح، ونذر اللجاج والغضب، والنذر المبهم الذي لم يسمى، ويسميه بعضهم النذر المطلق، النذر المبهم أو المطلق، إذاً أصبحت خمسة أقسام، إذاً نذر الطاعة ونذر المعصية ونذر المباح ونذر اللجاج والغضب والنذر المطلق، المؤلف ذكر هذه الأقسام الخمسة كلها، فنريد أن نأخذ هذه الأقسام الخمسة، ونعرف الحكم في كل واحد منها، بدأ المؤلف بنذر الطاعة، قال: [مَنْ نَذَرَ طَاعَةً لَزِمَتْهُ] نذر الطاعة معناه: أن ينذر الإنسان فعل طاعة، ويسميه بعض العلماء بنذر التبرر، أن ينذر الإنسان فعل طاعة، كأن يقول: (لله علي نذرٌ إن شفى الله مريضي أن أصوم ثلاثة أيام) مثلاً، أو (لله علي نذر إن نجح ابني أن أتصدق مثلاً بألف ريال)، أو (إن شفاني الله -عز وجل- فالله علي نذر أن أصوم شهراً)، ونحو ذلك، يعني يأتي بطاعة من الطاعات، إما أن يأتي بها مطلقة، كأن يقول: (لله علي نذرٌ أن أصوم إن شفى الله مريضي)، أو يأتي بها معلقة (إن حصل كذا فعلت كذا)، ونذر الطاعة يجب الوفاء به، يجب الوفاء به لحديث عمران أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" [رواه البخاري]. فدل هذا الحديث على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، وحكي الإجماع على ذلك، ويدخل في ذلك أن يعاهد الإنسان ربه، فيقول: (أعاهد الله على أن أفعل كذا)، أو (أعاهد الله على إن شفاني أن أفعل كذا أو أن أتصدق بكذا)، وقد ورد الوعيد الشديد في حق من نذر نذر طاعة ولم يفي به، في قول الله -عز وجل-: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ من عاهد الله: يعني أتى بنذر طاعة ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة: 75]، يعني هؤلاء نذروا نذر طاعة، أنهم إن أعطاهم الله من فضله سوف يتصدقون ويكونوا من الصالحين، ﴿فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ[التوبة: 76]، فلم يفوا بهذا النذر، ماهي العقوبة!؟ ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة: 77]، فكانت عقوبة من لم يفي بنذر الطاعة؛ هذه العقوبة الشديدة، أنه يلقى في قلبه النفاق -نسأل الله العافية- إلى أن يموت، وهذه عقوبة من أشد ما تكون وقد لا يشعر الإنسان بها، يزيع وينحرف، يكون سبب هذا أنه نذر نذر طاعة ولم يفي به، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. ولذلك في الصحيحين في قصة عائشة، عائشة كانت تنفق كثيراً من أموالها، وفي لحظة ضعف، عبدالله بن الزبير ابن أختها، قال: (يحجر عليها)، فهناك من نقل هذه الكلمة لعائشة، فنذرت لله نذراً أنها ما تكلمه أبدًا، فعظم ذلك على ابن الزبير، واشتد عليه وجعل يبكي، ووسَّط من وسَّط من الصحابة حتى دخلوا على عائشة، فاعتنقها وبكى، وقالت إني نذرت، وهي تظن أنها نذرت نذر طاعة في هذا، فحاورها الصحابة وبينوا لها أن هذا نذر فيه كفارة، ليس بنذر طاعة، هو نذر بأنها ما تكلمه أبداً، فأعتقت يقولون أربعين رقبة، وبكت بكاءً عظيماً، يعني كأنها رأت أن هذا نذر طاعة، لكن الصحابة أقنعوها بأنه ليس نذر طاعة، وأنه تكفي فيه الكفارة، الشاهد من هذا تعظيم الصحابة لنذر الطاعة، فنذر الطاعة يجب الوفاء به، وعقوبة من لم يفي به هذه العقوبة الشديدة، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، فبعض الناس وبعض العامة تجد أنهم ينذرون، إن شفى الله مريضي فعلت كذا وكذا، ثم إذا حصل شفي هذا المريض ما يفعل هذا النذر، فنقول له: أن هذا على خطر عظيم، أن يلقى في قلبه النفاق إلى الممات، وهي من أشد ما تكون من العقوبة، إذاً هذا هو نذر الطاعة.

قال: [فإنْ عَجَزَ كفَّرَ، كاليَمينِ] يعني إن نذر نذر طاعة لكنه عجز عن القيام به، كأن مثلاً ينذر أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، قال إن شفاني الله فعلي نذرٌ أن أصوم يوماً وأفطر يوماً، أما إنه ما استطاع أن يصوم لمرض أو كبر أو غير ذلك، فهنا يكفر كفارة يمين، لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين"، ولهذا قال المؤلف: [كاليمين] أي أنه يأخذ حكم اليمين في الوفاء وفي عدمه، فلا يجب عليه غير الكفارة.

قال: [وَلا نَذرَ فِي مَعصِيةٍ] هذا هو القسم الثاني من أقسام النذر، وهو نذر المعصية،  ومن ذلك أن يقول مثلاً لأخيه: (لله علي نذر أني لا أكلمك ولا أدخل بيتك)، هذا نذر معصية، كونه ما يكلمه ولا يدخل بيته هذا قطيعة رحم، أو أن ينذر ألا يكلم والده أو أمه، هذا نذر معصية، أو أن ينذر مثلاً أن يشرب خمرًا أو نحو ذلك، فهذا يسميه العلماء نذر معصية، ولا يجوز الوفاء به بالإجماع، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه". اختلف العلماء هل يجب عليه مع ذلك كفارة أو لا يجب؟! على قولين مشهورين:

القول الأول: أنه يجب عليه الكفارة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو من المفردات، هذا المصطلح مر معنا في دروس سابقة، إذا قلنا من المفردات فمالمقصود بهذا المصطلح؟ انفرد به الحنابلة عن المذاهب الأخرى، معنى ذلك المذاهب الأخرى على خلافه، واستدلوا بحديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، هذا الحديث أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، لكن في سنده مقال، فقد قال الترمذي: (هذا حديث لا يصح، لأن الزهري لم يسمعه من أبي سلمه)، لكن مع ذلك قال الترمذي: (وقال قومٌ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" وهو قول أحمد واسحاق). وقال النووي عن هذا الحديث: (أنه ضعيف باتفاق المحدِّثين)، يعني عن حديث عائشة قال إنه ضعيف باتفاق المحدثين، وتعقبه الحافظ بن حجر في التلخيص، فقال: (قلت قد صححه الطحاوي وأبو علي بن السكن، فأين الإتفاق)، هذا من كلام ابن حجر، القول أنه باتفاق المحدثين غير صحيح، بل هو مختلف في تصحيحه، وبكل حال إذا نذر نذر معصية، حتى لو لم نقل بصحة هذا الحديث، فالأصول والقواعد الشرعية تقتضي ذلك، لأن الناذر نذر معصية ارتكب إثماً بمجرد نذره، فهو أحوج إلى الكفارة لمحو الإثم وإزالته، ولأن الأمر مقدمٌ على الإباحة للإحتياط في الخروج من عهدة الطلب، فمن أخرج كفارة فقد برئ من المطالبة واحتاط عند الجميع، وجمهور العلماء قالوا بأن من نذر نذر معصية لا يجوز له الوفاء به وليس عليه شيء، أي ليس عليه كفارة يمين، وقالوا لأن الأصل براءة ذمة المكلف، وحديث عائشة هذا حديث ضعيف، لكن القول الراجح أن عليه كفارة، القول الراجح أن عليه كفارة لأن هذا مروي؛ حتى لو قلنا بضعف حديث عائشة، أولاً حديث عائشة هناك من العلماء من صححه كما نقل الحافظ بن حجر، ثانياً حتى لو قلنا بضعف حديث عائشة هناك من الصحابة من ذهب إلى هذا الرأي، وهو أن عليه كفارة يمين، وأيضاً لما ذكرنا من المعنى أن الناذر نذر معصية، وقد ارتكب إثماً فهو أحوج للكفارة من غيره، فالقول الراجح إذاً أن من نذر نذر معصية لا يفي به، لكن عليه كفارة يمين، هذا هو القسم الثاني.

قال: [ولا مُبَاحٍ] هذا هو القسم الثالث، وهو نذر المباح، والمراد بالمباح: ما استوى فعله وتركه، كأن يقول: (لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب)، أو (لله علي نذرٌ ألا أركب هذه السيارة) أو (أن أركب هذه السيارة)، ونحو ذلك من الأمور المباحة، فهذا يخيَّر بين أن يفي بالنذر، أو أن يكفر كفارة يمين، فإن شاء وفى بالنذر وليس عليه شيء، وإن شاء كفر كفارة يمين. قال: [وَلا مَا لا يَملِكهُ] أي من نذر شيئاً لا يدخل تحت ملكه لم ينعقد نذره، كأن يقول: (لله علي نذر إن شفى الله مريضي أن أذبح شاة فلان)، وهو لا يملكها، فلا ينعقد هذا النذر، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك" [رواه البخاري]، "ليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك"، قال: [وإِنَّمَا يَنعَقِدُ بِاللفظِ] انتقل المؤلف للكلام عن صيغة النذر، عن صيغة النذر، قال: [وإِنَّمَا يَنعَقِدُ بِاللفظِ] أي: النذر إنما ينعقد بأن يتلفظ به، وليس للنذر صيغة معينة، بل يجوز بكل قول يلتزم به الإنسان، كل ما دل على الإلتزام فهو نذر، ومن ذلك أن يقول: (لله علي نذر)، ومن ذلك أن يقول: (لله علي أن أفعل كذا)، ومن ذلك أن يقول: (أعاهد الله على أن أفعل كذا)، فهذه من صيغ النذر، إذا قال أعاهد الله؛ أو (عاهدت الله على أن أفعل كذا) أو (على ألا أفعل كذا)، هذه كلها من صيغ النذر، فإذاً النذر ليس له صيغة معينة محددة، لكن يكون بكل لفظ يدل على الإلتزام، قال: [وَمُطْلَقُ القُربةِ أقلُّ وَاجبٍ] معنى كلام المؤلف: أن من نذر نذر طاعة مطلقة، فيكفي في ذلك أقل الواجب، ولهذا قال: [وَمُطْلَقُ القُربةِ أقلُّ وَاجبٍ] أقل الواجب يكفي، ومثَّل المؤلف لذلك بأمثلة توضح مراده، قال: [كَالعِتقِ والصّدَقَةِ] فالعتق؛ إذا نذر أن يعتق رقبة، فيحمل ذلك على الرقبة المؤمنة السليمة من العيوب، يعني أدنى رقبة مجزئة، وكذلك أيضاً الصدقة، يحمل ذلك على أقل ما يسمى صدقة، ولهذا قال المؤلف: [وَما يُجزئُ كَفارةً] لو نذر أن يطعم مساكين فيحمل ذلك على أقل ما يجزئ، وهو إطعام عشرة مساكين، [وَأَقلُّ مُتَمَوَّلٍ] يعني إذا نذر أن يتصدق بمال، ولم يحدد هذا المال، قال: (إن شفى الله مريضي فالله علي نذر أن أتصدق بمال)، فيكفي في ذلك أقل ما يسمى مالاً عرفاً، أقل ما يسمى مالاً عرفاً، فلو أخذ مثلاً حبة أرز وقال أتصدق بها!، نقول لا، هذا ما يعتبر مال أقل ما يسمى مال عرفاً، لكن لو مثلاً تصدق بعشرة ريالات مثلاً، يعتبر هذا مال عرفاً، قال: [ومَنْ نَذَرَ المَشْيَ إلَى بَيتِ اللهِ الحرَامِ أو مَوضِعٍ من الحَرَمِ لَزِمَهُ المشيُ فِي حَجٍّ أو عُمرَةٍ] إذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام أو موضع من الحرم، فينصرف ذلك للحج والعمرة، ولذلك يلزمه المشي في حج أو عمرة، ولا يمشي مشياً مطلقاً بدون حج ولا عمرة، لأن هذا هو المقصود من المشي لبيت الله الحرام، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يلزمه المشي، وله أن يركب، لحديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: (نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لتمشي ولتركب") [متفق عليه]، لكن إذا قلنا أنه يركب ولا يلزمه أن يمشي، هل عليه كفارة؟! هذا محل خلاف، والقول الراجح أن عليه كفارة، نقول اركب لكن عليك كفارة، طبعاً المشي إلى بيت الله الحرام فيه نوع من تعذيب النفس، وقد حصل هذا لأبي اسرائيل، أبو اسرائيل نذر أن يصوم وأن يقف في الشمس ولا يتكلم، فأُخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأصبح الرجل يكاد يسقط!، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليستظل وليتكلم"، واختُلف هل أمره بكفارة يمين أم لا، والأقرب أنه أمره بالكفارة، لكن الشاهد قوله: "إن الله غنيٌّ عن تعذيب هذا نفسه"، لماذا يعذب نفسه بهذه الطريقة!، فبعض الناس عندهم بعض الأفكار الغريبة، وهذا موجود في كل عصر ومصر، إذا كان هذا في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- ما بالك بوقتنا الحاضر، فمن نذر أنه مثلاً يمشي يذهب ماشياً إلى مكة، من الرياض إلى مكة على رجليه، طيب مالفائدة من هذا!، فنقول له: إن الله غني عن تعذيبك لنفسك، اركب وكفر كفارة يمين، أو نذر أن يقف في الشمس يوم كامل، مثل ما حصل لأبي اسرائيل، فنقول: إن الله غني عن تعذيبك لنفسك، مالفائدة من هذا!؟، هذه التصرفات الغريبة فنقول: لا يلزم تنفيذها، لكن يكفر كفارة يمين.

قال: [ومَنْ نَذَرَ صومَ شَهرٍ بِعَيْنِهِ فَجُنَّ لَمْ يَقْضِ] نذر أن يصوم شهراً معيناً، كشهر محرم أو صفر مثلاً، لكنه جُنّ، فلا يقضي لأنه قد ارتفع عنه التكليف، أصبح غير مكلف، قال: [وإنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَو غَيرِهِ قَضَاهُ] يعني من نذر صوم شهر بعينه فلم يصمه، وأفطر لعذر من مرض مثلاً أو حيض بالنسبة للمرأة، [أَو غَيرِهِ] أو لغير عذر، فإنه يقضيه، لأنه صومٌ واجب، وهذا نذر طاعة، [أَو فِي أثنَائِهِ لِغَيرِ عُذرٍ قَضَاهُ] يعني من نذر صوم شهر بعينه، فأفطر في أثنائه فإنه يقضي، [وَكَفَّرَ مِنْهُمَا] يعني كفَّر من عدم الوفاء بنذره في المسألتين. قال: [وَلِعُذْرٍ يَبْنِي] يعني وإن أفطر في أثناء الشهر لعذر، كمرض أو حيض بالنسبة للمرأة، فإنه يبني على ما مضى من صيام ولا يستأنف من جديد، [وَمَنْ قَطَعَ تَتَابُعَهُ لِغَيرِ عُذْرٍ استَأنَفَ] لو نذر صياماً متتابعاً فقطع التتابع لغير عذر، فإنه يستأنف من جديد، يستأنف الصيام من جديد ولا كفارة عليه، لكن لعذر! قال: [وَلِعُذْرٍ اسْتَأنَفَ] انقطع التتابع لعذر من مرض أو حيض ونحوه، فهو مخير بين أن يستأنف الصيام من أوله لعدم وجود التتابع، وبين أن يبني على ما مضى، ولهذا قال: [اسْتَأنَفَ أَو بَنَى وَكَفَّرَ] أو بنى على ما مضى وكفَّر.

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [وَمَا قُصِدَ بِهِ المنْعُ أو الحَظُّ] هذا هو القسم الرابع من أقسام النذر، ويسميه العلماء بنذر اللجاج والغضب، نذر اللجاج والغضب، وتسمية الفقهاء له بنذر اللجاج والغضب؛ قال الحافظ بن حجر: (أخذاً من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والله لئن يلجَّ أحدكم في يمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي أوجب الله عليه" [متفق عليه]). "والله لئن يلجَّ أحدكم في يمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه" مامعنى هذا الحديث؟! "والله لئن يلجَّ" الحديث في الصحيحين، "لئن يلجَّ أحدكم في يمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه"، أحد فهم معنى هذا الحديث؟! يعني إذا نذر نذراً في أهله بعدم الإحسان إليهم، فكونه يلجّ، يعني يستمر ويتمادى في الوفاء بهذه اليمين، أقرب للإثم من أن يكفر كفارة يمين ويحسن لأهله، هذا رجل اختلف مع أهله، فحلف بالله العظيم أنه ما يحسن لأهله أو ما يعطيهم شيء، هنا نقول: الأفضل أنك تكفر كفارة يمين وتحسن إليهم، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول..، لو أنه أراد يستمر، قال أنا حلفت خلاص استمر على يميني، فيقول النبي -عليه الصلاة والسلام- كونه يستمر على يمينه -هذا معنى يلجَّ- يعني يتمادى ويستمر على يمينه، هذا أقرب للإثم من أن يكفر كفارة يمين ويحسن لأهله، هذا معنى الحديث، "والله لئن يلجَّ أحدكم في يمينه في أهله آثم له عند الله من أن يأتي بالكفارة التي افترض الله عليه"، فمعنى الحديث: إذا حلف الإنسان على أمر، لا يصر يقول أنا حلفت وخلاص، لازم أنفذ هذا الذي حلفت عليه! لا، إذا رأيت مصلحة في غيره؛ كفِّر كفارة يمين وأت بهذا الذي فيه مصلحة، أما استمرارك في الأمر الأول هذا أقرب للإثم منه للبر، ولهذا قال: "آثم له عند الله"، فكلمة "لئن يلجَّ" أخذ الفقهاء من هذا الحديث هذا المصطلح، فقالوا: نذر اللجاج والغضب، مع أنه قد لا يكون أيضاً؛ قد لا يرتبط بغضب، قد لا يرتبط بغضب، ولا مشاحة في الإصطلاح، لكن هكذا سماه الفقهاء بنذر اللجاج والغضب، ما هو نذر اللجاج والغضب؟! يقول المؤلف: [وَمَا قُصِدَ بِهِ المنْعُ أو الحَظُّ] يعني: هو تعليق نذره بشرط يقصد منه المنع أو الحظ، وبعضهم يقول أو الحمل عليه، أو التصديق أو التكذيب، إذاً معنى نذر اللجاج والغضب: تعليق نذره بشرطٍ يقصد منه الحظ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، كأن يقول مثلاً: (إن كلمتك فالله علي نذرٌ أن أفعل كذا)، (إن كلمتك فالله علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام)، يريد أن يمنع نفسه من تكليمك، أو يقول لزوجته: (إن خرجتِ للسوق فالله علي نذر أني لا أعطيك كذا) (لا أعطيك نفقتك أو لا أفعل بك كذا)، هذا يريد منع نفسه، يريد المنع، أو يريد الحث؛ (إن لم تفعل كذا فالله علي نذر أني لا أكلمك أبداً)، يريد أن يحثه، أو التصديق؛ (إن كان هذا الخبر غير صحيح فالله علي نذر أن أتصدق بعشرة آلاف)، أو التكذيب؛ (إن لم يكن هذا الخبر كاذباً فالله علي نذر أن أتصدق بعشرة آلاف)، فإذاً هو يريد الحظ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، مثل ما يقال في الطلاق المعلق، الطلاق المعلق الذي لا يريد الزوج معه الطلاق، وإنما يريد الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، فهذا على القول الراجح أنه يجري مجرى اليمين، ولا يكون طلاقاً، يكون فيه كفارة يمين، هذا أيضاً نذر اللجاج والغضب، فهو نذر معلق بحظ أو منع أو تصديق أو تكذيب، هذا هو نذر اللجاج والغضب، طيب؛ ما حكم هذا النذر؟!

يقول المؤلف: [وَمَا قُصِدَ بِهِ المنْعُ أو الحَظُّ] ونحن أضفنا (أو التصديق أو التكذيب)، [خُيِّرَ بينَهُ وبَينَ كَفارةِ يَمينٍ] يقال: إن شئت وفيت بهذا النذر، وإن شئت كفرت كفارة يمين، فيخير بين فعله وبين كفارة يمين، وذلك لأنه بمعنى اليمين، فهو لم يقصد إلا المنع أو الحظ أو التصديق أو التكذيب، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنما الأعمال بالنيات"، هو ما قصد النذر، قصد المنع أو الحظ أو التصديق أو التكذيب، فقال لزوجته: (إن خرجتِ من البيت فالله علي نذر أني لا أعطيك مثلاً النفقة)، أو (لا أفعل بك كذا)، أو (لا أعطيك كذا)، فهذا نذر لجاج وغضب، نذر لجاج وغضب، فهو يخير بين أن يفي بهذا النذر، وبين أن يكفر كفارة يمين، طبعاً إذا لم يكن هذا النذر نذر معصية، وإنما في أمور مباحة، إذا كان في أمور مباحة، لكنه لم يقصد النذر وإنما قصد حثًّا أو منعاً أو تصديقاً أو تكذيباً، فيخير بين أن يأتي به وبين أن يكفر كفارة يمين، هذا هو القسم الرابع.

قال: [وَمَنْ نَذَرَ الصّدقةَ بِمَالِهِ أجْزَأهُ ثُلثُهُ] نذر أن يتصدق بماله، قال: (إن شفاني الله من هذا المرض فالله علي نذر أن أتصدق بجميع مالي)، فشفاه الله -تعالى- من المرض، فهنا يقول المؤلف أنه يكفيه الثلث، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي لبابة حين قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله ورسوله، فقال له -عليه الصلاة والسلام-: "يجزئك الثلث" [أخرجه أبو داوود] وله طريق وشواهد متعددة، وأيضاً قال مثل هذا لكعب بن مالك في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، فقالوا إنه يجزئه الثلث، وقال بعض أهل العلم: إنه يلزمه أن يتصدق بجميع ماله، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال بعضهم: إنه يتصدق بجميع ماله ويبقي لنفسه ولمن يعول ما يغنيهم، والقول الراجح هو القول الذي قرره المؤلف -رحمه الله-، وهو التحديد بالثلث، وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع من الوصية بأكثر من الثلث، لئلا يذر ورثته عالةً يتكففون الناس، فلئلا يدع نفسه وعياله في حال حياة الفقراء من باب أولى، فالأقرب والله أعلم هو التحديد بالثلث، ولقصة حديث أبي لبابة وكعب بن مالك، فالأقرب والله أعلم هو القول الذي قرره المؤلف، وهو أن من نذر الصدقة بماله فيجزئه الثلث.

قال: [أَو الطوَافَ عَلَى أربعٍ فَطَوَافَينِ] يعني لو نذر الطواف على أربع، ومعنى أربع: يعني يديه ورجليه، يقول المؤلف أنه يطوف طوافين، يعني يطوف طوافاً عن يديه، وطوافاً عن رجليه، وروي في ذلك حديث: امرأة قالت للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إني آليت أن أطوف بالبيت حبواً! فقال لها: "طوفي على رجليك سبعيْن سبعاً عن يديك وسبعاً عن رجليك" [أخرجه الدار قطني] لكنه حديث ضعيف، ولذلك قال الموفق بن قدامة: (والقياس أن يطوف طوافاً واحداً على رجليه، ولا يلزمه ذلك على يديه لأنه غير مشروع فيسقط)، إذاً من نذر الطواف على أربع؛ المؤلف يقول: (أنه يطوف طوافين، طواف عن يديه وطواف عن رجليه)، والقول الراجح أنه يكفيه طوافٌ واحد كما رجح ذلك الموفق ابن قدامه -رحمه الله تعالى-.

قال: [أَو قَالَ: للهِ عَليَّ نَذرٌ] هذا هو القسم الخامس، من أقسام النذر، وهو النذر المطلق، [قَالَ: للهِ عَليَّ نَذرٌ، وَلَم يَنْوِ شيئاً كَفَّرَ، كَاليَمِينِ] هذا يسميه العلماء بالنذر المطلق، ويسميه آخرون بالنذر المبهم، فيقول: (لله علي نذر .. ولا يسمي شيئاً)، لا يسمي شيئاً، فهنا يلزمه أن يكفر كفارة يمين، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كفارة النذر إذا لم يسمَّى كفارة يمين" [رواه ابن ماجه والترمذي] لكنه ضعيفٌ بهذا اللفظ، والمحفوظ كفارة النذر كفارة يمين، لكن صح عن ابن عباس أنه قال: "من نذر نذراً لم يسمِّه فكفارته كفارة يمين" [رواه ابن أبي شيبة بسند حسن]، وعلى ذلك فالنذر المطلق فيه كفارة يمين.

معنى ذلك أن الناذر لا يمكن أن يخرج سالماً، إما أن يفي بما نذر أو كفارة يمين، وهذا يتفق مع قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "إنه لا يأتِ بخير"، نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتِ بخير وإنما يستخرج به من البخيل"، لا يأتِ بخير لأن الغالب على الناذرين الندم، ولذلك كثيراً ما تأتي الأسئلة؛ نذرت ثم ندمت! نذرت ولم أفي!، فينبغي ألا ينذر الإنسان، يعني يكفي المسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتِ بخير ولا يرد من قدر الله شيئاً وإنما يستخرج به من البخيل"، ما معنى "وإنما يستخرج به من البخيل"؟! من يوضح لنا معنى هذا الجزء من الحديث؟! نهى عن النذر وقال إنه لا يأتِ بخير؛ قلنا لا يأتِ بخير لأن الغالب أن الناذرين يندمون، ولا يرد من قدر الله شيئاً، لكن يستخرج به من البخيل! ما ما معنى هذه العبارة؟ يعني أن الإنسان الكريم بنفسه يأت بالاعمال الصالحة من غير إلزام، لكن الإنسان البخيل ما يأت بأعمال صالحة إلا بإلزام، بنذر، فكأنه يقول: إن لم أنذر لن آتِ بهذا العمل الصالح!، إن لم أنذر لن أصوم صوم تطوع!، إن لم أنذر لن أتصدق!، فهو لا يأتِ إلا من البخيل، يستخرج به من البخيل، لكن الإنسان الكريم ما يحتاج إلى نذر، يأتِ بهذه الأعمال الصالحة من الصيام من الصدقة، كل ما يمكن أن يرد في الذهن نذره يأتِ به من غير نذر، لأنه بطبعه كريم، هذا معنى الحديث، فإذاً النذر لا يمكن أن يخرج الإنسان منه سالماً، إما أن يفي بما نذر، وإما أن يكفر كفارة يمين، طيب؛ ذكرنا خمسة أقسام للنذر، نحب الآن أن نضبطها وأن نستذكرها مرة أخرى، فمن يعدها لنا؟!

  1. نذر الطاعة، ويسمى نذر التبرر، حكمه يجب الوفاء به، كأن يقول: (لله علي نذر إن شفى الله مريضي أن أتصدق بعشرة آلاف ريال)، فإذا شفى الله مريضه وجبت عليه الصدقة، يجب عليه الوفاء به، وورد الوعيد الشديد في حق من لم يفي به، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة: 77]، هذا نذر الطاعة.
  2. نذر المعصية، كأن ينذر ألا يكلم رحمه، ينذر قطع رحمه، بألا يكلمه وأن يهجره، أو أن يعق والده أو والدته، فهذا لا يجوز الوفاء به، لكن فيه كفارة يمين، يكفر كفارة يمين.
  3. نذر المباح، (لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب) أو نحو ذلك، حكمه يخير بين أن يفي به وبين أن يكفر كفارة يمين.
  4. نذر اللجاج والغضب، ما معنى نذر اللجاج والغضب؟ هو المعلق الذي يريد به صاحبه الحظ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، يكون معلق على شرط، (إن فعلت كذا فالله علي نذر ألا أكلمك) أو (أن لا أعطيك كذا)، (إن لم يكن هذا الخبر صحيحاً فالله علي نذر أن مثلاً أتصدق بكذا) هل هذا نذر طاعة أو نذر لجاج وغضب؟ نذر لجاج وغضب، لاحظ الفرق بين نذر الطاعة في هذه الصورة ونذر اللجاج والغضب دقيق، لأن هذا ما قصد أصلاً النذر! إنما قصد الحظ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، بينما نذر الطاعة القسم الأول لا، قصد النذر، فلاحظ دقة الفرق بين القسمين، فمثلاً قال: (إن لم يكن هذا الخبر صحيحاً فالله علي نذر أن أعشيكم الليلة مثلاً) هذا نذر؟! نذر لجاج وغضب، هذا ما حكمه؟ يخير بين الوفاء به وبين أن يكفِّر كفارة يمين، هذا القسم الرابع.
  5. النذر المطلق، يقول: (لله علي نذر) ويسكت، من غير أن يسمي شيئاً، فهذا فيه أيضاً كفارة يمين.

فتبين إذاً أن النذر بجميع أقسامه، لا يمكن أن الإنسان ينذر ويخرج سالم، لابد إما أن يفي بما نذر به، وإما أن يكفر كفار يمين، إلا نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، وفيه كفارة يمين، فاضبط هذه الأقسام الخمسة، إذا ضبطتها ضبطت أحكام النذر، إذا ضبطت هذه الأحكام الخمسة هي تعطيك أحكام النذر كاملة، فهي كتب الفقه ترجع في تفاصيل أحكام النذر إلى هذه الأقسام الخمسة، هذا هو القسم الخامس والأخير [أو قَالَ: للهِ عَليَّ نَذرٌ، وَلَم يَنْوِ شيئاً كَفَّرَ، كَاليَمِينِ].

 

بهذا نكون قد انتيهنا من باب النذر ونقف عند (باب الأَيْمَان)، وبهذا نكتفي بهذا القدر في شرح كتاب التسهيل، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *

الآن نجيب عما تيسر من الأسئلة، نبتدئ أولاً بالأسئلة المكتوبة:

كيف يُجمع بين كون النذر مكروهاً وكونه عبادة مع أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال؟

ابتداء النذر ليس عبادة، هو مكروه، لكنه إذا عقد النذر فوفاؤه عبادة، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان: 7]، فمدح الله الموفين بالنذر، ولذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النذر، كيف ينهى عنه ونقول أنه عبادة، فعقده ليس عبادة، لكنه إذا نذر فوفاؤه بالنذر حينئذ يكون عبادةً.

* * *

ما حكم لو نوى النذر بقلبه ولم يتلفظ به، هل عليه شيء؟

لا ينعقد النذر، إذا نذر بقلبه ولم يتلفظ لا ينعقد النذر، أشبه ما لو طلق في قلبه ولم يتلفظ هل يقع الطلاق! لا يقع، كل شيء في القلب لا يتلفظ به الإنسان لا يترتب عليه شيء، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم"، ولذلك أيضاً في المقابل قراءة الفاتحة في النفس من غير تحريك اللسان لا تصح معها الفاتحة، وبالتالي لا تصح الصلاة، هذه مسألة خطيرة، بعض الناس يقرأ في نفسه من غير أن يتلفظ بلسانه، هذا لا تصح صلاته، وتجد بعض الناس في المساجد تجدهم يمسك المصحف وما يحرك لسانه، يطالع، هل هذه قراءة! ليست هذه قراءة قرآن، هذا مجرد تأمل، فهنا نقول لا يعتبر قراءة إلا إذا حرك لسانه، ولذلك قال -عز وجل-: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]، مايلفظ؛ إذاً لابد من التلفظ باللسان، طيب؛ في تلاوة القرآن قلنا لابد من التلفظ، لكن هل الأفضل أن يصحب ذلك صوت أو يقرأ قراءة صامتة!، يعني هذا الآن بدأت تنتشر في بعض المساجد، أن بعض الناس يدخل المسجد ويفتح المصحف ويقرأ، هو يتلفظ بلسانه لكن من غير صوت، وهذا الآن بدأ ينتشر في كثير من المساجد، كلاهما قراءة، هذه قراءة وهذه قراءة وهو مأجور عليها، "من قرأ حرفاً فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها"، لكن أيهما أفضل؟ الأفضل أن يصحبه صوت، لأجل أن يرتل، والله -تعالى- يقول: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4]، كيف يرتل وهو يقرأ قراءة صامتة!، ثم أيضاً الملائكة قد تستمع لتلاوته، كما حصل مع أسيد بن حضير وغيره، الملائكة قد تستمع للتلاوة، والله -تعالى- يقول: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ [يونس: 61]، فالأفضل أن يصحب التلاوة صوت، لكن إذا كان بجواره من يتأذى برفع الصوت لا يرفع صوته، يخفض صوته ولا يؤذي من حوله، أما أن تكون قرائته دائماً صامتة بدون صوت، فهذا تفوته كثير من السنن ومنها ترتيل التلاوة.

 

* * *