الخثلان
الخثلان
وقفات مع سورة ق
21 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 303

وقفات مع سورة ق

 

الخطبة الأولى

الحمد لله المتوحد بالعظمة والجلال، المتفرد بالبقاء والكمال، أحمده سبحانه وأشكره على جزيل الإنعام والإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المنقذ بإذن ربه من الضلال، والداعي إلى كريم السجايا وشريف الخصال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أهله وصحبه، خير صحب وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[آل عمران:102]. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2،3]. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا[الطلاق: 4]. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا[الطلاق: 5].

عباد الله؛ وقفات تدبر واتعاظ واعتبار مع سورة من أعظم سور القرآن موعظة، وأوجزها بيانًا وبلاغا، سورة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يخطب بها في خطبة الجمعة، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان -رضي الله عنها- قالت: (ما أخذت سورة ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس) [رواه مسلم]. هذه السورة اشتملت على ابتداء الخلق، والبعث والنشور، والمعاد والحساب، والترغيب والترهيب، والجنة والنار، هذه السورة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يعظ الناس ويذكرهم بها، بدأت بقضية من أعظم القضايا، وأكبرها في حياة الأمم، بدأت بقضية التكذيب بالبعث والنشور، حين ينكر أولئك المكذبون من الكفار؛ ينكرون إعادة الخلق، ويستبعدون يوم الحساب، وقد خُلقوا أول مرة من العدم، يقول -عز وجل-: ﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ [ق: 1-11] . فجاءت هذه السورة العظيمة لتقرر هذه القضية الكبرى، التي جادلت فيها الأمم رسلها كثيرًا، وتعجبوا منها وأنكروها وكفروا بها، وقد واجهت هذه السورة قلوب المشركين المنحرفة، لتردها إلى الحق، وتوقفها على الحقائق الكبيرة في هذا الوجود، لكي تتفكر وتتدبر في هذا الكون العظيم من حولها، بسمائه وأرضه، وفجاجه العظيمة، وسبله الواسعة، وتقرر لهم أن الخلق يموتون، فيصيرون ترابًا تذروه الرياح، ثم يبعثون وليس بعثهم من بعد موتهم بأعجب ولا أصعب من إيجادهم من العدم، وما في هذا الكون من ثبات واستقرار، وبديع صنع وإيجاد، وزينة وجمال وبهجة، تبصرة تكشف الحجب، وتنير البصائر، وتفتح القلوب، ثم تعرض هذه السورة؛ تعرض إلى مشهد آخر، قريب من المشهد السابق، فتنطق بمآل المكذبين الذين جادلوا وماروا في هذه القضية، كما كان يماري المشركون النبي -صلى الله عليه وسلم-، فحق عليهم الوعيد وأخذهم العذاب؛ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ[ق: 12،13،14]. وهذه الآيات لم تأتي لتفصيل أمر هذه الأمم الماضية، وإنما تلفت النظر إلى مصيرهم حين كذبوا الرسل وأنكروا البعث والجزاء، ثم تعود هذه السورة لتعالج القضية الكبرى؛ قضية البعث من جديد، في مشهد عظيم يذكر الإنسان بخلق الله -تعالى- له من التراب، وإيجاده من العدم، ورقابته له، وقربه منه، وعلمه به وبأحواله، وسكناته ووساوسه، وخلجات ضميره، فضلاً عن الظاهر المبين من أحواله وتصرفاته، فيقول -عز وجل-: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:15،16،17،18]. فالله -عز وجل- خلق الإنسان وأوكل بكل إنسان ملكين، يكتبان ويحصيان عليه أقواله وأعماله؛ ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا[الكهف: 49]. يلقاه يوم القيامة منشورا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا[الإسراء: 14]. وتأمل قول الله -عز وجل- عن الملك الموكل بكتابة أعمال وأقوال ابن آدم: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[ق: 18]، فوصفه الله -تعالى-؛ وصف الله هذا الملك بوصفين:

الوصف الأول: رقيب، أن يراقب ما يتكلم به الإنسان ويفعله.

الوصف الثاني: عتيد، أي معد ومسخر لذلك.

سبحان الله!، لو أوكل بواحد منا، واحد من البشر، وفُرِّغ تفريغاً كاملاً لأجل أن يلازم هذا الإنسان، وأن يسجل جميع حركاته وأقواله وأفعاله، فما ظنك بهذا الإنسان المراقب، وما ظنك باحترازه من أن يتكلم بكلام غير مناسب، أو يتصرف بتصرفات غير مناسبة، فكيف وقد وكَّل الله -عز وجل- بكل إنسان هذين الملكين، الذين ليس لهما عمل سوى أن يكتبا جميع أقوال وأعمال ابن آدام، ﴿ رَقِيبٌ عَتِيدٌ كل منهما معد ومتفرغ لمراقبة ما تتكلم به وما تعمله، فيكتبه، ثم تحاسب عليه يوم القيامة، وهذه القضية إذا استحضر الإنسان أنه أُوكل به ملكان يكتبان عليه كل شيء، فإن هذا كفيل بأن يجعل الإنسان متيقظاً حذراً من أن يتكلم بكلام يكتب عليه، ويحاسب عليه يوم القيامة، أو أن يتصرف بتصرفات تكتب عليه ويحاسب عليها يوم القيامة، فهذه القضية ينبغي ألا تغيب عن ذهن الإنسان، وأن يكون دوماً مستحضرًا لها.

ويأتي المشهد الرابع من هذه السورة العظيمة، ليفصل في موضوع الموت وأهواله وسكراته وشدائده، إلى وهلة الحشر وهول الحساب، فيقول -عز وجل-: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ *۞ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ[ق: 19-29]. إن لحظة الموت هي أشد ما يحاول الإنسان أن يروغ منها، ويحيد عنها، ﴿ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ. فالموت أعظم فاضح لهذه الدنيا، ومنغص لنعيمها، ومكدر لصفوها، وهو حق لا مفر منه ولا مهرب، الموت طالب لا يمل الطلب، ولا يبطئ الخطى، ولا يخلف الميعاد، وعند سكرة الموت يرى الإنسان الحق كاملاً بلا حجاب، ويرى هذه الدنيا على حقيقتها، يرى أنها لا تستسحق من الإنسان كل هذا العناء، وكل هذا النصب، وكل هذا الشقاق، وكل هذا التقاطع، وكل هذا التناحر، من أجل حطامها الفاني!، وعند سكرات الموت ينكمش عمر الإنسان الذي عاشه في هذه الدنيا، ينكمش إلى لحظات، لا يتمنى في ذلك الوقت شيئاً من أمور الدنيا، وإنما يتمنى لو أنه اغتنم ذلك العمر القصير في طاعة الله -عز وجل-، ويتمنى أن لو أُخِّر لكي يعمل صالحاً، ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ[المؤمنون: 99،100]. ومن بعد الموت أشد وأقسى حين ينفخ في الصور ليوم الوعيد، وتأتي كل نفس تقاد إلى الحساب الموعود على رؤوس الأشهاد، ومعها سائق يسوقها، وشاهد يشهد عليها بما عملت في الدنيا، ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ. في موقف عصيب كان الإنسان في غفلة عنه، فكشف عنه الغطاء لينظر إليه ببصر حديد، لا يحجبه حجاب، ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ. قوي لا يحجبه حجاب، هذا هو الموعد الذي غفلت عنه، هذا هو الموقف الذي لم تحسب حسابه، هذه هي النهاية التي لم تتوقع أن تكون هكذا، فالآن فانظر فبصرك اليوم حديد، فيتقدم قرينه الذي كان يكتب ما يلفظه من قول وفعل، ليشهد عليه شهادةً عظيمة، فيقول: ﴿هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. فهذه هي أقواله وأفعاله، يا ربي هذا ما لدي عتيد، فيحكم الرب الجبار -جل جلاله- على هذا المناع العنيد، المعتد المريب، ويأمر ملائكته بإلقائه في العذاب الشديد، ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. ويأمر الله ملائكته بإلقائه في العذاب الشديد في جهنم، وهو يجادل ويدافع عن نفسه، وأن الشيطان هو الذي أغواه، وألهاه عن الإستعداد ليوم الوعيد، ولكن هذا الشيطان يتبرأ منه، ويصفه بالضلال المبين، ﴿قَالَ قَرِينُهُأي: شيطانه القرين ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [ق: 27]. فالشيطان يتبرأ من الإنسان يوم القيامة، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[ابراهيم: 22]. فيجيء الفصل المبين من الرب -عز وجل- لينهي مشهد الخصام، ويقرر الحساب الرهيب، فالمقام ليس مقام اختصام، فقد سبق الوعيد، وتوالت النذر، وثبت العمل، ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ[ق: 29،28].

وفي مشهد من أعظم مشاهد يوم القيامة في هذه السورة وأشدها، يعرض الله -تعالى- فيه من أهوال النار، وشدتها على العصاة، وتحرقها وهي تتلهف وتسعى في غلظة إلى المزيد، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ[ق: 30]. أخرج البخاري في صحيحه عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يلقى في النار وتقول هل من مزيد، حتى يضع الرب -عز وجل- قدمه فيها فتقول: قط قط -أي: حسبي حسبي-". وفي المقابل مشهد عظيم من مشاهد تكريم الله لعباده المتقين، وما أعد لهم من النعيم المقيم، والتكريم العظيم على رؤوس الأشهاد، في جنة النعيم، ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ[ق: 31-35].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالرحمة والهدى، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن بنهجهم اهتدى.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله؛ وفي عطف بياني بليغ يعود في آخر السورة على تأكيد جميع ما سبق من المشاهد والقضايا، من البعث والخلق ومصير الخلائق الماضية، والقرون السالفة، وبعض أهوال يوم القيامة، ليذكِّر هؤلاء المشركين بما أهلكه من قلبهم من القرون، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 36،37]. ثم يقرر سبحانه حقيقةً كبرى، وهي أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما من خلق هائل، بكل يسر وسهولة، وما مسه من تعب وإعياء، فكيف بإحياء الموتى وهو بالقياس إلى خلق السماوات والأرض أمر هين صغير، وكانت اليهود تقول: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح يوم السبت؛ اليوم السابع، فأنزل الله تكذيبهم فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق: 38]. أي: من تعب ولا نصب ولا إعياء، ويأتي التوجيه الإلهي للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالصبر على أذى المشركين، واللجوء إلى الله -عز وجل- بالصلاة وبالتسبيح والأذكار، ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق: 39]. ثم تختتم هذه السورة بالحديث عن جملة من مشاهد البعث والنشور، حين تشقق الأرض عمن فيها من الخلائق التي غبرت في تاريخ الحياة كلها إلى نهايتها، قبورٌ لا تحصى، تعاقب فيها من الموتى ما لا يعلمه إلا الله، كلها تتشقق في لحظة واحدة، في مشهد عجيب لا يقدر عليه إلا الله، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق: 39]. قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: (ذلك أن الله -عز وجل- ينزل مطرًا من السماء، تنبت به أجساد الخلائق من قبورها كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله اسرافيل فينفخ في الصور، وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور، فإذا نفخ اسرافيل فيه خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الرب -عز وجل-: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت فيه، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ، وتنشق الأرض عنهم، فيقومون إلى موقف الحساب سراعا، مبادرين إلى أمر الله -عز وجل-، ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر: 8]). وفي خضم الحديث عن هذه المشاهد العظام من أهوال يوم القيامة والجزاء، يأتي التوجيه للنبي -صلى الله عليه وسلم- تجاه جدل المشركين وتكذيبهم على أنه ليس عليه إلا الذكر والبلاغ، ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 45]. والقرآن العظيم يهز القلوب المؤمنة ومن يخاف وعيد الله -عز وجل-، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21].

 

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 65]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضى اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يارب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، ووفقه ونائبه لما فيه صلاح البلاد والعباد، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان والإستقرار والرخاء ورغد العيش، واجعلها عوناً لنا على طاعتك ومرضاتك، واجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين.

اللهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين ءامنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45].

* * *